الفصل 2 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الثاني 2 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
5,839
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

حاولت الممرضة جاهدة في سحب يده من حول عنق تلك الفتاة التي كادت أن تلقى حتفها بسبب قبض كفه على عنقها. أتت محاولتها بالنتيجة المرجوة بدفعه عن جسد الفتاة التي سقطت على الأرض مغشياً عليها بمجرد ابتعاده عنها. فبينما كانت تمر بمحض الصدفة أمام غرفة مكتب صاحب المشفى، ورأته يحاصر فتاة بين جسده والحائط يحاول خنقها، سارعت هي بإبعاده عنها قبل أن يتفاقم الأمر أكثر من ذلك. فما الذي دهاه اليوم؟

صوت ارتطام جسدها بالأرض هو ما جعله يفيق من تلك الحالة اللعينة التي أصابته بسبب كابوسه الذي لا يفارقه. فالرؤية لديه مشوشة وضبابية. فكل ما كان يريده أن يخنق تلك التي لا تفارقه بأحلامه، تجعلها كابوسًا مزعجًا، كأنه يعايشها بواقعه. خرج من تلك البلادة التي تلبسته، بصراخ الممرضة به وهي تقول: "دكتور راسل ألحقني، دي قربت تقطع النفس."

ما كان منه إلا أن حملها عن الأرض، يضعها على الأريكة التي كان يحتلها بجسده منذ قليل. حاول أن يجعلها تفيق من حالة الإغماء التي انتابتها، نتيجة نقصان الأكسجين من رئتيها. ساعدته الممرضة بإنعاشها، حتى فتحت حياء عينيها ببطء، وهي تهمس بصوت خافت: "ماما."

أطلت عليها الممرضة بابتسامة هادئة، وساندتها حتى جلست، ووضعت قدميها أرضًا، كمن فقدت الذاكرة فجأة، تحاول أن تتذكر ما الذي حدث. ولكن عينيها التي اصطدمت بوجه راسل الجالس على مقعده خلف المكتب، يرمقها بهدوء كأنه لم يكن ليتسبب بقتلها منذ قليل. فانتفضت صارخة بصوت جهوري: "آااااه! دا كان هيقتلني، كان بيخنقني، دا مجنون، مجنون! هو مين ده؟

هربت عليها الممرضة، لتجعلها تكف عن الارتجاف. ولكن عندما تطلعت لوجه بنظراته الباردة والحادة، كأنه ممتعض أنه لم يقضِ على أنفاسها. فهو لا يبدو عليه الندم على ما فعله. سعلت بشدة عندما ظلت تصرخ محتدة على ما كان سيؤول إليه أمرها. فما كان منه سوى أنه انحنى قليلاً للأمام، يستند بمرفقيه على طرف المكتب، يعبث بقلم بين أصابعه. رمقها بنظرة باردة قائلاً بنبرة صوت أشد برودة:

"لو فضلتِ تصرخي كده، ممكن يغمى عليكي تاني أو ينقطع نفسك. هدي نفسك واسكتي وبطلي زعيق عشان أنا مصدع ومش عايز وجع دماغ أكتر من اللي أنا فيه." نظرت حياء للممرضة التي أومأت لها برأسها أسفًا. فإن كانت تنتظر أن يبدي ندمه على ما فعله، فربما ستنتظر لما تبقى من عمرها. استقامت حياء بوقفتها وهي تستند على يد الممرضة، التي همست قرب أذنها:

"لو مفكرة إنه هيعتذرلك تبقي غلطانة. دكتور راسل مبيعتذرش لحد، واحتمال كمان تلاقيه طردني وطردك من الأوضة عشان يكمل نومه." إذًا، فهو ذلك الطبيب المتعجرف، الذي سمعت عنه قبل أن تراه. وياليتها لم تره، فهي كانت ستلقى حتفها على يده. ولكن شيئًا ما بداخلها جعلها رافضة أن تصمت على ما فعله. فهي لن تنصرف من هنا قبل أن تراه يقدم لها أسفه، على رعونة تصرفه معها.

فاقتربت من المكتب تمشي بخطوات متأنية، تخشى أن تترنح بوقفتها أو أن تسقط أرضًا ثانية، كأن الدماء ما زالت سريانها بعروقها بطيء. حدقت به بنظرة نارية، تصك على أسنانها بغيظ عظيم: "أظن أنت مدين ليا باعتذار عن اللي عملته. وكان ممكن أوي أروح فيها لولا إن هي خلصتني من إيدك. فعلى الأقل تقول إنك آسف ومتقصدش اللي عملته ده. ومش همشي إلا لما تعتذر."

