الفصل 1 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الأول 1 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
23
كلمة
5,687
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

صارت الساعة الثامنة صباحاً في أحد أيام شهر ديسمبر. فقد ولت أيام الخريف، لتتزين السماء والأرض بحُلى الشتاء. فالنسمات الباردة بدأت في تسكين برودتها بالأجساد، وأوقات تروي الأرض بقطرات الغيث الغزير. فيسعى الناس للحصول على الدفء.

في ضاحية من ضواحي مدينة الإسكندرية، وفي أحد المنازل المطلة على الشاطئ، منزل أحد التجار المشهورين، وهو منزل "عرفان الطيب". يحيا "عرفان" وزوجته وابنته مترفين بوسط مخملي، يرجع أثره لنيل رب الأسرة لشهرة واسعة في صنع وبيع الأقمشة، والتي انعكست بدورها على أسرته. تصاعدت أبخرة الأكواب الموضوعة أمامها، تداعب أنفها جعلتها تغمض عينيها تشعر بلذة تعلو بداخلها من رائحة القهوة، التي أعدتها من أجلها وأجل والديها.

فتحت عينيها التي تشبه بلونها حبات البندق الفاخرة. ولكن سرعان ما أخذت ترفرف بأهدابها عدة مرات من تيار الهواء المنعش القادم من نافذة المطبخ المطلة على الشاطئ، الذي ظل يداعب وجهها بنعومة تشبه نعومة الحرير. فسارعت بضم رداءها البيتي لجسدها النحيل لمنع البرودة من التسلل إليها. فحملت الصينية تسير بخطوات هادئة تكاد لا تسمع من سُمك أغطية الأرضية السميكة، تنتعل خفها البيتي الطريف متخذاً شكل دب الباندا.

فوصلت للصالة وجدت والديها أنهوا طعام الإفطار، فناولت كل منهما قدح القهوة الخاص به. فتبسمت تلك المرأة الجميلة والتي تدعى "مديحة" قائلة بصوت عذب: –أممم جيبالنا القهوة بنفسك يبقى وراها حاجة يا "حياء". خير يا ترى؟

أصطبغ وجه تلك الفتاة ذات الثانية والعشرون ربيعاً بلون أحمر قانٍ، فتوهج خديها بلهيب الخجل من كشف والدتها سر اعتنائها بهما بصباحها الباكر، خلاف عادتها اليومية، فهي لا تغفو بنومها إلا قبيل الفجر بعد انتهائها من الصلاة ولا تستيقظ إلا عند اقتراب أذان الظهر. فرأت "مديحة" أن نشاطها اليوم على غير عادتها، لابد أنه ينطوي على استجداء جديد من لائحة مطالبها التي لا تكف عن طلبها ولا يستطيعان هما الرفض.

أبتلعت "حياء" ريقها قبل أن تنفرج شفتيها الوردية قائلة بلطف: –هكون عايزة إيه يعني يا ماما ولا حاجة. صدحت ضحكة "عرفان" من تلعثمها الواضح بحديثها، فسحب نظارته قليلاً أسفل عينيه قائلاً بدهاء: –انتي متأكدة يا "حياء" أنك مش عايزة حاجة ولا حتى "نادر".

أُتسعت حدقتيها بعد سماع تصريح والدها باسم من يشغل بالها، ومن استيقظت خصيصاً له منذ الصباح الباكر، أو ربما لم تنم ليلتها البارحة من أجل الحديث مع أبيها قبل انصرافه إلى عمله. فهي تستيقظ من نومها تجده رحل إلى مقر عمله، فأرادت إنهاء ذلك الأمر المتعلق بنادر وخطبتهما التي من المفترض أن تقام مراسمها بعد يومان، على أن يكون حفل الزفاف بعد شهران فقط، وذلك بناءً على رغبة عريسها المستقبلي. أطرقت حياء برأسها أرضاً قائلة بخجل:

–وبعدين بقى يا بابا مش هتبطل تكسفني كده كل شوية. سحبت "مديحة" مرفقها تجلسها بجوارها تدنيها منها، فقبلتها على رأسها قائلة بسعادة: –وجه اليوم يا قلبي وهشوفك عروسة. لفت "حياء" ذراعيها حولها، فرفعت رأسها وقبلتها على وجنتها قائلة بحب: –ربنا ما يحرمني منكم أبداً يا ماما. ترك "عرفان" الجريدة من يده وهب واقفاً قائلاً بصوت هادئ: –أنا همشي دلوقتي عشان متأخرش، بس مقولتيش انتي كنتي عايزة إيه يا "حياء".

