ألزمها وقت كافٍ لتعي دلالة تلك الجملة، التي تفوه بها هذا الرجل بتعبير جاف، كأن لا يعنيه إذا وافقت أو أبدت اعتراضها على قوله، فلا يهمه سوى أن يخبرها بما لديه وينتهي الأمر سريعاً. دلائل نفاذ صبره برزت جلية بزفراته الخانقة. ولم يزداد الأمر سوءًا إلا بتدخل ديفيد وصياحه بوجهه. على الرغم من أنه لم يعِ ما معنى قوله، ولكن ما أطاح بصوابه هو أنه علم أن شقيقته لا بد لها من الذهاب لمنزل زوجها سواء شاءت بذلك أم أبت.
راسِل لم يمهلها فرصة لرفض القرار، على الرغم من كونها لا بد وأنها تأخذ وقتها كاملاً قبل موافقتها أو اعتراضها، بأن يرسل لها بالبدء إنذاراً. ولكن استطاع زوجها ونفوذ والده بأن يجعل الأمر كأنه تم إنذارها من قبل، وحان وقت التنفيذ للحكم الصادر بحقها. ازدردت حياء لعابها بصعوبة بالغة، فتلعثمت حروفها: "بيت الطاعة إزاي يعني؟
أنا معرفش حاجة عن الموضوع. مش المفروض يكون في إنذار الأول ويا أقبل تنفيذ القرار أو أشوف وضعي القانوني إيه." ضم الرجل كفيه قائلاً بنفاذ صبر: "يا مدام، الورق اللي معايا بيقول إن لازم تنفذي حكم الطاعة، وإن تم إخطارك بالإنذار وإنتي منفذتيش. الورق اللي معايا بيقول كده." استطاع ديفيد تخليص ذراعه من يدي بيرَي القابضتان عليه بحزم، حتى لا يزداد تهوره. فأمسك الرجل من تلابيب ثيابه صارخاً بوجهه: "إنت بتقول إيه؟ إنت وإنذار إيه؟
هي لا استلمت حاجة ولا تعرف حاجة عن الموضوع. الورق ده كله مزور وهوديكم في ستين داهية." نفض الرجل يد ديفيد عنه، ورفع سبابته يشير له بتهديد: "اللي إنت عملته ده تعدي على موظف أثناء تأدية وظيفته، وأنا ممكن أوديك في ستين داهية، فاهم." تأهب ديفيد لبدء عراك مع الرجل، مستخدماً لياقته البدنية، إلا أن حياء حالت بين وقوع الأمر، بأن صاحت بوجه شقيقها:
"ديفيد، إسكت بقى خلينا نفهم اللي بيحصل. حضرتك اتفضل ادخل على ما أحضر شنطتي. وإنتي يا بيرَي، معلش اعملي له حاجة يشربها." لأن الرجل لطف حياء، ودلف الشقة وعيناه لا تنفك عن إرسال النظرات الكارهة لديفيد: "شكراً يا مدام، بس يا ريت حضرتك تخلصي بسرعة."
أومأت حياء برأسها، وذهبت لغرفتها. سحبت حقيبة ثيابها وبدأت بلم أغراضها وثيابها، وهي تفكر لماذا أقدم زوجها على فعل ذلك. فكل شيء صار على المحك الآن، ولكن هذا هو زوجها، إن لم يفعل ما يطرأ على رأسه لن يكون مسماه "راسِل".
ولكن على الرغم من أن وسيلته لإعادتها لمنزله بها شيء من السخافة وربما الإهانة، إلا أن قلبها ازداد معدل خفقانه، لعلمها أن بعد دقائق ستراه ثانية، بعد تلك الليلة الساحرة، التي ما زال عبق عشقها عالقاً بقلبها وعقلها. وضعت آخر قطعة من ثيابها، وأغلقت سحاب الحقيبة، ولكن وجدت ديفيد يقتحم الغرفة دون أن يطرق الباب، مما أدى لإفزاعها، وهو يلج الغرفة كالإعصار صائحاً بصوت غليظ: "إنتي راحة فين يا حياء؟ هتروحي بيت جوزك بجد؟
أنزلت حياء الحقيبة أرضاً، وهي تقول بقلة حيلة:
"ده حكم قانوني ولازم أنفذه يا ديفيد، لأن شكلنا استفزينا راسِل بما فيه الكفاية. ده جوزي وأنا عارفاه. ودلوقتي كمان عايش مع باباه وأكيد سمعت عن نفوذ وسلطة رياض النعماني. ولو أنا ما سمعتش الكلام كل حاجة هتتكشف ومش ضامنة ردود الأفعال هتبقى إيه. بس اللي متأكدة منه إن هيبقى فيه بحور دم. وأتخيل إنت لو راسِل عرف إنك إنت كنت بتعذبه في إيطاليا، ده مجرد السيرة بس كانت بتخليه في قمة عصبيته ونرفزته. ومتنساش إنك أخويا وهو جوزي وأنا مش عايزة أبقى واقفة بين نارين. فسيبني أروح وأحل الموضوع معاه."
تركها حتى انتهت من حديثها كاملاً، ولم يشأ مقاطعتها. فهو أراد معرفة رد فعلها عما يحدث، وجاءت النتيجة مثلما فكر بها. فالسعادة المتألقة بعيني شقيقته دليلاً واضحاً على أنها تريد الذهاب لمنزل زوجها من أجل أن تعيش بجوار من تحب بالمقام الأول. فتللك الترهات التي قالتها لم تكن مقنعة له على الإطلاق. إلا أنه بدا قنوعاً بقولها وهو يومئ برأسه قائلاً بهدوء: "ماشي يا حياء، اعملي اللي شايفاه صح وأنا هشوف محامي وأحل الموضوع."
خرجت منها صيحة محتجة، جعلتها تدرك رعونة اندفاعها. فعادت تبرر رفضها وهي تقول بارتباك: "لأ، خليني أنا أحل معاه الموضوع بشكل ودي، علشان متحصلش مشاكل أكبر." ثغرته الملتوية بابتسامة العالم بحقيقة الأمور، أضافت عليه مظهراً شيطانياً ساخراً: "أمم، مشاكل أكبر! على العموم عمي أدريانو لما يرجع أكيد هيعرف يحل الموضوع ببساطة."
