الفصل 40 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الأربعون 40 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
17
كلمة
8,436
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

"كفاني منكِ مراوغة."

وقف مشدوهاً وهو يراها تلقي برأسها على صدره، تحيطه بذراعيها، تتشبث بثيابه كمن تحتمي به من وحش ضارٍ يركض خلفها يريد النيل منها. وما ذلك الوحش الضارٍ سوى فكرة رحيلها عنه إلى أجل غير مسمى. فتلك المتاهة التي خطت بقدميها فيها، ما تنفك تقذفها من عذاب لعذاب أشد وأقسى، كالذي عاشته الليلة. فهي كانت كمن تم ذبحها ببطء، وتم حرمانها من أن يصدر لها صوت تعبر به عن ألمها. بل كان عليها أن تبتسم وتؤدي دورها ببراعة، ليأتي هو بالختام ويزيد من شقائها، بأنه سيجعلها تحيا معه وبرفقة عروسه الجديدة.

ما زالت دقات قلبه تهدر صاخبة باسمها، كأنها بين فينة وأخرى، ستحطم ضلوعه من شدة خفقانها. فكم يهوى هو بتلك اللحظة أن يسكنها بين حنايا قلبه، فربما سيأمن عدم فرارها منه ثانية. فما تلك اللعنة التي أصابته، تجعله كل مرة يقابلها ويريد أخذ ثأره منها، يتراجع عن قراره، بل يكون أقرب إلى التوسل بأن تمنح قلبه الراحة من ذلك العذاب الذي يفتك به.

ابتعدت عنه قليلاً، لتمنح عيناها الدامعتان الفرصة بأن تراه بوضوح، فما لبثت أن عادت ودفنت وجهها بكتفه. فخرج صوتها ناعماً خافتاً مرتجفاً: "عايز تتجوز واحدة تانية يا راسل وكمان عايزني أعيش معاك أنت وهي، هترضى لحبيبتك بالعذاب ده؟ أن أشوفك أنت وهي قدام عيني، وهي بتاخد منك اللي أنا أخدته قبل كده." قبض على كتفيها وارتد خطوة للخلف، لكي يتسنى له التمعن بوجهها، ليعلم مغزى حديثها المتناقض مع تصرفاتها. فقطب حاجبيه قائلاً

بغرابة ودهشة: "أنا مبقتش فاهم تصرفاتك ولا فاهم كلامك. ما تخليكي واضحة في كلامك، إحنا هنفضل نلعب لعبة القط والفار دي لحد إمتى؟ انتظر أن تجيبه على سؤاله، فما كان منها سوى أن رفعت يديها وحلت رابطة عنقه الأنيقة، وفتحت الزران الأولان من قميصه، حتى تمنحه فرصة للتنفس. فابتسمت قائلة وهي تلف رابطة عنقه على كف يدها: "كنت حاسة إنك مخنوق منها، عارفة إنك مبتحبش تلبس الجراف بتتخنق منها بسرعة." فمن أتى على ذكر رابطة العنق؟

وما صلة ذلك بحديثهما الآن؟ فلا معنى لأفعالها، سوى أنها تريد تغيير دفة الحديث لصالحها كالعادة. فصاح بها وهو يشد رأسها إليه: "إنتي عايزة تجننيني! إحنا بنتكلم في إيه دلوقتي؟ جراف إيه وزفت إيه؟ أجابته بهمس ووداعة: "أنا غلطانة يعني أن حسيت بخنقتك وحبيت أريحك منها يا حبيبي." شد بأصابعه على مؤخرة عنقها وهو يقول من بين أسنانه: "متتقوليش يا حبيبي دي تاني يا حياء، أنا لو كنت حبيبك مكنتيش عملتي فيا اللي عملتيه ده كله."

أسدلت جفنيها فردت قائلة بصوت مبحوح: "ماهو علشان أنت حبيبي عملت ده كله." "قصدك إيه بكلامك ده يا حياء؟ قولي إيه اللي... منعته من أن يكمل حديثه، إذ بترت الحديث بينهما، بمبادرتها بعناقه. فهي لا تريد أن يسترسلا بحديثهما، وتكون نهايته مأساوية. فيكفيها عذاباً بأنها تعلم بأن كل منهما سيأوي لمنزله بعيداً عن الآخر. بل لا تأمن ما سيحدث له بغيابها.

إذا تم ضبطهما على هذا الوضع، ستكون فضيحة تتغنى بها الألسن، من أن عريس تلك الليلة بعد انتهاء حفل خطبته، أراد إتمام ليلته بمغازلة مصممة حفلة الخطبة. فلا أحد من العاملين لديها أو الفندق، يعلم بأمر أنها هي زوجته. "راسل أرجوك أبعد حد يدخل، هتبقى فضيحة." قالت حياء بتوسل، فهي أرادت إبعاده عنها بشتى الطرق ولم تفلح. فهي كمن أعطته الضوء الأخضر، بأن ينقل إليها تلك النيران التي أحرقت قلبه، ويريد أن يذيقها منها القليل.

فلم تكن إجابته على توسلها، سوى جملة خرجت من بين شفتيه همساً بدون وعي: "أنا ميهمنيش أي حد، ثم إنتي مراتي." ولكن رؤيتها مقبض باب القاعة الكبير يتحرك دلالة على أن أحد قادم، كان ذلك أدعى بأن تشحذ قوتها كاملة، لتستطيع أن تدفعه عنها، فهو كان يلقي بثقله عليها، وهو يحاصرها بينه وبين الجدار. انفتح الباب وولج ديفيد وهو يبتسم ويصيح: "حياء كل ده مخلصتيش؟

وزع ديفيد نظراته بين حياء، التي تقف مستندة على الجدار، تطأطأ رأسها وهي واضعة يدها على صدرها، تحاول التقاط أنفاسها، كمن كانت بسباق للركض. وبين راسل الذي يقف على مقربة منها وصدره يعلو ويهبط، كمن خرج من عراك حامٍ. "إنتي كنتي بتعملي إيه ده كله يا حياء؟

قال ديفيد بغيظ، ولكن لم يكن هذا ما أثار حنقه فقط، فهيئتهما المشعثة، ورابطة العنق الملقاة على الأرض بجوارها، وحجابها الذي كاد يسقط من على رأسها، وقميص راسل المفتوح من الأعلى. كل هذا جعله يتيقن من أن شقيقته وزوجها كانا يتبادلان عناق العشاق، وربما لولا مجيئه، كان سيجدها برفقته بإحدى غرف الفندق.