أبتعدت "حياء" قليلاً عن والدتها تحدق بوالدها قائلة بتوتر: –هو الصراحة كنت عايزة أكلم حضرتك يعني بخصوص الشقة اللي هيشتريها نادر عشان نتجوز فيها. عندما استمعت والدتها لما قالته، قطبت مديحة حاجبيها قائلة بإستياء: –حياء مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا بنتي؟ ليه عايزة تبعدي عني؟

احنا محلتناش غيرك وانتي شايفة البيت هنا عامل إزاي وباباكي هيجهزلك الدور اللي فوق كله وعيشوا معانا هنا. مش عايزة أقولك تبعدي عني كفاية بعدتي عني لما كنتي بتكملي تعليمك برا. مصلحت مديحة يدها على يد حياء، تضغط عليها بحنان وخوف من ابتعادها. لم يكن من حياء سوى رفع يد مديحة قائلة وهي تقبلها بحب: –ماما يا حبيبتي أنا كنت هقولكم كده. نادر فكر إن الشقة اللي هيشتريها يجهزها ويعملها عيادة وهنعيش معاكم.

لم يعقب عرفان على ما سمعه من ابنته، ففرحة زوجته بما سمعته جعله يصمت. فهو أيضاً لا يحب ابتعادها. ولكن كان ينتظر إصرار نادر على استقلالهما بحياتهما الخاصة، مبرزاً جديته في تحمل مسؤوليته تجاهها. رفعت حياء عينيها بانتظار سماع ما أقره والداها بشأن هذا الأمر، فلم يكن منه سوى أن أهداها ابتسامة خفيفة وجملة قصيرة: –ماشي يا حبيبتي ومبروك.

لم يزد عرفان كلمة أخرى وخرج من المنزل، بينما تركت مديحة مجلسها المريح لتبدأ في البحث عن مهندس للبدء في عمل التعديلات والإصلاحات اللازمة بالطابق الثاني. وضعت حياء طرف إصبعها بين شفتيها، تقضم أظافرها بتوتر. فشعرت به من صوت أبيها جعل الريبة والشك يسكنانها. فهي لا تنكر ترحيب والديها بنادر عندما أبدى رغبته في الاقتران بها، ولكن حرص على أن يكون زوج ابنته مثالاً يحتذى به للرجولة والكرامة.

في إحدى غرف الجراحة بذلك المشفى الذي يطلق عليه "مشفى الرحمة". بدأ الخوف يسير بأوردته، خشية إخفاقه في إنقاذ ذلك المريض، المتسطح أمامه ينازع الموت. فعيناه منصبة على ما تفعل يداه، وأذناه تتبع صوت ذلك الجهاز، الذي كلما انتظم صوت صفيره، اطمأن قليلاً من أن الأمور تسير بخير. فهتف بتلك الممرضة الواقفة بجانبه: –مشرط.

عقب كلمته مد يده لتضع بها ما يريد، فتباطأت يداها في فعل ذلك، بسبب خوفها ورؤية تلك الدماء التي لطخت قفازه الطبي وهو ممدود أمامها هكذا. فتلك هي المرة الأولى التي ترافق طبيب بغرفة الجراحة. تأخرها في تنفيذ أمره، جعله يدير رأسه إليها يهديها نظرة تهديد من سوداويته قائلاً باقتضاب: –أطلعي برا. رفع يده يشير لممرضة أخرى وهو يقول: –تعالي انتي اقفي مكانها.

وقفت الممرضة التي أُمرت بالخروج، تحدق به وهي مشدوهة، فهي لم تتأخر في إجابة مطلبه سوى ثوانٍ معدودة. فرأت أنه من الأفضل أن تستمع لما قاله، فهي حديثة العهد بالعمل هنا، ولا تريد أن تزيد من حنقه عليها. بعد أن فرغ من إجراء الجراحة، نظر لمساعديه قائلاً بمهنية: –يُنقل للعناية المركزة.

