أفلتت الحقيبة من بين أصابعها، ساقطة على الأرض، فاستقرت بجوار قدميها. شعرت بأن قدميها أصبحتا كالهلام. لم يكن سريان تلك الدماء الحارة بشرايينها كافياً لوصف ما شعرت به بعدما سمعت قوله وتصريحه. هل أذنيها خدعتها وألتقطت حروفاً خاطئة لتفسرها هي على أهوائها المغرمة؟ أم أنه حقاً أدلى باعترافه تواً بأنه يريدها زوجة، يقترن اسمها باسمه؟ فلن تكون مجهولة الهوية، بل سيكون هو هويتها، أصلها وموطنها.
ولكن، مهلاً. فالأمر ليس هيناً كما رغب قلبها. فكثير من الأمور يجب أخذها بعين الاعتبار. فمثلاً، لماذا تقدم بعرضه للزواج منها بهذا الوقت تحديداً؟ هل نابع من شعوره بالشفقة؟ هل يريد حمايتها كطفلة ضلت طريق العودة لمنزلها؟ أم ما هو السبب الحقيقي لتفوهه بهاتين الكلمتين اللتين أصابت حواسها بشعورين متغايرين؟
منهما السعيد المختص بقلبها، والضيق المتصل بعقلها. فهي لا تريد منه شفقة ولا إحساناً. فإن كان الأمر كذلك، فهي لن ترتضي بأن تصبح له زوجة. فما أقسى ذلك الشعور. أشاحت بوجهها عن مرمى بصره، لعله لا يرى إلتماع الدموع بعينيها، وهى تقول: "وعايز تتجوزني ليه؟ علشان صعبت عليك إن مبقاش ليا أهل ولا علشان إيه؟ أكيد طبعاً عمري ما أقبل أتجوز شفقة."
دموعها الخائنة التي فرت من عينيها، أسرعت هي بمسحها. فليته لم يأت الآن، وكانت رحلت هي بهدوء. ولكن أن ترحل الآن ويرافقها عرضه لهو بالأمر المميت. فستظل تجلد ذاتها بمنطق القلب والعقل. فقلبها لن يرحم كونها أنها أضاعت فرصة كتلك لتشبع هياماً من فيض الغرام. والعقل سيصفها بالسخافة والحماقة لأنها وافقت وتصبح أسيرة امتنانه. فإن كان ما حدث لها مؤخراً أمات كل شعور بداخلها، إلا أنها لم تستطع نسيان كبريائها كفتاة نشأت على معاملة الجميع لها. بأنها فتاة تستحق الأفضل، بدون الحاجة لها بالشعور بالامتنان أو الضعف من جانبها.
قبل أن تعاود حديثها مرة ثانية، قطع عليها الحديث وهو يقول بثقة وهدوء: "وليه متقوليش أن عايزك تتجوزيني علشان أنا بحبك يا حياء." أصمت عليها الحيران، بل أصبح ثقيلاً، كمن حمل فوق رأسه حجراً يكاد يسحق عظامها. فهل اليوم هو يوم المفاجآت من جانبه؟ فبدأ الأمر بإخبارها برغبته في الزواج منها، متمماً الأمر بإخبارها بأنه يحبها.
رفعت يدها تتحسس جبينها، فلعلها أصيبت بحمى مفاجئة جعلتها تتوهم الأمر برمته، أم أنها تلقت ضربة على رأسها أثناء عقابها من عاصم أدت لفقدانها شيئاً من عقلها جعلتها ترى وتسمع أشياء ليس لها وجود. فنفضت رأسها تقول بنبرة مذهولة: "هو اللي أنا سمعته ده بجد ولا أنا اللي بقيت أتخيل كتير الفترة دي؟ شقت ابتسامة شفتيه وهو يراها هكذا. فهو لم يظن أن اعترافه سيجعلها تفعل ذلك، ولكنه أراد لها المزيد. فتلك المرة اكتسب صوته دفئاً جعله
يشدو بتلك الكلمة ثانية: "أنا بحبك يا حياء. بحبك. مسمعتنيش؟ فغرت فاها لتهم بالرد عليه، فوجدت سجود تقترب منها، ووقفت بالمنتصف بينهما. فأول ما استرعى انتباه الصغيرة هي تلك الحقيبة بجوار قدم حياء. فتمعنت النظر بها، ورفعت رأسها الصغير وهي تقول بصوت مرتجف: "مامي أنتي راحة فين؟ أنتي هتسافري تاني وتسبيني؟ استدارت لأبيها وشدت كف يده العريض وهي تقول بتوسل ودموع بدأت تتساقط من زرقاويتيها، فناشدته بصوتها الطفولي العذب:
"بابي قول لي لمامي متسافرش تاني وتسيبني. يا بابي سجود هتعيط وتزعل ومش هتاكل تاني."
انحنى راسل إليها، وجلس القرفصاء أمامها. فمسد بيده على ذراعيها صعوداً وهبوطاً. فحقاً هو عاجز الآن على أن يعطيها جواباً يرضيها. فمن بيدها القرار هي حياء ولا أحد غيرها. وهو لا يستطيع أن يجعلها تقبل به مرغمة. فهي تريده راضية، وأن تأخذ وتعطي وتملأ قلبه حباً. فهو لا يريد علاقة من طرف واحد مرة أخرى. فبالسابق أتقنت صوفيا خداعه بالحب، واتضح الأمر أنه هو من تعلق بحبائل الهوى البالية.
رأته حياء يرفع رأسه عن وجه ابنته وينظر إليها. رأت بعينيه الحيرة، ولكن كأن لسانه عاجز عن التعبير. فهي لن تستطيع إنكار ذلك الشعور المفعم بالحب الذي انتشر بحواسها بعد سماعه يخبر إياها صريحة أنه يريدها زوجة من أجل حبه لها. أخرجها من شرودها وتفكيرها صوت بكاء الصغيرة المكتوم بكتف أبيها، بعدما يأست من الحصول منه على جواب لرجائها له.