ذكْره لاسم عمها كان كافياً لبث الرعب بقلبها. فديفيد متمرس بذلك الأمر، عندما يجدها تحيد عن ذلك الطريق الذي رسمه لها. فكأن اسم أدريانو صار يرتبط بشعور الخوف والرهبة لديها. إلا أنها حاولت إخفاء كل ما يعتريها، خلف ابتسامة هادئة، كأنها غير عابئة بما قاله:
"ماهو لو إنت يا ديفيد محاولتش تلم الموضوع وتفهم عمك إن لازم أعمل كده، هتبقى الأيام الجاية سواد على الكل. راسِل بقى مجروح مني وعلى آخره، يعني هو مستني هفوة مني كمان ومش بعيد يطربق الدنيا. وراسِل لما بيتعصب مبيشوفش قدامه، اسأليني أنا على عصبيته." رفع ديفيد حاجبه قائلاً بسخرية: "وهو إنتي مش خايفة من عصبيته دي؟ المفروض إنتي أول واحدة تخاف." مالت حياء بجزعها العلوي لتجر الحقيبة، فتبسم ثغرها بابتسامة وهي تقول بثقة:
"ماهي كانت عصبيته ونرفزته بس معايا بيبقى الموضوع مختلف. علشان كده بقولك سيبني أحل الموضوع. وإنت لما عمك يرجع حاول تهديه على ما أشوف هعمل إيه." جرت الحقيبة خلفها وخرجت من الغرفة للصالة، بينما ركل ديفيد الباب بقوة كأنه على وشك كسره. فاللعبة تغيرت قواعدها، ولن يعود بإمكانه أن يديرها كيفما يشاء. وضع الرجل كوب المشروب المرطب من يده بعد رؤيته لحياء قادمة إليه، فنهض قائلاً برسمية ومهنية: "يلا بينا يا مدام."
تلمست حياء يد بيرَي وقالت بحنان: "خلي بالك من نفسك يا بيرَي، والأفضل ترجعي بيت باباكِ دلوقتي." احتضنتها بيرَي وهمست بأذنها بمكر: "تصدقي دي أحسن حاجة عملها جوزك. ولو إني مش فاهمة يعني إيه القانون ده. المهم إنك تروحيله، ياريت أنا كمان أشوف حبيبي من تاني." ربتت حياء على ظهرها وهي تهمس للأخرى: "إن شاء الله تقابليه يا بيرَي. هبقى أكلمك على التليفون."
لم يظهر لها ديفيد نيته بوداعها، فملامح وجهه المكفهرة جعلتها تفضل الانسحاب من مشادة أخرى، ربما سيكون عواقبها وخيمة. ولكن أرسلت له بعض النظرات الوديعة من عينيها، جعلته يشيح بوجهه عنها، حتى لا يجد نفسه يعترض طريقها ولا يجعلها تذهب.
طوال طريقها من الشقة لقصر النعماني، كانت تفكر باستقبال عائلة زوجها لها. فكيف سيكون شعورهم حيالها بعد ما فعلته بزوجها، وربما الآن صاروا يعلمون بشأن تلك الليلة التي قضتها برفقة زوجها بالقصر وذهابها قبيل الفجر قبل أن يراها أحد منهم. ولكن كل هذا بكفة ورد فعل زوجها لرؤيتها بكفة أخرى. لم تستبعد من تخيلاتها أنه سيعمل على سحق عظامها لفعلتها، فأن تكون معه وتجعله يقضي ليلة كتلك واهمة إياه بوعود وعهود لم تفِ بأحد منها، فذلك أدعى لأن يصب عليها جام غضبه ونقمه.
لم تخرج من تلك الحالة من الشرود، إلا بعد علمها أنها الآن داخل القصر، ولن تمر ثوانٍ معدودة حتى ترى ساكنيه وبالأخص فارسها المغوار، الذي إن مرر لها أفعالها السابقة، لم يمرر لها فعلتها الأخيرة. "إسترها يا رب."
قالتها حياء همساً وهي تلج للداخل. فبأعلى الدرج وأمام غرفته كان مائلاً بجزعه العلوي، على السياج الخشبي. فمن مكانه استطاع رؤيتها بوضوح وهي تلج القصر، وتجر خلفها حقيبة ثيابها. ومن خلفها يأتي ذلك الرجل المكلف باصطحابها من شقتها حتى منزل الزوجية، المفترض أن تنفذ به حكم الطاعة الصادر بحقها من جانب زوجها. تشابك كفيه ببعضهما وهو يصدح بصوته الساخر: "أهلاً وسهلاً يا مدام راسل، شرفتي ونورتي البيت." صمت وعاد شهق بأسف مستأنفاً:
"أوه، قصد بيت الطاعة." لولا تلك العيون التي ترصدها، لكانت ارتقَت الدرج الآن وتشاجرت معه. ولكن حاولت الحفاظ على تهذيبها قدر إمكانها وهي تجاري سخريته: "قصدك قصر الطاعة، لو كل بيوت الطاعة كده، كان زمان كل الستات طلبت إن أجوازهم يطالبوهم في بيت الطاعة." تركت الحقيبة من يدها وعقدت ذراعيها أمام صدرها بتحدٍ. فكم يهوى هو النزول إليها وتحطيم عظامها. بقولها ووقفتها المتحدية، جعلت أكثر تركيزاً على اختيار العقاب الملائم.
"علشان تعرفي مقامك عندي يا مدام حياء." قالها راسل وهو يهبط الدرج بتؤدة. ولا تعلم سر تلك الرهبة، التي جعلتها تجفل، وهي تراه يهبط الدرج كالمارد أو أسد خرج من عرينه للصيد، وستكون هي فريسته، التي حاولت الهرب منه، لتجد نفسها بالنهاية بوسط عرينه. وربما تخرج ممزقة المشاعر برؤيتها لأنثى أخرى ستشاركها به.
فما أتت على ذكر تلك التي ستجعلها تقبض بيدها على النجوم، ولا تجعلها تقربه، حتى وجدتها تلج وهي تحمل سجود، التي صرخت فرحاً برؤية حياء وجعلتها تفلتها. "مامي! جيتي من السفر." قالت سجود ورفعت ذراعيها لتحملها، فرفعتها حياء بين ذراعيها وهي تقبل وجنتها وعيناها تتمعن النظرات بوجه إيلين. فقالت حياء بابتسامة ماكرة: "آه يا روحي رجعت علشان كل واحد يلزم مكانه ويعرف مقامه."
راقبت حياء بوضوح تغير ملامح وجه إيلين واتساع طاقة أنفها وانقباضها دلالة على أنها تشعر بالضيق والغيظ الشديد. فبعد أن أنهى زوجها الأمر مع الرجل الذي اصطحبها إليه، وخرج بعد أن أدى مهمته. وجده يقف بجوار إيلين قائلاً ببرود: "فعلاً صدقتي في كلامك يا حياء." فأهدى إحدى ابتساماته الجذابة لإيلين وأكمل حديثه: "إيلين، يلا جهزي نفسك علشان نخرج. ربع ساعة وهكون مستنيكي في عربيتي." بادلته إيلين الابتسام وهي تقول بحماس شديد:
"أوك يا حبيبي، ثواني وأكون جاهزة." كل هذا يحدث على مرأى ومسمع من رياض ووفاء وسوزانا وغزل وعاصم. فجميعهم جالسون كأنهم يشاهدون عرضاً مسرحياً لرجل ونسائه، ولا أحد منهم يبدو أن بنيته التدخل بالأمر. ولكن خرج رياض عن صمته وهو يقول برصانة: "خد مراتك الأول وصلها الأوضة قبل ما تخرج يا راسل."
