الفصل 35 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
17
كلمة
8,864
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

حركة بؤبؤ عينيها داخل محجرهما، كمن تبحث عن شيء مفقود، جعلت هبة تشعر بالقلق من أن تكون تعاني سوءًا أو مكروهًا، فهما لم تلتقيا ثانية، منذ تلك المرة التي ذهبت إليها بمنزل زوجها، من أجل أن تتقاسما إرث خالها.

سحبت هبة يدها من على كتفها وأسرعت بضمها إليها، كمن علمت أنها بحاجة للشعور بالأمان، الذي من الممكن أن تقدمه لها بحكم تلك المودة والمحبة بينهما، فاستكانت حياء بين ذراعيها، مستندة بذقنها على كتف هبة، وتنظر لوالد زوجها، الواقف بمكان ليس ببعيد. "هبة، أنتي بتعملي إيه هنا أنتي وأخوكي؟

هتفت حياء بسؤالها، وهي ترتد بخطواتها للخلف، لتفسح مجالًا بينهما لترى كل منهما الأخرى بوضوح، فتفرست بوجه شقيق هبة، ذلك الفتى اليافع والخجول، والذي ما أن أتت على ذكره، حتى أطرق برأسه أرضًا بعد أن أصطبغ وجهه بجمرة قانية، ناتجة عن شعوره بالخجل. أجابتها هبة، وهي تداعب رأس شقيقها بابتسامة حانية:

"كنت جاية بخصوص موضوع الحادثة بتاعة وحيد، لأن عرفت أنهم قبضوا على اللي ضربه بالعربية، فجيت أنا والمحامي نتابع الموضوع، علشان وحيد لسه مش بيقدر يخرج ولا يقف على رجليه، فأخويا شبط ييجي معايا، فجبته وسبت أخويا الثاني مع وحيد في المستشفى." بوضوح ذلك الحزن، الذي سكن عينيها وحروفها وهي تذكر زوجها، فرفعت يدها تربت على ذراعها بمواساة، ولكن قبل أن تخرج الكلمات المواسية من بين شفتيها الجافتين، سبقتها هبة وهي تقول متسائلة:

"بس هو أنتي بتعملي إيه هنا يا حياء؟ خير؟

آتاها هذا السؤال من هبة بنبرة قلقة، فإن كان والد زوجها حرص كل الحرص على عدم إفشاء الصحافة لما أصاب ولده، فهي لن تستطيع الكذب عليها، فسحبتها من ذراعها ووقفتا بأحد الأركان الهادئة نسبيًا، نظرًا لحركة النشاط بالمكان، وقصت عليها كل ما حدث لزوجها، وكل كلمة تنطق بها، تجعل عيني هبة تزداد اتساعًا، بل لم تكتفِ بذلك، بل شهقت وهي تضع يدها على فمها، حتى لا يسمعها أحد وهي تبدي تعجبها مما تسمعه. جف حلقها وهي تقول بنبرة متقطعة:

"يا خبر أبيض، كل ده حصل لدكتور راسل، ربنا يردهولك بالسلامة يا حياء." مسحت هبة وجهها، كمن شعرت بحرارة مفاجئة، فانتبهت للحزن على ما تلقاه حياء بحياتها، فهي لا تدوم سعادتها طويلاً. قبضت هبة على كف حياء، وضغطت عليه بحنان، وقالت وهي تعمل على محو دمعة انزلقت من عينيها: "حياء، لو محتاجة أي حاجة يا حبيبتي، قولي متتكسفيش، إحنا أخوات وأنا تحت أمرك."

أشرقت بسمة على شفاه حياء، التي لم تذق بالأيام الماضية، سوى ملوحة دموعها النازفة على خديها، من كثرة بكاءها وافتقادها لزوجها. فرفعت يدها الأخرى مربتة على ظهر يد هبة: "تسلميلي يا هبة، أنا مش محتاجة غير دعواتك ليا وبس، أن ربنا يعدي الأزمة دي على خير." "إن شاء الله يا حياء، ربنا هيفرج كربك بإذن الله."

قالت هبة بأمل، من أن يجيب الله دعاءها، فسمعت صوت المحامي الخاص بها يناديها، فأعتذرت مغادرة وأخذت شقيقها، مع تركها وعدًا لحياء بأنها ستزورها قريبًا.

رحلت هبة، فاستندت حياء على الجدار بجانبها، فمالت برأسها عليه وأغمضت عينيها، تبتهل لله بداخلها أن لا ينتهي اليوم، إلا وراسل عائدًا معها إلى منزلهما، فكأنها حرمت على أجفانها النوم وهو بعيد عنها، فإن غفت ساعة واحدة، تستيقظ بفزع وهي تناديه، حتى بعد ذهابها لمنزل أبيه، تقضي نهارها باكية وليلها مسهدة وشاكية لربها.

توقفت عجلات القطار وأصدرت صوتًا باحتكاكها بالقضبان الحديدي، جعله يعي أنه وصل لوجهته أخيرًا، بعد أن ظن أن القطار سيظل يسير طوال العمر. ولم تكن وجهته سوى تلك المدينة الأثرية والعريقة المسماة مدينة "الأقصر"، تلك المدينة التاريخية الزاخرة بالآثار الفرعونية القديمة، والتي شهدت على بناء حضارة من أعرق الحضارات التي شهدها العالم.

أخذ حقيبته الموضوعة على الرف أعلى رأسه وجرها خلفه حتى وصل لباب المقصورة، مد قدمه بتردد كأنه يخشى أن تطأ قدميه الأرض بالخارج، ولكنه حسم أمره بالاخير، بعدما سمع صوت فتاة خلفه تصيح به بنفاذ صبر: "ما تخرج بقى يا أستاذ، هو أنت خايف تنزل من القطر؟ مش ناقصين تأخير." التفت كرم لمصدر الصوت، فرأى فتاة تحمل حقيبة بيدها وأخرى على ظهرها، كمن هي ذاهبة لرحلة إلى مخيم، ويبدو على وجهها علامات الضيق والنزق. قال كرم بلهجة المعتذر:

"أنا آسف يا آنسة، اتفضلي." أمعنت الفتاة النظر برماديتيه، فلم تفعل شيئًا سوى أنها أومأت برأسها، وهي تعمل على ابتلاع لعابها وتلك الكلمات التي كانت على وشك قذفها بوجهه، فصوته الدافئ والمعتذر ووسامته التي لم تستطع نكرانها، جعلا من الصعب عليها أن تستمر بإظهار خشونة صوتها وطبيعتها بالتعامل مع الآخرين بأسلوب جاف وخالٍ من الكياسة.