شبكت ذراعيها أمام صدرها، دليلاً على تصميمها أنها لن تتركه قبل أن تحصل منه على ما تريده. نقر بالقلم على المكتب عدة نقرات، ربما أثارت غيظها أكثر. فما كان منه سوى أنه هتف بها بعدم اكتراث: "أتفضلي يا آنسة مع السلامة. وإن كان على الاعتذار، أنتي اللي مفروض تعتذري إنك دخلتي الأوضة بالرغم من إني حاطط ممنوع الدخول على الباب. ولا أنتي مبتعرفيش تقري؟

لقيتي العلامة محطوطة على الباب يبقى فيه عقل تفكري بيه وتعرفي إنك مش لازم تدخلي." فحدق بالممرضة يشير إلى حياء معقبًا: "خديها من هنا. ولو لسه تعبانة، خلي حد من الدكاترة الموجودين يكشف عليها. وخلي فاتورة الكشف على حسابي. أتفضلي يا آنسة." فمها الذي فغرته باندهاش، لم تخرج منه كلمة أخرى. فمن يكون هذا الإنسان الذي لم تقابل مثله من قبل؟ كأنه انتُزعت منه صفة الأدمية المتعارف عليها بإبداء الأسف أو الندم على فعل الخطأ.

نظراته المتصاعدة ببرود، جعلت الممرضة تفضل الخروج من الغرفة، قبل أن تجده يخرجها من المشفى بأكمله. فأمسكت بيد حياء تجرها خلفها: "يلا أبوس إيدك لكمان شوية ألاقي إني رفدني من المستشفى." التفتت حياء خلفها تلقي عليه نظرة أخيرة، قبل إغلاق الممرضة لباب الغرفة. وربما لو النظرات قادرة على القتل، فمن المؤكد أنه كان خر صريعًا من نظراتها الكارهة.

اعتاد هو على رؤية تلك النظرات بأعين المحيطين به. فإن لم تكن نظرات تملق، فهو يرى نظرات الخوف والكره. وربما هذا أفضل، فكلما زاد خوف الآخرين منه، زاد اطمئنانه من أنه بأمان تام. تلمست باقة الزهور التي تحملها على ذراعها، لتضعها بعد ذلك أمام ذلك القبر. فتلمست الشاهد الرخامي الذي خط عليه اسم تلك الراحلة، التي تركتها تعاني منذ أن فقدتها. فهي ليست شقيقتها فقط، بل كانت أمًا ثانية لها.

حجثت على ركبتيها ودموعها تغرق جفونها، وسرعان ما رطبت وجنتيها. فمسحت وجهها بيدها وهي تقول بحنين: "وحشتيني أوي، وحشتيني يا حبيبتي. من يوم ما سبتيني وأنا حاسة إني في عذاب. مبقتش طايقة الدنيا دي أكتر من كده. بقيت أحلم كل يوم إنك جاية عشان تاخديني معاكي."

ظلت وقتها تناجي الله وتحدث تلك التي واراها الثرى منذ أعوام، ولكن ما زال حزنها رابضًا بقلبها، كأنها تركتها بالأمس القريب، وليس منذ سنوات طوال لم تحسن عدها الآن ولا تريد تذكرها. بعد أن بثت شكوى الفراق، نهضت من مكانها، نفضت التراب الذي علق بثيابها وتأهبت للرحيل. وصلت لشارع يسبق طريق المقابر، فسمعت صوت هاتفها. أخرجته من جيبها ورأت اسم والدتها. ففتحت الهاتف تجيبها بهدوء: "أيوة يا ماما." خرج صوت إسعاد متلهفًا وهي تقول:

"ولاء أنتي فين؟ النهاردة أجازتك من الشغل وقولتي إنك جاية على المحل. أتأخرتي ليه ده كله؟ زفرت ولاء بخفوت تحاول كبح دموعها: "كنت في المقابر يا ماما وجاية دلوقتي مش هتأخر." أنهت المكالمة وأحنت رأسها تضع الهاتف بجيبها ثانية. فلم تنتبه لذلك الشاب الذي اصطدمت به للتو. فرفعت رأسها وعقدت حاجبيها بغرابة من تحديقه بها الذي وصل إلى حد الوقاحة.

فرأت أن تكمل طريقها أفضل من أن تعاتب ذلك السمج، الذي يبدو عليه أنه اصطدم بها متعمدًا. ولكن كلما اتخذت طريقًا تجده يقف أمامها، حتى أثار الأمر استياءها، فصاحت به بجميع صوتها الحانق: "فيه إيه يا أخ أنت؟ ما تبعد عن طريقي." تبسم الشاب قائلاً بسماجة: "طريقي وطريقك واحد يا جميل. بس أول مرة أشوف جنية من جنيات المقابر وأعرف إنهم حلوين كده. أنا عندي استعداد أتلبس لو أنتي جنية."