رفع يده يشير لها بأن تسبقه في ارتقاء الدرج، فحملت الصغيرة وصعدت أمامه بهدوء كاد يطيح بعقله. وصلت أمام غرفته وقبل أن تدير مقبض الباب وجدته قائلاً بتساؤل: "إنتي راحة فين؟ التفتت إليه برأسها وهي تقول: "هكون راحة فين يعني؟ داخلة الأوضة. مش هقعد معاك في أوضتك." تشدق بضحكته الساخرة قائلاً: "ومين قالك إنك هتقعدي معايا في أوضتي؟
تعالي ورايا. وإنتي يا سيجو روحي لأنا وفاء خليها تلبسك هدومك علشان تيجي معايا. يا روحي، هوديكي الملاهي." أطاعت الصغيرة أمره، بينما تبعته حياء لغرفة أخرى تبعد كثيراً عن غرفته. ففتح الباب ودعاها للدخول. تجولت بعينيها في الغرفة، فهي لم تطأها من قبل، ولكنها غرفة مرتبة ونظيفة بها كل وسائل الراحة والرفاهية.
بعد أن انتهت من التجول بعينيها في أرجاء الغرفة، عادت ونظرت إليه من جديد. وجدته يمعن النظر بها بشرار يتطاير من سوداواته. ولم يكتفِ بذلك، بل أغلق الباب وعاد إليها، كأنه لا يريد أن يستمع أحد للحوار الذي سيدور بينهما. فعلى الرغم من شعوره بالضيق منها، إلا أنه لن يجعل أحد يتطلع على حياتهما الشخصية.
انتظرت خطوته التالية، ولكنه اكتفى بالوقوف على مقربة منها دون المحاولة منه بالاقتراب أكثر أو أن يلمسها. فأصبح الصمت ثقيلاً وجو الغرفة خانقاً على الرغم من تيار الهواء المنعش القادم من النافذة. سئمت من وضعهما الصامت فبادرت بسؤالها: "هو إنت بتبصلي كده ليه؟ وليه جبتني هنا ومخلتنيش قعدت معاك في أوضتك؟ كأنه كان بانتظارها أن تفتح فمها وتقول أي كلمة، ليكون لديه الحجة الكافية لينزل بها عقابه الذي بدأ بهدير صوته الناقم:
"وعايزة تقعدي معايا في أوضتي ليه؟ علشان تكملي عمايلك وتبقى فخورة أوي بنفسك وإنتي بتضحكي عليا." لم يكتفِ بصياحه، فقبضتاه الممسكتان بذراعيها، كأنهما على وشك كسر عظامها، جعلتها تجفل من شعورها بالألم وهو يكمل حديثه: "بقى تكوني معايا وفي حضني وإنتي مخططة إنك تسيبيني وتمشي؟
استغفلتيني واستغليتي ضعفي من ناحيتك وعملتي عملتك ومشيتي وكأن اللي سبتيه ده ملوش لازمة ولا أي قيمة غير إنك تلعبي بمشاعره كل شوية. هي مشاعري ملهاش تمن عندك للدرجة دي؟ متخيلتيش إحساسي لما أقوم من نومي وأدور عليكي ألاقيِك مشيتي." دمعت عيناها من شعورها بالألم وقالت برجاء: "راسل، إنت قربت تكسر دراعي، حرام عليك." ضغط أكثر بأصابعه على ذراعيها، جاعلاً شعورها بالألم مضاعفاً، فجز على أنيابه قائلاً بدون اكتراث:
"ده ميجيش حاجة جنب اللي لسه هعمله فيكي يا حياء، لأن إنتي اللي وصلتي علاقتنا لكده." تركها بجفاء فرفعت يديها تدلك ذراعيها، وعيناها تتحداه أن يكون صادقاً بتنفيذ قوله. فضمت شفتيها وعادت تنفرج بشبح ابتسامة وهي تقول بتحدٍ سافر: "حبيبي، مش هتقدر تعمل فيا حاجة، لأن عارفة إنك بتحبني صح."
أرادت ختام حديثها وإثبات صحة قولها، وأن تجعله يدرك حقيقة الأمر بينهما، بأن وقفت على أطراف أصابعها وأشرأبت بعنقها ولفت ذراعيها حول عنقه، ودعته بدهاء لإحدى جولات العناق. فلم تحسب حساباً لأن يدير الدفة لصالحه وأن يجعل السحر ينقلب على الساحر. فمن ظنته سيخوض العناق ويجعلها تشعر بمدى سيطرتها على قلبه ووجدانه، جعلها هي من تتلهف لأن يهبها العناق.
فأحكم سيطرته على مشاعرها الثائرة، وجعلها تتلمس منه الحنان والدفء، فتمرغت بوجهها في كتفه وصدره، كهرة صغيرة وديعة، تريد من صاحبها أن يلاطفها. فهمس بأذنها قائلاً بدفء: "وحشتك؟ هزت رأسها مراراً قائلة بلهفة وشوق: "أوي أوي يا حبيبي." رفعت وجهها إليه وأغمضت عينيها، فضربت أنفاسه وجهها تكاد تحرق بشرتها البيضاء، ولم يعد يفصلها سوى إنش واحد. فسمعته يقول بصوت كالصقيع:
"بس إنتي مش وحشاني يا حياء، وأنا دلوقتي خارج مع سجود وإيلين، فياريت أرجع ألاقيِك ملتزمة بأوضتك ومكانك."
تركها فجأة، ففتحت عينيها على الفور، وجدته يبتعد عنها قبل أن يكمل العناق بينهما، بل بدا متفاخراً بصده لها، وجعلها تشعر بتلك الإهانة التي سبق وأذاقته منها. خرج من الغرفة وسمعت صوت إدارة المفتاح بمقبض الباب، ويبدو أنه سيجعلها سجينة غرفتها. فاجتاحها شعور عارم بالسخط، وهي تفكر بمعنى قوله أن سيتركها ويذهب مع أخرى ويصطحب الصغيرة معهما. فهي لن تجعل أحد يشاركها به أو بالصغيرة مهما كلفها الأمر، فهما عائدان لها بالأساس.
انتظرها لما يقرب من النصف ساعة خارج استوديو التصوير الفوتوغرافي الخاص بها، يحدوه الأمل بأن تنتهي سريعاً، ليخبرها بما لديه، قبل أن يفقد شجاعته، التي حاول غرسها بنفسه الضعيفة المتعلقة بآمال زائفة، يود لو يبرأ منها بالقريب العاجل. ففي البداية كان ينتظرها بغرفة جانبية صغيرة، ولكن عندما أصابه السأم والملل من الانتظار، قرر الخروج من الاستوديو ليستنشق بعض الهواء، لحين انتهائها. ظل يراقب مرور السيارات وقراءة اللافتات المعلقة على البنايات السكنية، تخص أطباء أو مهندسين أو محامين، حتى حفظها عن ظهر قلب ويستطيع الإدلاء بكل ما تم كتابته على اللافتة.