فوجدت نفسها تجلس القرفصاء هي أيضاً، وربتت على ظهر سجود وسحبتها من بين ذراعي راسل. فدفنت الصغيرة وجهها بين كتفها وعنقها. فغمغمت بصوتها الباكي: "مامي خديني معاكي. عايزة أروح معاكي." مسحت حياء على رأسها حتى وصلت لنهاية طرف خصيلاتها الحريرية. فوضعت قبلة على وجنة الصغيرة وهي تقول: "أنا معاكي أهو يا حبيبتي ومتخافيش. ماما مش هتمشي هتفضل معاكي على طول، بس بطلي عياط يا سجود." توهج وجه الصغيرة، فأبعدت وجهها ونظرت لها بابتسامة
من بين دموعها وقالت: "بجد يا مامى مش هتسافري وتسبيني تاني؟ وعد؟ "وعد يا سجود مش هسيبك أبداً." قالتها حياء بثقة وإصرار. فألقت عليه لمحة خاطفة، لعلها ترى تأثير حديثها لديه. فلم يخيب رجاء عينيها بأن تعود وتخفضها ولا تحصل على إجابة منه. فداعب شعر صغيرته وهو يقول: "مامى هتقعد معاكي يا سجود. بس لازم نعمل لها حفلة بمناسبة أنها جت البيت. إيه رأيك نشتري لها فستان فرح ونعمل الحفلة كمان أسبوع؟ قفزت الصغيرة مكانها وصفقت
بيدها وهي تصيح بسعادة: "أيوة يا بابي! وسجود عايزة فستان." "إيه رأيك يا مامى في اللي قولته؟ قالها راسل وعيناه تلمعان ببريق هادئ. فألتهب خديها من فرط خجلها. فحديثه المبطن أخبرها صراحة أنه يريد أن يقيم لها حفل زفاف خلال أسبوع واحد فقط. ف عوضاً عن أن تطالبه بمزيد من الوقت، وجدت لسانها ينطق بالموافقة وهي تطرق برأسها أرضاً. فانخطفت أنفاسها وهي تقول بخفوت: "مامى معندهاش مانع."
بلمح البصر كانت حياء تحمل سجود وتلوذ بالفرار في الغرفة، بعدما أغلقت الباب وهو مازال جالساً القرفصاء. عض راسل طرف شفته السفلى ليكتم صوت ضحكته على فعلتها. فاستقام بوقفته وعدل هندامه. فطرق الباب طرقتين خفيفتين وقال بصوت هادئ ولكن حرص على أن يصل لمسامعها بالداخل: "أنا بس كنت عايز أقولك بكرة تخرجي تشتري الفستان أنتي وسجود وهبعت معاكي ولاء كمان. فسلام علشان راجع المستشفى تاني."
اقتربت حياء من الباب، وألصقت أذنها به، لتستمع لصوت خطواته وهو يهبط الدرج. فبعد أن تيقنت من رحيله، استندت على الباب، وضمت كفيها ووضعتهما موضع قلبها، وتنهيدات حارة كادت تمزق رئتيها خرجت من جوفها. كلما تذكرت تصريحه لها. فإن كان هذا حلماً، فهي تدعو الله أن لا تستيقظ أبداً.
خرجت من حالة الهيام التي طغت عليها، وهي ترى سجود تقفز على الفراش وتصفق بيدها. خشيت أن تسقط، فأقتربت منها تنهرها بلطف عن فعل ذلك. فهي لا تريد أن يصيبها سوء أو مكروه. فكم صارت تعشقها كعشقها لأبيها. ولما لا، وتلك الصغيرة بالنهاية ما هي إلا بضعة منه وتحمل دماءه.
تدندن بصوتها العذب، ويداها تعمل على إعادة تنظيم قنينات العطور. فإسعاد لم تمنع دهشتها من رؤية مزاج ابنتها الرائق بالأونة الأخيرة. فهي دائماً ما كانت تراها عابسة الملامح وحادة المزاج. ولكن منذ أن أخبرتها بما حدث بينها وبين رياض النعماني، وذلك الوعد الذي أعطاها إياه، وهي كأنها ولاء أخرى غير ابنتها التي تعلمها عن ظهر قلب. ولكن بالأمر شيء مبهم. فربما حالتها تلك عائدة لحدوث شيء آخر لم تخبرها به. فوضعت إسعاد وجنتها تستند بها على كف يدها وهي جالسة خلف مكتبها الصغير، تتابع ما تفعله ولاء بابتسامة هادئة.
ولكن وقع أقدام قادمة جعلتها تنظر نحو باب المتجر. فلمحت قدوم شاب، ربما جاء من أجل شراء العطور. فأستقامت بوقفتها وهي تقول بابتسامتها المعهودة لزبائن المتجر: "أهلاً بيك حضرتك. عايز نوع برفيوم معين؟
ارتبكت ولاء بعد سماعها الصوت. فكادت تسقط القنينات من يدها بعد سماع صوت معتصم. فأمهلت ذاتها ثواني معدودة قبل أن تستدير وتتحقق ظنونها من أن القادم ماهو إلا ذلك الشاب الذي قابلته بالمصرف ولم تستطع نسيانه كباقي العملاء الذين تقابلهم يومياً بعمله. بعد أن انتهت من تلك المهلة اللحظية التي منحتها لذاتها، استدارت بكامل جسدها. فصدق ظنها، فها هو يقف أمام والدتها. ولكن عيناه منصبة على وجهها الممتقع بخجل من رؤيته.
أعادت إسعاد سؤالها ثانية عن أي نوع يفضله، ولكنه لم يعطيها جواباً. فضيقت عينيها مما يحدث أمامها. فالشاب ينظر لابنتها شارداً، وهي تخفض وجهها تحاول أن تلهي عيناها عن النظر إليه. فرفعت إسعاد يدها وفرقعت بأصابعها أمام وجهه وهي تقول: "يا أستاذ يا أستاذ. بسألك إيه النوع اللي حضرتك عايزه؟ "كيلوباترا." قالها معتصم بتيه. فعبست إسعاد حاجبيها وهي تقول بعدم فهم: "كيلوباترا!
مفيش برفيوم رجالي اسمه كيلوباترا يا أستاذ. أنت إيه حكايتك بالظبط؟ تلك هي المرة الأولى التي لا ترى ولاء ثائرة بوجه رجل أتى للمتجر من أجل مضايقتهما. فهي هادئة تماماً ولا تسمع لها صيحة محتجة أو لفظاً قاسياً ترميه بوجهه. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فها هو فؤاد يقتحم المتجر بهمجية. فملامح الهدوء التي اكتسبها وجهها بالأونة الأخيرة صارت ملامح متجهمة ومكفهرة من الغضب، خاصة بعد استماعها لصياحه المزعج.
حط فؤاد بيده على سطح المكتب بقوة وهو يقول: "بقى أنتي تعملي فيا أنا كده يا ولاء؟ راحة تشتكيني عشان تبوظي الجوازة؟ فاكرة إني هسكت لك؟ تبقي غلطانة." انتفخت أوداج ولاء وصرخت بوجهه باشمئزاز: "أنت إيه اللي جابك هنا؟ اتفضل أخرج برا ومش عايزة أشوف وشك تاني. برا! طار صوابه، فأقترب منها رغبة منه بصفعها. فحال معتصم بينه وبين الوصول إليها. فرفع معتصم يديه ودفعه بصدره بهدوء وهو يقول: "اهدأ يا أستاذ. مينفعش كده."