انكمشت ملامح وجهها الجميلة بتفكير. فما لبثت أن ازداد بريق عينيها السوداوين ببريق الغيظ وربما الانتقام ممن يحمل كل صفة مذكر. فربما اليوم يوم حظه السيئ لمقابلته لها. فهي تكره صنف الرجال ولا تستثني أحدًا من تلك القائمة سوى رجل واحد فقط. ظن أن ابتسامتها التي زينت ثغرها الفاتن، علامة على قبول إطرائه وغزله لها، ولا يعلم بما تنوي فعله به.

لم يدم الأمر سوى ثوانٍ معدودة، حتى خر راكعًا على ركبتيه أمامها. وصوت صراخه يطرب أذانها. فتلك الضربة التي سددتها له بين ساقيه أتت بالنتائج المرغوبة. فهي متمرسة بفنون الدفاع عن النفس، ولم تبرع بها إلا لرغبتها في أن ترى كل من يعترض طريقها من الرجال ينال نصيبه. فتركته ذاهبة. ولكن قبل أن تبتعد أكثر، التفتت إليه قائلة بشماتة: "عرفت الجنيات بيدافعوا عن نفسهم إزاي يا سبع البرومبة؟ وأظن الضربة دي هتعرفك مقامك كويس."

وصلت للطريق الرئيسي، فأشارت لإحدى عربات الأجرة، فاستقلتها تخبره بذلك المكان الذي تريد الذهاب إليه. ولم يكن سوى ذلك الحي الذي يقع به متجر العطور الخاص بوالدتها. عادت وفاء إلى متجرها برفقة الصغيرة، بعد قضاء عدة ساعات في البحث عن روضة للأطفال من أجل سجود. فيومها انقضى بالبحث، حتى عثرت على مبتغاها.

فسجود التي ما إن رأت تلك الفتاة ابنة إسعاد، حتى ركضت إليها تناديها بحماس. ففتحت ولاء ذراعيها تستقبل الصغيرة بينهما تدور بها تقبلها على وجنتيها. فداعبت طرف أنفها قائلة بمشاكسة: "وحشتيني أوي يا سيجو." قبلتها سجود قبلة طويلة على وجنتيها وهي تقول: "وأنتي يا ولاء وحشتيني أوي. مش بتيجي عندنا ليه؟ زفرت ولاء تدعي الجدية: "بجري على أكل عيشي يا سيجو لحد ما أنقطع نفسي." رمقت سجود جدتها قائلة برجاء:

"أنا وفاء، خلي ولاء توديني الملاهي بليز." نظرت لها وفاء بغضب طفيف قائلة برفض قاطع: "لأ مفيش ملاهي عقابًا على اللي عملتيه ده. أنتي لسه مرفودة من الحضانة، ليكي نفس كمان إنك تروحي الملاهي. وكفاية اليوم اللي ضاع عشان ألاقي حضانة جديدة لسيادتك." قهقهت ولاء من حديث وفاء، حتى دمعت عيناها. فغالبًا ما ترى تلك المشاجرة بين الجدة والصغيرة. فأقتربت منها قائلة بتفكه: "الله! هي سجود اتطردت المرة دي كمان؟

دا أبيه راسل هيعلقك يا سجود." خرجت إسعاد من متجرها، لترى ما يحدث بالخارج. فتبسمت هي الأخرى على ما رأته والصغيرة التي عادت كعادتها دائمًا، عندما تصر المعلمة على تركها الروضة، بعد شجاراتها المتكررة. امتعضت وفاء من ابتسامتها: "بتضحكي على إيه أنتي وبنتك دلوقتي يا إسعاد؟ ربتت إسعاد على كتفها بمواساة: "الله يكون في عونك يا وفاء عليها." رأت وفاء قدوم بعض الزبائن فالتفتت إليهم قائلة بجدية:

"خلوها معاكم على ما أشوف الزباين دي." أخذت إسعاد الصغيرة تسير خلفها ولاء. وما كادت تجلس بمقعدها حتى التفتت لإبنتها، تخشى أن تخبرها بما لديها. فهي تعلم عندما تسمع ولاء ما ستقوله ستثور كبركان، ولكن لابد من إعلامها بما سيحدث وليكن ما يكن. فابتلعت ريقها قائلة بحذر: "ولاء باباكي جاي البيت النهاردة."