نفخ بضيق ومسح وجهه مغمغماً: "وبعدين بقى في القاعدة دي." سمع صوتها يأتي من خلفه قائلة باعتذار: "كرم، بجد آسفة إن اتأخرت عليك، بس النهاردة الشغل في الاستوديو كان كتير." استدار إليها كرم يبتسم بابتسامة هادئة، خلافاً لذلك الصخب الذي يعتمل بقلبه جاعلاً إياه ينبض نبضات خائفة، وربما تسرب ذلك الخوف بخلاياها، حتى شعر بألم بمعدته، كمن ذاهب لأداء امتحان صعب، ويخشى الإخفاق به. فقال بتوتر حاول أن يداريه خلف ابتسامته الجذابة:
"ولا يهمك يا نورهان، أنا كنت جاي علشان كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم." قالت نورهان وهي تبتسم بأمل: "خير، موضوع إيه ده؟ نظر كرم حوله لتقييم المكان، هل هو صالح للحديث أم لا؟
ولكن وجد أن وقفتهما هكذا لن تصلح بأن يتحدثا بهذا الأمر الذي سيتعلق عليه مصير ثلاثة أشخاص، هو وهي وهند. فكان من المفترض أن هذا الأمر ينتهي منذ بضعة أيام، ولكنه افتقر للشجاعة التي تجعله يخوض بالأمر. فإجازته القصيرة التي جاء بها للإسكندرية، استطاع مدها لوقت آخر، لكي يمنح نفسه الوقت الكافي بوزن الأمور. وضع يديه بجيبَي بنطاله، ليخفي ارتجافهما وهو يقول بهدوء ظاهري: "ممكن نقعد في أي مكان علشان نعرف نتكلم." حركت رأسها
بالإيجاب وهي تقول باسمة: "آه طبعاً، في كافيه قريب من هنا، بس ثواني أجيب شنطتي وكمان أكلم البنت اللي بتشتغل معايا أقولها تخلي بالها من الاستوديو على ما أرجع." انتظرها حتى عادت ثانية، وعبرا الطريق للجهة الأخرى، حتى وصلا للمقهى. فبعد أن أوصى بالمشروبات وجاءتهما على وجه السرعة، رفع كرم قدح القهوة، الذي أراد أن يمنحه شيئاً من الشجاعة والقوة ليقول ما لديه. وضع القدح من يده وهو يقول بارتباك:
"هو الموضوع يا نورهان إن أنا كنت حابب أقابل باباكي ومامتي علشان أخطبك، بس الصراحة في حاجة كنت عايزك تعرفيها." تألقت عيناها ببريق البهجة والسعادة لعلمها بنواياه، إلا أنها فضلت تركه يكمل حديثه. فعاد مكملاً لحديثه وهو يجفف وجهه بمحرمة ورقية، كأنه يشعر بالحر الشديد أو أن وجهه غارق بالعرق، على الرغم من أن الجو داخل المقهى مائل للبرودة قليلاً بسبب مبرد الهواء.
"هو اللي كنت عايزك تعرفيه إن أنا متجوز بنت خالتي وهى حالياً لسه على ذمتي بس هننفصل قريب جداً." بصقت ما بفمها بعد سماع تصريحه بأنه متزوج. نظرت حولها تخشى أن يكون رآها أحد وهي هكذا، فمسحت فمها وهي تقول باستنكار: "يعني متجوز وجاي عايز تخطبني إزاي يعني؟ أخذ كرم نفساً عميقاً وزفرة براحة وهو يحاول شرح ما قاله:
"أنا كنت متجوز بنت خالتي لأسباب تقدر تقولي عائلية، بس كان جواز على الورق بس، يعني إحنا معشناش مع بعض زي أي اتنين متجوزين، وقررنا ننفصل قبل ما أسافر الأقصر وبعد كده قابلتك." "إنت بتحبها يا كرم؟ قالتها نورهان فجأة، وأزدرد كرم لعابه، خشية تصريحه بصحة قولها، فظل صامتاً وتبسمت هي بهدوء وقالت برصانة:
"شكلك بتحبها يا كرم، ولو ده حقيقي يبقى حرام تروح تظلم واحدة تانية معاك وأنت قلبك مع واحدة تانية. يبقى كده بتحطم 3 قلوب، قلبك وقلبي وقلبها. أنا مش هنكر وهقولك فعلاً من ساعة ما شوفتك في القطر وأنا أعجبت بيك وكمان مكنتش أعرف بموضوع جوازك، لكن دلوقتي مقدرش إني أوافق على علاقة عارفة إنها هتبقى خسرانة، لأن باين عليك إنك بتحبها فلو كده خليك معاها." "بس دي عملت معايا كتير وعملت غلطة متتغفرش."
قالها كرم وهو يشيح بوجهه عنها، فنظرت إليه مطولاً، وأخذت كوب الماء ترتشف منه، لعلها تهدأ من شعورها بخيبة أملها. ولكن ذلك لم يمنعها من أن تقول بثقة: "ربنا غفور رحيم، وكل بني آدم بيغلط ربنا بيديه الفرصة ويسامحه. ليه إنت مش عايز تسامح؟
عارفة إن إحنا بني آدمين ومش ملايكة علشان ننسى الإهانة بسهولة، بس برضه ربنا خلق في قلوبنا رحمة. يعني يبقى ربنا فاتح بابه لكل عبد بيغلط ونيجي إحنا نسدها في وشه. فعلشان كده حاول تديها وتدي نفسك فرصة تانية، ومتحاولش تداوي علاقة مكسورة بجرح تاني هتسببه لواحدة تانية وخصوصاً لما تعرف إن قلبك لواحدة تانية، صدقني دي تبقى إهانة ووجع ليها. فعلشان كده بقولك آسفة يا كرم على إني أقبل إني أخطبك لك أو أتزوجك، بس سعيدة إني قابلتك واتعرفت عليك. سلام."
نهضت نورهان من مكانها، وراقب رحيلها من المقهى. فحديثها جعله يدرك أي حماقة كان سيرتكبها الآن، فهي محقة بشأن ذاك الظلم الذي كان سيقع عليها، إذا تمت خطبتهما وعلمت بشأن حبه لابنة خالته. ولكن عودته لهند، كأنها السهل الممتنع. إذا أطاع رغبة قلبه، فكبرياؤه جريح من أفعالها وأقوالها السابقة بحقه. فماذا يفعل حتى ينهي تلك الحيرة الغارق بها؟ فظنه بأنه سيخوض علاقة جديدة، تجعله ينسى ما لقاه بحبه الأول، ذهب أدراج الرياح.