ما رغب بأن تناله ولاء من غضبه، ربما سيناله هذا الشاب عوضاً عنها. فرفع يده رغبة بلكم معتصم، ولكن استطاع أن يتفاداها بمهارة، بل أنه قبض على كفه يكاد يعصره بين أصابعه. لم تنكر ولاء تعجبها من تلك القوة التي يملكها معتصم، على الرغم من الفرق الواضح بين بنيتهما الجسدية. ففؤاد بجسد عريض يمتاز عن جسد معتصم المائل للنحول قليلاً. فتبسمت رغماً عنها. وهمست بسخرية وهي تقول:
"داخل علينا تجعر وعامل فيها عنتر وهو بس مسك ايدك كان هيكسرها. دا أنت طلعت توتو بقى على كده." حاول فؤاد إعادة الكرة بيده الثانية، فنال ما ناله بالمرة الأولى. فكلما نظر إليها ووجدها تبتسم بشماتة، يحاول جاهداً التغلب على غريمه الذي لا يعلم من يكون هو بالأساس. فشلت إسعاد بفض الاشتباك بينهما. فلم تجد سوى أن تصرخ بهما لعلهما يكفان عما يفعلان: "بااااااااس. اسكتوا. هتكسرولي المحل. اتفضلوا اتخانقوا برا. هنا محل أكل عيش."
خلت إسعاد عن هدوئها وراحت تدفع فؤاد بيدها وهي تصيح بوجهه: "أبعد عن بنتي. أنت فاهم؟ يلا أمشي من هنا. يلا! صدره الصاعد بغضب والهابط بنقم عليهما، جعله يصل لأقصى درجات الاستياء. فجز على أسنانه قائلاً بوعيد: "أما خليتك تبكي عليها بدل الدموع دم مبقاش أنا فؤاد سالم. بس صبركم عليا." "تهديدك ده تبله وتشرب مايته. بس اشربها على الريق عشان صحتك." قالتها ولاء فجأة، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بوضع الظافرة كعادتها دائماً.
جر فؤاد خلفه أذيال الخيبة والضيق كعادته بعد انتهاء مشاجرة بينهما. بينما معتصم تأكله الفضول لمعرفة من يكون صلة هذا الرجل بها. فبدون أن يحاول قمع فضوله، وجد لسانه يسبقه بسؤالها عن حقيقة الأمر: "هو مين ده وعايز منك إيه؟ وليه بيعمل عمايله دي؟ عايز أعرف." "أفندم؟ وحضرتك بتسأل ليه؟ قالتها ولاء وهي ترفع شفتها العليا بغرابة من سؤاله. فما الذي يخوله أن يسألها عن أي شيء يخصها؟
فإن تقابلا مرة من قبل، فهذا لا يعطيه الحق بالتدخل بشؤونها. ولكن جاءتها إجابته قاضية على كل ذرة هدوء كانت تظن أنها تملكها. إذا قال فجأة: "بسأل عشان عايز أعرف مين ده. ماهو مش معقول أحب بنت وتكون هي بتحب حد تاني أو مخطوبة أو قربت تتجوز. عشان كده بسأل عشان أبقى عارف من أولها. ولو أنتي مفيش حد في حياتك أنا حابب إني أرتبط بيكي حالا لو تقبلي."
تجمدت أطرافها وليست هي وحسب، بل والدتها نالت نصيبها هي الأخرى. فأتصلت أعينهما ببعضها، لعل إحداهما تفهم الأخرى ماذا يجري هنا؟ رفرفت أهدابها عدة مرات قبل أن تقول بغرابة: "أنت بتقول إيه حضرتك؟ هي مين دي اللي بتحبها؟ "أنتي يا ولاء. فقولي لي في حد في حياتك؟
قالها معتصم ببساطة، يتحرق للحصول على جواب منها. فهو يخشى أن تصيبه الخيبة بحبه الذي عثر عليه بعد البحث عنها كثيراً. فربما هو مطمئن قليلاً من أنها لا تكن أي مودة لذلك الرجل الذي ارتحل منذ دقائق. فهو رأى كيف كانت مستاءة من وجوده، بل قامت بطرده أيضاً. فربما السبيل إليها ممهد أمامه. فلو أخبرته صراحة بأن ليس لديها ما يمنعها من قبوله كزوج، سيرحل ويعود برفقة شقيقه وغزل ويأتي لخطبتها والزواج منها. فلتقلها فقط، وهو لن يدخر جهداً بأن يظفر بها.
هزت رأسها نفياً وهي غير قادرة على أن تعطيه جواباً بلسانها. فما تلك الحرارة التي تشعر بها الآن؟ هل هي عائدة لدفء طقس اليوم، أم لم تكن سوى نتاج شعورها بالخجل الذي ملك عليها لسانها وأطرافها كافة؟
ملأ البشر وجه معتصم بعدما رأى فعلتها الصامتة. فخرج من المتجر بعد إعطائها وعداً بالمجيء ثانية لأخذ موعد ليأتي برفقة أسرته من أجل مقابلة والدها. فبعد رحيله، جلست مكانها على الأرض وهي تتذكر حال أبيها. فربما لو علم معتصم بمن يكون والدها وسلوكه السيء، سينهي هو الأمر قبل أن يبدأ. فأعتلت قسمات وجهها العبوس والخيبة، لتفر دموعها بحزن من تذكرها أن فرصتها الذهبية ربما ستفلت من بين يديها. فهل من الممكن أن تجعل أمر والدها سراً عنه ولا تبوح له بحقيقته لتغتنم تلك الفرصة، أم تخبره بالأمر وتهيئ ذاتها لتلقي الخيبة والحسرة من ضياع أول شعور لها بتلك المشاعر التي كانت محرمة على قلبها؟
لم يكن العثور عليها ثانية بالشئ الصعب بالنسبة له. بل كان أكثر سهولة ويسر عن ذي قبل. فكان جالساً بالمقعد الخلفي لسيارته الفارهة، ومرفقه مستنداً به على النافذة. فلم ينس قضم أظافره بخضم توتره وقلقه من مقابلته لها. فمن يراه الآن لا يصدق أنه هو بذاته ذلك الرجل الذي إذا ذكر اسمه مقترناً بلقب عائلته أو اسم عمه، يرى نظرات الخوف والرهبة والاحترام بعيون المحيطين به. ولكنه الآن عاجز عن الخروج من السيارة ومواجهتها. ولكن ذلك الاشتياق الذي فتت قلبه كان هو الغالب على رجاحة عقله.
"خلاص أنا هنزل أشوفها ويحصل اللي يحصل." فتح باب السيارة وترجل منها، وذراعه معلقة بعنقه حتى يتم التئامها بصورة نهائية. التهمت رئتيه كالوحش الجائع كل ما أرسله لها من نسمات وأنفاس يحاول بها بث الهدوء بنفسه الملتاعة لرؤية وجه محبوبته.
