كادت أحباله الصوتية تنقطع وهو يصرخ بها، فأي قوة أتته الآن جعلته يريد تحطيم كل ما يحيط به. فماذا سينتظر منها بعد أن أعلنتها صريحة بأنها لم تعد تريده؟ فالدموع ألهبت جفونه تريد الفرار من سجنها، تزامناً مع رعشة يديه القابضة على الجانب الخشبى للدرج. طحن فكيه ببعضهما البعض كوسيلة للحفاظ على ما تبقى من كبريائه كرجل، يرى زوجته تريد أن يحل ذلك الميثاق الغليظ بينهما، ألا وهو ميثاق الزواج.
"خلصت كلامك وتهديدك يا راسل، علشان أنا كده أتأخرت وعايزة أمشي، مش فاضية." نطقت كلماتها ببرود، فبعد أن رأته انتهى من حديثه، أولته ظهرها وهمت بالخروج. لا يفصلهما سوى الدرج، الذى فضل أن يكون هو بأعلاه حتى يعطيها الفرصة للهروب من بطشه بتلك اللحظة. فهي نكأت جراحه كافة، ولم تكتفِ بذلك بل استدعت معها كبرياءه الجريح، الذى ظن أنه برأ من جراحه منذ زواجه بها.
"طلعتي زيها يا حياء، كلكم صنف واحد، أنا اللي غبي علشان افتكرتك غيرها وحبيتك." أصاب صوته الخفوت من تلك الغصة التى علقت بحلقه وهو يتحدث، وما كان ذلك إلا دلالة على أن دموعه تلح عليه بإصرار. فسوداوتيه غشيتها الدموع، حتى صار لم يعد يراها بوضوح. فبدون أن تلتفت إليه، ردت قائلة بتهكم: "دي مشكلتك مش مشكلتي، انت اللي دايماً تختار غلط وده عيبك، وأظن كفاية لحد كده علشان منحرجش بعض أكتر من كده."
بخروجها من باب المنزل، هرول بخطواته على الدرج، يريد اللحاق بها، فمن المحال أن تكون تلك هي نهاية عشقهما. أم هو من ظن أن العشق بينهما متبادل؟ "حيااااااء لاااااااء متمشيش خليكي معايا."
صرخ باسمها منادياً، فما زال جزء من عقله رافضاً ما يحدث. ولكن كأنها كانت على استعداد تام لمغادرتها، فتلك السيارة التى كانت تنتظرها أمام الباب الخارجى من المنزل، استقلتها بعد أن أسرع سائقها بأخذ الحقيبة منها. فوضعت نظارتها السوداء على عينيها وهي تقول بما يشبه الأمر: "اطلع بسرعة."
وقف بمنتصف الشارع وهو يلهث وصدره يعلو ويهبط بعد ركضه للحاق بالسيارة، ولكن كل شيء انتهى بلمح البصر. فالسيارة لم يعد يراها. ولكن سيارة أخرى وقفت قريباً منه وترجلت منها وفاء وسجود بعد أن جلبتها من روضتها. بخوف اقتربت وفاء منه وهى تراه بتلك الحالة، فقبضت على ذراعه لينتبه عليها وهو تقول بتساؤل: "راسل مالك واقف ليه كده زي ما تكون كنت بتجري، حصل إيه النهاردة وعملت إيه في النقابة؟
رد راسل بصوت خالٍ من الحياة وعيناه عالقتان بأخر مدى يمكن أن يصل إليه بصره: "وقفوني عن مزاولة مهنتي واخدوا المستشفى وكمان البيت هيتباع بكرة، وتقريباً مبقاش في حيلتي حاجة." صمت لبرهة فعاد مستطرداً: "وحياء سابتني وطلبت مني الطلاق وقالتلي أنها مش عايزة تعيش معايا في فقر وأنها مبتحبنيش." كممت وفاء فمها بيدها وهي لا تعي كم تلك الصدمات والأحداث التي يقصها عليها راسل، فهي لم تكن على علم بكل هذا، سوى أنه ذاهب لنقابة الأطباء.
فابتلعت ما أمكنها من لعابها لترطب جوفها، فما لبثت أن قالت بدهشة: "هو كل ده حصل وأنا معرفش حاجة وحياء كمان مشيت." شدت سجود طرف قميص أبيها بعد سماع اسم حياء، فرفعت رأسها تنظر إليه ببراءة ووداعة: "هي مامي مشيت فين يا بابي، ليه مأخدتنيش معاها يا بابي؟
بدون كلمة كان حاملاً صغيرته وولج للمنزل مرة أخرى، فأمر الخادمة التي مازالت تعمل بخدمتهم أن تقوم بلم أغراضهم بالحقائب. فتلك الحالة من الصمت التي أصابته، جعلت وفاء تصمت هي الأخرى لتعلم ماذا سيفعل بتلك الكارثة التي حلت عليهم؟ "يلا بينا يا ماما نمشي."
هتف بها راسل وهو يمد يده ويسحب وفاء من يدها، فهي لم تكف عن البكاء واستطلاع كل ركن بالمنزل، بعد أن أخبرها بضرورة الرحيل. فلم يعد بإمكانهم المكوث هنا أكثر من ذلك، فكيف تترك هي منزل زوجها الراحل، الذي كان شاهداً على أيام لها معه ولن تعود ثانية.
فكان خروجها من المنزل أشبه بمهمة مستحيلة، ولكن استطاع تنفيذها بالأخير. فأخذ راسل وفاء والصغيرة بسيارته وانطلق بها إلى وجهة واحدة لا يعلمها غيره الآن. فمن المؤكد أن من يسير ويفعل كل هذا لم يكن راسل، بل شبح تجسد بصورته وهيئته، أو إنسان آلي تم تصنيعه ليحمل ملامح وجهه وجسده، ويتصرف بناءً على أوامر يصدرها له العقل.
فأمام ذلك القصر المنيف، كان يعمل على إطلاق زمور السيارة، الذي ساهم بإفزاع صغيرته التي كانت غافية بين ذراعي وفاء وهي تضعها على ساقيها. بخطوات سريعة كان حارس البوابة يقترب من السيارة؛ ليستطلع من هو مالكها. فبمجرد معرفته لهويته، أسرع بفتح البوابة الكبيرة، فأنطلق راسل بالسيارة حتى صار أمام الباب الداخلي للقصر.
ترجل من السيارة وحث وفاء على الخروج منها، ظن أنها ستتفاجأ بالمجيء لهنا. ولكنه وجدها هادئة ولا تفهم بكلمة، فهي الأخرى لم تخبره بشأن إقامتهن القصيرة بالقصر. ولكن الصغيرة هي من افتضحت الأمر عندما تركتهما وركضت تجاه حظيرة الخيول وهي تصيح: "بابي تعال نركب الحصان وأوريك الحصان اللي ركبته المرة اللي فاتت."