بعد أن انتهى من إصدار أوامره وسحب قفازيه الغارقين بالدماء، خرج من غرفة الجراحة. سحب ذلك القناع الطبي الموضوع على وجهه، يزفر بارهاق شديد. فقد مرت حوالي أكثر من خمس ساعات، كان يجري بها تلك الجراحة الخطيرة لشاب جاء إلى المشفى في حالة يرثى لها بسبب حادث سير. رأى والدة ذلك الشاب تقترب منه ودموعها تسبقها في سؤاله عن ابنها: –ابني عامل إيه دلوقتي يا دكتور طمني الله يباركلك. نظر إليها بابتسامة طفيفة مطمئناً لها:

–الحمد لله عدت على خير وإن شاء الله هيبقى كويس اطمني. نظرت إليه المرأة بامتنان فطفقت تثني عليه بالدعاء: –ربنا يباركلك يا دكتور يا رب. تركها وذهب إلى غرفة مكتبه، فأرتمى على ذلك السرير الصغير الموضوع بالغرفة والمستخدم لفحص المرضى، والذي لا يكاد يكون كافياً ليتمدد عليه بارتياح، نظراً لطوله الفارع، فساقاه تدلت على الأرض، يضغط بيديه على عينيه التي جفاها النوم منذ البارحة.

فأنين خافت خرج من بين شفتيه، وهو يشعر بألم شديد بجميع أنحاء جسده. فهو منذ البارحة لم يترك غرفة الجراحة. فبعد انتهائه من إجراء عملية جراحية لطفلة صغيرة، جاء هذا الشاب أيضاً فلم يأخذ قسطاً من الراحة. فهو يشعر بحاجته للنوم الآن. إلا أنه رأى باب الغرفة يفتح، تدلف منه فتاة ربما في أواخر العشرينات، ولم تكن سوى ابنة أحد رجال الأعمال ذو النفوذ والثراء الواسع، والذي تمتد أواصر الصداقة بينهما منذ سنوات. فتبتسمت له قائلة بغنج:

–صباح الخير يا راسل. انتي فينك من امبارح مشوفتكش؟ مش المفروض كنت هتيجي عندنا امبارح؟ أنا وبابي ومامي كنا مستنينك على العشا امبارح.

تقدمت من أحد مقاعد المكتب، فجلست بارتياح واضعة ساق على الأخرى، ويداها تعمل على تنسيق شعيراتها السوداء المنسدلة على جانبي وجهها. تلمع أظافرها بطلاء أحمر، يتماشى مع لون شفتيها القرمزيتين، وهي ما تزال تتبعه بنظراتها التي باتت أقرب للهوس، وخاصة وهي تراه مستلقياً، كأسد أخذ كفايته من التنقل بغابته، وحان وقت نيل راحته بعرينه. اعتدل راسل في جلسته قائلاً بإرهاق:

–أهلاً يا هند. من امبارح وأنا عندي عمليات كتير. لسه يا دوب خارج من أوضة العمليات من شوية. حتى ما رجعتش البيت من امبارح. زمان أمي وسجود زعلانين مني دلوقتي. طاف الضجر بعيني هند وهي تنقر بأصابعها على طرف المكتب: –آه قولتلي بقى إن مامتك وسجود زمانهم زعلانين ومش هامك زعلي أنا؟ ما أنا مش مهمة عندك يا راسل خالص.

زفر راسل بضيق ليس من حديث هند فقط، ولكن بسبب أنها دائماً ما تفتعل الحزن أو الغضب منه ليراضيها هو، ولا يعلم لما تفعل ذلك. فهما لا يربط بينهما شيء. فمن يراها يظنها زوجته وتحاسبه على أفعاله، ولكنه الآن في وضع لا يخوله فعل شيء. فهو لا يشتهي الآن سوى أن يضع رأسه على وسادة ويغرق في نوم عميق، فهو لم يذق للراحة طعماً منذ البارحة. لتأتي هند وتزيد من إرهاقه وتعبه. فنظر إليها قائلاً بحدة:

–هند أنا بقولك من امبارح منمتش ولا رجعت البيت. أظن يبقى عندك إحساس بتعبي شوية؟ ثم أنا مش فاضي للعب العيال بتاعك ده. امتعضت هند من حديثه فرمقته بنظرة مستاءة: –لعب العيال! بتقول لي أنا كده يا راسل؟ هو عشان.... أغلق راسل عينيه بتعب، فهي ستبدأ الآن في سماعه ذلك الحديث الذي لا تمل منه أبداً. إلا أنه رفع يده يشير إليها بأن تلتزم الصمت.