ولج للفندق واستطاع الوصول لتلك الغرفة التي تتخذها مكتباً خاصاً لها. ترافقه شابة جميلة تعمل بالفندق. فبعد الطرقات المهذبة منها، وولجها غرفة غزل، تخبرها بمجيء زائر لها. فأذنت لها غزل بأن تمنحه موافقتها على مقابلته. فخرجت الفتاة وأشارت بيدها وهي تومئ برأسها احتراماً. فبعد أن خط بقدمه للداخل، سحبت هي الباب وأغلقته.
وضعت غزل الأوراق من يدها لترى من جاء. فهي ظنت أن القادم ربما يكون فواز، فهو صار يتبعها بكل مكان. فقبل أن تقول شيئاً، ماتت بمهدها تلك البسمة على شفتيها. بل نضبت الدماء من عروقها وأجتاحتها برودة مفاجئة. فأرتعشت يداها لا إرادياً وسقط القلم من بين أصابعها يحدث صوتاً على الأرض. فانحبست أنفاسها بعد قولها: "عاصم! هو أنت؟
لا يعلم أي منهما كم مر من الوقت وهما يحدقان ببعضهما البعض. ثوانٍ ثقال مرت كأنها دهور. فعينيه ترمقها بلوعة المشتاق. فها هي فتاه أو صغيرته كما اعتاد أن يناديها. تلك الجميلة التي كانت بصغرها تركض إليه من أجل الحلوى التي اعتاد أن يبتاعها من أجلها. فهي لم تكن تفرق عن قطعة الحلوى. فهي جميلة شهية تشتاق النفس بالحصول عليها. جاءها الرد بصوت هادئ: "أيوة عاصم يا غزل. معقولة قدرتي تبعدي السنين دي كلها؟
وقبل ما تختفي طاوعك قلبك أنك تسبيني؟ "دا أنا مشوفتش في بجاحتك والله يا عاصم. وكمان جاي تعاتبني على اللي حصل." قالت غزل عبارتها بوحشية. فهو ليس لديه الحق بالحديث. فهي فقط التي يجب أن تتحدث وأن تحمل بيدها سوط الانتقام لتجلد كبرياءه وقلبه لتنزع أنفاسه واحداً تلو الآخر. أن تجعله يستجديها بأن تمن عليه بالرحمة، ولن تجعله ينالها.
توهجت عيناها ببريق متوحش، قابله هو بلمحة مضيئة من سعادته بلقائها، حتى وإن كانت تمقته ولا تريد رؤيته. "وحشتيني أوي يا غزل." قالها عاصم بصوت متهدج. فعاثت رياح الخزي فساداً بأوصالها. فمازال يملك تلك القدرة العجيبة لجعلها تشعر بالارتباك. فحتى ملامحه كأنه مازال شاباً. فهي تعلم كم أغوت تلك الوسامة قلوب فتيات كثيرة. فتلك كانت آفته بالماضي، ولا تعلم هل استطاع التخلص منها أم مازال مثلما كان بالسابقة.
عادت لرشدها وهي تعقد ذراعيها بتبرم. فحاولت أن تحد من تدفق تلك الأفكار برأسها فصرخت بوجهه بحدة: "امشي يا عاصم من هنا، وإلا اللي مقدرتش أعمله زمان هعمله دلوقتي." عاصم على قولها وهو يقول: "هتعملي إيه أكتر من هجر ٢٢ سنة وأنا عمال أدور عليكي؟ قهقهت غزل بدون مرح فقالت بسخرية: "قلبك كبير يا عاصم والله. وكنت بتدور عليا ليه؟ عشان تقتلني أنا كمان؟ ولا كنت عايز إيه؟ عقد عاصم حاجبيه ونظر إليها عن عمد وقال: "أنا أقتلك يا غزل؟
دا أنا كنت بخاف الهوا يمس طرفك وأنا مش موجود معاكي." دارت حول مكتبها وتلبستها الشياطين. فلم تأبه لما تفعله وراحت تدفعه بصدره بقوة وهي تصيح بوجهه: "أنت كذاب وخاين وقتال قتلة كمان. أنت وعمك دمرتوني ودمرتوا حياتي. عايز مني إيه تاني؟ تشوف كسرتي؟ بس اطمن غزل دلوقتي غير غزل بتاعة زمان وهتدفع الكل التمن غالي." رأى أن يبتعد عن مرمى يدها، لعلها تكف عن فعلتها التي جعلته يشعر بالألم بذراعه بجانب الألم الذي يشعر به بقلبه.
فرفع يده وأشار لها بإلتزام الهدوء وهو يقول: "غزل اهدئي شوية. أنتي... كف عن الحديث بعد سماع صوت طرقات على الباب. فخشيت غزل أن يكون القادم عمران، فهي لا تريد أن يتواجها الآن ويحدث ما لا يحمد عقباه ويتأذى عمران جراء ذلك. ولكن ذلك الزائر الذي ظهر على أعتاب الغرفة لم يكن سوى فواز. فزفرت غزل بارتياح. ولكن زاد الموقف تأزماً بحضوره. فالثلاثة ينظرون لبعضهم البعض ولا أحد منهم يتفوه بكلمة. ولكن بدأ فواز بكسر حاجز الصمت وهو
يشير بيده لعاصم وهو يقول: "إيه اللي جابه ده هنا؟ شعر عاصم بالمهانة من ملاحظته. فمد يده وقبض على ياقة قميصه وهدر بصوت غاضب: "احترم نفسك يا فواز. ولا نسيت نفسك ها؟ اصحى لنفسك أحسن لك. فاهم؟ وأنت اللي بتعمل إيه هنا وعايز منها إيه؟ انطق! دفعه عاصم بعد ذلك، ورأته غزل يتأهب لعراك معه. فحالت بين وقوع الأمر بأن وقفت بالمنتصف ونظرت لعاصم وهي تقول ببرود: "أنا مسمحلكش تتكلم مع خطيبي كده."
لم تعِ فداحة قولها وتصريحها الأبله إلا بعدما رأت فواز يبتسم لها بعدم تصديق. وعيناه تحثها على قولها ثانية. فسبيلها الذي اتخذته للحفاظ على كبريائها وإغاظة عاصم، ربما سيصل بها بالنهاية لنتائج غير مرضية. فما زالت تلك النزعة من الكبرياء الخاصة بحواء تسكن بداخلها. وهي أنها من أجل أن تجعله يشعر بالغيرة والقهر، ربما تترك عقلها جانباً وتجعل أهواءها تحركها كيفما تشاء.