لطالما سمعت عن تلك العبارة "كل شيء مباح بالحرب والحب". ففكرت لما لا تجيد استخدامها لكي تعيده إليها. فعقابه وغضبه منها مؤلم ومؤذٍ لقلبها. ولكن ماذا كانت تظن؟ ستكون حالته بعد عودتها؟ فهل ظنت أنها ستجده فاتحاً لها ذراعيه، لتغوص بينهما وتبدي أسفها ويخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يرام؟
فهي حقاً ساذجة القلب والعقل. فما حطمته بيديها لا تستطيع جبره بسهولة. فكم من مرة أخبرها بأنه إذا تعرض للخداع، فلن يقوى على تحمل ذلك، بل سيصبح بلا قلب. وهكذا كان حاله معها الآن. وقوفها بالشرفة الملحقة بغرفتها ورؤيتها له يمتطي جواداً وعروسه المدللة تمتطي جواداً آخر، ويتنزهان سوياً بتلك الحديقة الشاسعة، جعلا من الصعب عليها إعلان هزيمتها بسهولة، حتى لو سلط على عنقها السيف. فما عليها سوى أن تتبع نهجاً آخر.
"صبرك عليا يا راسل، إنت والغندورة إيلين بتاعتك دي." خرجت من الغرفة وهي لا تلوى على شيء، حتى وجدت نفسها بحديقة القصر، بمنتصف تلك الرقعة الخضراء، القريبة من حظيرة الخيول. وقفت مكانها ورأته قادماً بجواده. دار حولها بحركة دائرية، وهي تتبعه برأسها، حتى كاد يصيبها بالدوار من فعلته. "نازلة الجنينة تعملي إيه يا حياء؟ مش قولتلك متخرجيش برا أوضتك إلا لما أقولك."
قال راسل ببرود وخشونة، وهو يمسك لجام الجواد بحزم ليجعله يكف عن الحركة. ولكن ربما ثار الجواد من فعلته، فشَب على قوائمه الخلفية، فصرخت حياء وسقطت أرضاً ظناً منها أن الجواد سيدعسها بأقدامه. "حياء! مالك في إيه؟ إنتي خوفتي." نطق راسل عبارته بقلق ودقات قلبه تهدر بخوف، خاصة بعد سماعه صوت صيحتها الخائفة.
فحركت حياء رأسها بالإيجاب، وعيناها دامعتان. ترك راسل الجواد على الفور وخر راكعاً بجانبها ليعلم هل أصابها مكروه ناتج عن سقوطها على الأرض؟ تقدمت إيلين بجوادها فقالت ببرود وعيناها ترمق حياء: "مالك يا حياء؟ خوفتي من إيه؟ مش شايفة يعني الحصان جه جمبك ولا حاجة، شكلك بتدلعى." صوتها الناعم المفعم بالبرود والسخرية، كان مدعاة لأن تصير حياء أكثر جرأة، خاصة الآن وهي تتضع ذراعيها حول عنقه وتقول بهمس متألم:
"أنا خوفت أوي يا راسل لدرجة حسيت لما وقعت رجلي اتجزعت ومش قادرة أقف عليها." وضع راسل ذراع أسفل ساقيها وذراع خلف ظهرها، فرفعها عن الأرض بخفة، ليذهب بها إلى غرفتها. كتمت ابتسامة بكتفه وهي تراه يحملها بحنان. عادت تنظر لإيلين من خلف كتفه، فأخرجت لها لسانها لتغيظها، كمن تريد إيصال رسالة إليها، بأنها ما زالت تملك تأثيراً على وجدانه.
وصل بها للغرفة ووضعها بمنتصف الفراش. جلس بجانب قدميها وأولاها ظهره، فرفع قدمها الذي أشارت إليه بأنها تشعر بألم به، فتحسسه بيده وهو يقول بجدية: "حاسة إنها بتوجعك أوي كده؟ أومأت برأسها دلالة على أنها تشعر بالألم، فمطت شفتيها كأنها ستبكي: "آه، حاسة إنها بتوجعني أوي. تفتكر نكلم دكتور ييجي يشوف رجلي؟ أجابها راسل، وهو منهمك بفحص قدمها قائلاً بتهكم: "ده على أساس إنك متجوزة سباك؟ أومال أنا إيه؟ مش دكتور برضه؟
لم تستطع أن تكتم تنهدة قوية وعميقة، انسلت من بين شفتيها، تعبيراً عن تلك النيران التي شبت بقلبها. فكل لمسة منه جعلت دماءها تسير حارة بعروقها. فزاد بإنهمانه بفحص قدمها، حتى وجدها تستريح برأسها على ظهره المنحني. فقالت بهمس ناعم والشوق يختلج بصوتها: "بحبك أوي ووحشتيني أوي يا حبيبي، لسه مش عايز تسامحني؟
كف راسل عن كل حركة يفعلها، فتصلب جسده لبرهة. فببطء غير من وضعية جلوسه وأصبح مواجهاً لها يحدق في وجهها بصمت. فلم تكتفِ بقولها، إذا أخذت أناملها تسير على لحيته ببطء، كأنها تعزف نغمة هادئة من تراتيل العشق.
انتظرت أن يقول شيئاً، ولكن ظل صامتاً يحدق بوجهها بتعبير مبهم. ولكنها تفاجأت به يشدها لصدره، فأحست بمشاعرها تبعث حية وهي بين ذراعيه. ولكن تلك الكلمات التي صبها بأذنيها لم تمت لتلك الحالة من الهيام التي ظنت أنها تلبسته فجأة. إذ شعرت بالمهانة من حديثه القاسي. فجز على أنيابه قائلاً بحقد على نقطة الضعف لديه: "مفكراني لما تعملي عمايلك دي هصدقك؟
أنا عارف إن رجلك كويسة ومتجزعتش وإن لما وقعتي محصلكيش حاجة. بقيتي شاطرة أوي في الضحك عليا زي ما كنتي بتعرفي تأثري عليا. بس دلوقتي نجوم السما أقربلك من إني أرجعلك زي ما كنت يا حياء." صمت لهنيهة، فعاد مستطرداً بابتسامة ساخرة ماكرة: "بس لو حاسة إنك مشتاقة ليا أوي كده معنديش مانع أقضي معاكي الليلة دي ومش هزعلك، وأهي هتبقى ليلة زي اللي مروا، وهحاول أعمل نفسي إني مبسوط إني إحنا مع بعض."