نظر راسل لوفاء وهو عاقد حاجبيه ولكن بعينيه ألف سؤال، وكيف أن سجود تعلم بوجود حظيرة للخيول وهي لم تطأ المكان بقدميها من قبل. فأشاحت وفاء بوجهها هرباً من عينيه، فقبل أن تنطلق الكلمات من فمه، كان أحد الحراس عائدًا إليهما وهو يحمل سجود، التي يبدو عليها أنها على معرفة تامة به. ابتسم الحارس لهما قائلاً باحترام: "أهلاً وسهلاً بيكم، اتفضلوا. الباشا الكبير جوه دا هيفرح بأن الأمورة الصغيرة رجعت القصر تاني."
تكاثرت الظنون والأفكار برأسه، ولكنه أرجأ كل هذا حتى يلج للداخل ويرى أبيه. فأخذ صغيرته من الحارس قائلاً بهدوء: "في شنط في العربية نزلوها ودخلوها جوه." أومأ الحارس برأسه طواعية لأمر ابن سيده، فأسرع بتنفيذ ما طلبه منه، بينما دلف ثلاثتهم للداخل.
فبالغرفة التي يتخذها رياض مجلساً له ويستطلع بها أعماله وخط سير العمل بالشركات الخاصة به، كان يجلس برفقة أحد رجاله المقربين، الذي يقوم بمهام عاصم، لحين عودته من الخارج، بعد سفره هو وغزل لقضاء عطلة بأحد الدول الأوروبية.
وضع قدح القهوة من يده وهو يرى ولده يلج الغرفة يحمل ابنته وتتبعه وفاء. لم يكن اندهاشه بمجيئه بهذا الوقت يفوق سعادته برؤية حفيدته، وليس هذا وحسب بل هي وولده، الذي لم يراه منذ ذلك اليوم، الذي أقيم به الحفل الخاص بعاصم وغزل. "راسل." هتف رياض باسم ولده وهو يهم بترك مقعده، فبعد أن أخذ عصاه وأمر الرجل بالرحيل دون الالتفات إليه، اقترب من راسل بخطوات بطيئة قدر ما سمحت له عظامه الهرمة. وضع راسل سجود أرضاً وهو يقول بجمود:
"أنا هسيبلك بنتي وماما أمانة لحد ما أرجع." تشابكت حاجبى رياض الأشيبين متسائلاً: "ترجع منين ورايح فين؟ وهو إيه اللي حصل بالظبط؟ عايز أفهم." "هتفهم كل حاجة بعدين، وزي ما قولتلك بنتي وماما أمانة، عارف إنك هتحافظ عليها." انتهى راسل من مطلبه وهو يدور على عقبيه استعداداً للمغادرة. فهتف به رياض بصوت عالٍ نسبيًا: "استنى فهمني أنت رايح فين." توقف راسل عن الحركة فقال دون أن يلتفت لأبيه:
"قلتلك راجع تاني خلاص، مبقاش ليا مكان تاني غير قصر النعماني، وكمان مش عايزك تبعت حد من رجالتك ورايا، أنا مش صغير وهعرف أرجع لوحدي زي ما مشيت من هنا لوحدي."
لم يزد حرفًا آخر، إذا أسرع بالخروج من القصر. فبكت وفاء بصوت مسموع، فطلب منها رياض الجلوس، ريثما تهدأ وتخبره بما حدث. فأمر إحدى الخادمات بجلب كوب من الماء لها. فهو يتحرق لمعرفة ما أصاب ولده فجأة، جعله يعود لهنا، وليس هذا فقط بل ترك صغيرته بعهدته، وهو من كان يحرم عليه الاقتراب منها أو رؤيتها.
أنهت وفاء كوب الماء كاملاً ونظرت للخادمة بامتنان، فبعد أن وجدت أنها بحالة جيدة نسبيًا، بدأت تقص عليه كل ما حدث بالأيام الماضية. ولكن لم يكن يعنيه هو كل هذا، سوى ذلك الجزء المتعلق بترك حياء لراسل. فهو يعلم مدى عشق ابنه لها، وهي الأخرى لم تكن بأقل منه شعورًا بتلك العاطفة بينهما. فلما فعلت ذلك وخاصة الآن؟ فهو يريد رؤيتها على وجه السرعة.
أرسل بطلب أحد رجاله، الذي هرول إليه، منحنياً بطاعة ليستطيع رياض إخباره بما يريده منه. فهمس بأذنه بأمر: "شوفلي مدام حياء مرات ابني فين وتجبهالي بسرعة وبأي طريقة." فبعد أن أخبره بضرورة جلب زوجة ولده من أي مكان متواجدة به حاليًا، انصرف الحارس بعد أن ترك وعده بإيجادها. ففكر رياض أن ربما راسل ذاهب إليها الآن؟
ولكنه يعلم أيضًا مدى عصبية ولده، ويخاف أن يحدث ما يخشاه من خروج راسل عن طوره ويتسبب بإيذائها. فإن كان يعشقها سيصبح مؤذيًا لها بقدر عشقه لها، خاصة بعدما أخبرته وفاء بأنها طلبت منه الطلاق ولم ينتهِ الأمر إلى هذا الحد، بل أنها أدت دور الزوجة المخادعة، التي كانت تحيا معه من أجل ماله. "اتفضلي انتي يا ست وفاء علشان ترتاحي." أشار بيده إلى إحدى الخادمات بأن تصطحبها لتلك الغرفة التي سكنتها من قبل، أثناء إقامتها هنا.
فعندما حاولت أخذ الصغيرة، التي كانت راكعة على ركبتيها بجوار المنضدة وتعبث بيديها الصغيرتين بتمثال من الكريستال، طلب منها رياض أن تتركها برفقته. فبعد ذهاب وفاء أشار رياض لسجود بأن تقترب منه، فوضعها على ساقيه وطوقها بذراعيه كأنها كنز ثمين تركه ولده قبل رحيله لتلك الوجهة التي لم يحددها له.
قطفت هند إحدى الورود من الحديقة، فأنغرست شوكة بإصبعها، فنزف منه الدم على الفور، ولكنها ظلت تنظر للدماء المنبثقة من باطن إصبعها بشعور خالٍ من الألم، كأن مراكز الإحساس لديها أصابها شعور بالبلادة، كأن برحيله عنها صارت جسدًا لا حياة به، سوى قلب ينبض وعينان لا تكف عن البكاء.