أفسح لها كرم الطريق، حتى تستطيع الخروج، فبعد اطمئنانه لخروجها من القطار، أخذت حقيبته وهو يتبعها، فبعد خروجه للشارع، أسرع برفع يديه ليشير لسيارة أجرة، فوقفت السيارة بالمنتصف بينه وبين تلك الفتاة، التي كانت على وشك الشجار معه. فخرج السائق من السيارة وقال بتساؤل وهو يوزع نظراته بينهما: "انتوا الاتنين شاورتوا للعربية، بس مين اللي هيركب فيكم؟ نظر كرم والفتاة لبعضهما البعض، فقبل أن تقول شيئًا، كان هو حاسمًا الأمر، فرفع يده

يشير لها بالدخول للسيارة: "اتفضلي أنتي يا آنسة." تبسمت الفتاة بهدوء، ووضعت حقائبها بالسيارة، فقبل أن تأخذ مكانها بالمقعد الخلفي، نظرت إليه شاكرة إياه لطفه، فرد ابتسامتها بابتسامة هادئة وبضع كلمات تعبر عن أنه لم يفعل سوى ما يقتضيه الموقف. بعد رحيل السيارة بالفتاة، وقفت سيارة أخرى بالقرب منه، وسأله السائق: "عايز تاكسي يا أستاذ؟

حرك كرم رأسه بالإيجاب واستقل السيارة، وأخبر السائق بالعنوان المفترض به أن يصل إليه، والذي لم يكن سوى منزل أحد أقارب والده، والذي هاتفه يخبره بضرورة تدبير شقة له ليستأجرها، بعد أن تم نقل عمله لإحدى المدارس الثانوية الخاصة بالفتيان، فهو لم يريد العمل بمدارس خاصة بالفتيات ثانية.

صف السائق السيارة أمام منزل قديم، ولكن مازال رونق الألوان والرسومات الفرعونية تنطق على جدرانه بعظمته، فناول كرم السائق نقوده وأخذ حقيبته، فرحل السائق وصعد كرم الدرج الصغير، حتى وصل أمام الباب. مد يده ليدق الجرس، فأسرع فتى صغير بفتح الباب وهو يقول بضحكة صاخبة: "هااا، فتحت الباب قبل ما ترن الجرس." ابتسم كرم على جملة الصغير، فداعب رأسه وهو يقول بصوت هادئ: "جدو فين يا عسل؟ ركض الصغير لداخل المنزل وهو يصيح:

"جدى جدى، في واحد عايزك." نهض رجل أشيب من على أريكته الخشبية العتيقة، فأخذ عصاه يستند عليها، حتى وصل للباب، فتهلل وجهه وفتح ذراعيه مرحبًا بقدوم كرم: "يا ألف أهلاً وسهلاً يا ولدي، اتفضل." بادله كرم ترحيبه بترحيب أكثر حرارة، فشد من احتضانه وربت على ظهره عدة مرات قبل أن يطلق سراحه من بين ذراعيه، فعاد مكملاً لحديثه: "دا الأقصر كلها نورت يا ولد الغالي." "تسلم يا حاج سويلم، دا نورك، وأسف لو كنت أزعجتك."

نطق كرم بعبارته وهو يسير بجوار سويلم، حتى وصلا لغرفة فسيحة يطلقون عليها "المضيفة". فتبسم له سويلم وربت على كتفه وهو يقول بحنين: "الله يرحمه أبوك كان غالي عليا أوي، ونشيلك فوق الراس، ثواني وجايلك." خرج سويلم من الحجرة، فجلس كرم باستحياء وهو يستطلع الصور المعلقة على الجدار، وأثاث الغرفة، فلمح ذلك الصغير، الذي أطل برأسه وعاد يختبئ ثانية. فأشار له كرم بالاقتراب قائلاً بلهجة ودية: "تعال، أنت عمال تستخبى مني ليه؟

تعال، اسمك إيه؟ تقدم منه الصغير بخجل، فباقترابه منه رفعه عن الأرض ووضعه على ساقه، فرد الصغير قائلاً بصوت خافت: "اسمي سويلم زي جدي." قبله كرم على وجنته، وأخرج من جيبه نقودًا وأعطاها له، ولكن الصغير رفض أخذها، بل أنه فر هارباً من الغرفة وهو يرى جده يعود ثانية، فبعد أن أخذ كرم ضيافته كاملة، أصر على الحاج سويلم بأن يدله على تلك الشقة التي سيستأجرها.

فخرجا من المنزل وسارا قليلاً، حتى وقفا أمام منزل مكون من طابق واحد، فقال الحاج سويلم وهو يشير بعصاه: "البيت أهو يا ولدي، ومتقلقش من أي حاجة، دي بيتي برضه." لم يكن يعلم كرم أن المنزل مملوكًا للحاج سويلم، فأصر أن يدفع ثمن إقامته به، فقال بإلحاح: "حتى لو بيتك يا حاج سويلم، أنا هدفع إيجاره زيي زي الغريب، وأرجوك مترفضش، وإلا هشوف أي مكان تاني." "وه إيه دماغك الناشفة دي عاد، خش يا ولدي وأرتاح، ونبقى نتكلم بعدين."

قال الحاج سويلم بصرامة. فتبسم كرم على قوله، فهو تارة يتحدث بلغة أهل الصعيد، وتارة أخرى يحدثه بلهجته، فعلى الرغم من بساطة مظهره، إلا أنه رجل ذو شأن ببلدته، وليس هذا فقط، فزواجه من تلك المرأة الألمانية، التي أغرمت به، أثناء زيارتها للأقصر، كانت قصة تتغنى بها الألسن، من وقوع امرأة أجنبية بحب رجل صعيدي، بل أنها أنجبت له ولده الوحيد وتوفيت بعد ذلك، ورفض هو الزواج من أنثى غيرها وفاءًا لهذا الحب.

لجأ كرم المنزل، وجد كل شيء مرتب ونظيف، ووجد مبرد الطعام ممتلئ بالخضروات والفاكهة واللحوم وكل ما يلزمه، فدلف لغرفة النوم ووضع حقيبته، فهو بحاجة لحمام دافئ، يزيل به عناء السفر وشعوره بالتعرق.

فأثناء فتح حقيبته وجد أول شيء يطالعه، صورة هند، ولا يعلم لما يصر على تعذيب نفسه، وهي من كانت بين يديه، بل أنها كانت راغبة به وأعلنتها صريحة، ولكن هو من قطع كل الجسور بينهما، فرفع الصورة وحدق بها لحظات، حتى قرر وضعها تحت وسادته وأخذ ثيابه وولج للمرحاض، وعقله لا ينفك عن التفكير عن ما سيكون حالها بعد فراقهما؟ فهل هي صادقة باعترافها بحبه؟ أم ستنساه بأول فرصة ستتاح لها لنسيانه وتعود لحياتها السابقة؟

داخل غرفة وكيل النيابة، وبعد قضاء المحامي وقتًا لا بأس به يعرض ما لديه من إثباتات وأدلة توحي بأن قضية القتل كانت من تدبير آخرين للإيقاع براسل، أعاد وكيل النيابة النظر بشاشة الهاتف، لمشاهدة ذلك الفيديو الخاص بجلسة نادر ونصر وهما يفشيان جوانب ارتكاب جريمة قتل سعيد كاملة، من أنهما عملا على إرسال رجل متنكرًا بلباس طبي ويضع على وجهه قناع، كالذي يستخدمه الأطباء والعاملون بالمشفى، فهما كانا يراقبان كل غدوة وروحة لراسل، فبعلمهما أنه تشاجر مع أحد من العاملين لديه، أسرعا بإرسال قاتل مأجور لإنهاء المهمة سريعًا، قبل أن ينتبه أحد على شيء.