دفعته عنها فهي لن تتحمل سماع إهانة أخرى منه. ولكن لم تكن دفعتها قوية حتى يبتعد، إذ أحكم ساعديه حولها. فراحت تتخبط بين ذراعيه، وتضربه بقبضتيها على صدره. فكان النصيب الأكثر من ضرباتها المتلاحقة بموضع قلبه. فقال ببرود رغم ما يشعر به من ألم: "اضربي في قلبي كمان يا حياء، لأن يستاهل إنه خان عهده معايا ورجع يدق من تاني وحبك." كفت عما تفعله بعد سماع قوله. فرمقته بعينان دامعتان وهي تقول بندم:
"عارفة إن وجعتك بس غصب عني يا حبيبي، غصب عني." "وإيه اللي غصبك يا حياء؟ علشان عرفتي مين أهلك؟ ولا علشان أهلك طلع أصلهم يهود؟ ولا علشان الشاب اللي قولتيلي إنه شريكك في المكتب المفروض إنه أخوكي؟ ولا علشان إيه؟ قوللي." قالها راسل بهدوء، فانتفضت من مكانها بفزع. كيف علم هو بكل هذا؟ وماذا يعلم عنها أيضاً؟ فجحظت عيناها وهي تقول بدهشة: "إنت عرفت كل ده إزاي ومنين؟ وإزاي عرفت المعلومات دي؟
ضم كفيها بين يديه، محاولاً التحدث بروية قدر ما سمحت له أعصابه الثائرة:
"لما قابلتك وخرجتي من البيت خرجت وراكي لقيت ركبتي عربية مع واحدة عرفت بعد كده إنها بنت أدريانو. لقيتك رجعتي معاها على بيتها، فالأول افتكرت إنها ممكن تكون صاحبتك أو تعرفيها، بس الموضوع مدخلش دماغي. رجعت على القصر وقولت لوالدي على إنك موجودة في بيت أدريانو، خلى رجاله يراقبوا كي. وكمان غزل قالت إن الشامة اللي على إيدك زي الشامة اللي كانت على إيد أخو ادريانو، وإن ممكن يكون فيه رابط بينك وبينهم وده اللي عرفناه إن ديفيد
دانيال إسكندر رجع إسكندرية وهو أساساً مقضي معظم حياته في صقلية وإنه على طول ملازمك، فاستنيتك تقولي أي حاجة بس فضلتِ ساكتة. جه توقيت معرفتك لأهلك مع توقيت إنك سبتيني بحجة إنك مش عايزة تعيشي معايا بعد اللي حصلي. فلو ده صح، خبيتي عليا ليه وإحنا مفيش عداوة بينا وبين أهلك ومكنش يهمني هم أصلهم إيه، اللي كان يهمني إنتي وبس. بس لقيتِ مكملة في عمايلك. فقوليلي يا حياء فيه إيه بالظبط علشان حاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة."
سحبت يديها من بين كفيه، وتركت الفراش ووقفت أمام النافذة وأولته ظهرها قائلة بـنهدة عميقة: "لأ، فيه حاجة ولا غيره، مفيش غير اللي إنت قولته، إن خوفت إنك تعرف إن أهلي أصلهم يهود ومعاملتك تتغير معايا فقولت أسيبك أنا قبل ما تسيبني." ترك مكانه هو الآخر وجذب ذراعها، ليجعلها تستدير إليه، فصاح بوجهها قائلاً بنفاذ صبر: "إنتي ليه مصرة تستخفي بيا وبعقلي يا حياء؟ أنا خلاص مبقاش عندي صبر ليكي تاني." زفرت حياء بخفوت
فقالت وهي تربت على وجهه: "ممكن تقفل باب النقاش في الموضوع ده. ولو عايز تتقبل عذري اللي قولته تمام، هترفض يبقى متحاولش تسألني تاني علشان معنديش حاجة تانية أقولها." ترك ذراعها وخرج من الغرفة. وجد إيلين قادمة عبر الرواق الطويل، فسألته عن وجهته: "رايح فين يا راسل؟ وضع يديه بجيبَي بنطاله قائلاً: "هنزل ألعب إسكواش، تيجي تلعبي معايا؟ حركت رأسها بالإيجاب قائلة بابتسامة: "تمام، بس اديني ربع ساعة وهحصلك على الملعب تحت."
أومأ راسل برأسه، فيما رأى صورة حياء منعكسة بإحدى المرايا. فإن كانت ستظل على صمتها، لا يحق لها معاتبته على ما سيفعله. ذهبت إيلين إلى غرفتها لترتدي ثياب رياضية ملائمة، وذهب هو لغرفته. وبعد انتهائه سبقها إلى ذلك الملعب الذي كان له منذ صغره. بدأ اللعب بتسلية لحين مجيء إيلين. فعندما هم برفع يده بالمضرب وجد من تحكم يدها حول معصمه. حدق بوجهها وانتظر أن تقول ما لديها. وعندما لم يجد لديها النية للحديث. سألها ببرود:
"عايزة إيه يا حياء؟ وماسكة في إيدي ليه كده؟ أخذت المضرب من يده وأطاحت به من يدها وهي تقول بغيرة قاتلة: "كمان جاي تلعب معاها إسكواش؟ ده إنت حتى مفيش مرة عرضت عليا إني ألعب معاك اللعبة دي." ابتسم راسل قائلاً بتسلية: "عايزة تلعبي معايا يا روحي؟ بس كده، عيوني. بس لازم أعلمك إزاي تلعبيها." أخذ مضرب ووضعه بيدها اليمنى، في حين أنه وقف خلفها وأحكم سيطرته عليها. فوضع رأسه على كتفها وقال من بين أسنانه:
"خليكي إيدك مشدودة على المضرب ولازم يبقى عندك مهارة في تسديد الضربات كده." بدأ برمى الطابة، يحركها هي معه يميناً ويساراً لصد الكرة، حتى كاد يشعرها بالدوار من كثرة عنفه وفرطه بالحركة، كأنه لا يحسب حساباً كونها محكومة بين ساعديه وقدميها تكاد لا تلامس الأرض. فصرخت به بالنهاية: "كفاية حرام عليك، دماغي لفت. مفكرني عروسة لعبة بتلعب بيها."
أفلتها من بين ذراعيه، فألتقطت أنفاسها وسعلت عدة مرات، كأنها تشعر بالاختناق. وضع المضرب على كتفه وهو يقول بغرور: "مش إنتي اللي عايزة تتعلمي لعبة الإسكواش؟ كنت بعلمك غلطت." "وهو ده اسمه تعليم؟
قالتها حياء وهي تضع يدها على صدرها. فلو استمر الحال هكذا، سيقتلها بالغيرة قبل أفعاله معها. وجدت إيلين قادمة ترتدي زي رياضي بتنورة قصيرة، فشهقت بعد رؤيتها وعادت تنظر لزوجها، الذي يبدو عليه أنه غير مهتم بدهشتها أو صدمتها. بل كانت الطامة الكبرى، بأن بدأ اللعب سوياً وجلست هي تشاهد ما يفعلانه. وكلما ارتفعت تنورة إيلين، تكاد تصاب بالجنون. فما يحدث عذاب لا يضاهيه عذاب آخر. فقلبها يحترق بنيران اللوعة والغيرة. ولكنها غير قادرة على أن تقول شيئاً.
استردت سهى صحتها وعافيتها، التي كانت بحالة مزرية بالأيام الماضية. فالعناية الشديدة التي تلقتها من الخادمات، كانت أقرب للاعتناء بملكة سيتم تتويجها على عرش الحكم قريباً. وكلما حاولت إبداء كفايتها من اعتناءهما المبالغ به، لا يأتيها رداً منهما، سوى أنهما تفعلان ذلك بأمر من سيدهما. ففكرت من يكون هذا السيد، الذي استطاع تخليصها من ذلك القبو القذر، بعدما كانت على شفير الموت. فهي امتنعت عن الطعام والشراب، حتى ينتهي أجلها أفضل من ذلك المصير الأسود والمجهول، الذي كان ينتظرها.