لم تخرج من شرودها إلا على صوت صفع الباب بعد خروج عاصم. فجلست على أقرب مقعد وجدته، ووضعت رأسها بين يديها. فعندما سمعت صوت فواز يناديها: "غزل؟ رفضت رفع وجهها لتواجهه. فلم تجيبه سوى ببضع كلمات: "فواز معلش سيبني لوحدي دلوقتي إذا سمحت."
لم يدعها فواز تكرر مطلبها، بل خرج من الغرفة وتركها جالسة مكانها. فوضعت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء. فهي كانت تريد أن تصنع من نفسها غزل أخرى غير تلك التي كان يعرفها بالماضي، لتكتشف بمرارة أنها مازالت تلك الفتاة الساذجة والحمقاء والتي أصابها بلاء وداء الحب الذي لا شفاء منه، على الرغم من أنه يرافق ذلك الشعور شعور آخر بالانتقام. فهي كمن تريد الانتقام لنفسها من نفسها.
لم يكد يخبرها بشأن زواجه ثانية، حتى وجدها كلما تراه تطلق الزغاريد بصوت صادح. تشعر بأن أنفاسها تكاد تذوب من فرط اشتياقها لسماع ذلك منه. فوجهها البهي صار مخضباً باللون الأحمر وهي تجاهد على خروج تلك الأصوات من حلقها، خاصة بعد علمها أن اليوم ستقوم حياء بانتقاء ثوب الزفاف. فهي لا تجد طريقة أخرى أبلغ من تلك لتخبره بترحيبها الحار بقراره الذي ألحت هي عليه سابقاً بأن يترك الماضي ويرسم مستقبل جديد يستطيع به تعويض ما فاته.
فبعد انتهائها من تلك الثورة العارمة من السعادة، جذبته إليها وطوقته بذراعيها وهي تربت على ظهره وتقول بحب: "مليووون مبروك يا حبيبي. أنا الدنيا مش سايعاني من السعادة يا راسل. أخيرا يا قلبي فكرت تبدأ حياتك من جديد." انحنى إليها لفارق الطول بينهما، واضعاً رأسه على كتفها، منتشياً بسماع كلماتها وشعورها بالسعادة. فأغمض عينيه وسرعان ما فتحهما ثانية وهو ينظر لأعلى الدرج، وخاصة لباب غرفته التي تمكث بها حياء حالياً.
فسكن الشوق بحروفه المنبعثة من فمه وهو يقول: "مقدرتش أقاوم قلبي أكتر من كده يا ماما." ضحكت وفاء وقالت بدهاء: "آه أخدت بالي وأنت داخل عليا بيها وكنت هتتجنن لحد ما فاقت." انتظرته أن يترك أحضانها وينظر إليها، ولكن ربما يخشى فعل ذلك ويفضح أمره أكثر. فربتت على ظهره بحنان، كمن تعطيه الأمان بأن يواجهها. فهي لن تزعجه أكثر من ذلك بملاحظتها لما يعتريه بعد رؤية حياء.
فأستعاد وقفته الثابتة والراسخة أمامها. فعلى الرغم مما يعرف عنه من أنه لا يخجل من قول قال أو فعل فعله، إلا أن الأمر معها غير ذلك. فبإمكانه أن يتعرى من جموده وصلابته، ويعود ذلك الطفل الصغير الذي كان دائماً وأبداً بحاجة لحنانها الذي أغدقته به وتغدق به صغيرته أيضاً. "وبعدين معاكي يا ماما يا حلوة. أنتي ولئيمة يا نبع الحنان." قالها راسل وهو يقرص وجنتها بلطف ومحبة. فرفعت وفاء يدها تصفع ظاهر يده بخفة وهي تقول بتفكه:
"ولد عيب كده. أنت فاكرني سجود بنتك؟ وأنا أقول هي طالعة قليلة الأدب لمين؟ شهق راسل بصوت درامي وهو يقول: "أنا قليل الأدب يا وفاء؟ "أنت نور عيون وفاء وحبيب قلبها." قالتها وفاء وعيناها دامعتان بسعادة. فمد يده يزيل دموعها، وقبل رأسها قائلاً بحب:
"ربنا ما يحرمني منك يا ماما. أنا كنت عايز منك طلب. تقولي للشغالة والجنايني يفضوا الأوضة بتاعة صوفيا اللي في الجنينة، خليهم يتخلصوا من كل حاجة موجودة فيها، لأن مبقتش حابب أفتكر الماضي. وكمان هغير الألوان بتاعتها وهمحي كل أثر كان لصوفيا في حياتي خلاص." ردت وفاء قائلة بسعادة: "بس كده من عيوني يا حبيبي. ربنا يسعدك يا رب."
ذهبت وفاء للمطبخ لإخبار الخادمة بما تريده منها، بينما جلس هو بالصالة ينتظر ظهورها هي وصغيرته وولاء التي أخبرها بضرورة المجيء ويذهبوا من أجل شراء ثوب الزفاف لها. فهو لم يستطع منع نفسه من الذهاب معهم خشية أن يحدث لهم شيء وهو ليس بالجوار. رآها تهبط الدرج، وسجود تتعلق بيدها وتقفز بمرح تتبعهما ولاء، التي لا يعلم ما أصابها ثانية. فهي على الرغم من إبداء سعادتها بشأن زواجه، إلا أنه يشعر بأنها تخفي عنه أمراً.
أنبأه صوت الصغيرة الصادح بأنهن على أتم الاستعداد لمرافقته. فخرجوا جميعهم حتى وصلوا لسيارته. فتجاورت حياء وولاء بالمقعد الخلفي، وسجود بالمقعد الأمامي. فهي لم تسيطر بعد على أوتار قلبها العازفة بألحان السعادة. فهي لم تنس وجه صالحة عندما أخبرتها بالأمر. فتجلت سعادتها على وجهها وهي تضمها إليها وتدعو الله أن يجعلها زيجة مباركة.