بعد اطمئنان الرجل لوجود سعيد بالمشفى لأخذ متعلقاته، بعدما أصر راسل على تركه العمل وألقاه خارج مشفاه وعاد لمكتبه ثانية، جاءته الفرصة على طبق من ذهب عندما رأى سعيد يلج لمخزن الأدوية، فأتم ذبحه بمبضع استطاع سرقته من أدوات راسل بعدما عمل على فصل كاميرات المراقبة، ولم ينس إلقاء الصورة بجواره، تلك الصورة التي استطاعت ليالي بوقت سابق من سرقتها من جزدانه الجلدي أثناء وجودها مرة بغرفة مكتبه، وهو كان يمر بين المرضى، تاركًا سترته معلقة على طرف المقعد بغرفة المكتب.

"كده حضرتك اتأكدت أن الدكتور راسل النعماني بريء من تهمة قتل سعيد الممرض." صدح صوت المحامي بعبارته التي تفوه بها بثقة، أنه لن يكون هناك داعٍ للشك ببراءة راسل. فوضع وكيل النيابة الهاتف أمامه وهو ينظر للرجل الجالس بمقعد قريب من المكتب، والذي يعمل على كتابة كل ما يمليه عليه، فهتف به بهدوئه المعتاد:

"اكتب، وقد أمرنا بالإفراج عن راسل رياض النعماني، بعد أن اتضح لنا أن جريمة القتل قد تم تدبيرها من قبل شخصين آخرين يدعيان نصر السلمانى وشقيقه نادر، وقد أمرنا بضبط وإحضار المتهمان على وجه السرعة، وقد أغلق المحضر في ساعة وتاريخ. اكتب وقت وتاريخ النهاردة."

كل هذا يحدث من حوله، وهو لم يبدِ بكلمة أو صدر منه فعل يدل على سعادته بأنه سيطلق سراحه، بل ما زال كما هو كأنه جسد مصنوع من الشمع، كأن لم يعد لديه أي شعور إنساني يمكن أن يظهره بحالته تلك، بل ترك المحامي يجذبه من ذراعه ليخرجا من الغرفة، بعدما أصدر وكيل النيابة قرار إطلاق سراحه. تقدم منه أبيه ورفع ذراعيه يحتضنه قائلاً بسعادة لم يستطع إخفاءها: "الحمد لله يا ابني أن كل حاجة انتهت على خير. الحمد لله."

اقشعر بدن راسل من مبادرة أبيه باحتضانه، فهما لم يحدث بينهما شيء كهذا من قبل، فمن كان يقوم بهذا الدور هو شقيقه وجدي، لذلك لم يكن يعلم ما هو شعور احتضان الوالد لولده، فعلى الرغم من أن زوج خالته كان له الوالد الذي تمناه دوماً وأنه أغدقه بحنانه وعطفه وشمله برعايته، إلا أن تلك الذبذبات التي تسري بعروقه يستشعرها لأول مرة، حتى كاد أن ينسى غضبه من أبيه.

ولكن عندما هم برفع ذراعيه ليطوق بهما والده، عجزت عن الاستجابة له، بل مر أمام عينيه كل ما لقاه من قسوته وجفاءه، فأسرع بالابتعاد عنه، وكأنه لم يكن مستكينًا بين ذراعيه بوداعة منذ قليل. فحدق بوجه والده بجفاء: "أنا عايز أروح بيتي وأشوف بنتي وماما، عن إذنكم."

قبض على كف حياء وسحبها معه ورحل تاركًا أبيه بصحبة عاصم والمحامي، سار بخطوات واسعة حتى وصل للخارج، فهو كان يظن أن زوجته جاءت بسيارتها، ولكنه لم يجدها بصف السيارات المصفوفة أمام مبنى النيابة. فالتفت لها متسائلاً: "فين عربيتك يا حياء؟ ازدردت حياء لعابها خشية إخباره بحقيقة إقامتها هي ووفاء والصغيرة بقصر النعماني أثناء غيابه عنهن.

فانفرجت شفتيها وهمت بإخباره، فعادت وضمتهما ثانية، إلا أن فعلتها جعلته يمعن النظر بها، فهو بات يعلمها عن ظهر قلب، ويعلم أن لابد من أنها تخشى إخباره بشيء ربما سيثير غضبه. هتف بها بهدوء: "ما رديتيش عليا ليه؟ ولا تكونيش مخبية عليا حاجة؟ لو في حاجة قولي، وأوعدك أن مش هتعصب، أنا مفييش حيل أتكلم أصلاً."

وضع يده على جبهته كمن أنتابه دوار مفاجئ، فعلى الأغلب أن امتناعه عن تناول الطعام، بدأ يوهن قوته، بل أنه بدأ يشعر بارتخاء أطرافه، فترنح بوقفته كمن سيسقط أرضًا. فأسرعت حياء بإسناده وجعلته يتكئ عليها، فقالت بخوف وقلق: "حبيبي مالك؟ في إيه؟ أنت كويس؟ أغمض راسل عينيه وظل يستنشق الهواء ويزفره ببطء، لعله يستعيد توازنه ثانية، فرد قائلاً بصوت خافت: "أنا عايز أروح يا حياء."

أسرعت حياء بالإشارة لسيارة أجرة، فهي جاءت برفقة والد زوجها بسيارته الفارهة، لذلك هي لم تقُد سيارتها وتركتها بالقصر منذ ذهابها هناك. فبعد أن وقفت سيارة الأجرة، وصعد راسل بالمقعد الخلفي تجاوره حياء، انطلقت السيارة بطريقها لمنزله، فأسترخى بالمقعد، واستند برأسه على طرفه وأغمض عينيه ثانية، فهو لا يطيق صبرًا للوصول للمنزل، فهو لا يريد أن يرى أحد لحظة انهياره الحتمية نتيجة ما حدث بالأيام الماضية.

فبالمنزل كانت وفاء تعمل على إعداد ما لذ وطاب من الطعام المحبب لراسل، فهي عادت بالصغيرة لمنزلها، من أجل أن يعود راسل ويجدهما. "بابا! صرخت سجود بسعادة وهي ترى أباها يلج من الباب، فتعلقت بساقيه، فجثى هو على ركبتيه أمامها وأخذها بين ذراعيه وأطبق عليها ساعديه بحب واشتياق لمرآها. فهمهم بأذنها بحب: "حبيبة قلبي بابا يا سجود." بدأت الصغيرة بحل ذراعيها من حول عنق أبيها وهي تقول بعفوية: "بابي، لازم تستحمى، في ريحة وحشة."

تبسم رغماً عنه على قول صغيرته، فهي محقة بأن لا تتحمل رائحته، وهي من اعتادت أن تشم منه أغلى العطور وأثمنها. تبعته وفاء بلهفة تجفف يديها بمنشفة صغيرة، فسرعان ما نهض راسل من مكانه مقتربًا منها، فأخذته سريعًا بين ذراعيها وهي تربت عليه بحنان، فأنزلقت دمعة من عينيها سعادة بعودته. فقالت وصوتها يشوبه رنة بكاء خفيفة:

"الحمد لله أنك رجعت لنا بخير يا حبيبي، الحمد لله، يلا روح خدلك شاور، دا أنا النهاردة عملالك كل الأكل اللي بتحبه." أومأ راسل برأسه، فشق عليه الحديث أو الرد، كأنه إذا تفوه بكلمة سيغشى عليه لا محالة، فالله وحده الأعلم كيف هو ما زال يقف على قدميه حتى الآن.