جلست إحدى الخادمات تمشط لها شعرها، ضمن أمور الدلال التي تم توصيتها بأن تفعلها من أجلها. على الرغم من اعتراض سهى، وأنها أصبحت قادرة على الاعتناء بنفسها، ولكن كالعادة جاءها الرفض الصارم منها. بعد أن انتهت الخادمة، قالت بابتسامة هادئة: "كده خلصنا، هجبلك حاجة تاكليها." صاحت سهى باعتراض: "لأ أرجوكي كفاية، أنا لسه آكلة من نص ساعة، إنتوا تقريباً بتزغطوني مش بتأكلوني. إنتوا ناويين تدبحوني على العيد ولا إيه؟
قهقهت الخادمة وردت قائلة: "لأ، بس البيه قال ناخد بالنا منك كويس لحد ما تقومي بخير." التفتت لها سهى وهي تقول بإلحاح: "مين البيه ده وليه محدش فيكم راضي يقولي هو مين؟ أنا عايزة أشوفه علشان أشكره." لم يكن لدى الخادمة التصريح بأن تفصح عن هوية مضيفها، لذلك تركت مكانها وقالت وهي تتجه صوب الباب: "معنديش أوامر أقولك هو مين، أنا بس كل الأوامر اللي عندي إني آخد بالي منك."
خرجت الخادمة وعادت سهى تستلقي على سريرها، وزاد فضولها لرؤية منقذها، وأن تعلم هويته ومن يكون؟ لذلك نهضت من على الفراش وأخذت ثوب من تلك الأثواب التي جاءتها، فأرتدته ووضعت حجابها وخرجت من الغرفة بحذر وحرص. ظلت تلتفت حولها لترى أحداً، ولكن كأن البيت مهجور. فأين الخادمتان اللتان كانتا تعملان على رعايتها؟ وأين هو ذاك السيد الذي تحدثا عنه؟
بالحديقة وبمكان جعله عمرو كخلوة خاصة، كان جالساً بتأفف. فكتفه المصاب جعله يشعر بالألم بذراعه، فنصحه الطبيب بتعليق تلك الذراع بعنقه، حتى يلتئم جرحه بصورة تامة. ولكن كان ذلك عائقاً، لعدم أخذ حريته بوضع مسحوق الهيروين أمامه وتنظيمه، لأخذ جرعة كافية منه لتسكن تلك الآلام التي يشعر بها.
تبسم أخيراً بنجاحه في تنظيم تلك الصفوف من المخدر. ولكن ما كاد يهم باستنشاقه، حتى وجد الورقة تطيح من أمامه ويتناثر المسحوق الأبيض على الأرض. رفع وجهه ونظر بعينان عاصفتان لسهى صارخاً بها: "إيه اللي عملتيه ده؟ إنتي مجنونة؟ نظرت إليه سهى بغضب، فهل هو من أنقذها؟ فتلك ليست مفاجأة سارة على الإطلاق. فدمدمت بسخط: "هو إنت اللي أنقذتني وكمان مدمن مخدرات؟ وأنا اللي عمالة أدور عليك علشان أشكرك. بتعمل في نفسك ليه كده؟
مش عارف إن الحاجات دي ممكن تدمرلك صحتك؟ حرام عليك." هب عمرو واقفاً وصاح بأحد الحراس: "إنت تعال خدها خليها تروح بيتها. وأنتي متعمليش فيها بتاعة مواعظ ومصلحة اجتماعية، اتفضلي روحي بيتك، ويا ريت مشوفش وشك تاني." "واحد قليل الأدب والذوق."
غمغمت سهى بعبارتها همساً، ورأت الحارس يشير لها بأن تتقدمه ليعيدها لمنزلها. رفضت بالبداية أن تتحرك من مكانها، فعلى الرغم من جفائه وأسلوبه غير المهذب، إلا أنها ممتنة له لإنقاذها من مصير مجهول. ولكن من سينقذه هو من تلك الحالة من الضياع، التي يبدو أنه يعاني منها؟
سارت بجوار الحارس ولكن ظلت تلتفت خلفها من وقت لآخر. وبأخر مرة وجدته ترك مكانه وربما عاد للداخل. ففكرت بما ستقوله لأبيها وزوجته عن اختفائها بالأيام الماضية، ومن سيصدق أنه تم اختطافها وهي بتلك الحالة الآن من ثياب أنيقة ومهندمة، ولا يبدو عليها أي أثر لما حدث. فمهمتها صعبة للغاية في إقناع أهلها. ولكنها لم تنسى أن إقناع عمرو بالإقلاع عن تعاطي المخدرات سيكون أشد صعوبة.
ملأت الغرفة أصوات الصيحات والصرخات الصادرة من الحراس، الذين تم نجاتهم من الهجوم على المنزل، لينتهي بهم المطاف بغرفة التعذيب، التي أعدها أدريانو من أجل معاقبة من يعصي أوامره، أو أن يحيد عن شريعته. فتلك المرة لم يوكل أحد من رجاله بممارسة أساليب التعذيب البشعة، بل هو من قام بتعذيبهم الواحد تلو الآخر، يساعده بعض رجاله في مناولته الأدوات الصلبة والقاسية، التي ما أن يشعر أحد بآثارها على جسده، تكاد تنتزع روحه من جوفه قسراً.
بعصا غليظة كان يبرح أحد الحراس ضرباً وهو يصرخ ملأ جوفه: "إزاي حد يتجرأ ويدخل بيتي وياخد البنت؟ وإنتوا موجودين؟ ولو بنتي كان جرالها حاجة في الوقت ده كنت هقطعكم حتت وخلي الكلاب تاكلها. انطق قول مين اللي عمل كده وإزاي قدروا يدخلوا؟ تطايرت الدماء من فم الحارس، شأنها شأن ما ملأ جسده من آثارها. فجاهد على أن يخرج تلك الكلمات من بين شفتيه الداميتين:
"والله العظيم حاولنا نرد الهجوم على قد ما قدرنا، بس منعرفش مين اللي عمل كده. كانوا مغطيين وشهم واستغلوا قلة عددنا في البيت، بس الظاهر مكونش عايزين حاجة من هنا إلا البنت اللي كانت هنا." صمت الحارس ليلتقط أنفاسه، فعاد صارخاً بألم من تلك الضربة التي تلقاها على صدره، وربما تسببت بكسر أحد ضلوعه، ولم يقو على التحمل، فتدلى رأسه بحالة من الإغماء وهو منتصب القامة موثوق القدمين واليدين لأحد الجدران.