خشيت حياء رفع وجهها ورؤية ديفيد، ولكنها تذكرت أن ربما راسل سيعرف من يكون. فديفيد أخبرها بأنه كان أحد الرجلان اللذان قاما بتعذيبه بالسجن في إيطاليا. اتسعت عيناها بفزع، عندما تذكرت كل هذا، ولكنها لم تر رد فعل من زوجها، سوى أنه قام بإغلاق أزرار قميصه، ونظر لديفيد متسائلاً: "إنت مين إنت كمان؟ سبقت حياء ديفيد القول، فقالت وهي تزدرد لعابها بشيء من الخوف:

"ده ده بيشتغل معانا في المكتب، ده شريكنا التالت وهو الممول الرئيسي لينا." اقترب ديفيد منها وهو يجز على أسنانه قائلاً بابتسامة صفراء: "خلاص خلصتي يا شريكتي علشان نقعد نصفي حساب الليلة قبل ما نروح." فهمت هي مغزى حديثه، فعندما أرادت أخذ ذكرى من راسل قبل رحيلها، انتهى الأمر بمجيء ديفيد وربما فطن لما حدث بينهما، ولا تأمن تصرفه تجاه زوجها.

أمرت قدميها بالحركة، التي ظنت أنها مستحيلة، بعد سريان تلك الرجفة، الناتجة عن خوفها من مقابلة راسل وديفيد. ولكن ما كادت تمر خطوة من جانب زوجها، حتى التقط ذراعها، وبنيته أن يأخذها معه على القصر. فقال بلطف ولين: "خلصي ويلا علشان نروح مع بعض، هتيجي معايا على قصر النعماني." فالتفتت برأسها إليه وتوسلته عيناها بأن يتركها: "أرجوك سيبني أمشي دلوقتي، وغلاوة سجود عندك سيبني لأن مش هقدر أروح معاك على قصر النعماني."

عادا لنقطة البداية ثانية، فحل وثاق يده عن ذراعها، وهي تعلم بأنها كل مرة تزيد من وقود النيران بقلبه، حتى وإن كان حتى الآن لم يظهر لها سوى تلهفه إليها كلما اقتربت منه، ولكن صارت بأفعالها كالثعلبة المراوغة. فإلى متى سيظل يتقبل منها أفعالها؟ انحنى وأخذ رابطة عنقه واستقام قائلاً بسخط على ضعفه:

"أنا مش لعبة في إيدك تلعبي بيها وقت ما تحبي وترميها وقت ما تحبي، أنا أساساً اللي غلطان أن لحد دلوقتي بتعامل معاكي بشكل متحضر. قدامك خمس دقايق ميزدوش ثانية واحدة تكوني حاسبتي الناس اللي بتشتغلي معاها وتحصليني على العربية قدام الفندق علشان نروح ومش عايز أسمع منك كلمة تانية، مفهوم؟ وإلا قسماً بربي الليلة دي ما هتعدي على خير." خرج من القاعة كالإعصار، بينما اقترب منها ديفيد وقبض على ذراعيها وهز جسدها بعنف وهو يصرخ بوجهها:

"كنتي بتعملي إيه إنتي وهو يا حياء؟ انطقي! خليتيه يقربلك تاني ليه؟ يعني لو مكنتش جيت كان زمانك إنتي وهو مقضيين الليلة مع بعض؟ نفضت حياء يديه عنها وهي صارخة بوجهه كهرة متوحشة: "وفيها إيه؟ ده جوزي! فاهم يعني إيه جوزي؟

يعني هو ليه حق فيا وأنا ليا حق فيه، وإنتوا اللي عايزين تهدوا اللي بيني وبينه. وأهو ناوي يتجوز عليا علشان ترتاحوا، وأنا اللي كنت بغير عليه من فكرة أنه كان متجوز واحدة قبلي. دلوقتي هعمل إيه لما يتجوز عليا وأشوف واحدة تانية بتاخده مني؟ دا عذاب، أنا قلبي بيتحرق يا ديفيد، أنا بموت بموت!

انهارت قدماها وسقطت جالسة على الأرض، لتكمل بكاءها ونواحها. فجثى ديفيد على ركبتيه بجانبها، وضمها إليه وربت عليها ليجعلها تهدأ. إلا أنها عادت لتستأنف حديثها المرير: "عارف يعني إيه لما أفضل أتخيل أنه هيبقى مع واحدة تانية ويبقى جوزها زي ما كان جوزي؟ دي لوحدها تخليني أتجنن. أنا بحبه يا ديفيد، بحبه! ليه مش عايز تفهمني؟

"روحي معاه يا حياء والصبح ارجعي البيت. وكويس أن عمك أدريانو مسافر ومش هنا وإلا مكنتش هقدر أخليكي تعملي كده." نهض من مكانه، فصدمت حياء من قوله. هل هو أعطاها تصريحاً الآن بأن ترافق زوجها؟ فتصرفاته محيرة، تارة لينة وتارة قاسية، ولكنها استطاعت استخلاص نتيجة واحدة، وهي أن ديفيد ربما قلبه ليس بالفظ ولا بالغليظ مثل عمهما أدريانو. فهو يشبه بيرى من حيث رقة قلبها التي تظهرها بعض الأحيان خلافًا لبرودها المعتاد معظم أوقاتها.

استقامت بوقفتها وأزالت عبراتها بظاهر يدها وهي تبتسم له. ولكن قبل أن ترحل، نظرت إليه وتساءلت: "ديفيد هو إزاي راسل لما شافك معرفكش، وإنت قولتلي أنك كنت واحد من الاتنين اللي عذبوه في إيطاليا؟ دلك ديفيد عنقه قائلاً كأنه يشعر بإرهاق شديد:

"علشان كانوا بيغموا عينيه قبل ما أدخله أنا. هو ميعرفش غير شكل الرجل الثاني وكمان كنت بكلمه إيطالي مش مصري، فممكن ميكنش كمان أخد باله من صوتي علشان كان متنرفز وشكله مش مركز. وكده أحسن لأن كان فاضل دقيقة وأضربه بالنار لما دخلت ولقيتكم كده. فهتمشي ولا أرجع في كلامي؟ تلك هي المرة الأولى، التي تكون أكثر ليناً معه، بأن أخذت كفيه وشدت عليهما بيديها الناعمتين. بل لم تكتف بذلك فأهدته ابتسامة صافية ممتنة وهي تقول بشعور صادق:

"شكرًا يا ديفيد، دلوقتي حسيت إنك فعلاً أخويا." ربت على وجنتها بحنان قائلاً بمداعبة: "طب يلا يا سندريلا علشان وقتك مبقاش فيه كتير. وقولتلك لازم ترجعي الصبح. أنا مضمنش عمي أدريانو ممكن يرجع في أي لحظة، بس برضه حاذري يا حياء، جوزك مش لازم يعرف حاجة. إن كنت اتساهلت وهخليكي تروحي معاه فده علشان خاطرك إنتي مش علشان حاجة تانية."