لمحت قدوم والدتها إليها، فعملت على مسح عينيها، حتى لا ترى دموعها، التي صارت تذرفها خلسة بدون أن يعلم والديها. فهما لم يتحدثا معها بشأن عودتها للمنزل ثانية، كأنهما كانا على علم ودراية بالأمر قبل أن تعلم هي به. "بتعملي إيه يا هند، كنت بدور عليكي علشان تاكلي." صدحت تلك العبارة من فم والدتها وهي تضع يدها على كتفها لتجعلها تلتفت إليها. فردت هند وهي مازالت مكانها دون محاولة منها بأن تواجه والدتها وجهًا لوجه:
"مليش نفس يا ماما، كلوا انتوا بالهنا والشفا." ظنت أن والدتها ستنصرف بعد إعلانها لرفض تناول الطعام، ولكن تلك اليد التي قبضت على مرفقها، كانت حازمة وآمرة في الوقت نفسه بأن تستدير إليها. "قوليلي بقى مالك في إيه؟ انتي زعلانة إن كرم سابك وسافر؟ قالت والدتها بتساؤل. فنكست رأسها كراية كانت ترفرف وقتًا طويلاً بشموخ وكبرياء، حتى أصابتها الخيبة. فلم يعد لها حل سوى أن تنكسها أرضًا دليلًا على هزيمتها. فتعالت شهقاتها وغص حلقها
وهي تقول بصوت متحشرج: "مكنتش أعرف إن أنا هحبه أوي كده يا ماما، وإن قلبي هيتعذب ببعده عني." فتحت لها والدتها ذراعيها تستقبل انهيارها بينهما، فعادت هند تكمل حديثها بلوعة: "أنا بحبه يا ماما، بحبه." ربتت والدتها على ظهرها مرارًا وتكرارًا، لتجعلها تكف عن ذلك الارتجاف الذي نتج عن انخراطها المرير بالبكاء. فحاولت مواساتها وهي تقول بحزن أيضًا لفراق ابن شقيقتها:
"معلش يا هند، مش عارفة أقولك إيه بس كرم كان متفق على كده من الأول إن انتوا هتتجوزوا مدة قصيرة وبعدين تنفصلوا. متصورتش إنك ممكن تكوني حبتيه، لو كنت أعرف كنت كلمته ومخلتهوش يسافر." ابتعدت هند عن والدتها، فمسحت عينيها وهي تقول بإصرار مشوب بالتيه:
"لأ يا ماما، حتى لو كنت بحبه أنا ميرضنيش إنه يفضل معايا مجبور، وخصوصًا هو اتجرح مني كتير وياما قللت من قيمته وجرحت كرامته وكبرياءه كرجل. واحد زيه ميستاهلش إنه يفضل عايش متحمل نتيجة غلط غيره، أنا اللي غلطت ولازم أدفع تمن غلطتي غالي، هو يستحق واحدة نضيفة متكونش اتلوثت، أنا مستحقوش يا ماما، مستحقوش."
ارتعشت أطرافها وهي تصر على قولها بأنها لا تستحق أن تكون زوجة كرم. فأخذتها والدتها من يدها وولجت للداخل، حثتها على ضرورة الذهاب للمرحاض لتغسل وجهها من أثر الدموع التي مازالت آثارها واضحة على وجنتيها. جلست على مقعد من أحد مقاعد مائدة الطعام، فحدقت بزوجها الذي تعجب من صمتها وتحديقها المستمر به، فوضع الملعقة من يدها وسألها: "مالك في إيه؟ بتبوصيلي ليه كده وفين هند؟ مسحت وجهها بكفيها وهي تغمغم بصوت منخفض:
"هند بتغسل وشها وجاية. بنتك شكلها تعبانة أوي بسبب إن كرم سابها، شكلها حبته بجد." أسند مرفقيه على طرف المائدة، فضم كفيه واستند بذقنه عليهما فرد قائلاً بتفكير: "طب وهنعمل إيه في الموضوع ده؟ هو كتر خيره طلع راجل وقد كلمته ووفى بوعده. تفتكري أسافرله وأقنعه يرجع معايا؟ "لأ يابا، أوعى تعمل كده." صاحت بها هند بعدما وصل لمسامعها قول أبيها، فهي لا تريد عودة كرم إليها بغير إرادته. سحبت مقعدًا وجلست عليه، فنظرت
لوالدها تناشده برجاء: "أرجوك يا بابا سيبه براحته، مش عايزة حد منكم يضغط عليه بالكلام. لو لسه ليا غلاوة عندكم نفذولي طلبي ده." وضع أبوها كف يده العريض فوق كفها الرقيق، فشد عليه وهو يقول بهدوء: "خلاص يا هند، هنسيبه براحته. بس انتي كمان لازم تشوفي حالك وحاولي تغيري حياتك اللي كانت السبب في كل اللي انتي فيه ده."
فهي لم تكن ممتنة لشيء من قبل، سوى تلك المحنة التي وضعت بها، وجعلتها تعلم من هو حبها الحقيقي. ولكن والدها محق بقوله من أنها لابد لها من تغيير نمط حياتها المترف والمخملي. قالت وهي تحاول أن تبتسم، فلم تفلح سوى باقتناص بسمة صغيرة رسمتها على شفتيها:
"في دي عندك حق يا بابا، لازم أغير حياتي وأحاول أبدأ من جديد. أنا فكرت أشغل وقتي وأشتغل وأعمل حاجة مفيدة في حياتي غير إن بس أقضي وقتي في النوادي وأصرف فلوس على الشوبينج. لازم أكون هند تانية غير اللي تعرفوها وغير اللي...
لم تكمل حديثها، فهي كانت تريد القول بأنها لا تريد أن تكون هي بذاتها تلك الفتاة التي حصدت كراهية كرم لها، ولم يحدث ذلك إلا بعد أن غرست هي بذورها بالبداية، بانقيادها خلف المظاهر الزائفة والكاذبة. فكم تود هي لو يعود الزمن لوقت سابق، لتصلح ما أخطأت به، ولكن الوقت الذي يمر لا يعود. فالفرصة السانحة لها الآن، أن تكون أكثر وعيًا وإدراكًا، وأن تتفادى أخطاء الماضي. فل تفعل شيئًا حسنًا بحياتها التي كانت حافلة بكل أمور التفاهة والرعونة والغرور.
الطرق المستمر على باب شقتها، جعلها تجفل وهي تسرع بارتداء حجابها، لتفتح الباب وترى من يكون ذلك الطارق، الذي كان على وشك كسر الباب شبه المتهالك. فبعد تأكدها من وضع حجابها على رأسها، أدارت المقبض وفتحت الباب، فقبل أن يخرج صوتها دليلًا على اعتراضها لما يفعله الطارق، كانت أغلقت فمها بعدما رأت راسل يقف على عتبة الباب ولكن هيئته لم تكن مطمئنة على الإطلاق. إلا أن ذلك لم يمنعها من القول وهي تشير بيدها
للداخل وعيناها تنظر خلفه: "أهلاً وسهلاً يا ابني، اتفضل." ولج راسل وعيناه تبحث عنها، فبعد أن وقف بمنتصف الصالة الصغيرة، التفت لصالحة متسائلًا بإصرار: "هي فين حياء؟ تعجبت صالحة من سؤاله عن حياء، فهي لم تعد من الأراضي المقدسة إلا البارحة، وكانت تظن أنه جاء مصطحبًا حياء لتراها. فردت قائلة بغرابة: "حياء! هي مش في بيتك يا ابني؟ دا أنا افتكرت إنها جت معاك علشان تشوفني."