كفت ولاء عن مداعبة الصغيرة، عندما سمعت ما تفوهت به والدتها. وتبدلت ملامح وجهها الجميلة من الهدوء، لغضب عارم وسخط ليس له مثيل. فعلا صوتها وهي تجيبها: "وهو جاي ليه وعايز منا إيه؟ جايبلنا مصيبة جديدة ولا خير؟ هو مش كفاية اللي عمله فينا واللي كان بسببه أختي الكبيرة أشجان انتحرت؟ عايز إيه تاني؟ عايز إييييه؟

أجتاح إسعاد الندم على إخبار ابنتها، وإثارة سخطها ومقتها لسماع اسم أبيها، وأثارت بنفسها ذكريات مريرة، تعاني هي الأخرى منها. فحاولت أن تهدأ من روعها: "إهدي يا ولاء، مينفعش اللي بتعمليه ده." انهالت دموعها على وجنتيها. فمدت سجود يدها تمسح دموعها بطفولية وهي تقول: "بتعيطي ليه يا ولاء؟ سيجو هتزعل عشان ولاء بتعيط." تبسمت ولاء من بين دموعها: "حبيبة قلب ولاء أنتي يا سيجو." فحولت بصرها لوجه والدتها قائلة بجفاء:

"اتصلي عليه قوليله ما يجيش، يا إما النهاردة أنا هروح أبات عند طنط وفاء. كده كده أبيه راسل مش غريب وهو أصلاً بيقضي معظم وقته في المستشفى. أقولك خليه يجي ويشبع بالقعدة معاكي، بس أنا مش عايزة أشوفه. أنا راحة لطنط وفاء. يلا يا سجود."

أخذت ولاء الصغيرة وخرجت من متجر والدتها، وهي تمسح دموعها بظهر يدها. وذهبت لمتجر وفاء تخبرها بنيتها في المبيت عندها الليلة. فرحبت وفاء بمجيئها، فهي من ربتها منذ صغرها حتى شقيقتها الراحلة تربت برفقة راسل وكن أخوة بالرضاعة.

وهي بطريقها للعودة للمنزل، لم تكف عيناها عن ذرف الدموع، على ما حدث اليوم. فهي لم تشأ البقاء بالمشفى لمقابلة نادر، بعدما كانت ستلقى حتفها على يد ذلك الرجل المدعو راسل. قادت سيارتها بحذر، حتى يأست من عدم رؤية الطريق أمامها بسبب تلك الدموع التي حجبت عنها الرؤية، فصفت السيارة بجانب الطريق. سمعت صوت الهاتف، فأخذته من الحقيبة، فوجدت اسم نادر ينير الشاشة. فلم تجد مفرًا من الرد: "ألو. أيوة يا نادر." جاءها صوت نادر متلهفًا:

"حياء أنتي فين؟ أنا مستنيكي من بدري. دا كله في السكة." أجابته حياء بصوت جاهدت أن يخرج طبيعيًا: "معلش يا نادر، ابقى خلي المشوار بالليل علشان حاليًا مش قادرة. سلام." أنهت المكالمة ولم تزد كلمة أخرى. بعد أن رأت أنها نالت كفايتها من الراحة التي منحتها لنفسها، أدارت محرك السيارة لتعود للمنزل.

سمعت صوت صياح والداها ولا تعلم لما عاد اليوم من عمله باكرًا. ركضت للداخل، فوجدته يصيح بإمرأة علمت أنها شقيقته الوحيدة وتدعى قسمت. فعلمت علام يصيح والداها. فربما تشاجرت معه شقيقته كالعادة ولا تعلم لما تفعل ذلك وهو شقيقها الوحيد. فانتفضت قسمت من مكانها بعد صراخ شقيقها تصيح هي الأخرى: "أنت بتعلي صوتك عليا ليه؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟

أنا بقولك عايزة فلوس ورثي بتاعت أبويا ولا هتكوش على كل حاجة يا عرفان عشان خاطر الننوسة الصغيرة بتاعتك؟ انتفخت أوداج عرفان من إصرار شقيقته، على أنه اقتطع من ميراثها، على العلم أنه أعطاها كل ما أورثه إياها والداهما. ولكنها لم تكتفِ، تضع ببالها معتقدة أن ما يمتلكه عرفان لها حق به.

يأس عرفان من أفعال شقيقته، فأرتمى على مقعد يزفر أنفاسه بغضب متلاحق، وخاصة وهو يرى ذلك الرجل الجالس بجانبها يدعى البراءة، يوهمه أنه ليس لديه يد بتحريضها عليه ككل مرة. فزوجها ذئب ماكر بثوب حمل وديع. فانحنى قليلاً للأمام قائلاً بتحفز: "إيه مش ناوي تقول حاجة أنت كمان يا شكرى؟ رفع شكرى رأسه بعد سماع مناداة شقيق زوجته، يحرك حبات مسبحته بين أصابعه يتمتم بخفوت: "دي حاجة بين الأخ وأخته، مليش أدخل فيها."