رفعت طرف ثوبها وركضت خارج القاعة حتى وصلت أمام الفندق. وجدت راسل يقف ويميل بجسده مستنداً على سيارته. فتقدمت منه بحذر وبطء، كأنها ممزقة بين إطاعة رغبتها في أن تقضي الليلة برفقته، وبين حزنها على أنها ستكون مجبرة على تركه عندما يحين الصباح. فوقتها محسوب بعدة ساعات، ربما بعد انقضائها ستزداد الهوة والفجوة بينهما أكثر. ولكنه لم يمهلها وقتاً للتفكير، إذ أخذها من ذراعها بجفاء، وجعلها تجلس بالمقعد المجاور له، ودار حول السيارة، وانطلق بها بطريقه صوب قصر النعماني وهو ينوي أن يقوم بتصفية الحساب بينهما. فإن كانت أخذت لينه ورفقه بالتعامل معها كحق مكتسب، فلا مانع أن يذيقها من قسوته قليلاً لعلها تكف عما تفعله، وتعلم أن مخزون صبره قد أوشك على النفاذ.

ظنه بأن يستطيع اختراق ذلك المنزل، الذي كان كالحصن المنيع، كان به شيء من السخافة والرعونة. ولكن ذلك لم يمنعه من أن يحاول مرة أخرى. فبالأيام الماضية حاول أكثر من مرة وانتهى الأمر بالفشل كالعادة. ولكن الليلة اصطحب معه رجال أشداء كعوناً له على ذلك الهجوم، الذي سيشنه على منزل أدريانو من أجل أخذ سهى، وإنقاذ الفتاتين اللتين تحدث عنهما أدريانو سابقاً، قبل أن تنتهي تلك المهلة المحددة لهن بالسفر لإيطاليا، ويصبح من المحال مساعدتهن.

فعلمه بأن أدريانو غادر البلاد واصطحب معه معظم رجاله، تاركاً حرساً كافياً للمنزل، كان ذلك أدعى للتفكير بأن ربما الحرب التي ستقام الآن، ستكون أقل خسائر للأرواح. فالرجال الذين اصطحبهم معه، كانوا مدربين ومؤهلين لخوض تلك المعركة. فهم بالأساس كانوا رجال أبيه المخلصين، والذين صاروا يتبعون أمره بعد حمله لواء العمل بعد موت أبيه.

أخرج عمرو سلاحه الناري، الذي أصبح أشد مهارة باستخدامه خلاف لتلك المرة الأولى التي حمله بها. فنظر لرجاله قائلاً بصوت منخفض: "مش عايز غلطة واحدة وإلا هتبقى كارثة. أكيد أنتوا عارفين رجالة أدريانو مبيتفهموش، بس كويس أن مفيش في البيت حد دلوقتي غير ٦ حراس بس، بس برضه مش عايزكم تقتلوا حد منهم، أنا عايز آخد البنات ونمشي من غير خساير، مفهوم؟

أظهروا طاعتهم لقوله، بأن أماء كل رجل برأسه. بينما بدأوا التسلل بحذر للداخل، فكل رجل يقابله حارس، كانت تدور المناوشات بينهما حامية الوطيس، حتى تنتهي بإغماء الحارس. حتى صارت الحديقة خالية من الحماية، بعد أن أصبح الحرس الموجودين بها نائمون كالجثث.

فتح عمرو القبو بطلقة نارية من سلاحه الكاتم للصوت، وركل الباب بقدمه، فولج وجد سهى نائمة على الأرضية المتسخة، وحولها طعام فاخت منه رائحة العفن والعطب، ويبدو عليها أنها رفضت تناوله. ففتش بالقبو فلم يجد أحد غيرها، فيبدو أن أدريانو لم يعثر على الفتاتان حتى الآن. اقترب منها وانحنى إليها وربت على وجهها منادياً: "إنتي إنتي اصحي فوقي سمعاني؟ ولكن لم يأتيه رداً منها. لم يجد مفر من حملها للخروج من القبو. فحملها كالمتاع مغمغماً:

"ربنا يستر ومروحش في داهية بسببك." خرج بها عمرو من القبو، يركض بها وينظر حوله ليأمن أن الطريق ممهد للخروج حتى يصل بها لسيارته. ولكن أتته طلقة نارية أصابت كتفه من الخلف، مما أدى لارتخاء يديه وسقطت سهى على الأرض. طفحت الدماء من كتفه، فاستدار خلفه وجد حارس ملقى على الأرض، ويبدو عليه أنه أفاق من إغمائه بصعوبة، ويهم بإطلاق رصاصة أخرى. فكان هو الأسرع بإطلاق عيار ناري استقر بجبهته، فأرتطم بالأرض صريعاً.

جحظت عيناه وهو ينظر للحارس، فهو لم يقتل أحدًا من قبل، بل لم يكن لديه الشجاعة الكافية لرد تلك الأفعال الواقعة عليه من زوج والدته. لم تنته صدمته مما فعله، إلا باقتراب رجاله، وواحد منهم حمل سهى، والآخرون عملوا على جذبه ليسرعوا بالخروج من المنزل. فبسيارة عمرو كانت سهى ملقاة على المقعد الخلفي، وعمرو جالسًا بجوار أحد الرجال، الذي سيقوم بقيادة السيارة عوضًا عنه. رفع عمرو يده وضغط على جرحه متألماً:

"أنا لازم أروح المستشفى، أنا أخدت طلقة في كتفي." فرد الرجل قائلاً بهدوء: "مش هينفع تروح المستشفى وإلا هنروح في س و ج وهيسألوا إنت انضربت بالرصاصة إزاي." اعصر عينيه من الألم، وانحنى للأمام من شعوره المتزايد بتدفق دماءه: "طب هنعمل إيه دلوقتي؟ قاد الرجل السيارة مسرعاً، وحاول طمأنته: "متقلقش هجبلك الدكتور لحد البيت، إحنا كنا متعودين على كده."

استرخى عمرو بمقعده، كأنه على وشك فقدان وعيه. فأخر ما رآه بمرآة السيارة تلك الفتاة فاقدة الوعي، فلم يعد يرى شيئًا بعدما أسلم نفسه لتلك الهوة السوداء التي عملت على جذبه لها وأسقطته بحالة من الإغماء.

في المنزل وبالأخص بإحدى الغرف، التي تحولت كأنها غرفة جراحة، كان ذلك الطبيب، يعمل على إخراج تلك الرصاصة التي كان مستقرها بكتفه. وأمر الرجل بإحضار أكياس الدم اللازمة لعمرو وتطابق زمرة دمه. فتلك الغرفة خصصها أبيه سابقاً للحالات الطارئة، إذا أصيب أحد رجاله بإحدى عمليات التسليم غير المشروعة. انتهى الطبيب من إخراج الرصاصة بنجاح وقطب جرحه. فنظر للرجل المرافق له بالغرفة قائلاً ببرود معتاد:

"أنا خلاص خرجتله الرصاصة وعملتله اللازم كله وبكرة هاجي أشوفه." أخرج الرجل من جيبه النقود وأعطاها للطبيب وأمره بالانصراف قائلاً بتحذير وتهديد: "إنت طبعًا عارف لو كلمة طلعت كده ولا كده مش هتعرف هيجرالك إيه يا دكتور." وضع الطبيب النقود بجيبه وهو يبتسم بسخرية: "ومن إمتى بتكلم دا على أساس أنها أول مرة يعني ما ياما عملتها قبل كده من أيام شغل فواز بيه الله يرحمه. سلام."