توجست صالحة خيفة من أن يكون حدث لها مكروه، فأقتربت من راسل وشدت على ذراعه قائلة بقلق وتوتر: "قولي يا ابني في إيه؟ وحياء راحت فين؟ وجاي تسأل عليها هنا ليه؟ رد عليا." أجابها راسل وهو يلقي بجسده على أقرب مقعد استطاع الوصول إليه: "مش عارف هي راحت فين، سبتني ومشيت وطلبت مني الطلاق. روحت لها دار الرعاية والشقة ملقتهاش، وروحت بيت عرفان الطيب وبرضه ملقتهاش، قولت جايز تكون عندك، أنا نفسي أعرف هي راحت فين وعملت ليه كده؟
ليه ليييييييه؟ صراخه جعل صالحة ترتعد بخفة، إذ كانت تمعن التفكير بقوله، فلماذا ومتى وكيف حدث كل هذا؟ فارتعشت حروفها على شفتيها وهي تقول بخوف: "هتكون راحت فين يعني وطلبت منك الطلاق ليه؟ أنا اللي أعرفه إنها بتحبك ومستحيل تعمل كده." أسند جبهته بكف يده، فغمغم وهو ممزق الفؤاد: "ولما هي بتحبني عملت ليه كده؟ وخصوصًا في الوقت ده أكتر وقت كنت محتاجالها فيه؟
وبالرغم من كلامها اللي جرحني جيت أدور عليها علشان أفهم منها إيه اللي خلاها تعمل كده وتوجع قلبي بالشكل ده." أخذتها الشفقة عليه وعلى ذلك الحزن، الذي سكن حديثه وهو يذكر حياء. فأقتربت منه مربتة على كتفه، رفع هو وجهه لها يقول بما يشبه التوسل: "أرجوكي لو تعرفي هي فين قوللي وريحيني، انتي أكيد عارفة أنا بحبها قد إيه ومقدرش أعيش من غيرها." انهمرت دموعها فردت قائلة بصدق:
"والله العظيم يا ابني ما أعرف هي فين ولا شوفتها من آخر مرة جت سلمت عليا قبل ما أسافر أعمل عمرة، وأكيد لو كنت أعرف هي فين كنت هقولك على طول من غير ما تترجاني. أنا بس عايزة أعرف إيه اللي حصلكم بعد ما سافرت أنا كنت سيباكم زي السمنة على العسل، أرجع ألاقي كل ده حصل."
شهق وزفر راسل من أنفه على عدة مرات، فربما بالدقيقة التالية ستعلق أنفاسه برئتيه، ولن يعود بإمكانه أن يلتقطها بصورة منتظمة، فدقات قلبه أخذت تخفق بقوة، حتى شعر بوخز طفيف بصدره. ترك مقعده فكانت نيته الذهاب، ولكن قبل خروجه طلب منها أن تأتيه بكوب من الماء: "ممكن بس شوية ميه."
أخذت صالحة زجاجة مياه موضوعة على المنضدة الصغيرة، فأرادت أن تسكب منها بكوب زجاجي، ولكن أخذ راسل منها الزجاجة يحتسى منها الماء مباشرة، ولم يكتفِ بذلك، بل سكب ما تبقى منها على رأسه، كأن جسده أصبح جمرة من اللهيب ويريد شيئًا يخفف من تلك الحرارة التي يشعر بها. "انت كويس يا بني؟ قالت صالحة بقلق، فنظر لها راسل والماء يقطر من رأسه ووجهه.
إيماءة خفيفة كانت هي الرد على سؤالها. همت بفتح فمها ثانية، فوجدته يخرج من باب الشقة مسرعًا، أرادت اللحاق به، فهي طار صوابها بعد علمها بما حدث، فتأثير تلك الأخبار السيئة التي سمعتها منه، بدأ يظهر بوضوح على وجهها وأطرافها كافة، التي راحت ترتجف كورقة أوشكت على السقوط بفصل الخريف.
أقتربت من النافذة وفتحتها على مصراعيها، فرأت راسل ينطلق بسيارته بعدما نظر إليها نظرة عابرة. ابتعدت عن النافذة وأخذت هاتفها، فهي ظنت أن ربما حياء تجيب على الهاتف إذا علمت أنها هي مربيتها الحنون، فهي تعلم مدى حب حياء لها. ولكن جاءت النتيجة مخيبة لتفكيرها وظنها، فهاتف حياء مغلق، ولا تستطيع الوصول إليها. فبعدما ألقت الهاتف من يدها، ظلت تبتهل وتتضرع لله بالدعاء أن يرد إليها حياء بوقت قريب.
أصبحت جولته بالمعابد الفرعونية أكثر بهجة وسعادة، خاصة وهو يصطحب ذلك الصغير المدعو "سويلم". فعلى الرغم من قضائه أيامًا قليلة بالبلدة، إلا أنه نشأت بينهما صداقة من نوع خاص وفريد. وربما كان دافع كرم هو أن يشعر كيف تكون صحبة الصغار. فكم تمنى لو كان لديه ابن أو ابنة من تلك الفتاة الوحيدة، التي لم يعشق سواها. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فأحيانًا تكون الأحلام مستحيلة كقطف النجوم. شد الصغير على يد كرم وهو يقول ببراءة:
"عمو كرم عايز أتصور جمب التمثال ده." أشار إلى تمثال حجري يبتعد قليلًا عنهما، فتبسم له كرم قائلاً بطاعة: "بس كده من عينيا الاثنين يا سويلم، تعالى هصورك جنبه." أخذ الصغير حتى وصل للتمثال، فهم بحمله ليضعه بجانب التمثال، فسمع صوت صيحة عالية: "يا كابتن ثواني بس لسه مخلصتش تصوير."
دار كرم على عقبيه ليرى من تتحدث، فوجد تلك الفتاة التي رآها بالقطار، تقف خلف كاميرا مخصصة للتصوير. فبعد أن رآته الفتاة هي الأخرى، تركت الكاميرا وخطت بخطواتها إليه. فوجدها تلوح بيدها مرحبة وهي تقول بابتسامة: "هاي، مش انت الأستاذ اللي كنت في القطر وكمان سبتلي التاكسي؟ نظر كرم إليها وهو يجيبها بهدوء: "أيوه أنا يا آنسة... "نورهان، اسمي نورهان."