أخذته حياء من يده وصعدت الدرج، حتى وصلا غرفتهما، فبدون أن تنطق بكلمة، جعلته يجلس على طرف الفراش، ريثما هي تقوم بملء المغطس، فتحت الصنبور بالمغطس الواسع وخرجت لتأتي له بثياب نظيفة، وضعت ثيابه بالمرحاض وخرجت لتخبره بأن كل شيء جاهز، فوجدته متسطحًا على الفراش وما زالت قدماه موضوعة أرضًا. ولكن عيناه ما زالتا مفتوحتان ويحلق بالسقف الغرفة، ربتت على كتفيه لتجعله ينتبه عليها وهي تقول بهدوء وابتسامة: "الحمام جاهز يا حبيبي."

بصعوبة حاول الاعتدال بجلسته، فمدت له يد العون سريعًا، فحالته تنبئ بأنه حاجة ملحة لمساعدتها، فوهبته كافة ما يمكن أن يريده زوج من زوجته بتلك اللحظة من مساهمتها بتدليله كأنه طفلها، فجلوسها على حافة المغطس وعملها على تدليك فروة رأسه حتى شعر بالنعاس، أمور جعلتها تشعر بأنها هي الوحيدة التي سمح لها أن تراه بحالات ضعفه كالآن، أن ترى راسل الذي ما أن جاء لهذا العالم، والحياة لا تكف عن إلقاء همومها على كتفيه، والذي يأبى أن يترك العنان لعينيه بأن تذرف ما اختزنته طويلاً، فإن فكر بالبكاء لا يريد أن يراه أحد.

تركت له زمام أموره كافة، لا يفعل شيئًا سوى إطاعة ما تقوله حتى خرج من المرحاض، فلم تستغرق وقتًا وهي تمشط له شعره، وأخذت قنينة عطره المفضل ونثرت منها على ثيابه، فها هو عاد ثانية الأب والزوج الذي اعتادت هي والصغيرة رؤيته. ولكن عيناه غائرتان، وجفونه مائلة للون الأحمر، ففكرت أن تطعمه ويخلد للنوم، فقالت له وهي بطريقها للخروج من الغرفة: "أنت لازم تاكل. هنزل أجيب لك أكل وأجي."

خرجت حياء من الغرفة بدون أن تسمع رده، فأضجع بفراشه، وشفتاه تطلق أنات خافتة، بعدما أحس بنعومة أغطية فراشه الوثير، رفع يده ودب بها بخفة على صدره الصلب وعيناه متحجرتان يفكر بما فعلاه نادر وشقيقته، فلو لم يفعل عمران ما فعله وجاء بدليل براءته، لكان ما زال هو بالسجن، بل كان سيزداد الأمر سوءًا من ذهابه للمحكمة وإصدار القاضي حكمًا يتناسب مع ارتكاب جريمة القتل، وربما كان سيصل لحبل المشنقة.

صعدت يده من صدره حتى عنقه يتحسسه بروية وهو يسأل نفسه، عن لماذا يحدث معه هو كل هذا؟ فهل جمع تعاسة الحظ كلها بمفرده أم ماذا؟

جاءت حياء حاملة الطعام والصغيرة تتبعها، وهي تقفز وتصفق بسعادة لعودة أبيها، وضعت الصينية المحمولة بأشهى المأكولات أمامه، فتلك الروائح التي تسللت لأنفه، جعلته يشعر بمدى جوعه، فألتهم كل ما جلبته حياء، حتى جعلها تنظر له بذهول وهو يأكل على غير عادته، كأنه لم يأكل منذ أيام، فيومياً والده كان يحرص على إرسال الطعام إليه فلما هو شرهًا بتناول طعامه هكذا؟ "راسل، هو أنت مكنتش بتاكل من الأكل اللي كان بيجيلك؟

قالت حياء وهي تمسد على رأس الصغيرة، التي مالت برأسها على ساقيها، بل وغفت أيضًا بعد أن ثرثرت مع أبيها لبضع دقائق. أهز راسل رأسه نافيًا وهو يضع الملعقة بفمه، فأكتفت بإيماءته وحملت الصغيرة وذهبت بها لغرفتها، فالوقت ما زال مبكرًا على نومها، ولكن سجود تغفو وتفيق بأي وقت، على الرغم من حفاظها على أن تخلد للنوم بوقت محدد من الليل. "راسل، خلصت أكل يا حبيبي."

عادت وجدته انتهى من تناول طعامه، وأزاح الصينية جانبًا، وعاد واستلقى على الفراش وتمدد بجسده كاملاً، بل أنها سمعت صوت انتظام أنفاسه، فحملت الصينية ووضعتها على طاولة قريبة من الفراش. جلست بجانبه ومدت يدها بتردد ومسدت على رأسه، فهي تخشى أن تزعجه أو أن يستيقظ من نومه، ولكن تعجبت من قلة حديثه كأنه نسي الكلام فجأة، فهو منذ أن وطأ المنزل وهو لم يبدِ سوى بجملة واحدة من أجل صغيرته.

سحب يدها التي تمسد بها على خصيلاته الرطبة ووضعها على صدره مغمغمًا: "وحشتيني أوي يا حياء." جملة بسيطة ولكن تعني له ولها الكثير، استندت بمرفقها على الوسائد، ومالت برأسها على كف يدها قائلة بطيف ابتسامة: "وأنت كمان يا حبيبي، وحشتني كل حاجة كانت ملهاش طعم ولا فيها حياة وأنت مش جنبي يا حبيبي."

زحف برأسه على الوسادة حتى صار قريبًا منها، بل استطاع سماع خفقات قلبها، فدفن وجهه حيث كانت ترتجف هيامًا، فبسطت ذراعها الذي كانت مستندة به على الوسائد أسفل رأسه، وتمددت بجانبه واضعة ذراعها الأخرى حوله، فأخذ يخبرها بما حدث له وهو غائبًا عنهن، وكيف كان شعوره وهو يستعيد ذكرياته الأليمة بإيطاليا، فظل يتحدث وقتًا طويلاً وهي تستمع لكل كلمة يقولها بانتباه، مكتفية بأن تربت عليه بحنان، فلم تستطع منع تلك الدموع التي راحت تنهمر من عينيها وهو يصور لها مدى بشاعة تلك الأحاسيس التي زارته بين جدران السجن.

"أنا مش عارف ليه أنا اللي بيحصلي كده يا حياء."

تمتم بعبارته وظلت أنفاسه تضرب تجويف عنقها حيث دفن وجهه، تكاد تشعر بتمزق قلبها من تلك الهمهمات والأنين الخافت المنطلق من بين شفتيه وهو يقص عليها ما بقلبه، تحدث عن كل شيء وأي شيء، كأن تلك الساعات التي قضاها صامتًا، حاول تعويضها بأنه أطلق العنان للسانه بأن يبوح بكل تلك الغصات التي تكتلت بقلبه وأثقلت كاهله، فقبلت جبينه قبلة عميقة ودافئة، كمن تقدم اعتذارًا نيابة عن كل ما لقاه، فإن كانت تريد إخباره بشأن ما حدث معها، فالوقت ليس بصالحها ولا بصالحه على الإطلاق، فيكفي تلك الهموم الغارق بها.