خرج الطبيب من الغرفة، بينما كان عمرو مستلقيًا على بطنه على ذاك السرير الخاص بالجراحة. فنظر له الرجل وزفر بقلة حيلة وتركه وخرج ليرى تلك الفتاة. فهو نسى أمرها، بعدما جاء بسيده الجديد للمنزل وهو بتلك الحالة. فقبل أن يرحل الطبيب ناداه: "يا دكتور استنى، فيه بنت عايزك تكشف عليها قبل ما تمشي."

تبعه الطبيب لإحدى الغرف، ليرى من تكون تلك الفتاة التي يريده منه أن يفحصها. فوجد سهى تفتح عينيها بصعوبة وتعيد وتغلقهما ثانية، وتحرك شفتيها كأنها تقول شيئًا بصوت هامس. فأقترب منها الطبيب وفحصها فنظر للرجل وقطب حاجبيه قائلاً بمهنية: "دي شكلها بقالها كام يوم مبتاكلش، لازم يتعلق ليها محاليل بسرعة." أخرج من حقيبته ورقة بيضاء ودون بها كل ما يلزمه من الصيدلية. فقال وهو يناولها للرجل: "الحاجات دي تيجي من الصيدلية بسرعة."

أخذ منه الرجل الورقة وخرج أمر أحد الرجال الآخرين، بأن يبتاع كل ما هو مدون بالورقة، ويأتي به على وجه السرعة. لم يمر وقت طويل، حتى عاد الحارس يحمل معه كل ما طلبه الطبيب.

بدأ بتوصيل المحلول المغذي لها، وشعرت بوخز الإبرة بيدها، ولم تقوى على إصدار رد فعل سوى همهمات متألمة. فلو كانت بكامل وعيها لملأت الدنيا صراخًا، فهي تخشى وتخاف من وخز الإبر المحقنة منذ أن كانت طفلة صغيرة. شعرت بحرق طفيف بحلقها، وهي تحاول أن تتلفظ بأي كلمة. فعندما يأست من انتزاع الكلمات من حنجرتها، أغلقت فمها وعينيها، تاركة نفسها لحالة الاسترخاء، التي بدأت تشعر بها من سريان مفعول المحلول المغذي بجسدها.

صف سيارته بمرآب السيارات داخل القصر، وترجل منها. ولكن كانت هي الأسرع بفتح الباب من جانبها، حتى لا يقترب هو ويفتحه وتراه يعاملها بقسوة وجفاء، مثل تلك التي عاملها بها، أثناء جعله لها تستقل السيارة. وطأت قدماها الأرض بثبات، خلافًا لذلك الارتجاف الذي عصف بكيانها بأكمله، تخشى أن تلج للداخل وترى أحد من قاطني القصر وتستمع للتقريع والتأنيب. أطالت الوقوف بمكانها، حتى وجدته يهتف بها ببرود: "هتفضلي واقفة عندك كده كتير؟

يلا خلينا ندخل." تبع حديثه بمد يده وقبض على رسغها وجرها خلفه، ولج لداخل القصر، فرأى إيلين تركض إليه بابتسامة سرعان ما اختفت برؤيتها لحياء تأتي خلفه. فوزعت نظراتها بينهما وهي تقول بضيق: "راسل إنت كنت فين ده كله؟ غلّت الدماء بعروق حياء بعد رؤيتها لإيلين. فرفعت يدها تشير لها وهي تقول بنزق: "هي بتعمل إيه دي هنا؟ هي عايشة هنا في القصر من دلوقتي؟ عقدت إيلين ذراعيها وقالت بدلال مستفز: "عندك مانع يعني إن أكون عايشة هنا؟

ما قريب أوي هيكون بيت جوزي." أطاحت إيلين بعقل حياء من تلفظها بتلك الصفة التي سيصبح عليها راسل بالنسبة لها. فنفضت يده عنها بقسوة: "أنا ماشية ومش هقعد هنا دقيقة واحدة." دارت على عقبيها وهمت بالمغادرة. فعاد راسل وأحكم قبضته على رسغها، أمراً إياها بصوت أجش: "رايحة فين إنتي دلوقتي؟ هو خلاص مبقتيش تسمعيلي كلمة؟ عاد والتفت برأسه لإيلين مستأنفاً حديثه بهدوء:

"إيلين اتفضلي روحي على أوضتك. ثم إنتي عارفة أني متجوز وطبيعي حياء هتعيش معانا. إنتوا الاتنين زي بعض ولا تحبي أعيد كلامي تاني؟ ردت إيلين بخنوع: "تمام يا حبيبي، تصبح على خير." ارتقى إيلين الدرج، حتى وصلت لغرفتها. فعين حياء لم تحيد عنها، إلا بعدما وجدتها تغلق باب تلك الغرفة التي دلفت إليها. اتسعت طاقتها أنفاسها وهي تشخص ببصرها لزوجها. وبجنون مطبق تلبسها، حاولت الفرار من قبضة يده المحكمة حول رسغها. فقالت

وهي تدفعه بيدها الحرة: "سيب إيدي وخليني أمشي." بإفراطها في الحركة للخلاص منه، شعرت بأنها صارت منهكة القوى. في حين أنه لم يستخدم قوته كاملة للسيطرة على جنونها المفاجئ. فزاد جنونها أكثر بتذكرها لأفعال إيلين أثناء حفل الخطبة من أمور الدلال الأنثوية. ففجأة انتابها دوار قوي، وكفت عن الحركة. ظلت تفتح عينيها وتغلقهما بشكل مستمر، لتعيد لجسدها توازنه المفقود. ولكن كأنه استنفذ طاقته، ولن يعود بالإمكان الحفاظ على ثباته.

ترنحت بوقفتها وسرعان ما ارتطم رأسها بصدره وهي فاقدة الوعي. فتلقاها بين ذراعيه. قبل أن تسقط أرضاً. حملها وصعد بها الدرج حتى وصل غرفته. فالقصر أصبح ساكناً بعد ذهاب إيلين إلى غرفتها.