قالت وهي تحاول صرف بصرها عنه، فلا تعلم أي قوة سحرية ساكنة بعينيه، تجعلها تحدق بهما وبالمزيج العجيب الذي جمعه بقسمات وجهه المليحة. "تشرفنا يا آنسة نورهان، وأسف لو كنت عطلتلك التصوير." حمل كرم الصغير وهم بالمغادرة، إلا أنها استوقفته بصوتها القائل بنعومة لم تعتد على إظهارها: "لأ أبدًا، لا عطلة ولا حاجة. أنا اللي آسفة إن كل مرة نتقابل فيها تقريبًا ببقى قليلة الذوق معاك. هو ده ابنك؟
هتفت بسؤالها وهي تداعب وجنة الصغير، وربما لتخفي طيف الإحباط الذي سيزورها، إن صح ظنها وكان متزوجًا وهذا ولده، فهي لم ترَ بيديه خاتمًا للزواج. فأجابها كرم وهو يقبل الصغير: "لأ مش ابني، أنا معنديش أولاد." ابتسمت له الصغير وهو يسحب تلك الكاميرا الصغيرة الموضوعة حول عنقها، فبادلته الابتسامة وهي تقول بمشاكسة: "عاجبك الكاميرا؟ تحب تتصور بيها؟ انطلقت كلمة الموافقة من فم الصغير بحماس: "آه، عايز أتصور."
حملت نورهان الصغير، وبدأت تضبط له العديد من وضعيات التصوير المختلفة، فهي يبدو عليها الاحتراف بالتصوير الفوتوغرافي. وليس هذا وحسب، بل تلك الكاميرا المثبتة على حامل معدني، ويبدو أنها تعمل على تسجيل مشاهد كمقاطع فيديو، جعلته يفكر ما هي مهنة تلك الفتاة، التي يبدو عليها أنها مغرمة بالتصوير. فأعرب عن فضوله بسؤاله العفوي: "هو انتي بتشتغلي مصورة فوتوغرافية ولا أفلام ولا إيه بالظبط؟ خفضت نورهان الكاميرا الصغيرة
من أمام عينيها فردت باسمة: "تقدر تقول كل ده، أنا شغالة يوتيوبر، عندي قناة على يوتيوب مختصة بالمعلومات التاريخية، بعمل أفلام وثائقية عن مختلف الحضارات اللي مرت بيها مصر وكان موضوع الحلقة المرة دي عن المعابد اللي هنا في الأقصر. دا غير إن كمان بشتغل في جرنال وعندي كمان استديو تصوير صغير كده على قدي." ضحكت بعدما انتهت من حديثها، خاصة وهى تراه فاغر فاه مما تقوله، فرفعت يدها وفرقعت إصبعها أمام وجهه لتجذب انتباهه إليها.
فابتسم كرم قائلاً بحرج: "آسف بس الصراحة متخيلتش إن في واحدة تكون بتعمل كل الحاجات دي في وقت واحد." حركت رأسها دلالة على أنها فهمت مقصده، فردت قائلة بهدوء:
"أصل أنا من النوع اللي بيحب شغله أوي، وخصوصًا لو حاجة بحبها. أنا والدي كان مدرس تاريخ وبيحب حاجة اسمها تاريخ وخلاني أحبها أنا كمان، علشان كده عملت قناة اليوتيوب علشان أعمل فيها محتوى تاريخي ممكن حد يستفيد منه. وبالنسبة لشغلي في الجرنال فأنا خريجة إعلام. وبالنسبة للتصوير بقى فده هواية واحترفته حاليًا."
سيكون كاذبًا إذا أخفى إعجابه بأنها حقًا فتاة تستحق الثناء على سعيها لتحقيق مستقبل أفضل لها، عوضًا عن قضاءها لأوقاتها بشيء لا يفيد. فوجدها تعود مكملة لحديثها بتساؤل: "أنا رغيت كتير بس معرفتش اسم حضرتك إيه؟ أجابها كرم وهو يداعب رأس الصغير: "اسمي كرم." اشتدت حرارة الجو، فرأى كرم أن يعود بالصغير للمنزل. فعندما حاول الاعتذار منها ليغادر، وجدها تسبقه بقولها:
"ممكن أعزمكم على حاجة تشربوها وأعتبرها اعتذار عن قلة ذوقي في المرتين اللي قابلتك فيهم يا أستاذ كرم." وقع كرم بحيرة من أمره، أيقبل ما عرضته عليه أم يرفض، ولكنه وجد الصغير يبدي استعداده لمرافقتها بعدما أخذت يده بين كفها. فحرك رأسه بالإيجاب، قائلاً بإصرار: "بس أنا اللي هعزمكم مش انتي، تمام؟ تبسم ثغرها بابتسامة ناعمة وتجيبه: "تمام، مفيش مشكلة، بس ثواني أجيب حاجتي."
أسرعت بخلع كاميرا التصوير من على الحامل المعدني، وأعادت كل شيء بالحقيبة المخصصة له. فبعدما انتهت وأرادت حمل الحقيبة على ظهرها، اقترب منها كرم وأصر هو على حمل أغراضها. فبعد رفضها المتكرر بحجة أنها لا تريد أن تتسبب بإرهاقه معها، وافقت بالأخير. فحمل كرم الحقيبة وسارت بجواره قابضة على كف الصغير، الذي راح ينظر لها من وقت لآخر بابتسامة. فعندما تكتشف أمره يعود ويطرق برأسه أرضًا.
وصلوا لمقهى اكتظ بوجود الأجانب من مختلف الجنسيات، وجد كرم طاولة شاغرة، فدعاها للجلوس هي والصغير، وذهب هو للتوصية بالمشروبات التي يريدونها. فلم تحيد هي بعينيها عنه، تراقب كل فعل منه، ولا تعلم سر الانجذاب السريع الذي يحمله إليها بكل حركة صغيرة وكبيرة يفعلها. على الرغم من أنها ليست المرة الأولى، التي ترى بها رجل وسيم، فهي ليست تلك الفتاة التي يمكن أن تقع بحبائل الرجل بناءً على ما يحمله من وسامة. ولكن كرم به شيء مبهم يجذبها إليه ولا تستطيع معرفته أو تفسيره.
نفذ صبرهما سريعًا من إقامتهما بهذا القبو القذر، لا يرون شيئًا سوى آلات موسيقية قديمة، وزجاجات خمر فارغة، وبعض الأثاث المتهالك. فالإضاءة بالقبو كادت تصيبهما بالعمى بلونها الأصفر الشحيح، فلا شيء بذلك القبو يبدو حديثًا سوى ذلك الطعام، الذي جلبه لهما أحد رجال أدريانو. فعلى الرغم من شعورهما القارص بالجوع، إلا أنهما لم يقربا الطعام كأنهم على اتفاق سوياً بأن يزهدا به ولا يقرب فمهما. صاح نادر بغلظة:
"وبعدين إحنا هنفضل قاعدين في المكان المعفن ده كتير يا نصر؟ دلك نصر مؤخرة عنقه وهو يقول بألم: "بقولك إيه يا نادر مش ناقص وجع دماغ، وحياة أبوك كفاية جسمي اللي اتكسر من النومة الزفت دي وعلى السرير ده اللي تحس إنك نايم على شوك."
انحنى نادر وألتقط زجاجة خمر فارغة، فقذفها بالحائط وتحطمت شر تحطيم. فعاد وألتقط الثانية والثالثة، يريد أي شيء يفرغ به غضبه. ولكن عندما حان التقاط الزجاجة الخامسة، كانت يد نصر أسرع منه بالقبض على رسغه. فصرخ بوجهه قائلاً بحدة: "اخرس بقى وبطل اللي بتعمله ده، دماغي مش ناقصة صداع. أنت هتفضل تعمل عمايلك دي زي العيال الصغيرة."