وصلوا إلى المتجر الخاص بأثواب الزفاف. فبدأت صاحبة المتجر بعرض أحدث قصات وصيحات أثواب الزفاف. فظلت حياء وولاء يتناقشان حول ثوب بعينه. فرفعته حياء أمام وجهها وهي تقول: "بس تفتكري هيكون كويس ده يا ولاء؟ ردت ولاء باسمة وقالت: "صدقيني والله هيبقى تحفة. صح يا أبيه؟ خشيت أن تستدير خلفها لترى رد فعله على ما قالته ولاء. فزاد من شعورها بالخجل وهي تراه يقف أمامها يتفحص الثوب بنظرة ثاقبة. فحك جبهته وهو يقول:
"هو مش هيبان حلو أو لأ إلا إذا لبستيه يا حياء ونشوفه عليكي." أخذت الثوب وذهبت للغرفة المخصصة لقياس الأثواب. فوضعته عليها، فكانت كحورية بثوب أبيض، ووردة التفت أغصانها بالحرير، تشبه سندريلا المسحورة بثوبها الملكي وحذائها الزجاجي. ولكن هل سيكون عليها العودة قبل بطلان السحر، أم أنها لا تشبهها بالنهاية وستظل عالقة بسحره إلى ما لا نهاية؟ خرجت من الغرفة على استحياء. فلم يمنع نفسه من إطلاق صفير الإعجاب لرؤيتها. وهو يقول:
"الفستان بجد روعة عليكي يا حياء. مفيش كلام يوصف الجمال." قبضت على قماش الثوب لتخفف من وطأة شعورها بأنها تكاد تذوب كقطعة من الثلج وضعت بمكان شديد الحرارة. فتلعثمت حروفها وهي تقول: "شكراً." علمت ولاء بما تشعر به، فأقتربت منها وطوقت كتفيها وهي تقول: "بجد فعلاً حلو الفستان أوي. وأبيه مش بيبالغ وأنتي زودتي حلاوته." قالت حياء وهي تبتسم لها: "تسلميلي يا ولاء." وقفت الصغيرة وهي تجذب يد أبيها وهي تقول:
"بابي عايزة فستان زي بتاع مامى. عايزة فستان بقى." حملها راسل وهو يقبلها بحنان قائلاً بطاعة لمطلبها: "بس كده يا سيجو؟ هجيب لك بدل الفستان اتنين."
فرحت الصغيرة بعرض أبيها المغرى، فراحت تقبله بنهم على وجنتها. وجعلته يتركها لتذهب لحياء وولاء لتخبرهما بفخر شديد ما سينوي أبوها شراءه لها. فبعد شراء الثوب الخاص بحياء ذهبوا لشراء ثوب لولاء وسجود على أن تكون كل منهما وصيفة من وصيفات العروس. فالعرس وشيكاً ولم يتبقى سوى يومان من ذلك الأسبوع الذي أمهلها به راسل للاستعداد لعقد القران وإقامة حفل الزفاف.
لو لم يكن مجيءها للنادي اليوم محض صدفة، بعد إلحاح صديقاتها عليها بضرورة المجيء، لكانت ظنت أنه يتبعها لكل مكان تذهب إليه. فهو منذ ذلك اليوم بالمطعم، وإسراعه بالتعريف عن ذاته، وهو كلما يراها تأتي يحرص على العناية بأنها تنال أفضل خدمة. حتى ظنت أنه لا يأتي أحد للمكان غيرها، على الرغم من تكدس الزبائن. فهو لا يعتني بمطالب أحد سوى تلك الطاولة الجالسة عليها برفقة صديقاتها. انتبهت إحدى صديقاتها عليه أولاً، فوكزت
ميس بذراعها وهي تقول: "ميس مش اللي بيلعب تنس هناك ده يبقى عمران الزناتي صاحب المطعم اللي بنروحه على طول؟ حاولت ميس ادعاء الجهل وهي تقطب حاجبيها وقالت: "قصدك على مين؟ ده مش واخدة بالي." ضحكت صديقاتها الأخرى وقالت: "يا سلام على استعباطك يا ميس. يعني ده إحنا من ساعة ما جينا النادي وإنتي واقفة هنا ومش راضية تتحركي. هو الصراحة عليه كاريزما تجذب أوي." نفخت ميس بضيق وقالت:
"الظاهر كده إن انتوا الاتنين فايقين أوي وأنا دماغي وجعتني منكم." همت بترك مكانها، فأخذت أغراضها. فقبل أن تبتعد أكثر وجدت عمران يعترض طريقها، يحمل مضرب التنس ويجفف وجهه بمنشفة قطنية. فتوقفت قدميها عن الحركة، في انتظار ابتعاده أو أن يقول شيئاً يبرر به وقوفه هكذا. فتبسم لها قائلاً: "أزيك يا آنسة ميس؟ أخبارك إيه؟ بقالك كام يوم مش بتيجي المطعم." وضعت ميس النظارة على عينيها وهي تقول:
"هو أنت كل الزباين بتوعك بتسأل عليهم كده؟ "أكيد طبعاً. لأ بس أنتي مش أي زبونة. أنتي مميزة عن أي حد ومفيش حد يقابلك ويقدر ينساكي بسهولة." انتهى عمران من حديثه، ولكنه لم يسمع منها رداً على ذلك الإطراء. فأقصى ما فعلته هو أن فرت من أمامه. فهرولت بخطواتها لتصل لسيارتها. فرفع عمران يده ووضع المضرب على كتفه وهو ينظر لأثرها بابتسامة ذات مغزى.
لم يكن ذهابها لمشفى راسل بالوقت الحالي هو قرارها الصائب. فهي منذ تلك المشادة الكلامية بينهما وهي امتنعت عن الذهاب لهناك. فلم تكتف بذلك، بل أحبطت كل المحاولات التي فعلها راسل من أجل الحديث معها من أجل تصفية الخلاف بينهما. ففكرت بالعودة للمنزل. قبل أن تطلق زمور السيارة، رأت راسل يقف بجوار سيارته أمام القصر. فرفعت يدها عن المقود. فلم تجد مفر بالخروج من السيارة. فترجلت منها وأغلقت بابها. فوقفت بجانبها
عاقدة ذراعيها قائلة ببرود: "خير؟ إيه اللي موقفك هنا؟ "تعالي معايا عايز أتكلم معاكي. وحضرتك مش بتردي على التليفون ولا بتيجي المستشفى." قالها راسل وتقدم بخطواته منها، وجذبها من مرفقها حتى وصل لسيارته. فتح لها الباب بجواره وجعلها تجلس بالمقعد الأمامي. فعلى الرغم من أنها كانت ستبدي رفضها لذلك، إلا أنها لم تستطع أن تظل بحالتها الكئيبة تلك أو أن يستمر ضيقها منه.