بذلك المكان المهجور والخالي من أي معالم من معالم الحياة، حيث وقف عمرو وخلفه عدة رجال مدججين بالأسلحة النارية، وما هم إلا رجال أبيه المخلصين والعاملين تحت إمرته بتلك الأعمال غير المشروعة، والذين علموا أن ابن سيدهم سيصبح السيد الجديد بتلك الأعمال، فمنهم من أبدى اعتراضه على أن يقودهم بتلك المهمة نظرًا لعدم خبرته بتلك الأمور الأكثر خطورة من القيام بأي عمل آخر.

"يكون في معلومكم أن اللي هيحاول يغدر بيا هيكون مصيره القتل، وأكيد عارفين أن أدريانو إسكندر مش من النوع اللي بيحب حد يخرج برا دايرة شغله." هتف عمرو بهم بصوت أكثر خشونة، فكانت كلمته هي الفيصل، إذ وضعهم أمام خياران لا ثالث لهما، فإما أن يظلوا على ولائهم له كأبيه، أو ترك العمل نهائيًا مع حرصه أن لا يجعل أحدًا منهم يحيا بعد تركه للعمل، فهو لن يستطيع أن يجازف بأن يترك أحدًا منهم عمله ويفشي بحقيقته للشرطة.

دقائق ووصلت سيارة أخرى سوداء، خلفت سحابة رملية خلفها، ترجل منها أربعة رجال، واحد منهم هو المنوط به تبادل تلك الحقيبة التي تحوي على مخدر الهيروين بحقيبة النقود التي يحملها عمرو.

أقترب الرجل الآسيوي من سيارة عمرو، ووضع الحقيبة على مقدمة السيارة وفتحها ليستعرض ما بداخلها، فأخذ عمرو أحد أكياس المسحوق الأبيض، وأخرج بعضًا منه وذاقه بطرف لسانه، فبعد تأكده من جودة المخدر، وضع حقيبة النقود وفتحها هو الآخر، فنظر الرجل الآسيوي باستحسان للعملات الأجنبية بفئة مئات الدولارات.

أخذ كل منهما حقيبته وأنفض الجمع سريعًا، الذي اقتصر على تبادل كلمات قليلة بين عمرو والرجل الآسيوي، نظر عمرو للحقيبة التي بحوزته بشعور مبهم، فأستغرق بتفكيره ولم يشعر سوى بوقوف السيارة داخل منزل أدريانو. "لأ برافو، مكنتش أعرف أنك شاطر أوي كده يا عمرو." صاح به أدريانو وهو يصفق بيده بإعجاب، فهو يرى أن عمرو اجتاز الاختبار الأول له بنجاح، رغم أخذه كافة الاحتياطات اللازمة إذا كان حدث شيئًا وأخفق بمهمته. رفع عمرو يده بالحقيبة

يناولها له وهو يقول ببرود: "شنطة المخدرات أهي، وأظن ليا فيها نصيب." التوى ثغر أدريانو بابتسامة وهو يقول بصوت هازئ: "أكيد طبعًا ليك نصيب يا عمرو، بس يا حبيبي الهيروين اللي هتاخده مش عشان تشمه، لأ ده عشان توزعه على التجار اللي كانوا بيتعاملوا مع أبوك."

مسح عمرو أنفه بإصبعه وسال لعابه عندما رأى تلك الكمية الكبيرة من مخدر الهيروين، أثناء فتح أدريانو للحقيبة، فعندما حاول مد يده لأخذ حصته التي خصصها له أدريانو، لمح رجلًا يهرول إليهما سريعًا. فأقترب من أدريانو وهمس في أذنه ببضع كلمات، جعلته يغلق الحقيبة ونظر لعمرو قائلًا بعجالة: "عمرو، استناني هنا شوية وجايلك، متتحركش من مكانك."

لم ينتظر أدريانو ردًا من عمرو، بل أسرع في الذهاب حيث أخبره أحد رجاله أن نصر ونادر بانتظار بأمر هام للغاية، فولج حيث غرفة الصالون الكبير، ووزع نظراته بينهما قائلاً بحدة: "انتوا إيه اللي جابكم هنا دلوقتي؟ وإيه اللي سمعته ده؟ فعلاً البوليس بيدور عليكم؟ وقف نصر أمامه قائلاً بصوت مرتجف:

"أيوة يا أدريانو، عرفنا أن في فيديوهات اتقدمت للنيابة وبرأت راسل النعماني، فالبوليس بيدور علينا عشان عرفوا إن إحنا اللي دبرنا ليه كل حاجة، وأنا جايلك عشان تحمينا." قبض أدريانو على تلابيب ثيابه وهزه بعنف صارخًا بوجهه: "وأنت جايلى ليه دلوقتي يا نصر؟ ما هو ده بسبب غباءكم! ومين اللي قدر يصوركم فيديوهات زي دي؟ رد نادر قائلاً وهو يحك جبهته بتفكير: "ممكن تكون البت ليالي اللي كانت شغالة عند نصر."

ترك أدريانو ثياب نصر وخطى بخطواته تجاه نادر، فضيق ما بين عينيه قائلاً بتساؤل: "وهي فين ليالي دي دلوقتي؟ أجابه نادر وهو يمُط شفتيه بجهل: "معرفش، من آخر مرة شفتها فيها وطردتها معرفش راحت فين، بس مش ده المهم دلوقتي، إحنا عايزينك تحمينا." أكد نصر على حديث شقيقه وهو يقول برجاء: "أيوة يا أدريانو، لازم تحمينا، لأن لو وقعنا كل حاجة هتنكشف، ومش هروح في داهية لوحدي، فأنت لازم تتصرف، إن شاء الله حتى تسفرنا بره."

لم تكن تلك الجلسة خاصة بثلاثتهم فقط، بل كان هناك من يسترق السمع على حديثهم، فعمر عندما أمره أدريانو بأن ينتظر مكانه، لم ينفذ ما طلبه منه، بل استطاع أن يتعـلل برغبته بدخول المرحاض، وتسلل بدون أن يراه أحد واستمع لكل ما دار بغرفة الصالون الكبير. بعلمه أن الحديث انتهى بينهم، هرول بخطواته وخرج ينتظر أدريانو بالحديقة، فبعد أن أخذ حصته وناولها لأحد رجال أبيه، أمره بأن يعود للمنزل، على أن يذهب هو لرؤية والده بالمشفى.

فعند وصوله للمشفى وأثناء دخوله، لمح سهى وهي تسير برفقة امرأة تحمل طفلاً صغيرًا، فبرؤيته لها تذكر ما فعلته بها وتلك النعوت التي أطلقتها عليه، فهو لم يستطع نسيان وجه تلك الفتاة سليطة اللسان. انتظر حتى صارت بمفردها بعد دخول زوجة أبيها وشقيقها للغرفة المختصة لعمل التحاليل الطبية، فأقترب منها واصطدم بها كأنه غير متعمد، فأطاح بالأدوية التي تحملها بيدها، نظرت سهى بصدمة للعبوات الزجاجية التي تحطمت وانسكب منها محتواها.