آهة السخرية التي أطلقها عرفان، أنبأته صراحة أنه ربما يعلم أن ما تفعله قسمت بأمره هو أولاً وأخيرًا. حل الصمت عليهم بعد أن ولجت حياء تتفرس بوجوههم، لتعلم علام الشجار هذه المرة. فهي اعتادت عليه من شقيقة والداها. ولم يقدم عرفان يومًا على أن يجور على حقها أو أن يثير عداءها. "السلام عليكم. أزيك يا عمتو؟

نطقت بها حياء وهي تتقدم تأخذ مكانها بجوار والدها. ولكنها لاحظت عدم وجود والدتها. فهذا أفضل، فربما الأمر سيتفاقم أكثر إذا كانت مديحة جالسة معهم. فهي لا تحب أحدًا أن يتجرأ بالحديث مع زوجها حتى وإن كانت شقيقته، التي تثير عداء كل من حولها. لوت قسمت شفتيها قائلة بلامبالاة: "أهلًا يا روح عمتو." ربت عرفان على يد حياء قائلاً بحنان بالغ: "حبيبتي، حجزتوا القاعة خلاص؟ ماما قالتلي إنك خرجتي عشان تحجزوها."

أومأت حياء برأسها سلبًا، فوضعت رأسها بين يديها قائلة بوهن: "لأ يا بابا، تعبت شوية ورجعت. هروح بالليل عن إذنكم عشان عايزة أرتاح شوية." تركت مكانها تفضل الذهاب لغرفتها، فضلاً عن الجلوس وسماع بقية المشادة الكلامية، التي أتت بغير محلها، وخاصة اليوم وبعدما حدث لها ما حدث. حدقت قسمت بأثر حياء. وبعد سماعها لها تغلق باب غرفتها، حولت بصرها لشقيقها قائلة ببسمة سمجة:

"حياء كبرت وبقت عروسة يا عرفان وهتتخطب وهتتجوز، وأنت مش عارف تعمل ليها إيه ولا إيه. ولما أجيلك أطلب حقّي عشان عايزة أجهز بنتي بتعلي صوتك وتزعقلي." ضرب عرفان بيده على طرف مقعده قائلاً من بين أسنانه بغيظ:

"على أساس إن جهاز بنتك مش أنا اللي اشتريتهولها، كله من الألف للياء. وقولت وماله، بيقولوا الخال والد. وزيها زي حياء، لكن الظاهر طمعتي بزيادة يا قسمت، وعايزة تنهبي مني اللي تقدري عليه. بس لأ يا بنت أبويا وأمي، مش أنا اللي أضرب على قفايا وأسكت. إن كنت بسكتلك فده عشان خاطر الدم اللي بينا وعشان إنك أختي الوحيدة واللي أصغر مني ومن حقك أراعيِك وأكون سندك. لكن إنك تسوقي فيها، لأ طبعًا مش هسمحلك يا قسمت، وحطي ده في دماغك. مفهوم؟

انتفضت قسمت من مكانها، تشير لزوجها بالنهوض وهي تقول: "يلا بينا يا شكرى، كفاية علينا كده. وتشكر يا أخويا على الحسنة اللي بتديها لنا وبترجع تذلنا بيها. ربنا يباركلك في الحلوة وتعيش وتشوف عيالها." بعد أن ألقت بحديثها في وجه شقيقها، خرجت تحث الخطى على الإسراع من المنزل. يسير خلفها زوجها حتى وصلا للخارج. فألقت قسمت نظرة على منزل شقيقها مغمغمة:

"أعمل يا عرفان وتقل في عمايلك بقى. مش عايز تديني حقي، بس أنا هاخده. بس اصبر علي." لملم شكرى مسبحته بكف يده، كمن يستشعر بوزنها، وهو يلقيها من يده لتعود وتسقط بكفه. فالتوى ثغره قائلاً: "أخوكي شكله كل ما يزيد غنى يزيد بخله. يلا بينا يا قسمت."

صعدت قسمت للسيارة ذات الطراز القديم بجوار زوجها، الذي أدار محرك السيارة. ومازالت عيناه ترصد منزل عرفان. فهو سيحاول بدون كلل أو ملل، أن يحصل على ما يريد. فهو مطمئن البال أن زوجته ستكون أداته بتلك الحرب الخفية التي يشنها على عرفان، لينال منه ومن ماله.

أتجه صوب غرفته بعدما عاد من المشفى. وربما عاد باكرًا اليوم لأنه لم يشأ البقاء هناك أكثر من ذلك، خاصة وأنه اليوم كان سيقدم على ارتكاب فعلة حمقاء. ففراشه الآن سيكون مأواه للكف عن التفكير بما حدث اليوم وبتلك الفتاة، التي رأى عينيها الكبيرتين تزداد اتساعًا أثر ذعرها مما فعله. والدته وطفلته لم يجدهما بعد عودته. فأخرج هاتفه ولكن قبل أن يهاتف والدته، وجد سجود تقتحم الغرفة تصيح بصوتها: "باااااااااابى!