وصل بسيارته لأحد الأماكن على الشاطئ. فحثها على الخروج. فأطاعته على الفور. فوجد صخرة كبيرة. فجلس ودعاها للجلوس بجانبه. انتظرته أن يبدأ بالحديث، ولكنه ظل صامتاً لما يقرب من الدقيقتين. فتحول ببصره عن رؤية أمواج البحر ونظر لها بتمعن، حتى استطاع القول بالأخير: "ممكن أعرف بقى أنتي لسه زعلانة ليه مني؟ رفعت ميس حاجبيها فلم تفلح بكبت ابتسامتها وهي تقول: "والله ولسه بتسأل يا راسل؟ أنت مش شايف إن ليا حق أزعل؟
"اللي متعرفوش إن خالك عاصم كان ممكن يموتها بسبب ضربة فيها." قالها راسل بغيظ وهو يتخيل ما كان سيؤول إليه أمر حياء. "أنت بتحبها يا راسل؟ قالتها ميس فجأة. بينما هو أسرع بتحريك رأسه بالإيجاب، وهو يقول بصدق: "أيوة بحبها يا ميس. ومش بس كده، ده كتب كتابنا وفرحنا بعد يومين." فغرت ميس فاها وهي تقول: "يعني هتتجوز؟ وكمان أنا معرفش؟ رد راسل قائلاً وهو يلقي بالحصى الصغيرة في الماء:
"ما كنت برن عليكي كتير وأنتي مش بتردي. أعملك إيه يعني؟ جعلته ميس ينظر لها وهي تقول: "والله ما شوفت في برودك واستفزازك يا راسل. تعمل المصيبة وكأنك معملتش حاجة. بس تصدق بموت فيك وأنت كده." تبسم لها راسل وأدانها منه وقبل جبينها وهو يقول: "وأنتي كمان حبيبتي. كفاية أنك من ريحة الغالي." وضعت يدها أسفل ذقنها تنقر بأصابعها وقالت: "وهتعزمني على الفرح بقى ولا لأ؟ ضحك راسل وقال متفكهًا: "لأ مش هخليهم يدخلوكي."
دفعته ميس بصدره وهي تبتسم على قوله. فقبل أن تهم بالرد عليه، سمعت رنين هاتفها. فأخرجته من جيبها. فنظرت للهاتف وتحولت بعينيها سريعاً لوجه راسل. فحرصت على إغلاق الهاتف قبل أن ينتبه راسل لشيء. فبعد انتهاء جلستهما، التي حرص راسل أن تكون أكثر ودية، أخذها بسيارته ليعيدها للمنزل. وصلت ميس لبهو القصر. فقبل أن تلج غرفة المعيشة لترى جدها، سمعت رنين هاتفها ثانية.
فصعدت الدرج حتى وصلت لغرفتها. فدَلفت للغرفة وأغلقت الباب خلفها بإحكام. واستندت عليه. فتردت ثانيتين في فتح الهاتف. ولكن كانت عاطفتها الغالبة على عقلها، ففتحت الهاتف وهي تزدرد لعابها قائلة بتوتر: "ألو؟ أيوة؟ جاءها الرد على الطرف الآخر قائلاً: "بقى كده تمشي بسرعة من النادي وملحقتش أشوفك مدة أطول ولا أتكلم معاكي؟ تلعثمت ميس وهي تقول:
"مم ماهو خفت حد ياخد باله وأنت عارف إن جدو ماشي ورايا حرس. ولو هما راحوا قالوا له هيزعل مني." "بس ده مش عدل إنك تعلقيني بيكي وتسبيني كده حيران." ابتسمت ميس على قوله. فتركت مكانها وجلست على حافة الفراش تستمع لباقي حديثه. ولكن صوت فتح الباب جعلها تغلق الهاتف سريعاً قبل أن تراه والدتها التي ولجت للتو تناديها: "ميس أنتي رجعتي إمتى من برا؟
أنا معرفش إنك رجعتي. ده حتى الحرس بتوعك هما اللي دخلوا عربيتك من قدام القصر وقالوا إنك مشيتي مع راسل." وضعت ميس الهاتف أسفل ساقها كأنها تخفيه عن عين والدتها. فردت قائلة بابتسامة هادئة: "أصل راسل كان بيصالحني. وكمان عرفت إنه هيتجوز تاني خلال يومين." قطبت سوزانا حاجبيها وهي تقول: "هيتجوز! ومين دي بقى سعيدة الحظ اللي هيتجوزها؟ ردت ميس قائلة ويداها تعمل على إغلاق الهاتف الذي عاد للرنين ثانية:
"هيتجوز البنت اللي جه أخدها من هنا." لاحظت سوزانا فعلة ابنتها. فتقدمت منها لمعرفة ما تخفيه. فأسرعت ميس بالضغط على الزر الخاص بإغلاق الهاتف نهائياً. فسحبت سوزانا منها الهاتف وهي تقول: "هو في إيه؟ عمالة تلعبي في التليفون وأنا بكلمك وباين عليكي كده كأنك مخبية عني حاجة." نظرت سوزانا للهاتف فوجدت أنه مغلق. فنهضت ميس تأخذه منها وهي تحاول تبرير فعلتها فقالت:
"ده مش عارفة تليفوني إيه اللي جراله النهاردة. كان بيهنج كتير واضطريت كذا مرة أقفله وأفتحه. شكلي عايزة أغيره يا ماما."
فإن كانت تظن أن قولها أقنع والدتها فهي واهمة. فالهاتف ابتاعته منذ ثلاثة أيام فقط، وهو من أفضل وأغلى الماركات العالمية. ولكنها لم تعاود سؤالها ثانية. فهي تترك لها مساحة شخصية للتصرف، مطمئنة البال أن ابنتها لن تقدم على ارتكاب الخطأ. فناولتها الهاتف ثانية وخرجت من الغرفة. بينما ارتمت ميس على الفراش وهي تزفر براحة من مرور الأمر بسلام. فهي بنيتها أن تخبر عائلتها بما يحدث، ولكنها تريد مزيداً من الوقت. فهي لن تبوح بأمرها الآن حتى يأتي الوقت المناسب.
على حافة الإطار الخشبي لتلك النافذة العريضة بالغرفة التي تسكنها حالياً، كانت حياء تجلس وتنظر للأسفل. ترى راسل برفقة العاملان اللذان يعملان على طلاء تلك الغرفة بالمبنى الملحق بالمنزل، والتي علمت هي أنها كانت تخص زوجته الأولى وبها العديد من المقتنيات الخاصة بها، والتي عمل على التخلص منها بشكل نهائي.