فتبسم عمرو بشر قائلاً بتهكم: "أوه، سوري يا آنسة، إن كسرتلك أزايز الدوا." رفعت سهى عينيها عن الأرض ونظرت بوجهه وهي على وشك قتل من فعل ذلك، ولكن برؤيتها له وتذكرها لمن يكون، زاد انفعالها أضعافًا وهي تصيح بوجهه: "كاتك كسر رقبتك يا شيخ! أنت عارف الدوا ده بكام؟ وأخويا محتاج له دلوقتي، مش تفتح وأنت ماشي زي الأعمى." التوى ثغره وهو يخرج من جيبه حفنة من النقود:

"خدي حق الدوا أهو، واشتري غيره أحسن تعيطي ولا حاجة يا حرام، صعبتي عليا." أخذت سهى النقود من يده وحدقت بها، فسرعان ما نظرت إليه وهي تلقي بها في وجهه وهي تقول بسخرية: "خلي الفلوس عشانك، ولا أقولك روح احلق بيهم شعرك اللي مطوله وعامل زي البنات، يمكن ساعتها تبقى راجل."

تركته وذهبت بعد أن قالت ما لديها، فظل هو واقفًا مكانه كمن تجمد الدم بعروقه فجأة، فبجهد استطاع إدارة رأسه تجاهها ورآها تخرج من المشفى برفقة زوجة أبيه بعد انتهائها من عمل الفحوصات اللازمة للصغير، فقبل أن تعبر من الباب، التفتت إليه ونظرت إليه نظرة ازدراء.

تشنج جسده على الفور، بعد تأكده من ذهابها، ولكنها قبل أن ترحل تركت له جملة "يمكن ساعتها تبقى راجل" التي ظل يتردد صداها بعقله، وتعمل على زيادة تدفق الدماء برأسه، كأن بين فينة وأخرى، سينفجر كبالون تم تعبئته حتى وصل للحد الذي لم يعد به متسع للمزيد. بعد مرور يومان.

داخل غرفة النوم الخاصة بميس وعمران، كانت تلك الفاتنة الشقراء تعمل على الانتهاء من زينتها، التي تمثلت بارتدائها ثوبًا باللون العاجي، وعقد من الألماس وقرطين مماثلين للعقد، فهي حصلت على العقد والقرطين بعد تلك الليلة، التي أصبحت فيها زوجة لعمران قلبًا وقالباً.

عندما همت بلملمة شعرها الأشقر على أحد كتفيها، لتكسب نفسها مظهرًا خاصًا، بقصة شعرها التي حصلت عليها اليوم بأحد مراكز التجميل، وجدت عمران ينحني إليها قليلاً ويعيده للخلف مثلما كان. فتأمل خضراوتيها قائلاً بهمس: "شعرك كده أحلى يا ماسة." خجلت ميس من همسه الذي لم يخلو من تمرير أصابعه على وجنتها مرورًا بعنقها المرمرى، فكأن بلمسته استطاع خطف أنفاسها وصوتها، فخرجت كلماتها من بين شفتيها بخفوت كأنها تحدث نفسها:

"شكراً يا عمران، مش يلا بينا؟ زمان كلهم مستنين تحت ومش عايزين نتأخر عليهم، وخصوصاً أن النهاردة الحفلة بتاعة خالو وعمتك." حرك رأسه ببطء، ولكن لم يكن بنيته أن يجيب مطلبها سريعًا، فلا يعلم أي شيطان سكنه الآن، جعله يريد أن يفسد زينتها بعناق دار بمخيلته وكاد يفقده صوابه، فباليومين الماضيين، لم يبرح غرفته إلا من أجل أن يبتاع لها هدية ومن أجل الحفلة الآن، التي أصر عاصم على إقامتها لأخذ غزل لقصر النعماني.

فكأنها علمت بنواياه، فشدت على ذراعيه وهي تقول بحزم: "عمران، يلا بينا ننزل." غمغم عمران من بين أسنانه بغيظ: "حاضر، هننزل يا ميس، يلا بينا." أخذها وخرج من الغرفة، فتقابل مع شقيقه معتصم وولاء اللذان يبدو عليهما أنهما خارجان للتو من غرفتهما، فمدت ميس يدها وسحبت ولاء، تحاول الفرار من زوجها، الذي كاد يجعلها تشعر بالخدر من كثرة تلمسه لظهر يدها بإبهامه ببطء ونعومة. "تعالي يا ولاء نشوف غزل خلصت ولا لأ."

قالت ميس وهي تجر ولاء خلفها، حتى وصلتا للطابق الأرضي، ومنه لغرفة غزل. دلفتا فوجدتا غزل انتهت هي الأخرى، فثوبها الطويل باللون الأبيض، والذي أرسله لها عاصم صباح اليوم، جعلها فائقة الجمال، كأنها صورة جميلة لامرأة فاتنة من وحي الخيال، ودبت بها الحياة فجأة. فأثنت كل من ميس وولاء على جمالها بصوت واحد: "إيه الجمال ده كله." تبسمت غزل على قولهما وردت وهي تشعر بتوهج وجهها: "دا انتوا اللي قمرات."

ظللن يثرثرن بعض الوقت، حتى صدح صوت عمران ينبئهن بمجيء رياض وعاصم وشقيقته سوزانا، فخرجن من الغرفة ووصلن للحديقة المقام بها الحفل، فتم دعوة الأصدقاء والمقربين فقط. بأخذه يدها بين كفيه، انتفض قلبه بصدره، فهو حتى الآن لا يصدق أن بعض مرور القليل من الوقت، ستصبح ببيته وزوجته حقًا، فتلك الليلة كان ينتظرها منذ أكثر من اثنى وعشرون عامًا، وعلى الرغم من ذلك، كانت سعادته تفوق سعادة شاب بمقتبل عمره حصل على شريكة حياته.

فأدنى رأسه منها قائلاً بحب واشتياق: "أنا مش مصدق يا غزل أن إحنا خلاص هنبقى مع بعض." أجابته غزل همسًا: "ولا أنا كمان يا عاصم، حاسة كأن بحلم." من خلف كتف عاصم رأت غزل الضيفان اللذان جاءا للتو ولم يكونا سوى راسل وحياء، فتركت عاصم واقتربت منهما مرحبة بقدومهما: "أهلاً وسهلاً، نورتوا، مبسوطة أنكم جيتوا." اقتربت منها حياء وقبلتها على وجنتيها وقدمت لها الهدية التي ابتاعتها من أجلها: "ألف مبروك، ودي هدية بسيطة عشانك."

أخذت غزل الهدية منها بابتسامة، فقدم راسل تهنئته بكلمات بسيطة، فهو لم يأتِ إلا بعد إلحاح زوجته، ولم ينكر أنه أتى من أجل رؤية ميس وولاء والاطمئنان على أحوالهما، فالفتاتان بمجرد رؤيته هرولتا إليه وكل منهما تسبق الأخرى بسؤالها عن أحواله وكيف كان وكيف أصبح، والعديد من الأسئلة، التي جعلته بالأخير يرفع يده وهو يقول بصوت عالٍ نسبيًا: "بس اهدوا انتوا وهي، سيبوني أتكلم، سألتوا ١٠٠ سؤال مرة واحدة." تبسمت ولاء

على قوله وهي تقول بوداعة: "متزعلش مننا يا أبيه، إحنا بس كنا عايزين نطمن عليك." تأبطت ميس ذراعه وهي تقول بخوف حقيقي: "أنا كنت خايفة عليك أوي يا راسل، وقعدت أعيط." ربت راسل على وجنتها ورد قائلاً بحب: "الحمد لله يا حبيبتي عدت على خير، المهم طمنوني عاملين إيه."