ولج الغرفة ووضعها بالفراش، وبحث عما يمكنه من جعلها تستعيد وعيها المسلوب. فبعد أن أتى بقنينة عطره، وهم بنثر العطر على يده، نظر إليها نظرة مطولة. فهي جميلة هادئة ناعمة، تفتنه وجنتيها الحمراوتين، ولا يراها سوى فاتنة بعينيه. على الرغم أنه رأى من أشد منها جمالاً وفتنة، ولكن قلبه يراها أجمل نساء الدنيا. فتاته الصغيرة، التي مازالت بمقتبل عمرها الزاهي، بريئة كنسمة صباح لم تختلط بها الأنفاس فظلت طاهرة نقية، وهو رجل عارك الحياة بحلوها ومرها، ولكن نصيبه الأكبر منها كان المُر. ولكن هي حلواه.

"لاء خليكي كده نايمة هادية يا حياء، لأن وانتي صاحية بقيتي مزعجة." تبسم على قوله، ولا يعلم سر رغبته المجنونة، بأن يتركها هكذا لينعم بتلك اللحظات من الهدوء. فحالتها لا تتعدى حالة عادية من الإغماء، التي بإمكانه كطبيب أن يجعلها تفيق منها بسرعة.

ترك الفراش وذهب لغرفة الثياب لتبديل ثيابه والعودة إليها. ولكن هي استعادت وعيها المسلوب وظلت تنظر حولها، لتعلم أين كان مستقرها بعد إغمائها. فرأته قادماً، وسريعاً عملت على ادعاء النوم، لتعلم ماذا سيفعل معها؟ استلقى بجانبها وجذبها إليه. فسحب حجابها بهدوء، لتنام براحة. ولكن أنفاسها المضطربة، أنبأته بأنها لم تكن غافية كما تدعي. فلم يرد إفساد خطتها، وجعلها توهم بأنه ما زال يظن أنها غائبة عن الوعي.

بدا عاشقًا متلهفًا يحترق بنيران الهجر وهو يقول بدهاء: "حبيبة قلبي يا حياء، آه لو تعرفي إنتي وحشاني قد إيه يا حبيبتي. كده تعملي في جوزك وحبيبك كده وعلشان إيه؟ أنا مش مصدق كلامك أنك بتقولي سبتيني علشان الفلوس. بس معقولة تكوني كرهتيني ومش عايزة تعيشي معايا؟ فعلشان كده عملتي الفلوس حجتك علشان تسبيني." وجد يدها تزحف ببطء حتى أحاطت عنقه وهي تجيبه بصوت هامس:

"إنت متتكررش يا حبيبي، وزي ما قولت قبل كده إنت مفيش حاجة تليق بيك غير العشق وبس." بادلها الهمس بعتاب المحبين: "طب طالما شايفاني كده بتعملي عمايلك دي ليه؟ قولي اثبتيلي كلامك ده يا حياء." تلك الساعة المعلقة على الجدار، جعلتها تعلم أن وقتها يتناقص، فالصباح سيأتي سريعاً، وهي لا تملك سوى سويعات قليلة. فأرادت إغلاق باب النقاش بعبارة واحدة: "إنت وحشتني أوي يا حبيبي."

انهارت حصونه، وانصهر قلبه لصوتها الناعم الرقيق. تلك الروائح الزكية التي ملأت الغرفة، محمولة على تلك النسمات القادمة من النافذة، تتبختر أوراق الأشجار وتتمايل بدلال بمداعبة نسمات الهواء لها. فهي لن تنسى تلك الليلة بعمرها، التي امتزج بها العشق بروائح وعطور الياسمين القادمة من حديقة القصر.

صب كل ما بقلبه العاشق، وتقبلته هي بترحيب حار، كإثنين ضلوا الطريق، ووجدا وجهتهما أخيرًا. سابقًا كان ينجح بجعلها تنسى ما تريد السؤال عنه، أما الآن صارت هي تتبع ذلك المنهج. وكلما أراد معرفة أسبابها الحقيقية لأفعالها، تعود وتجعله ينغمس بنهر الحب ثانياً، حتى يدركه الغرق.

ها هو يعود من جديد، عاشقًا، راغبًا، خاضعًا لتلك القوى السحرية والخفية التي تجذبه إليها. فعندما يقطع عهدًا بأن يذيقها ويلات قلبه، يجد عيناها تجرده من قوته، فيصبح عاجزًا عن أن يكمل ثأره. فمن يراه الآن، وهو مستلقيًا وهي تتخذ من صدره متكأ لرأسها الجميل، لم يكن يصدق أنه منذ بضع ساعات كان يرغب بحرقها حية، لكي ينهي ألمه برؤيتها. "راسل."

همهمت باسمه وهي مغمضة العينين، وتحرك رأسها على صدره، كأنها تعدل من وضعية غفوتها، التي استطاعت سرقتها من الزمن. "عيونه وقلبه إنتي يا حياء." قال همساً وهو يمرر يده على وجهها بحنان بالغ، وملمس وجنتها يكاد يذهب بالبقية الباقية من عقله. فقبل جبينها بحنو كأنه يخشى أن يفرط في لمس شفتيه لمنبت شعرها ويجدها تفزع من نومها.

أرادها له وقتًا أطول، فكأنما حرم عيناه أن تغفو أو ترف جفونه، فظل مسهدًا بعد لقاء كان مشوقًا وعاصفًا. فكل شيء ذهب أدراج الرياح، منذ سقوطها فاقدة الوعي بين ذراعيه. وكأن قلبه هو من سقط بين أضلعه. ولكن كما يقال النوم سلطان، إذ غرق بسبات عميق وهو يتأمل وداعتها وهي غافية بحصنه الأمين.

ولكن حان وقت ذهابها، كسندريلا التي وجدت أن تعويذتها السحرية قد انتهى مفعولها ويجب عليها العودة لعالمها. فحلت ذراعيه من حولها بحرص، مما جعله يتململ برأسه على الوسادة. فعادت تترك آثار شفتيها على وجنته، لتوهمه أنها ستظل معه. فحيلتها جاءت بالفائدة المنتظرة منها، إذ رأته يبتسم وهو نائم كطفل أدركه النعاس بعد تناوله وجبة دسمة. بعد استعدادها للذهاب، نظرت للفراش وهي تقول بأسف:

"أنا آسفة يا راسل، عارفة أن لما تقوم ومش هتلاقيني هتكرهني، بس لسه الحساب مخلصش، ولسه موصلناش لآخر الطريق، لأن مش هسيب حق أهلي يروح بالساهل، فمتزعلش مني." اقتربت من الفراش وركعت بجانبه، تمعن النظر بوجهه. فبظاهر يدها كانت تتلمس لحيته بحنان، وعادت تمرر أناملها على آثار تلك الندوب بصدره وأكملت حديثها ووعدها بهمس: "ولا هنسى بتارك إنت كمان يا حبيبي، وكل لحظة وجع وألم مريت بيها لازم أجيبلك حقك."