قفزت على الفراش وجلست على بطنه تحيط وجهه بكفيها الصغيرين تقبله على وجنتيها وهي تدمدم: "بابي وحشتني أوي، كنت فين؟ طوقها بذراعيه فجعلها تتوسد صدره يقبلها على رأسها قائلاً بحنان: "حبيبة قلبي، وأنتي كمان وحشتيني. معلش كان عندي عمليات كتير معرفتش أجي امبارح. هي فين تيتا؟ غمغمت الصغيرة وهي تدفن وجهها بعنق أبيها: "أنا وفاء تحت ومعاها ولاء عشان هتنام هنا النهاردة وهتنام جمبي على سريري في أوضتي."

صمتت الصغيرة فشعر بوجود خطب ما بها. فتلك ليست عادتها، فهي دائمًا عندما تراه تظل تثرثر بما فعلته بيومها كاملاً. فرفع شعرها عن وجهها قائلاً بغرابة: "مالك يا سيجو؟ أنتي زعلانة في حاجة؟ تنهدت الصغيرة كمن تحمل من الهموم أثقلها فأجابته: "بابي الميس خلت أنا وفاء تيجي تاخدني من الحضانة وقالتلي مجيش تاني. وأنا وفاء هتوديني حضانة تانية."

اعتدل راسل بجلسته، فأجلسها على ساقه، يتفرس بوجهها بصمت. فزاغت الصغيرة بعينيها عنه كأنها على علم بما سيقوله. ولكن أسرعت هي معقبة: "بابي هو ليه معنديش ماما؟ وليه الأولاد بيقولوا إني أنا شبه العروسة اللعبة. وأنا سمعت الميس بتقول عليا إني شيطانة. أنا شيطانة يا بابي؟ "لأ يا قلب بابي، أنتي جميلة وعسولة بس شقية شوية يا سجود." قالها راسل وهو يحتضن جسدها الصغير يضمها إليه، يربت عليها بحب وحنان. ابتعدت الصغيرة

عنه ترمقه بوداعة وهو تقول: "بابي هي ماما هترجع إمتى بقى؟ هي مش هتيجي زي ما قولتلي؟ هتفضل مسافرة كتير؟ حتى أنا معرفش شكلها ولا شوفت ليها صورة. أنا عايزة أشوفها يا بابي." هذا ما كان يخشاه، أن يأتي اليوم وتلح بمطلبها برؤية والدتها. ولكن ماذا يقول لها؟ فما حدث بعد مولدها بثلاثة أشهر، يجب أن يظل طي الكتمان. فهذا أفضل للجميع. حاول راسل أن يبتسم لها مازحًا:

"ماما هتيجي يا روحي بس عشان هي بتجيب هدية كبيرة ليكي فهتتأخر شوية. ماشي؟ أومأت الصغيرة برأسها عدة مرات كأنها اقتنعت بحديث أبيها، الذي ربما يتلوه عليها، منذ أن أدركت حاجتها لوجود والدتها وسؤالها المستمر عنها. صوت طرق باب الغرفة هو ما أخرجه من شروده، فرفع رأسه ووجد الخادمة، تعلن عن تحضير العشاء وانتظار والدته له بالأسفل.

حمل الصغيرة وهبط الدرج، حتى وصل للمائدة. وضع ابنته على مقعدها، واقترب من والدته يقبل رأسها ويدها، وألقى التحية على ولاء. حاول كسر الصمت المحيط على جلستهم فوجه حديثه لولاء: "عاملة إيه في شغلك يا ولاء؟ مرتاحة فيه؟ ابتلعت ولاء ما بجوفها قائلة بفتور:

"الحمد لله يا أبيه. بس الصراحة شغلانة إني أقعد على مكتب وأشتغل في بنك دي خانقة أوي وأنا مش واخدة على كده. عايزة أتنطط هنا وهناك يكون فيه حركة كده بدل ما الواحد قاعد يقول يا افندم طول النهار." ضحكت وفاء وهي تقول: "أنتي بتحبي الفرهدة يا ولاء. بس البنك اللي أنتي شغالة فيه كويس وكمان أنتي لسه يادوب متخرجة السنة اللي فاتت. دا كتير يحسدوكي على إنك لقيتي شغل بسرعة كده." تبسمت ولاء على ما قالته فرمقت راسل بامتنان:

"ماهو البركة في أبيه راسل هو اللي جابلي الوظيفة دي." ولكن لاحظت وفاء شرود راسل. ولكن هذا ليس جديد، فدائما ما يكون الحاضر الغائب. فإن كان حاضرًا بالجسد، فدائمًا عقله يكون بمكان آخر أو ربما ما زال عالقًا بما حدث سابقًا. "راسل مش أنا شوفتلك عروسة؟