–هند بلاش تبدأي كلامك ده دلوقتي. أنا تعبان وتقريباً مش شايف قدامي. فيا ريت تسبيني أرتاح شوية بعد إذنك يعني. عبثت هند بازرار حقيبتها، التي تحمل شعار أشهر الماركات. وهي لا شك تشعر بتجمع الدموع بعينيها من حديثه الفظ معها، فهو لا ينمق حديثه أبداً. فهبت واقفة تبتسم ابتسامة خفيفة تواري خلفها استياءها: –ماشي يا راسل أنا همشي دلوقتي. أنا جيت أطمن عليك لما مجيتش امبارح. سلام. –مع ألف سلامة.

قالها راسل وهو يراها تخرج من الباب، فعاد وتسطح على السرير ثانية. ولكن لم يمر برهة وجيزة، حتى سمع طرق على باب الغرفة، فنفخ بضيق. ألن ينتهي هذا اليوم بدون أن يحصل على قسط من الراحة؟ قام بفتح الباب فعلاً. صوته بضيق: –أيوه فيه إيه؟ ارتعدت تلك الممرضة من حدة صوته فقالت: –آسفة يا دكتور راسل بس في حالة جت في حادثة عربية وعايزينك ضروري. ضيق راسل ما بين عينيه قائلاً بتساؤل: –هو فين الدكاترة اللي موجودين في المستشفى؟

ها، فين دكتور نادر؟ مش المفروض يكون موجود هنا دلوقتي؟ ولا المستشفى دي ملهاش ضابط ولا رابط؟ خليهم يجهزوا أوضة العمليات وبعدها بلغ كل الدكاترة المحترمين اللي موجودين في المستشفى والممرضين إن فيه اجتماع. صفق راسل الباب في وجه تلك المرأة، التي انتفضت ليس من حدة صوته فقط، ولكن من إغلاقه للباب بوجهها. فرفعت شفتها العليا وهي تقول: –أعوذ بالله عليك يا أخي. شغالين عند مين إحنا؟ دا أنت جبروت يا ساتر يا رب.

دائماً ما ينعته العاملون لديه بهذا اللقب من جفائه وصرامته في التعامل معهم. فهو لا يحبذ إخفاق أي فرد منهم في عمله. فهو يكره الاعتذارات والأعذار الواهية. يردد لهم دائماً شعار أن "دقيقة واحدة ربما تكون الحد الفاصل بين حياة المريض وموته".

سحبت سيدة في منتصف الخمسينات، مزلاج الباب المعدني لذلك المتجر الذي تملكه بإحدى ضواحي مدينة الإسكندرية، ولجت إلى الداخل. وضعت المفاتيح التي تحملها بيدها، نظرت لتلك العلب الكرتونية بالداخل وبدأت في تنسيقها على الأرفف الخشبية.

فهذا المتجر الخاص ببيع كل أنواع العطارة، هو الأشهر في ذلك الحي. فتلك السيدة المدعوة وفاء قد ورثته عن زوجها الراحل. فهي تولت إدارة ذلك المتجر بعد وفاة زوجها، وصقلت موهبتها في تحضير وصفات الأعشاب الطبيعية من زوجها. ومن خلال تلك السنوات التي عملت بها بتلك المهنة، رافضة قرار راسل بأن تتخلى عنها وتلازم المنزل، حتى لا تجهد نفسها بكثرة العمل.

إلا أنها قابلت قراره بالنفي القاطع، فهي تشعر دائماً بأنها قريبة من زوجها، من خلال عملها بالمهنة التي كان يعشقها ويتقنها. جالت بعينيها في جميع الأرفف لتتأكد أن كل شيء على ما يرام ولا ينقص عشبة أو شيء من الممكن أن يحتاجه أحد من الزبائن الذين يرتادون هذا المتجر. فهتفت بصوت منخفض: –كده كل حاجة تمام وكل الأنواع موجودة. واه دي نوع البخور اللي بتحبه أسعاد. هخليه ليها على ما تيجي.

حملت أحد أعواد البخور، لتقوم بإشعالها ووضعها على باب المتجر، ففاحت تلك الرائحة العطرية التي راحت تستنشقها وفاء بحنين. فهذا كان النوع المفضل لدى زوجها. رفعت رأسها لمحت تلك المرأة التي تملك المتجر المجاور لها. فابتسمت لها وهي تقول: –صباح الخير يا أسعاد. اقتربت منها أسعاد وهي باسمة، فهي حقاً اسم على مسمى، سيدة دائماً مبتسمة المحيا وبشوشة الوجه، ولكن عيناها يتوارى خلفها سُحب من الألم.