تابعت حياء حديث زوجها مع ولاء وميس من بعيد، فهي ما زالت واقفة برفقة غزل، فصدح هاتفها بنغمة وصول الرسائل، فنفخت بضيق وهي تقرأ الرسالة التي وصلتها، فهي سئمت من حظر الأرقام التي ترسل لها تلك الرسائل النصية السخيفة حسب وصفها له، فلولا تلك الظروف العصيبة التي يمر بها زوجها، لكانت أخبرته بالأمر. جاء نص الرسالة كالتالي: "ميعادنا قرب أوي يا حياء."

أعادت الهاتف لحقيبتها الصغيرة، فتبسمت بتوتر لغزل، ولكنها تذكرت تحديق غزل بتلك الشامة بيدها. أرادت سؤالها عن ذلك فقالت بإصرار: "مدام غزل، هسألك سؤال، وياريت تجاوبيني بصراحة أرجوكي. أنا سبق وسألتك ليه بتبصي على الشامة اللي في إيدي، وانتِ قولتي أنك بتبصي عليها عادي، بس أنا حاسة أنك تعرفي حد عنده نفس الشامة دي صح؟ فلو كده، قوليلي الحقيقة، جايز أعرف مين أهلي، على ما أظن أنك عرفتي حكايتي."

تلمست غزل حاجبها بطرف إصبعها وهي مطرقة برأسها أرضًا تقول بصدق: "صدقيني يا حياء، هي أه الشامة زي شامة كانت موجودة على إيد واحد كان شغال مع مراد أخويا ووجدي أخو راسل، كنت أعرفه زمان، بس معرفش إذا كان ليكي علاقة بيه ولا لأ، أو إن الشامة مجرد تشابه بس مش أكتر، لأن اللي عرفته أنه عمل حادثة هو ومراته وولاده ومات." نظرت لها حياء قائلة بأمل: "يبقى مين الراجل ده؟ همت غزل بإجابتها وهي تعتصر ذاكرتها للحصول على اسمه:

"على ما أظن كان اسمه... قبل أن تنطق غزل بالاسم، اقتربت منها إحدى المدعوات وهي تهنئها وتبعها عاصم الذي أخذها ليبدأا الرقص سويًا.

فغرّت حياء فاها بتعجب، فهي كانت على وشك الحصول على طرف خيط ربما يمكنها من معرفة من تكون هي بالحقيقة، ولكن الظروف حالت بينها وبين إتمام الأمر، فهي لم تستطع البقاء بالحفل كثيرًا، إذ راسل حثها على الرحيل والعودة للمنزل، ولكنها أخذت قرارها بأن تجتمع بغزل ثانية من أجل معرفة هوية ذلك الرجل، الذي كانت على وشك إخبارها باسمه. بعد انتهاء ساعات الحفل، اقترب معتصم وعمران من غزل لوداعها، فطوقها معتصم ولم يمنع دموعه من أن تنزلق

من عينيه وهو يدمدم بحب: "خلي بالك من نفسك يا غزل، مش عارف إزاي هصحى الصبح ومش هلاقيِك في البيت." ضمته غزل بقوة وهي تربت على ظهره: "حبيب قلبي يا معتصم، أهم حاجة أن طمنت عليكم وكل واحد دلوقتي معاه مراته، وإن شاء الله عن قريب تخلفولي أحفاد." أخذ عمران دوره لتوديعها، ولكنه كان محافظًا على رباطة جأشه أكثر من شقيقه، فعلى الرغم من حزنه بترك غزل للمنزل، إلا أن ذلك لم يمنعه من احتواءها بين ذراعيه القويتين وهو يقول بحنان:

"أنتي عارفة أنا بحبك قد إيه يا غزل وبخاف عليكي، وكل اللي أنا عايزة أنك تعيشي مبسوطة، فأنا بتمنالك السعادة اللي تنسيكي الحزن اللي عيشتيه سنين طويلة." انزلقت دمعة من عينيها وهي تجيبه مغمغمة بصوت خافت: "أنا مكنتش بعتبركم ولاد أخويا بس يا عمران، أنت ومعتصم كل حاجة في حياتي، انتوا كنتوا ولادي قبل ما تكونوا ولاد أخويا."

طال الوداع بينهم، حتى قرر عاصم سحبها من يدها ووصل لسيارته، التي تنتظرهما بالخارج وقرر هو قيادتها، سمع صوت بكاءها المكتوم، فناولها منديلًا ورقيًا وهو يقول بقلق: "مالك يا غزل؟ بتعيطي ليه؟ ردت غزل وهي تمسح وجنتيها وعينيها: "مش متخيلة أن سيبت عمران ومعتصم، أو سيبت القصر." جذبها إليه وأدناها منه وهو يقبل رأسها: "إشمعنى أنا سيبتيني السنين دي كلها يا أم قلب قاسي؟ تبسمت رغماً عنها وهي تستريح برأسها على كتفه:

"بلاش نتكلم في الماضي تاني يا عاصم، وخصوصاً الليلة دي."

صمت عاصم استماعاً لنصيحتها، فالليلة انتظرها بشوق كبير، ولاداعي لهما بتذكر ما حدث سلفًا، فهو أخيرًا ظفر بمعشوقته الفاتنة، التي خلبت لبه الليلة بجمالها الساحر، فذلك الدفء الذي شعرت هي به وهو يحتويها ويضمها إليه، جعلها أكثر هدوءًا بل أغمضت عينيها كمن تتهيأ للنعاس وسط غمامة وردية من أحلام نسجتها بالماضي، وحان الوقت لتحقيقها لتصبح واقعًا أشبه بالخيال، من اجتماع عاشق وعاشقة بلغ منهما الشوق والاشتقاق مبلغه.

أصبح الوضع أكثر تأزماً، عندما تم إخطاره بضرورة المثول أمام أعضاء النقابة الخاصة بالأطباء، فعلى ما يبدو أنهم أصبحوا على علم ودراية بتلك الأحداث المؤسفة التي حدثت له بالأونة الأخيرة، من فيديو فاضح بتهمة الاعتداء، لإشاعة تداول عقاقير طبية غير صالحة بمشفاه، وصولًا باتهامه بقتل أحد العاملين لديه.

وكأن كل شيء تحالف ضده فجأة، فالمنزل صار رهن تصرف المصرف، الذي أقترض منه سابقًا مبلغًا ماليًا من أجل شراء أدوات طبية للمشفى، مثلما يفعل من وقت لآخر، جاعلاً المنزل وعقار آخر ضمانًا لذلك القرض، فلم يمهله مدير البنك فرصة لتسوية أحواله المالية، إذا طالبه بتسديد القرض، أو أنه سيلجأ لبيع تلك الضمانات بالمزاد العلني.