قالتها وفاء لترى رد فعل ولدها على ما قالته، فما كان منه سوى أنه ظل يسعل بشدة حتى دمعت عيناه بعدما علق الطعام بحلقه، بعدما سمع ما تفوهت به. فاللقيمات كانت كخناجر تشق جوفه وهو يحاول ابتلاعها حتى لا يختنق. كوب الماء الموضوع أمامه، كان حبل نجاته فأرتشفه حتى أنهاه. فحمحم ينظف حلقه وهو يقول: "عروسة إيه يا ماما دي كمان؟ حد قالك إني عايز أتجوز تاني؟ مش كفاية اللي حصلي قبل كده؟

ألقى الملعقة من يده بغضب، تصدر صوت قرقعة على طرف الطبق الخزفي. فنهض تاركًا المائدة، بعدما امتلأ صدره بغضب شديد. فظلت وفاء توزع نظراتها بين ولاء وسجود الجالسات بصمت تحدق كل منهما بوجه الأخرى، متناسية هي أن الصغيرة لابد لها أن تتعجب ولو قليلاً وهي من تنتظر عودة والدتها. لم تكن العودة لغرفته محل طلبه الآن، فوجد نفسه ذاهبًا للحديقة، يقترب من ذلك المبنى الملحق بالمنزل، والذي كان عبارة عن غرفتين فسيحتين يشبهان "الاستراحة".

فإحدى هاتين الغرفتين مغلقة منذ سنوات، ولا يريد دخولها ولا يسمح لأحد بالاقتراب منها. أما الغرفة الأخرى فكانت مجهزة بشكل كامل كملعب لتلك اللعبة التي يهوى ممارستها ويبرع بها ألا وهي لعبة "الاسكواش".

وُتمارس لعبة الإسكواش في ملعب مغلق من أربع حوائط، وتستلزم جهدًا عنيفًا ومهارة فائقة لصد الكرة المندفعة بقوة، ويستخدم كل لاعب مضربًا مشدودًا مصنوعًا من نسيج خاص أو من الكربون الأسود المستخدم في صناعة أقلام الرصاص. أما الكرة فتصنع من المطاط، وهي مجوفة من الداخل. على كل لاعب أن يحلق بالكرة المقذوفة بعد ارتدادها عن أي حائط من الأربع بشرط عدم ارتدادها مرتين.

أخذ المضرب والكرة، وبدأ اللعب بهدوء في البداية. ولكن كلما يتذكر أحداث يومه، يزداد عنفه في تسديد الضربات. تتحرك قدماه باحترافية على الأرضية الخشبية، وصوت الكرة يتردد صداه بأذنيه. بدون كلل أو ملل ظل وقتًا طويلاً ينفث غضبه بتلك اللعبة، فأصبح وجهه وجسده متعرقًا للغاية، من جهده المبذول أو ربما فاق كل مرة يمارس بها تلك اللعبة. ولكن هذا لم يجعله يكف عن اللعب، بل جل ما فعله خلع عنه كنزته الصوفية، يكمل ما كان يفعله.

فدمدم ساخطًا على نفسه: "كفاية بقى! وأطلعي من دماغي! فكلما ألقى الكرة على الحائط، يرى وجهها كأنها تنظر له ساخرة من محاولته البائسة في نفضها عن ذهنه. ولكن بتذكره تلك الفتاة التي قابلها اليوم، أخطأ في تسديد الكرة، فارتدت إليه تضرب صدره بموضع قلبه. بديهيًا وضع يده مكان الألم، فتلمست يده إحدى تلك الجروح التي ما زال أثرها واضحًا بجسده.

فألقى المضرب من يده وجلس على الأرضية يستند على الحائط، يحاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثة من كثرة اللعب والتفكير، وبالأخص بتلك الفتاة التي رآها اليوم وربما كان سيتسبب في قتلها. ولكن عندما أفاق لنفسه لم يسعه سوى تصنع الهدوء، وخاصة وهي تحمل ذلك الشبه بينها وبين وجه آخر بماضيه الذي لم يخلو من الندبات التي ملأت فؤاده.