–صباح النور يا وفاء. استني أفتح المحل بتاعي وبعدين نجيب حاجة نفطر بيها سوا. وضعت وفاء ما بيدها ترمقها باسمة: –لأ. أنا سبقتك. انتي عارفة لازم أفطر سجود قبل ما أنزل وكمان عشان أوديها الحضانة. هزت أسعاد رأسها بتفهم وشرعت في فتح متجرها هي الأخرى، ذلك المتجر الخاص ببيع العطور. سمعت وفاء رنين هاتفها فرأت اسم معلمة حفيدتها. فعلمت أن ربما اليوم افتعلت سجود شجاراً مع أحد الأطفال بالروضة. فلم تجد مفر سوى الرد عليها:

–الو. صباح الخير يا ميس نور. ردت عليها نورا بصوت جاهدت على ألا يخرج حاداً، إلا أنها لم تستطع أن تكمل بهدوئها. وتلك الجنية الصغيرة المسماة سجود ذات الأربع سنوات قد أخرجتها كالعادة عن طورها: –صباح الخير يا وفاء هانم. لو سمحتي أنا عايزة منك تيجي لي الحضانة دلوقتي حالا وضروري بعد إذنك. أيقنت وفاء أن هناك أمر مهم للغاية فأغلقت عينيها بشيء من التعب. فماذا تفعل مع حفيدتها؟

فهي حادة الطباع مدللة، وربما يرجع ذلك إلى دلال راسل الزائد لها، ولا تنكر هي أيضاً أنها تحب تدليلها. فهي حرصت على دلال الصغيرة منذ صغرها. خرجت وفاء من أفكارها لتجيب قائلة بهدوء: –حاضر يا ميس نورا. نص ساعة وهكون عندك. أغلقت وفاء الهاتف فسحبت حقيبتها الصغيرة وخرجت. نادت على أسعاد فخرجت إليها سريعاً: –خير يا وفاء في إيه؟ زفرت وفاء قائلة بضيق: –هيكون في إيه يعني غير سجود وعمايلها السودة؟

أنا راحة الحضانة أشوف فيه إيه. خلي بالك من المحل على ما أرجع ماشي؟ واه ده البخور اللي بتحبيه. أخذته أسعاد من يدها بابتسامة قائلة بامتنان: –تسلميلي. ماشي يا حبيبتي ربنا يهديهالك يا رب. بس انتوا اللي مدلعينها أوي يا وفاء. تنهدت وفاء بقلة حيلة: –أعمل إيه؟ لراسل هو اللي مبيحبش يزعلها ومهودها في كل حاجة. لما قربت تجنني أنا كمان. سلام.

استقلت وفاء سيارتها ذاهبة سريعاً إلى تلك الروضة الخاصة بالأطفال، وتلك هي ثالث روضة ترتادها حفيدتها هذا العام. وصلت وفاء للروضة، وهي تستحضر كلمات الاعتذار التي اعتادت على قولها لكل من تراه بسبب أفعال حفيدتها. ولجت للداخل فوجدت المعلمة تنتظر بجوارها سجود، التي ركضت عند رؤية جدتها. فأقتربت المعلمة قائلة بوجه متجهم:

–أنا آسفة يا وفاء هانم بس حفيدتك دي مش هتقعد هنا تاني. كفاية اللي عملته وزمايلها اللي بهدلتهم. وآخرهم طفل دماغه اتفتحت لما زقيته واتخبط في الحديد بتاع الألعاب. مستحيل أخلي طفلة شيطانة زي دي هنا. انتوا بجد سايبنها كده إزاي؟ رمقت وفاء سجود بعتاب من أنها دائماً تتسبب في سماعها لتلك الأحاديث بشأنها. فنكست الطفلة رأسها، كأنها تعي خطأها ولكن تأبى الاعتراف به. حاولت وفاء أن تبدي اعتذارها على ما فعلت الصغيرة:

–أنا آسفة بجد يا ميس نورا. هي بس عشان مدلعة شوية. أومأت المعلمة برأسها نفياً: –آسفة لحضرتك. ممكن تشوفيلها مكان تاني تتعلم فيه. عن إذنك. رحلت المعلمة، فأخذت وفاء بيد الصغيرة، لتعود للسيارة. وضعت الصغيرة بالمقعد الأمامي، وصعدت وفاء خلف المقود. فالتفتت لها قائلة بتأنيب: –يعني كويس كده كل شوية تسيبى حضانة يا سجود؟ وبعدين معاكي باباكي لو عرف هيزعل منك على اللي بتعمليه ده. أطرقت الصغيرة برأسها باكية قائلة بنهنهة:

–هو بابي فين؟ هو أصلاً بييجي وقت صغير ومش بشوفه كتير، على طول في الشغل. وأنا معنديش ماما. والاولاد بيضحكوا عليا ويقولولي أنتي شبه العروسة اللعبة. فالصغيرة حقاً جميلة جداً، كأنها دمية حية، وكثيراً ما يخبرها كل من يراها أنها تشبه دمية "الباربي". حتى أثار الأمر استياءها، تشعر كأنها مختلفة عن الآخرين، ولا تشعر بالاندماج مع الأطفال بمثل سنها.

تبسمت بثغرها الوردى، وهي تضع الهاتف على أذنها تتحدث مع ذلك الطبيب الوسيم، الذي سيصبح خطيبها بعد مرور يومان فقط. فهو يقطن ببناية سكنية قريبة من منزلها. كانت تراه أثناء ذهابها ومجيئها، حتى ذلك اليوم الذي علمت من يكون، وكان هذا أثناء حفل مقام بمنزل إحدى جيرانها. ليمر أسبوع كامل، وأتى هو برفقة أقاربه لخطبتها. خرج صوتها خافتاً وهي تقول: –نادر مش هنروح نشوف القاعة اللي هنعمل فيها حفلة الخطوبة؟ دي خلاص فاضل يومين بس.

أجابها نادر بصوت مرهق: –أنا آسف يا حياء بس صاحب المستشفى مشدد أوامره علينا النهاردة إن مفيش حد يستأذن ويمشي. فأنا ممكن أخلص على الساعة ٤. تعالي المستشفى ونروح نشوف القاعة. ولو إن أنا مش شايف قدامي. دكتور راسل مطلع عينينا من الصبح وكمان فيه اجتماع دلوقتي. زفرت حياء بقلة حيلة قائلة بإشفاق: –الله يكون في عونك يا نادر. وباين على الدكتور اللي اسمه راسل ده واحد مستقوي وشايف نفسه. إيه ده؟

بكرة أنا النوعية دي من الناس اللي بتحب تتعب اللي حواليا عشان مزاجها. ربنا يسهل وتعمل العيادة الخاصة بيك وشوية شوية ربنا يفتحها عليك ويبقى عندك مستشفى زيه. رد نادر قائلاً بأمل: –يارب يا حياء. ربنا يسمع منك. سلام بقى عشان شكله جاي وهيبتدي يزعق. قبل أن يغلق الهاتف سمعت حياء صوت عالٍ صارخاً، فعلمت أن ربما يكون هذا هو ذلك الطبيب المتعجرف الذي سمعت عنه من نادر.

فأسترعى انتباهها تلك الجملة التي سمعتها عبر الهاتف، عندما سمعت راسل يوبخ نادر قائلاً: –هو حضرتك واقف هنا تحب في التليفون وسايب شغلك؟ اتفضل يلا. وده آخر إنذار ليك يا دكتور نادر مفهوم؟ عايز تلعب متبقاش تيجي تاني من بيتكم. ويلا عشان فيه اجتماع، عشان أشوف المهزلة بتاعتكم دي آخرتها إيه. غفلة نادر عن إغلاق الهاتف، هي من جعلتها تستمع لذلك الحديث المهين الذي يوجهه صاحب المشفى لنادر. فأبعدت الهاتف عن أذنها

تنظر إليه بغيظ وهي تدمدم: –دا باين عليه فعلاً واحد قليل الذوق ومبيحترمش حد. بس مش عيب يكون دكتور وصاحب مستشفى ويهزق الدكاترة كده؟ ماهي قلة الأدب بتبقى طبع.

ألقت الهاتف ونظرت بساعة معصمها وجدت أن الوقت مازال باكراً، فتذكرت أن موعدها مع نادر في الرابعة، والساعة الآن مازالت الواحدة ظهراً. فأستلقت على فراشها، تلهو بهاتفها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي. فرأت تلك الصورة التي ربما وضعها نادر حديثاً، فتأملت ملامحه جيداً، فهو حقاً وسيماً بعينيه الخضراوين، وشعره البني، وبشرته البيضاء.