ألقى أدريانو العصا من يده، وهو يسب ويلعن بصوت مسموع، وخرج من الغرفة، وهو يفكر بما قاله الحارس. حاول التفكير بكل أعدائه ومن يمكن أن يكون فعل ذلك؟
فأعداؤه لا حصر لهم، ولكن يعلم أن لا أحد منهم قادر على اقتحام منزله، فإن كان قانون الإجرام يحكمهم، فهناك بعض القواعد التي لا يستطيعون خرقها، كأن يشن أحدهم هجوماً على الآخر بعقر داره، حفاظاً على أرواح ساكنيه. فالقتال والعراك يكون بساحات العمل، والأسر الخاصة بهم، خارج نتاج التصفية. ولكن أحياناً يكون خرق تلك القواعد متعة لديهم، فأولاً وأخيراً هم مجرمون من الطراز الأول وليسوا من الهواة.
ولج لداخل المنزل، وقابل ديفيد الذي يبدو عليه يتأهب للخروج. فنظر إليه غاضباً من جعل كل الأمور بغيابه تخرج عن السيطرة، كالهجوم على المنزل، وترك شقيقته تعود لمنزل زوجها وهو يقف مكتوف الأيدي. نظر إليه من رأسه لأخمص قدميه قائلاً بغضب شديد: "بسلامتك رايح فين دلوقتي يا ديفيد بيه؟ زاغ ديفيد بنظره عن وجه عمه، ورفع يديه يغلق أزرار سترته وهو يقول بفتور وبرود: "خارج يا عمي، كنت عايز مني حاجة ولا إيه؟
طار صواب أدريانو من برود ابن شقيقه. فما كان منه سوى أن اقترب منه ودفعه ناحية الجدار، واضعاً ذراعه أسفل عنق ديفيد كأنه على وشك خنقه. فصرخ بوجهه قائلاً بحدة: "إيه البرود اللي إنت فيه ده كله؟ مش واخد بالك من المصايب اللي حصلت وحضرتك حاطط إيدك في الماية الباردة؟ زرقاوتيه المتسعتان أثر ضغط ذراع عمه على عنقه، كانت أشبه ببحر هاجت أمواجه. فدفعة جافة من يديه، استطاع بها رد ذلك الهجوم المفاجئ من عمه. فأجابه والشياطين
كلها تلبسته دفعة واحدة: "عايزني أعمل إيه؟
قولتلك ساعة اللي حصل في البيت مكنتش هنا، وبخصوص حياء فكان حكم قانوني ولازم تنفذه. وإنت عارف مليش في أمور شغلك علشان أحاسب حد من الحرس بتوعك، فياريت متتحاسبنيش. وإنت لو فكرت في موضوع حياء هتلاقي فيه فايدة، يعني لو عرفوا إن إحنا أهلها هيبقى لينا حجة ندخل ونخرج من قصر النعماني يا عمي. وإنت قولت إن رياض النعماني كان في صداقة بينه وبين جدي وأنت وبابا كنتوا أصحاب ابنه وجدي، يعني مش هيُمانع إن يكون في صلة بنا وبين حياء وإن كان عليها هي هتخاف تقولهم على الحقيقة، فبكده تعرف توجع عدوك فين، مش أنت دايماً تقول خلي صديقك قريب وعدوك أقرب."
رأى أدريانو أن ديفيد محق بقوله وتفكيره، لأنه سيصبح بينهما وبين عائلة النعماني مصاهرة، وربما سيتحقق انتقامه كاملاً، إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها. فما فعله بديفيد منذ برهة، أراد محوه بأن ربت على كتفه باستحسان لتفكيره: "ده إنت طلعت داهية فعلاً يا ديفيد." ابتسم ديفيد قائلاً بزهو وتفاخر: "تربيتك يا عمي، وعن إذنك عندي مشوار مهم."
خرج ديفيد من المنزل. فرأى أدريانو بيرَي يبدو عليها أنها بصدد الخروج هي الأخرى. فنظر إليها متسائلاً: "إنتي راحة فين يا بيرَي؟ أجابته بيرَي بفتور: "عندي حفلة خطوبة النهاردة، ويادوب ألحق أراجع على كل التجهيزات. باي." لم تنسَ طبعاً قبلة على وجنته، فخرجت من المنزل وهي تشعر بالحزن والكآبة بعد عودة حياء لزوجها. ولكنها سعيدة من أجلها وتتمنى لها الحظ السعيد، وأن لا تعاني من سوء الحظ مثلها.
وصلت لتلك القاعة التي سيقام بها حفل الخطبة، فقابلت العروسين وبدأ الحفل مثلما تم ترتيبه. ولكن بلمحة خاطفة منها بوجوه المدعوين، سقط كوب المشروبات من يدها. فأغلقت عيناها وفتحتها لتتأكد أن من تراه جالساً حول تلك الطاولة بأخر القاعة هو حبيبها "عبد الرحمن". ذلك الحبيب الغائب والذي لم تراه منذ سنوات. وجدته جالساً برفقة فتاة يمزح معها، يرتدي قميص أبيض وهذا لونه المفضل، ويضع سترة باللون الرمادي على كتفه الأيسر فقط. فهي تعلم أنه لا يهوى ارتداء السترات بشكل كامل.
فهل هو متزوج الآن؟ هل تركها من أجل فتاة أخرى؟ وجدت قدميها تسير بخطى ثابتة حتى وصلت لتلك الطاولة، فنادته بصوت مرتجف: "عبد الرحمن." سمع اسمه ورفع وجهه ليرى من تلك التي تناديه؟ فتصنمت ملامحه بعد رؤيتها. وظلت عظمة نحره تجري صعوداً وهبوطاً، دلالة على أنه يبتلع لعابه بتوتر شديد.
ولكن قبل أن تفوه بكلمة أخرى، كان تاركاً مكانه بسرعة، وخرج من القاعة مهرولاً. تعجبت من صنيعه وركضت خلفه، فقبل أن يختفي عن عينيها بصورة نهائية، كانت قابضة على ذراعه الأيمن. التفت إليها ورأى بعينيها اتهاماً صريحاً عبرت به بكلماتها التي تحوي ألماً وحزناً: "دلوقتي عرفت إنت اختفيت ليه؟ علشان اتجوزت صح؟ نسيت وعودك ليا بسرعة ولقيت واحدة تانية تحبها مش كده؟ انزلقت دمعة من إحدى عينيه وهو يقول بجمود: "آه، صح كده يا بيرَي."
بدون وعي منها ضربته بقبضتيها على صدره، فهي قضت أوقاتها حزينة بإنتظار سماع أي خبر عنه، وهو لم يكن عابئاً بها. أمسكته من تلابيب ثيابه، فأنزلقت سترته التي كان يضعها على كتفه الأيسر. شهقة ألم خرجت من حنجرته، عندما انكشف أمره. ففغرت فاها وتحسست مكان ذراعه الأيسر المبتور حتى أعلى مرفقه. "إيه ده؟ دراعك إيه اللي حصل له؟ عادت تنظر إليه وقالت بصدمة ودهشة. ضم شفتيه بألم وعاد قائلاً بغصة مريرة:
"ابقى اسألي باباكي يا بيرَي على اللي عمله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!