انحنت وقبلت وجنته. رأته ينظر لها بنعاس باسمًا، فتبسمت بوجهه. جذبها إليها وجعلها تستكين على صدره وعاد لنومه ثانية. فبعد اطمئنانها أنه نائم، انسلت من بين ذراعيه وخرجت من الغرفة. فالوقت مازال باكرًا على استيقاظ ساكني القصر. فهي يجب أن تذهب من هنا بسرعة. ولكن معضلتها الوحيدة، في كيفية خروجها من بوابة القصر. ولكن تذكرت أن الحارس يعلم بشأن أنها زوجة راسل، وكان لها ما أرادت، فهي الآن بالشارع بعد فتح الحارس لها البوابة الكبيرة. أخرجت هاتفها من حقيبتها وأسرعت الخطى وهي تهاتف ديفيد ليأتي ويقلها لمنزل عمها أدريانو، أو إذا صح قولها إلى "الجحيم".

فاتنة، ساحرة، جذابة، هكذا كان حالها تماماً بتلك اللحظة، التي انتهت بها من تصفيف شعرها بأحد صالونات التجميل، التي لا يرتادها سوى صفوة نساء المجتمع المخملي. فهي أرادت مفاجئته اليوم، بإقامة حفل خاص بهما من أجل الاحتفال بيوم مولده. ولكن بالحقيقة، لن يقتصر هذا الحفل على تلك المناسبة وحسب، بل هي لديها شيء آخر ستخبره به، مثل ذلك التصريح، الذي أحرق جوفها، تريد البوح به.

كأن قلبها لم يعد لديه متسع من تحمل تدفق تلك المشاعر به، ويريدها أن تتقاسمها معه. يريدها أن تزرع بقلبه شيئًا من تلك النيران، التي باتت تحرقها. حتى وإن كانت برفقته، ولم يبخل عليها بمودته ورحمته، التي جعلها الله بين الزوجين. ولكنها كأنها صارت غير قنوعة بتلك الأوقات وتريد المزيد. فهو لم يترك لها مجالاً للتفكير بشيء آخر. فمستقبلها الذي وضعت له خطط لتحقيق ذاتها كطبيبة، أصبح الآن ينحصر بجعل عمران يغرم بها كما أصبحت هي مغرمة به إلى حد كبير. فمتى وكيف جعلها وهي المتمردة والأبية ومدللة عائلة النعماني، بأن تصير له زوجة مطيعة؟

ولكن تتلخص إجابة كل تلك الأسئلة بأن العشق قادر على جعل القلوب تلين، وتصير أكثر دفئًا. عادت للمنزل فقابلت ولاء، التي راحت تصفر إعجابًا بمظهرها الخلاب: "واوووو إيه الجمال ده كله؟ راحة مسابقة ملكة جمال ولا إيه؟ ضحكت ميس وهي تقول بتفكه: "لأ تقريبًا راحة أعمل مصيبة في عمران."

قهقهت ولاء على قول ميس. ولكن أثناء ضحكها، انتابتها حالة قوية من الغثيان. حاولت تمرير الأمر، ولكن وصلت للحد الذي لم يعد بإمكانها تجاهل الأمر. فهي تريد التقيؤ على وجه السرعة. فركضت للمرحاض وتبعتها ميس، فأفرغت ما بجوفها حتى أنهكها كثرة تقيؤها. فقالت ميس بقلق: "مالك يا ولاء؟ فيه إيه؟ وضعت ولاء يدها على بطنها وقالت بألم طفيف: "مش عارفة، لقيت مرة واحدة بطني قلبت. شكلي عكيت في الفطار." ولكن ميس ابتسمت بهدوء وقالت ببشاشة:

"أو ممكن تكوني حامل يا ولاء وولى العهد لمعتصم جاى في السكة." ابتسمت ولاء ابتسامة أقرب للبلاهة وقالت بحالمية: "معقولة أجيب بيبي لمعتصم ويبقى فيه شبه منه؟ دا مش بعيد يسميه قيصر بتاع كليوباترا ده."

هزت ميس رأسها بحركات متتابعة وهي تبتسم على قول ولاء. فنصحتها بالذهاب لطبيبة نسائية، أو إجراء اختبار حمل منزلي للتأكد من الأمر. صعدت للغرفة وهي تمني نفسها بليلة عشق أخرى تقضيها برفقة زوجها، وتتمنى لو يأتي يومًا وتخبره أنها تحمل بأحشائها طفلاً منه. نظرت بساعة معصمها الثمينة، وجدت الوقت ما زال باكرًا لعودته. ففكرت بالذهاب لمنزل جدها، لرؤية عائلتها وتستأنس بالحديث معهم لحين عودة زوجها.

وصلت ميس لمنزل جدها، وولجت وجدت المنزل بحالة من الهرج والمرج. فانتفض قلبها رعبًا خشية أن يكون أصاب جدها مكروه. فركضت حيث اجتماعهم وهي تصيح بتساؤل: "فيه إيه مالكم؟ جدو مالك؟ نظر لها رياض ولا يعرف ماذا يبرر لها تلك الحالة من الفوضى والصياح التي تسبب بها عمها راسل. رفع عصاه يشير لراسل قائلاً بقلة حيلة: "عمك من ساعة ما قام من النوم عمال يزعق ومبهدل الدنيا حتى مش فاهمين البيه المحترم بيعمل ليه كده."

نفخ راسل بضيق فقال صارخًا بهم: "محدش ليه دعوة بيه، فاهمين؟ استقام رياض بوقفته واقترب منه، فدفعه بطرف عصاه بقوة، حتى سقط راسل جالسًا على المقعد خلفه. دب رياض الأرض بعصاه عدة مرات قبل أن يقول برصانة: "طالما عايزنا ملناش دعوة بيك واجع دماغنا ليه بزعيق وصوتك اللي تقريبًا الناس في الشارع برا القصر سمعوه؟ وأوضتك اللي بهدلتها وعامل زي التور الهائج ومش عارفين نلمك."