قضت وقتاً طويلاً بتصفح هاتفها، فلم تشعر بمرور الوقت إلا عندما نظرت بساعة الهاتف، ووجدت أن الوقت شارف على الثالثة والنصف. فجزت من مكانها بحماس ترتدي ثيابها وحجابها، وبعد أن انتهت خرجت تنادي والدتها بصوت صادح: –يا ماما. يا مااااااما. خرجت مديحة من غرفتها على صوت صياحها قائلة باضطراب: –أيوة يا حياء في إيه مالك؟ حصل حاجة؟ ضحكت حياء واقتربت منها تطوق كتفيها. فدائماً ما تفزعها هكذا بصياحها ولا تعلم كيف تكف عن فعل ذلك؟

قبلت وجنتها قبلة طويلة وهي تقول: –قلبي ما تتخضيش. أنا بس بنادي عليكي عادي. قطبت مديحة حاجبيها قائلة بغضب مصطنع: –انتي مش هتبطلي إلا لما مرة تموتيني بالخضة. أسندت حياء رأسها على جانب رأس أمها قائلة بحنان: –بعد الشر عليكي يا ماما. أنا بس كنت هقولك إن هروح لنادر المستشفى عشان نروح نشوف القاعة اللي هنعمل فيها الخطوبة. رمقتها والدتها بغرابة: –انتي هتخرجي معاه لوحدك يا حياء؟ لاء طبعاً مينفعش. فهمت حياء مغزى قول والدتها،

فتبسمت برقة: –ماما أنا هروحله المستشفى اللي بيشتغل فيها بعربيتي. ولما نروح نشوف القاعة هكون في عربيتي وهو في عربيته. وطبعاً في القاعة ناس مش هنكون لوحدنا. ثم انتي مش عارفة بنتك وتربيتها. لو كان ليا أصحاب كنت أخدت واحدة منهم، بس أعملكم إيه؟ خلتوا معظم سنين دراستي في أمريكا، ومعملتش صداقات هنا. دا أنا لسه عارفة جيرانا قريب. الغلط عندك يا مديحة انتي وبابا.

ضحكت مديحة على جملة حياء الأخيرة، فأماءت برأسها موافقة، فخرجت حياء من المنزل، واستقلت سيارتها، فقادتها وهي مبتهجة، فهي تعيش أجمل أيام حياتها بتلك الآونة حسب معتقدها. بتلك الغرفة التي خصصها راسل لعقد الاجتماعات، كان كل الأطباء والممرضين، الذين حضروا بناءً على أوامره، جالسين بصمت مطبق، في انتظار انتهاء ذلك الاجتماع الذي سينتهي كالعادة بإلقاء راسل أوامره الصارمة، مشدداً على عدم تراخي أي فرد منهم في تأدية واجبه.

حمحم راسل قائلاً بصوت جهوري: –طبعاً حضراتكم عايزين تعرفوا أنا طلبتكم ليه؟ فأنا هقولكم. أنا طلبتكم عشان أي دكتور محترم منكم أو دكتورة أو سواء ممرض أو ممرضة، شايفين إن الشغل في المستشفى هنا صعب عليهم ياريت يقدموا استقالتهم، لأن مش في الأوقات الحرجة اللي بيبقى فيها مرضى بين الحيا والموت ونقعد ندور على دكتور يدخل أوضة العمليات ده ملوش اسم غير إنه تهريج وعدم مسؤولية.

كل واحد فيكم بياخد أجر نظير عمله هنا، يبقى يشوف شغله، عشان مش كل ما نحتاج جراح يطلبوني. حد قالكم إن أنا هرقل عشان أفضل الساعات دي كلها في أوضة العمليات؟ أفلتت ضحكة خافتة من طبيب يجلس بآخر مقعد، ولكن حظه السيئ أن راسل سمع صوت ضحكته التي يحاول كبتها. فأستند راسل بظهره للمقعد، يعبث بقلم بين أصابعه فدمدم بهدوء: –ما تضحكنا معاك يا دكتور. دي حتى القاعدة ناشفة ودمها تقيل.

شعر الطبيب بالحرج، فألتزم بالصمت. وعاد راسل لإكمال حديثه، وبعد مرور مزيد من الوقت، أشار إليهم بالانصراف، مع تشديد أوامره بالالتزام بكل ما أخبرهم به. شعر بالانزعاج من تلك الروائح التي تفوح منه، من قضاء وقته بغرفة الجراحة، ومروره بين المرضى، عوضاً عن أنه لم يعد لمنزله منذ البارحة. ففكر أن ربما حمام دافئ بالمرحاض الملحق بغرفة مكتبه، سيكون كافياً الآن حتى يعود للمنزل.