أرخى نادر يده عن الزجاجة، فسقطت من يده بجوار قدمه. فبتلك اللحظة لا يعلم سر رغبته في احتضان شقيقه، وأن يبكي مثلما كان يفعل وهو صغير. فعلى الرغم من أفعال نصر المشينة، إلا أن علاقة الأخوة بينهما، كانت على ما يرام حتى بأحلك الظروف. فنادر كان متيقنًا دائمًا من أنه سيجد السلوى والمواساة لدى شقيقه، إذا أصابه هم أو ضيق.
فطالت النظرات الصامتة بينهما، ولكن كأن نصر علم بحاجته إليه، فلم يتردد ثانية واحدة بأن يأخذه بين ذراعيه وهو يربت عليه بهدوء. "أنا عايز أمشي من هنا يا نصر، خرجني من هنا." قال نادر بتوسل اختلج بصوته، إلا أنه لم يأتِه رد من شقيقه سوى استمراره بالربت على ظهره. فانسل نادر من بين ذراعي شقيقه قائلاً وهو مقطب الحاجبين: "انت مبتردش عليا ليه يا نصر؟ بقولك عايز أخرج من هنا." ضغط نصر على عينيه من فرط شعوره باليأس والإرهاق،
فدمدم بصوت خافت: "أرد أقول إيه يا نادر، وعايزني أخرجك إزاي وأنا أصلاً مش عارف أتصرف ولا في إيدي حاجة أعملها غير أن أستنى أشوف أدريانو هيعمل إيه. هو خلاص قال يومين وهيسفرنا برا وهترتاح من ده كله." انزوى نادر بأحد أركان القبو عاقدًا ذراعيه بغيظ، فهو سأم من سماع هذا الحديث. فتناهى إلى مسامعه صوت موسيقى قادم من مكان قريب، فألتفت حوله ليعلم من أين يأتي هذا الصوت؟ "هو صوت الموسيقى ده جاي منين؟
تسأل نادر بفضول، فراح يفتش بكل مكان، حتى وجد ثقبًا صغيرًا بأحد الجدران، فأنحنى ونظر عبر الثقب، فرأى بيرى جالسة بغرفة الموسيقى خاصتها وهي تعزف ألحانًا شجية وحزينة. أطال النظر عبر الثقب، حتى أثار تعجب شقيقه، فدنا منه نصر متسائلاً: "انت بتبص على إيه عندك كده؟ التفت له نادر وهو يقول بمكر: "بتفرج على بنت أدريانو وهي بتعزف موسيقى، حتى عزفها كئيب زيها." سحبه نصر محذرًا إياه بحزم: "أنا مش قولتلك ملكش دعوة بيها يا نادر." تمطى
نادر بجسده وهو يقول بتهكم: "يعني انت شفتني عملتلها إيه؟ أهو بتفرج على حاجة عدلة في الخرابة اللي احنا قاعدين فيها دي، يعني أدريانو مكنش عارف يخلينا نقعد في أوضة كويسة في القصر ده ورمانا هنا." تمدد نصر على الفراش وهو يحاول غلق عينيه: "احمد ربنا أنه مخلصش علينا، دا مجنون وأنا عارفه. تعال نام واسكت."
أولاه نصر ظهره، وسرعان ما غط بنوم عميق، بينما هو عاد لمراقبة بيرى، ولكنه لم يجد أحدًا بالغرفة. فتملك منه الإحباط وجلس على مقعد شبه متهالك، ظل يجول ببصره بالمكان للعثور على أي منفذ للهرب. فوجد باب القبو يفتح ويلج منه الحارس المختص بحراستهما، فعمل على الاختباء سريعًا حتى لا يراه. فبعد أن ولج الحارس للداخل، سار نادر على أطراف أصابعه حتى وصل للباب وخرج منه بدون أن يراه.
وجد نفسه بالباحة الخلفية لقصر أدريانو، ففتح أقرب باب وجده بطريقه، ولكن تلك الغرفة التي دلف إليها لم تكن سوى مسبح خاص ببيرى، جعله والدها خاصًا بها حتى لا يراها أحد وهي تسبح بثوب سباحتها الفاتن، الذي لا يكاد يستر شيئًا من مفاتنها. وقف نادر مشدوهًا وهو يراها جالسة على حافة المسبح، ولم تنتبه لدخوله. تركت بيرى مكانها، فأثناء استدارتها للخلف رأته يقف بالقرب من الباب، فصرخت برعب لرؤيته: "انت بتعمل إيه هنا؟
انت دخلت هنا إزاي؟ أنت مجنون." "انتي حلوة أوي يا بيرى، متخافيش مني." تملك منه الجنون حقًا، عندما اقترب منها فجأة يعانقها بشراهة، فظن أنها لن تكون كغيرها من الفتيات، اللواتي استطاع إغواءهن بوسامته، وبمهارته في سلب دفاعاتهن لمقاومته. ولكنها لم تكن كالأخريات، إذا حاولت دفعه عنها بكل طاقتها، فظلت تصرخ تنادي أباها، وعملت على إبعاد وجهه عنها، فصرخت به: "انت مجنون، ابعد عني بقولك ابعد عني."
ولكن انتهى الأمر بلحظة واحدة، إذ انطلقت رصاصتان من سلاح ناري استقرت إحداهما بمنتصف ظهر نادر والأخرى برأسه، فسقط جسد نادر مدرجًا بدماءه بعدما لفظ أنفاسه الأخيرة. ركضت بيرى لأبيها تحتمي به وهي تبكي، فنظر أدريانو لها متسائلاً بلهفة: "عمل فيكي حاجة الحيوان ده يا حبيبتي؟
حركت رأسها نفيًا، فدفنت وجهها بصدره وعادت لبكائها ثانية. فسب أدريانو نادر بصوت منخفض، فابنته ستظل تعاني من تبعات هذا الأمر وقت طويل، فهو يرى الآن أن قتله لم يكن كافيًا، فلو كان بوقت غير هذا، ربما كان جعله يذق ويلات غضبه لتفكيره فقط بالاقتراب من ابنته الغالية. "تعالى معايا يلا علشان تروحي أوضتك وإهدي يا حبيبتي."
أخذها وخرج بعدما سحب رداءها ووضعه عليها، فأمر رجاله بالدخول لأخذ جثة نادر والتخلص منها، ومحو آثار الدماء التي ملأت الأرض بجوار المسبح، فهو يعلم أن ابنته لن تطأ ذلك المكان بقدميها ثانية.