استاء راسل من نعت أبيه له، ولكنه التزم الصمت. فإيلين هي من أرادت إخبار الجميع عن سبب اهتياجه غير المعتاد. فقالت بهدوء: "ممكن علشان كانت حياء معاه وسابته ومشيت." التفت لها رياض عاقدًا حاجبيه الأشيبين متسائلاً: "وهي حياء جت هنا إمتى؟ أجابته إيلين وهي تنظر لراسل بحذر: "رجعت مع راسل إمبارح بالليل وبعد كده مشوفتهاش، فقولت جايز تعصيبه بسبب كده." عند هذا الحد، وأنفجر راسل بحديثه الحاد:

"استغفلتني زي العادة، رجعت معايا وقمت من نومي ملقتهاش. كلكم قولتو لي محدش يخلي الواحدة تغير على جوزها غير لما تشوف واحدة غيرها هتاخده، وعملنا كلنا مع بعض تمثيلية الخطوبة علشان نعرف هي ليه بتعمل كده؟ أو ليه قاعدة في بيت أدريانو إسكندر؟ حتى لو بنته شريكتها في الشغل بتاعها، حتى لو افتراض غزل صح وأنها ممكن تكون بنت أخو أدريانو. ليه مخبية؟ وإنت قولت إن أدريانو وأخوه كانوا أصحاب وجدي؟ هي مثلاً خايفة تقول لي إن أهلها يهود؟

طب أنا مالي بده كله؟ المهم هي عندي. لكن إزاي المدام شكلها بقت مبسوطة بعمايلها وأنها عملاني في إيدها زي اللعبة؟ "يعني إنت معرفتش تخليها تقول لك أي حاجة خالص يا راسل؟

قالت غزل ونظرت إليه بحيرة. فهي بعد أن استطاعت تجميع بعض الخيوط ببعضها، وأخبرتهم بشكوكها بأن ربما حياء ابنة دانيال مستندة بذلك لتلك الشامة، وإخبار رياض لهم بأن تحيا بتلك الأونة بمنزل أدريانو إسكندر، أرادوا جعلها تبوح بسر إخفاءها الأمر عنهم، فأفتعلوا أمر تلك الخطبة المزيفة. قال راسل وهو يجز على أنيابه بغيظ: "معرفتش أخد منها حق ولا باطل."

فبعد مقابلة راسل لها وعلمه بعودتها للإسكندرية، لم يكن يمرر الأمر مرور الكرام. فبعد أن صرف غضبه الذي كان يعميه، أخبر والده بأن يجعل رجاله يتتبعوها لمعرفة أين تسكن حالياً بعد علمه أنها لم تعد لشقتها أو لمربيتها. ولكن كبرياءه الثائر جعله يستأنف حديثه بتصميم:

"بس طالما هي بتعمل كده يبقى خلاص والخطوبة المزيفة هتبقى حقيقية وهتجوز إيلين وكمان هخليها ترجع البيت هنا غصب عنها. الظاهر الأدب والذوق مش نافع معاها يبقى مفيش مانع أوريها قلة أدبي."

حدق به الجميع بفم مفتوح خاصة إيلين. فهي لم تبخل بمساعدته، حين أخبرها بشأن ما يحدث، على الرغم من شعورها بالحزن، بأن قلبه أصبحت تملكه أخرى. فهي لم تنس أيام طفولتهما، ولم تنس دلاله لها ومحاولات استرضاءه لها عندما كان تنتابها حالة من الحزن أو الضيق. فهو صديق طفولتها، الذي وضعته بمكانة لا يستطيع أحد غيره أخذها. فلم سمحت لقلبها بأن يشعر بتلك السعادة وهو يعلنها صريحة بأنها سيتزوجها حقًا ولن يقتصر الأمر على مجرد خدعة الخطبة.

بعد انتهاء جلستها بمنزل جدها، عادت لمنزل زوجها. فما كادت تطأ غرفة نومها، حتى وجدته يتبعها ويطوقها بذراعيه هامساً بأذنها: "كنتي فين يا ماسة؟ تبسم ثغرها الفاتن وردت قائلة بشوق مختلج بصوتها: "كنت في بيت جدو ولسه راجعة. طب لما رجعت مرنيتش عليها ليه؟ أطلق سراحها فاستدارت إليه، فداعب أطراف شعرها: "أنا لسه راجع دلوقتي وشوفتك وإنتي داخلة البيت وطلعت وراكي." اقتربت منه ووضعت ذراعيها حول عنقه وهمست قائلة بحب:

"كل سنة وإنت طيب يا حبيبي." نفض رأسه وظن أنه استمع لتلك الكلمة بالخطأ. فحدق بها قائلاً بدهشة: "حبيبي! ميس إنتي قولتي الكلمة دي بجد؟ هزت رأسها بالإيجاب وأعادتها على مسامعه ثانية: "أيوه قولتها يا حبيبي لأنك بقيت فعلاً حبيبي." عناق أبلغ من أي كلمات ستقال بتلك اللحظة. فراح يردد على مسامعها عبارات الحب والغزل. فوجدتها فرصة سانحة من أن يفتح لها قلبه ويخبرها بكل ما تريد معرفته. وضعت رأسها على كتفه وغمغمت بخفوت:

"قولي بقى ليه بتقول يا ماسة وإيه حكاية أنك تعرفني من وأنا صغيرة؟ لم يجد مفر من إخبارها بالحقيقة كاملة. فأخذها من يدها وأجلسها على طرف الفراش. بينما ركع هو أمامها على إحدى ركبتيه قائلاً بهدوء، ولكنه يخشى أن تثور بعد علمها بأمر حقيقة زواجه منها:

"أنا عيلتي وعيلتك من زمان أصحاب وقرايب وباباكي ووالدي كانوا أعز أصحاب وأنا من ساعة ما شوفتك بعد ما اتولدتي وقالوا اسمك ميس قولتلهم لأ دي ماسة وهتبقى بتاعتي. بس زمان غزل وأنا ومعتصم سافرنا اليونان ولما رجعنا وشوفتك أول مرة في المطعم وعرفتي إنتي مين قلبي رجع يدق تاني بس المرة دي مكنش حب طفل لطفلة، لأ دا حب راجل لبنت. عرفت أنك كنتي عايزة تتجوزي اللي اسمه نادر ده فبوظت الجوازة علشان أتجوزك أنا ومحدش تاني ياخدك مني."

لم يقو على إخبارها الحقيقة كاملة. فاكتفى بذكر حبه لها وأنه السبب الأساسي، الذي دفعه ليتزوجها. فهو لا يريد إفساد سعادتهما بأن يخبرها أنه أرادها من أجل الانتقام من عائلتها.

أرادت إتمام الليلة مثلما رسمتها بمخيلتها. فالآن لا يوجد ما يمنعها من إظهار حبها له. خاصة بعد اعترافه هو الآخر بحقيقة حبه لها منذ نعومة أظافرها. فكانت ليلتهما عامرة بخفقات القلوب المشتاقة، وتلاوة العديد من العهود والنذور، التي أقسم كل منهما أن يبر ويفي بها. خاصة ذلك العهد الذي أخذه عليها بعدم تركها له حتى وإن اشتدت عواصف ورياح الشدائد، التي يعلم بأنها لابد ستمر بحياتهما.