أتجه لخزانة صغيرة موضوعة بأحد أركان الغرفة، وأخرج منها ما يلزمه من ثياب ومناشف، فعمله بالمشفى يقتضيه. قضاء وقت طويل هنا، لذلك حرص على أن يجعل له ثياب نظيفة لوقت الحاجة. أخذ الثياب وولج للمرحاض، بعد أن شدد أوامره بعدم الإزعاج، وأنه نال كفايته اليوم والأمس. فليرتاح قليلاً، حتى أنه وضع تلك الشارة على الباب "ممنوع الدخول"، فهو يعلم أنه إذا فعل ذلك، لن يجرؤ أحد على الاقتراب من غرفة مكتبه.

وقف أمام المرآة والماء يقطر من رأسه ووجهه وباقي أطرافه. مسح بيده الزجاج الذي غلفه طبقة من بخار الماء، ظل يمرر بيده على تلك الندوب والجروح التي ملأت صدره. فأستدار بجسده قليلاً، ليرى ندوب مشابهة بظهره. سرت رجفة خفيفة بجسده عندما نظر بالمرآة ورأى طيفها، كأنها تقف خلفه تضحك بصوت عالٍ كأنها تهمس له بصوت أثار ذكريات يود لو تمحى من ذاكرته. "هل تفتقدني يا راسل؟

فأنا أعلم أنك لن تنساني يوماً. فأنا ما زلت بانتظارك على أبواب الجحيم، الذي سنتشاركه سوياً لنكمل ما كان عالقاً". أغمض عينيه لوهلة، وعندما فتحها ثانية وجد الطيف قد اختفى. فيا ليت تلك الذكريات تختفي مثله. انتهى من الاغتسال، وأرتدى ثياب مريحة، وخرج من المرحاض. ألقى المنشفة التي جفف بها رأسه، وسحب بيده الأريكة التي سرعان ما تحولت لسرير، فتمدد عليها، لعل النوم يريحه مما به.

وصلت حياء المشفى، فأقتربت من عاملة الإستقبال المنهمكة بعملها والرد على الهاتف. فتبسمت حياء لها قائلة بتهذيب: –لو سمحتي هو دكتور نادر فين؟ رمقتها الفتاة بهدوء تشير بيدها لأحد أروقة المشفى قائلة بسرعة لعلها تعود لما تفعله: –عندك الأوضة في آخر الممر ده. وعادت لترد على الهاتف. سارت حياء حيث أشارت، ولكن وقعت بحيرة من أمرها، فأي باب غرفة تطرق؟ فلم تجد سوى تلك الغرفة التي علقت على بابها الشارة.

فدقت الباب عدة طرقات خفيفة ولكن لم تجد رد. فحسمت أمرها وفتحت الباب لترى إذا كان أحد بالداخل أم لا. ولجت الغرفة تبحث بعينيها عن أحد ولكنها لم تجد سوى شخص متسطحاً على وجهه، لم تستبين ملامحه جيداً. ولكن قبل أن تعود أدراجها لتخرج من الغرفة سمعت صيحته المختنقة: –لاء لاء مش هتقدرى تعملي فيا كده. لاء لاء هقتلك هقتلك.

يتلوى جسده كمن يتقيد بقيود لا يستطيع كسرها، فعلمت أنه ربما يعاني من كابوس مزعج، غير قادر على الاستيقاظ. تسلل إليها الشعور بالشفقة عليه، ففكرت أن ربما تساعده بأن توقظه. فأقتربت قليلاً منه فنادت بصوت خائف، ولكنه لم يجيبها. فمدت يدها المرتجفة توكزه بلطف، لكي يكف عن الهمهمة والتي انتهت بصرخة عالية كادت تصم أذانها. –لااااااااااء.

نضبت الدماء من عروقها، من صوت صياحه. ولم يكتف بذلك، بل وجدته ينتفض من مكانه يقترب منها يقبض على عنقها بأصابع فولاذية، فجعلها ترتطم بالجدار. حاولت دفعه عنها لتخلص عنقها من يده، فهو على وشك خنقها. ولكن كلما زادت بدفعه، كلما زادت صلابة وقساوة أصابعه على عنقها، حتى ارتخى جسدها ولم يعد لديها طاقة على المقاومة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...