فبعدما وصل بها لغرفتها، أمر الخادمة بأن تساعدها بتبديل ثيابها، ريثما يأتي هو بتلك الأقراص، التي تساعدها على النوم براحة دون إزعاج. فعند عودته وجدها جالسة بمنتصف الفراش تضم ركبتيها بذراعيها ومازالت تبكي. فألح عليها بتناول دوائها وأن تخلد للنوم، فبعد تأكده من أنها غفت أخيرًا، خرج من غرفتها، وهو يفكر جديًا بأن يجعلها تسافر بعطلة بعيدًا عن هنا.
لم تكن المظلة الكبيرة على الشاطئ، كافية لتمنع عنها ضوء تلك الشمس الساطعة، فقدميها ممددتان على مقعد خشبي طويل يستخدم للشواطئ، بينما تستند بجذعها العلوي لظهر المقعد. فعلى الرغم من شعورها الطفيف بحرارة الجو، إلا أن ذلك لم يمنعها من أن تظل جالسة بهدوء وتكمل مطالعة ذلك الكتاب الذي حملته معها.
بدون أن تنظر للبحر الواسع، علمت بأنه يقترب من الشاطئ، بعدما أنهى جولة من السباحة، فكأنه ظهر من العدم فجأة، وخرج من البحر والماء يقطر من كل جسده، فألمع ذلك الوشم على ذراعه الأيسر، وشم مخيف لأفعى مكشرة عن أنيابها الحادة والقاسية. "مش ناوية تنزلي البحر؟ دا الماية حلوة أوي ولذيذة في الحر ده." قالها بشعور من الانتعاش، فأخذ منشفة وبدأ يجفف بها وجهه ورأسه. رفعت حياء عيناها عن الكتاب، ونظرت إليه قائلة بفتور:
"مليش نفس أنزل الماية دلوقتي." مط شفتيه فما لبث أن قال مغمغمًا: "أمم، يا خسارة." انحنى ليلقي المنشفة على مقعد مجاور لها، فسقط الضوء على ذلك الوشم الآخر لعقرب يتوسط ظهره، كأنه حارس له.
أغلقت حياء الكتاب واعتدلت بجلستها، فوضعت الكتاب على المنضدة الصغيرة وتناولت مشروبها ترتشف منه ببطء. فجلس على المقعد المجاور وتمدد بجسده المفتول العضلات، فأغلق عينيه الفيروزتين المحاطة بأهداب سوداء كثيفة، ومرر يده بين شعره الأشقر، ولكن سرعان ما عاد وفتح عينيه. فحدق بها وهو يقول بهدوء: "حياء، انتي مبسوطة هنا ولا تحبي نروح أي مكان تاني؟
أثارت تلك الجملة ذكريات جاشت بصدرها، حتى كادت تشعر بتمزق خفقات قلبها، عندما تذكرت أن تلك العبارة سبق وتفوه بها راسل أثناء إقامتهما بالفندق، بإحدى ليالي العشق الأولى خاصتهما بشهر العسل، الذي لم يكتب له أن يكتمل للنهاية. فضمت أصابع كفها الأيسر، كأنها تحمي خاتم زواجها وهي تقول بغصة: "لأ، المكان هنا كويس وأنا الصراحة أول مرة أزور تايلاند فالبلد هنا حلوة أوي." "اشتقتي ليه يا حياء؟ قال فجأة، فانتفضت هي من مجلسها صارخة به:
"أنا مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني، ماشي؟ اعتدل بجلسته وهو يبتسم ببطء: "طالما انفعلتي كده يبقى فعلاً اشتقتي له. مع أنك مش سيباه من وقت طويل، دا هما كام يوم بس." نفخت بضيق، لتمنع فرار دموعها، فانحنت لتأخذ هاتفها وكتابها وقالت بتبرم: "أنا هرجع البيت علشان شكلك مبسوط كل شوية بحرق دمي بكلامك، ولو مسكتش أنا هرجع اسكندرية تاني والل يحصل يحصل." ترك مكانه، فأخذ يديها بين كفيه، فقال بصوت هادئ:
"طب اهدى يا حياء، دا أنا النهاردة بفكر نخرج نتعشى برا يمكن مزاجك الكئيب ده يتغير شوية." سحبت حياء يديها، ووضعت نظارتها السوداء على عينيها وهي تجيبه: "إن شاء الله، أنا دلوقتي عايزة أرتاح شوية." تركته وعادت لذلك المنزل القريب، الذي تقطنه حاليًا برفقته. فبعد أن ولجت لغرفتها، وأوصدت الباب خلفها بإحكام، سحبت هاتفها من جيبها، وجلست على طرف الفراش، فتحت الهاتف وطالعت صور من اشتاقت لقربه ورؤياه.
فشاهدت الصورة تلو الأخرى وهي تتلمس شاشة الهاتف بحب، فتذكرت كيف كان ملمس جلده تحت يديها، الباعث على القشعريرة التي كانت تسري بعروقها حاملة معها نشوة الشوق إليه، عندما كانت تتلمس وجنته أو لحيته. فهي لا تكف عن التفكير بأوضاعه الحالية، وكيف صارت أحواله بعد فراقهما؟
نظرت لخزانة الثياب، وأقترب منها وفتحتها وسحبت ذلك القميص الخاص به، الذي جلبته معها ذكرى تحمل رائحته، فضمته إليها وهي تستنشق عبق عطره العالق به، وأخذت تقبله بنهم ودموعها تنهمر من عينيها، فتأوهت ألمًا وحزنًا. ولكن بسماعها صوت خطوات قادمة، أعادت القميص لمكانه بحرص، وجففت عينيها بسرعة، فهي لا تريد أن يراها أحد وهي باكية. "حياء افتحي الباب."
جاءها هذا الأمر منه، فأسرعت بفتح الباب، بعد محوها لتلك العبرات التي سقطت من عينيها شوقًا لحبيبها. فزوت حاجبيها قائلة بتساؤل: "آه، في إيه يا ديفيد؟ ناولها ديفيد حقيبة تحوي ثوبًا جديدًا، فتبسم لها قائلاً: "الفستان ده علشان تلبسيه النهاردة في العشا علشان هقابل ناس أصحابي وعايزين يتعرفوا عليكي." أخذت منه الثوب، فقبل أن ينصرف ناشدته قائلة بصوت رصين:
"ديفيد يا ريت تلبس قميص تخبي بيه الوشم اللي على ضهرك ودراعك، أصلهم الصراحة مرعبين أوي، وخصوصًا وشم الأفعى." قهقه ديفيد من قولها، فهو لا يحب التقيد بالثياب خاصة وهو جالس بالمنزل أو الشاطئ، ولكنه أعطاها وعده بأن يستمع إليها. فرفع يده وتحسس وشم الأفعى على ذراعه قائلاً بشعور مبهم: "وشم الأفعى والعقرب دول تقدري تعتبريهم تمائم حظي يا حياء." زفرت حياء بخفوت فقالت وهي توشك على غلق باب حجرتها:
"تمائم حظك أو لأ، المهم مش عايزة أشوفهم." أغلقت الباب، فأنتظر لبرهة ثم غادر. فبعد تأكدها من رحيله، ألقت الحقيبة على الفراش وأخرجت محتواها، وجدت ثوبًا يشبه لون قرص الشمس عندما تهم بالمغيب، ووجدت حجابًا ملائمًا له وحذاء. فلم ينسَ أيضًا شراء خاتم أرسله مع الثوب.