عاد للبيت مخمور، تفوح منه رائحة الخمر والنساء. فلو اقترب أحد منه سيتقيأ لا محالة. فتلك الروائح التي تفوح منه تثير الغثيان. ولكن لم يقتصر الأمر على رائحته وحسب، بل تلك المرأة التي جلبها معه وتسير بجواره تترنح بمشيتها من أثر الخمور. يبدو عليها أنها ستساهم بإتمام ليلته الماجنة. فلم يكتف بأن يكون سكير ولكنه عربيد وماجن. جلجلت ضحكة خرجت من فم المرأة وهي تراه على وشك السقوط. فوضع ديفيد يده على فمه قائلاً بتحذير: "هش!

اسكتي ووطي صوتك لحد من البيت يصحى." وضعت المرأة يدها على فمها، وحركت رأسها الثقيل مرارًا، تعبيرًا عن كونها ستسمع لقوله. فجذبها من يدها، وصعدا الدرج بحذر. فعلى الرغم من أن عمه لا يمانع أفعاله، بل أحيانًا كثيرة يشجعه عليها، بأن يجلب له النساء حتى باب غرفته. غمغم بارتباك وعيناه تدور بكل مكان: "أتمنى تكون حياء وبيري ناموا وإلا حياء مش هتسكت."

فشقيقته الصغرى لن تمرر له الأمر. وهي من صارت تتابع تصرفاته عن قرب وتأمره بفعل هذا وترك هذا، ويتركها تفعل ما تفعله من أجل أن تظل تحيا برفقته. حتى عندما ترجته أن تعود لشقتها القديمة لتقيم بها بشكل مؤقت لحين عودة أدريانو من سفره. فهي لم تتحمل البقاء هناك. لذلك عادت لذلك الحي الفقير تصطحبه معها هو وبيري. التي فرحت كثيرًا بتركها المنزل هي الأخرى. فهو لن يتركها تعود لزوجها بشكل نهائي، وينسى ثأره من تلك العائلة بسهولة.

فتح الباب بالمفتاح الذي حصل عليه من حياء، من أجل دخوله وخروجه بدون أن يسبب إزعاجها هي أو بيري. فوجد الصالة غارقة بالظلام والسكون يغلف المكان. فرك يديه بحماس وهو يهمس للمرأة: "شكلهم ناموا. تعالي معايا." ولجا لتلك الغرفة التي يسكنها بتلك الشقة، وأوصد الباب عليهما. وما كاد يخلع عنه قميصه، حتى وجد حياء تقتحم الغرفة وهي تصيح بصوت عالٍ: "إيه اللي إنت بتعمله ده يا ديفيد؟ جاي ت ن ج س البيت الطاهر؟ كاتك القرف!

برا خدها واخرج برااااااا! ضيقت المرأة عينيها ونظرت لحياء بتشويش وقالت وهي تترنح بوقفتها: "هي تبقى مين دي؟ إنت متجوز ولا إيه؟ ابتسم ديفيد ببلاهة قائلاً وهو يشير لحياء: "لأ دي مش مراتي دي أختي بس تقدر تقول لي أنها مرات أبويا اللي مش مهنيني على حاجة، وواقفة لي على الواحدة." جذبته حياء من ذراعه حتى استقام بوقفته. فدفعته وحثته على الخروج من الغرفة وهي تقول بانزعاج: "اتفضل خدها واخرج برا الشقة يا ديفيد، فاهمني؟

تثاءب ديفيد وأخرج من جيبه نقود وناولها لحياء قائلاً: "خدي الفلوس دي حاسبيها علشان عايز أنام." ارتمى بالفعل على الفراش، وتركها واقفة تنظر للمرأة، التي ما زالت تترنح بوقفتها. فوضعت النقود بيدها وسحبتها خلفها حتى وصلت لباب الشقة. هتفت بها حياء بضيق من تلك الأفعال المشينة التي تفعلها: "يلا اتفضلي روحي بيتكم وربنا يهديكي ويصلح حالك."

خرجت المرأة وظلت حياء واقفة بأعلى الدرج لتضمن خروجها نهائيًا من المبنى. فعادت وولجت الشقة ودلفت لتلك الغرفة التي تتقاسمها مع بيري. قالت بيري وهي تجلس بالفراش: "هو في إيه؟ ديفيد ماله؟ ردت حياء ودماءها تغلي بعروقها: "جايب واحدة معاه عامل فيها شهريار وجايب ستات البيت. مش كفاية القرف اللي شاربه لاء جايبها يتم بيها ليلته المقرفة وأنا اللي افتكرته محترم." رفعت بيري يدها وكممت فمها لتكتم صوت ضحكتها على قول حياء.

فقالت بضحكة صاخبة: "ديفيد محترم! دا هو والسفالة إخوات توينز كده. أنا كنت مستغربة أن الكام يوم اللي فاتوا كان مؤدب ومبيعملش عمايله دي." غرت حياء فاها من قول بيري. فكل يوم تكتشف أمرًا جديدًا يخص تلك العائلة، التي من المفترض أنها عائلتها. فيبدو أن شقيقها بحاجة لمعجزة إلهية لتقويم سلوكه.

ولكن نفضت كل هذا عن ذهنها، وأوت للفراش تفكر بحال راسل بعد تركها له. فكم تمنى لو يأتي سعيًا للبحث عنها. فهي اشتاقته أكثر من ذي قبل. وكأن تلك الليلة ما هي إلا وقود زاد من لهيب شوقها وحنينها إليه. اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر تفاصيل تلك الليلة الحالمة. فهمست باسمه وهي تغلق عينيها لتستدعيه بأحلامها. فمرت ساعات الليل مسرعة وحل الصباح بنوره، الذي ملأ الدنيا ضياءًا.

يوم جميل ومناسب للذهاب للشاطئ. فاليوم ليس لديها ما يمنعها من قضاء يومها برفقة بيري على أحد الشواطئ ولتسبح قليلاً، علها تلقي بهمومها بالبحر وتجرفها الأمواج بعيدًا. بعد انتهائها من وضع كل ما سيحتاجونه بالحقيبة، ناداها ديفيد قائلاً باعتذار: "حياء أنا آسف على اللي حصل امبارح. أوعدك مش هتتكرر هنا تاني." "ولا في أي مكان يا ديفيد." قالت حياء وعقدت ذراعيها بتصميم. فمن اليوم لن تتركه بحاله، حتى يتخلص من تلك العادات السيئة.

سمعوا صوت جرس الباب، ففتحت بيري ورأت رجلًا يقف على الباب. فنظر لها قائلاً بفتور: "إنتي السيدة حياء عرفان الطيب؟ سمعت حياء اسمها فأقترب بخطاها منهما وتساءلت: "أنا حياء مين حضرتك وعايز إيه؟ نظر الرجل لعدة أوراق بيده وعاد ينظر إليها قائلاً بلهجة رسمية: "لو إنتي السيدة حياء عرفان الطيب زوجة السيد راسل رياض النعماني، فأنا جاي علشان آخدك لبيت جوزك هو طالبك في بيت الطاعة." يتبع.... !!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...