بعد أن تم اختيار القاعة المناسبة لحفل الخطبة، مر ما تبقى من الوقت، حتى حل مساء ذلك اليوم الذي انتظرته حياء بترقب. فهي استطاعت تجاوز ما حدث لها، تفكر الآن في ذلك الحدث السعيد. امتلأت القاعة بالمدعوين، مهنئين لها بخطبتها. لا يخفى عليها همس الفتيات الدائر بينهن على وسامة نادر، فهو حقًا وسيم، رجل تتمناه الكثيرات مثلما هي تراه. فهو فارس أحلامها والأمثل بعينيها. تبسم نادر قائلاً بلطافة: "بس إيه الجمال ده؟ عروسة قمر." تخضبت

وجنتاها بدماء الخجل هامسة: "نادر بس بقى، إحنا من ساعة ما حفلة الخطوبة ابتدت وأنت مش ساكت وبتكسفني." زادت ابتسامته، وقبل أن يجيبها، رأى ذلك الذي ولج القاعة للتو فقال بصوت خفيض ودهشة أيضًا: "دكتور راسل جه الخطوبة؟ معقولة؟ أنا فاكر إنه مش هييجي."

ظن أنه يخاطب نفسه، ولكن تسللت جملته لمسامعها، فأتسع بؤبؤ عينيها وهي تستمع للاسم. فاستدارت برأسها وهي مازالت جاحظة العينين، فرأت ما كانت تخشاه. فها هو ذلك الطبيب المتعجرف يلج القاعة بشموخ وكبرياء لعين. اقترب منه نادر مصافحًا بحرارة، معربًا عن سعادته بحضوره. فما كان من راسل سوى أن ابتسم ابتسامة متكلفة كعادته دائمًا: "ألف مبروك يا نادر." رد نادر قائلاً وهو يبتسم ابتسامة عريضة:

"الله يبارك فيك يا دكتور راسل. دا شرف ليا حضورك النهارده حفلة خطوبتي." فأشار لها نادر بيده أن تتقدم منهما. فبالبداية تسمرت قدماها، ترفض الحركة. ولكن تحديقه المستمر بها، جعلها تنهي صراعها بين الإقدام والتراجع. وقفت على مقربة منهما تبتسم باقتضاب. ولكن ملامحه صلدة باردة، كأنه لم يتذكرها، أو يتذكر ما فعله بها. "أقدم لك يا دكتور راسل حياء خطيبتي." قالها نادر بلطف وهو يبتسم لها، فعاود النظر لراسل معقبًا:

"دا يا حياء دكتور راسل صاحب المستشفى اللي بشتغل فيه." لم تخرج من فمها سوى كلمة مقتضبة: "أهلًا." لم يكترث بشأن اقتضابها، أو بنظراتها التي ترمقه باستياء، كأنها تريده أن يسرع في الذهاب من هنا، لتعود لحفل خطبتها. فهي ترى وجوده يفسد سعادتها. ولكن تلك الفتاة التي رآها تقترب منهما وهي مبتسمة الشفاه التي تطلّيها بحمرة قانية تصيح بسعادة غامرة: "راسل! معقول! أنا مصدقتش عيني لما شوفتك!

ابتهجت هند برؤيته، فهي لم تعلم بشأن مجيئه، وإلا كانت أبدت رغبتها في مرافقته التي تهواها. ولكن يصدها هو دائمًا، وهذا ما يزيد بروح التحدي لديها. رمق هند بلمحة خاطفة، وسرعان ما حول بصره لحياء وهو يقول: "وأنا مصدقتش نفسي لما شوفتك. صدفة عجيبة." بعد الابتهاج الذي رأته حياء من تلك الفتاة التي لا تعلم سوى إنها ابنة أحد رجال الأعمال وتمت دعوتها هي ووالديها لحفل الخطبة من طرف أبيها. سحبت هند راسل من ذراعه قائلة بحماس:

"دا بابي ومامي هيفرحوا أوي لما يشوفوك." زفرت حياء براحة بعد ابتعادهما. ولكن سمعت صوت ضحكة نادر الخافتة، فأثار غرابتها. فعلام هو يضحك؟ فسألته قائلة بغرابة: "أنت بتضحك على إيه يا نادر؟ التفت نادر حوله، كأنه يطمئن أن لا أحد يسمعه، فرد قائلاً: "أصل الظاهر كده الآنسة هند دي عينها من دكتور راسل وبتجيله المستشفى كتير. بس الظاهر كده هو مطنشها ومش عايز يتجوز تاني بعد مراته وعايش لبنته وأمه وبس." قطبت

حياء حاجبيها قائلة بغرابة: "ليه؟ هي فين مراته دي؟ هو مطلقها ولا إيه؟ فدمدمت لنفسها هامسة: "دي يبقى معاها حق لو طلبت منه الطلاق. دا واحد مفيش واحدة تستحمله ولا تطيق تقعد معاه ثانيتين على بعض. مش عمر بحاله." كثر همسها لنفسها فأدنى نادر برأسه منها قليلاً، كأن ما سيتفوه به لا يجب أن يسمعه أحد غيرها. فهمس لها قائلاً بحذر: "لأ هو مش مطلقها. أنا سمعت في المستشفى لما اشتغلت فيها بيقولوا إنها ماتت مقتولة، وإن هو اللي قتلها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...