ولم يمهله ممثلي النقابة الفرصة بالدفاع عن نفسه، إذ أصدروا قرارهم بوقفه عن مزاولة مهنته لحين التأكد من صحة تلك الأقاويل التي ثارت حوله أو تكذيبها. فخرج راسل عن طوره بعد سماع ذلك القرار المجحف بحقه، فصرخ بصوت جهوري: "يعني إيه توقفوني عن مزاولة مهنتي كجراح؟ أنا مقبلش القرار ده." رد كبير ممثلي نقابة الأطباء بصوت عالٍ:

"متعليش صوتك يا دكتور راسل، كفاية البلاوي اللي سمعناها عنك، إحنا منقبلش أن واحد زيك يمثل مهنة نبيلة زي دي، وبالنسبة للمستشفى بتاعتك هتخضع لإشراف وزارة الصحة لأن طلع فعلاً الأدوية اللي فيها بتضر صحة المرضى وخصوصًا الأطفال، دا غير كمان التهمة اللي كانت متوجهالك بالقتل وطلعت منها، والله أعلم طلعت منها عشان أنت بريء ولا عشان والدك يبقى رياض النعماني وهو راجل واصل وقدر يخرجك منها."

قال الرجل جملته الأخيرة بسخرية واضحة، فكور راسل قبضة يده وكان على وشك لكمه بوجهه، ولكنه تراجع بالأخير، فترك الغرفة وخرج وجد زوجته التي أصر على حضورها معه، على الرغم من أنها رفضت بالبداية ولا يعلم ما أصابها فجأة وصارت تتصرف بغرابة وجمود كأنها ليست زوجته التي يعلمها. هجره العالم وانقلب نعيمه إلى جحيم، أسرع الخطى وهو يقبض على كفها فهي ما تبقى له، فلتكن بلسم لآلامه وجراحه الثاخة.

وصل إلى المنزل الذي من المفترض أن يتركه بالغد لبيعه بالمزاد العلني، فهو خسر كل ما يملك، وصل إلى غرفتهما وجدها متصنمة بوقفتها فأحاط وجهها بيديه يحدق بعينيها قائلاً: "حبيبتي، مش عايزك تزعلي على اللي حصل، المهم أنك أنتي لسه معايا وجمبي، أي حاجة تانية تهون." بكى قلبها دماً على حاله الذي وصل إليه، فأبت أن تصل الدموع لمقلتيها، فتصنعت عدم الاكتراث لتبتعد عنه ترتد بخطواتها للخلف تناظره ببرود وهي تقول:

"ومين قالك أن أنا عايزة أفضل معاك؟ أنا عايزة تطلقني." رمش بعينيه عدة مرات كأنه لا يعي ما تفوهت به، فرد قائلاً بذهول: "انتي بتقولي إيه؟ عايزاني أطلقك؟ عايزة تسيبني في الوقت ده؟ أولته ظهرها تخفي عنه وجهها وعينيها التي تهدد بسقوط دموعها، فأقتربت من الحقيبة الموضوعة بأحد أركان الغرفة جرتها خلفها حتى وصلت لباب الغرفة فهتفت قائلة بدون أن تنظر إليه: "أنت مفكرني أن هعيش معاك وأنت خلاص اتوقفت عن العمل وكمان خسرت كل فلوسك؟

أنا طبعًا طول عمري متربية على العز ومش مستعدة أعيش معاك في فقر، أنا همشي وياريت ورقتي توصلني في أقرب وقت." خرجت من الغرفة وهي تتمنى لو تقبض روحها قبل أن تصل للباب الخارجي للمنزل حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة بين ذراعيه وبيته، فقبل أن تضع قدميها على الدرج كان قابضًا على ذراعها الأيسر بحزم، فجعلها تنظر إليه، فأبت أن تترك عينيها أسيرة لعينيه المذهولتان من قولها وهو يتمتم: "حياء، أنتِ واعية للي بتقوليه وبتعمليه دا؟

أنا جوزك وحبيبك، جاية دلوقتي تقولي كده، حياء فيكي إيه وإيه اللي غيرك كده فجأة؟ بصيلي يا حياء، دا أنا راسل اللي كنت دايما تقولي أنك محبتيش حد زي ما حبيبتيني." نفضت يده بقسوة وهي تقول بجفاء:

"مسمعتش عن حاجة اسمها تمثيل، أظن أنت جربت الموضوع ده مع مراتك الأولانية، فكان سهل أوي أن أمثل عليك الحب عشان أضمن أن هعيش في مستوى زي اللي متعودة عليه على طول، بس دلوقتي أنت خلاص مبقتش تملك أي حاجة وأنا الصراحة مليش طولة بال على الكفاح وأن أستناك تبدأ من جديد، بس ده ميمنعش أن أودعك قبل ما أمشي عشان تبقى تفتكرني."

جذبته إليها وبدأت تعانقه بقوة، كأنه آخر عناق ستحصل عليه منه، ففي البداية ظل متجمدًا بوقفته، لا يفهم ما يحدث وما تفعله، ولكن ذلك العناق الحميمي بينهما، جعله يطبق عليها بذراعيه ظنًا منه أنها كانت تمازحه منذ قليل. فتبسم وهو يهمس بأذنها: "أنا كنت عارف أنك بتهزري يا حياء وأنك بتحبيني ومش ممكن تبعدي عني أو تسيبيني في أكتر وقت محتاجلك فيه، قوللي ليه قولتي كده وليه بقالك كام يوم متغيرة معايا ومش زي عوايدك؟

لو في حاجة مخبياها عليا قوليلي يا حبيبتي." فصلت العناق بينهما وهي تلهث بصوت مسموع، فبعد أن أخذت كفايتها منه، دفعته عنها وهي تقول بسخرية أجادت في استخدامها: "ومين قالك أن أنا بهزر يا راسل؟

أنا فعلاً هسيبك وأمشي لأن أنت متتحبش أصلاً، نسيت أول ما عرفتك وكنا بنتخانق مكنتش بكره حد في الدنيا دي زيك، ولما لقيت نفسي في الدنيا لوحدي قولت مفيش مانع أمثل عليك الحب عشان ما أتبهدلش زي ما حصل وعاصم ابن عمك ضربني، كنت واخداك كده حماية من الزمن والفقر، بس يا خسارة الحلم مطولش كتير وكده أحسن لأن كتر التمثيل خنقني، سلام."

اهتز جسده فجأة وهو يراها تتركه وتهبط الدرج، فكأن لسانه معقود ولكن كل ما يعيه بتلك اللحظة، أن من كان وضع آماله بأنها ستكون هي سلواه، مزقت قلبه بحديثها، بل صممت على تركه بتلك الظروف الحالكة. ولكنه خرج عن صمته وهو يقول بتحذير: "حياء، لو خرجتي من البيت ده مش هترجعيله تاني." التفتت إليه حياء وهي تضحك: "ماهو البيت هيتباع في المزاد يا حبيبي، ولا نسيت؟ وأنت كمان مش هترجعله تاني."

أثار حنقه صوت ضحكتها العالية التي لم تكن بمحلها الآن، فقال وهو يصرخ بانفعال ووحشية: "اخرجي وامشي وسيبيني، ولو حصل واتقابلنا تاني أبقى حاولي تهربي مني يا حياء، لأن ساعتها مش هرحمك، مش هرحمك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...