فغداً اليوم الموعود بإقامة حفل زفافهما وعقد قرانهما. فأستدارت برأسها تنظر للغرفة الملحقة بغرفة النوم. فصالحة تعمل على تنظيم وترتيب الثياب التي ابتاعها راسل من أجلها. فهي عندما أبدت رغبتها بجلب ثيابها من الشقة، رفض راسل ذلك وأخبرها أنه هو سيبتاع لها ثياباً جديدة وأن تترك كل ماضيها جانباً. فندت عنها نهضة عميقة وهي تقول بصوت عالٍ نسبياً لتسمعها صالحة من داخل الغرفة الخاصة بالثياب:
"دادة قولت لكِ متتعبيش نفسك وأنا هبقى أرتبهم." ردت صالحة من الداخل وقالت: "أنا كنت حالفة إن محدش هيرتب لك أوضتك وهدومك وأنتي بتتجوزي غيري. دا يوم المنى يا حبيبتي إن خلاص هشوفك متجوزة وأطمن عليكِ. وكده بقى أروح أسافر أعمل عمرة وأنا مرتاحة." خرجت صالحة فتركت حياء مكانها واقتربت منها وقبلتها على وجنتها وقالت: "تروحي وترجعي بالسلامة يا دادة ومتنسيش تدعي لي هناك." قبلت صالحة جبينها وهي تقول:
"بس كده من عيوني. وربنا يسعدك يا حبيبتي. أنا كده خلاص خلصت وكمان فستان الفرح متعلق جوا في الدريسنج. ربنا يجعلها جوازة العمر كله. الصراحة الدكتور راسل راجل مفيش منه. مشوفتيش أنتي عمل إيه عشان يجيبك من البيت اللي كنتي مخطوفة فيه؟ دا كان هيرتكب جريمة." بتذكرها ثوب الزفاف المنوط بها ارتداءه بالغد، سرى بعروقها نشوة عصفت بكيانها. فهي ستزف إليه بالغد. ستزف لذلك الفارس المغوار الذي تحدى الصعاب من أجلها. فخفضت وجهها أرضاً
وقالت: "الصراحة مش عارفة هو قدر ييجي وياخدني من هناك إزاي. وقصر رياض النعماني عامل زي القلعة مليان حرس ومعاهم أسلحة. حتى عاصم كان في جيش حراسة دايماً ماشي وراه. ولا علشان هو يعرف ميس ده سهل عليه الدخول في حاجة مش فاهماه." بتذكرها ما حدث لها بذلك القصر، انكمشت ملامح وجهها وعادت تقول معقبة: "أنا بجد مكرهتش حد قد ما كرهت عاصم وعمه رياض على اللي عملوه فيا. دول مفيش في قلوبهم رحمة وناس جبابرة."
ربتت صالحة على كتفها وهي ترى أن ربما ستبكي. فحاولت جعلها أن تصرف تفكيرها عن هذا الأمر. فتبسمت لها وهي تقول: "سيبك من ده كله وركزي مع دكتور راسل. دا بكرة الفرح. أنا هنزل دلوقتي تحت أساعد الست وفاء لو محتاجة مساعدة."
خرجت صالحة من الغرفة، فولجت حياء لغرفة الثياب. تجول بعينيها في الأرفف المصفوف بها ثيابها وحقائبها وأحذيتها. ولكنها لم تأبه لكل هذا. فأقتربت من الجزء الخاص بثيابه. فتلمست إحدى ستراته. فلم تمنع نفسها من ضمها إليها، كأنها تريد تخيل ذلك الشعور عندما تكون زوجته بحق، وأن تنعم بالأمن والراحة بين ساعديه القويتين.
انتبهت على فتح باب غرفة النوم، فخرجت لترى من القادم. فلا أحد قادم سوى تلك الجميلة الصغيرة. والتي لم تأت خالية الوفاض، بل هي ترتدي تلك السترة الخاصة بأبيها والتي كان يرتديها اليوم. ويبدو أنه خلعها عنه قبل خروجه للحديقة. فوضعت حياء يدها على فمها وهي تكتم صوت ضحكتها من رؤية سجود غارقة داخل سترة أبيها الواسعة. فأكمامها تكاد تصل للأرض، تجر طرفها خلفها.
حاولت سجود التصفيق، فخرج صوت تصفيقها مكتوماً، فهي لم تحسن خروج يديها من الأكمام الطويلة. فصاحت بضحكة صاخبة: "مامى شوفي لبست الجاكت بتاع بابي وهيدور عليه مش هيلاقيه. هااااااات." تقدمت منها حياء وجلست أمامها على ركبتيها، وهي تقبلها على وجنتها وتضمها إليها بحنان وتضحك على أفعالها وأقوالها: "أنتي شقية أوي يا سيجو. أنتي عرفتي تطلعي السلم إزاي والجاكت واسع عليكي كده؟ كان ممكن تتكعبي وتقعي من على السلم."
"بس مش وقعت يا مامى." قالتها سجود وهي تلف ذراعيها حول عنق حياء. فأشتمت رائحة العطر العالق بالسترة. ف أول ما ستسأله عنه بعد زواجهما، نوع ذلك العطر الذي يستخدمه، والذي يستطيع تخدير حواسها وإفاقة مشاعرها بنفس اللحظة. فهي مازالت متذكرة تلك الرائحة من معطفه الذي ظل بحوزتها. قبلتها حياء على وجنتها وقالت: "بعد الشر عليكي يا سيجو. ويلا بقى أقلعي جاكت بابا علشان زمانه بيدور عليه تحت يا شقية."
أمتثلت سجود لقولها، فسحبت حياء السترة. ولكن سقط ذلك الجزدان الجلدي من الجيب الداخلي لها. فقبل أن تلتقطه وتعيده لمكانه، كانت سجود الأسرع بأخذه وفرت هاربة بأحد أركان الغرفة. ففتحت الجزدان وهي تقول: "هشوف صورتي مع بابا." أخطأت الصغيرة بفتحه فتناثر محتواه على الأرض. فأقتربت حياء وهي تشهق بخفوت: "كده يا سجود. بابا هيزعل منك إنك بتلعبي بالمحفظة بتاعته وممكن تضيعي البطاقة بتاعته أو أي حاجة محتفظ بيها." تهدلت قسمات
الصغيرة وهي تقول بأسف: "أسفة يا مامى. مش هعمل كده تاني." انحنت حياء وبدأت تلملم البطاقات الائتمانية وتعيدها لمكانها. فرأت هويته الشخصية بجوار أحد المقاعد، فألتقطتها لتعيدها لمكانها. فقرأت ما كتب على ظهرها وهي تبتسم. فزاد فضولها لرؤية وجهه بالجزء الأمامي.
فوقعت عيناها على صورته، واسم راسل الذي تفرد بمكان لوحده قبل أن يتم اكتمال باقي الاسم. ولكن ذلك الاسم الذي تبع اسمه بالهوية الشخصية، قرأته هي بصدمة حلت على أطرافها. فتجمدت ملامح وجهها بالحال، وعيناها مازالت تلتهم حروف الاسم ثانية لعلها أخطأت بقراءته. ولكن سمعت وقع أقدام قادمة. فكان راسل يبحث عن سترته وصغيرته. فدلف الغرفة باسمًا وهو يقول: "سيجو أنتي اللي أخدتي الجاكت بتاعي؟
ولكن لمح حياء تقف بمكانها وعيناها تنظر بهويته الشخصية. فأتسعت عيناه، وأقترب منها سريعاً وأخذها من يدها بشيء من الحدة. فقال بصوت يغلب عليه طابع الضيق: "أنتي بتفتشي في حاجتي ليه يا حياء؟ رمقته حياء بذهول وهي تقول: "أنت ليه خبيت عليا؟ يعني أنت طلعت زي نادر وبتخدعني؟ دا على أساس إن مكنش هييجي الوقت اللي أعرف فيه إنك أنت ابن رياض النعماني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!