ولكنها قررت ألا ترتدي خاتمًا بيدها، غير ذلك الخاتم الماسي الذي أهداه لها راسل ليلة زواجهما. فلا رجل ولا خاتم ولا ثوب ولا أي شيء يستطيع التأثير بها أو إغوائها، سوى زوجها وهداياه وعطاياه، الذي ما إن تأتي على ذكر اسمه، ترتجف شفتيها، كمن مازالت تشعر بطعم عناقه وترغب بالمزيد.
يدب الأرض بعصاه والقلق ينهش قلبه، فولده خرج من القصر منذ ثلاثة أيام، ولم يعد حتى الآن. فلولا ذلك الوعد الذي أخذه عليه من أن لا يرسل رجاله خلفه، لكان أرسل جيشًا من الرجال للبحث عنه منذ غيابه باليوم الأول. ولكن عندما استبد القلق به من مرور اليوم الثالث ولم يعد، أمر كافة رجاله بأن يبحثوا عنه وليأتوا به، فهم خرجوا منذ الصباح ولم يعودوا حتى الآن، وهاتفهم كثيرًا ولكن يأتيه الرد بأنهم لم يعثروا عليه بعد.
ترك مكانه عندما رأى أحد رجاله يهرول إليه، فأقترب منه قائلاً بلهفة: "لقيته؟ لقيتوا راسل؟ أومأ الحارس برأسه قائلاً باحترام: "أيوه يا باشا لقيناه في المقابر." بسماع رياض تلك الكلمة، سقطت عصاه من يده، فأرتجف بدنه وهو يقول بتلعثم ظاهر: "ا ابني جرى له حاجة؟ أسرع الحارس بإسناد سيده، قبل أن يسقط أرضًا، فرد قائلاً بسرعة: "لأ يا باشا الدكتور راسل زي الفل. هو بس قاعد عند قبر الهانم أمه ورفض يرجع معانا وجيت أبلغك."
أغمض رياض عينيه، ريثما يلتقط أنفاسه التي تناقصت من شدة خوفه. فبعد أن استعاد توازنه، خرج من القصر آمرًا إياهم بأن يتبعوه. لم تستغرق السيارة وقتًا طويلاً للوصول للمقابر، فترجل رياض منها، يسرع الخطى في الدخول لتلك الفناء الواسع، الذي يضم عدة مقابر خاصة بالعائلة.
وجد راسل جالسًا أمام قبر والدته الراحلة، يستند بظهره على الشاهد الرخامي الذي يحمل اسمها مغلقًا عينيه كأنه نائمًا. تأمله مليًا بتلك الحالة المزرية التي أصبح عليها كأنه مشرد يكسوه الغبار ثيابه، وشعره مشعث، وهندامه مبعثر. انحنى إليه وربت على وجهه قائلاً بعطف: "انت إيه اللي مقعدك هنا يا راسل ومرجعتش البيت ليه؟ فتح راسل عينيه بجهد، فبياض عينيه كساه لون أحمر طفيف، كأنه مارد خرج لتوه من الجحيم. فخرج صوته غليظاً:
"انت جيت ليه؟ مش قولتلك هرجع لوحدي." حاول رياض جذبه من ذراعه ليجعله يترك مكانه وهو يقول بهدوء: "طب قوم يلا نروح البيت، قعدتك هنا مش هتفيد بحاجة. أنا حاولت أدور على مراتك حياء بس ملقتهاش." بسماعه اسمها جذب ذراعه من يد أبيه بعنف فصاح قائلاً وعروق نحره بارزة: "ومش هتلاقيها، مش هتلاقيها! هي خلاص مبقتش عايزاني، سبتني بوجعي ومشيت ومضيعتش وقتها وعايشة حياتها."
أخذ هاتفه الملقى بجانبه، ففتحه على عدة صور وصلت إليه حديثًا لحياء تتسكع على أحد الشواطئ وتتنزه بعدة أماكن ويبدو عليها أنها سعيدة برحيلها عنه. جحظت عينا رياض وهو يحدق بصور زوجة ولده، فرجاله يأسوا من إيجادها بالإسكندرية، ولم يجد لها أثرًا، ليرى الآن أنها ربما غادرت البلاد. ابتسم راسل بألم وهو يمسح وجهه، فسرعان ما أخذ يضحك بصوت عالٍ أثار تعجب والده، ولكن لم تدُم موجة الضحك كثيرًا، إذ انتفض من مكانه صارخًا
تكاد أحباله الصوتية تنقطع: "خلااااااااص أنا مبقتش قاااادر أستحمل أكتر من كده، مش قاااااادر ااااااااااه." خر راكعًا على ركبتيه، فداهمه دوار قوي، سقط على إثره مغشيًا عليه، فاقدًا للوعي. فجلس رياض بجانبه يحاول إفاقته بغير فائدة، فنادى رجاله يصيح بهم: "شيلوه بسرعة على العربية، بسرررعة."
أسرع الرجال بتنفيذ أوامر سيدهم، فحملوا جسد راسل المتراخي، كأنه فقد الحياة، وأدخلوه لسيارة أبيه، فجلس رياض بالسيارة ووضع رأس راسل على ساقه، يمسد على رأسه، ودموعه تلح عليه بالسقوط.
فمرت ليلتان ومازال غائبًا عن الوعي، كأنه يرفض العودة لواقعه. فالحمى ألهبت جسده وشفتيه، التي لا تنفك تناديه بهمس محموم. لم يتركه والده لحظة واحدة، حتى فتح عينيه أخيرًا وعيناه تدور بالغرفة، حتى وقع بصره على المحلول المغذي المتصل بيده، ووفاء الجالسة على طرف الفراش، ووالده جالسًا على مقعد قريب. فقال بصوت هامس: "هو أنا فين؟ وإيه اللي حصل يا مامي؟ ابتسمت وفاء من بين دموعها وقالت وهي تقبل ظاهر يده بحنان:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي، حمد الله على السلامة يا قلب ماما. أنت هنا في بيت النعماني." بحثت عيناه عن صغيرته، فسألها بصوت واهن: "بنتي فين؟ فين سجود؟ رد والده تلك المرة وهو يقول برصانة: "سجود بخير، هي تحت مع الدادة، محبتش إنها تشوفك وأنت كده." هبت وفاء من مكانها وهي تقول بصوت مختلج بالسعادة: "أنا هروح أجبهالك يا حبيبي."
خرجت وفاء من الغرفة، بينما دلفت فتاة تحمل صينية بها طبق حساء دافئ، فوضعت الصينية على الكومود بجوار الفراش، فنظر لها رياض بضع لحظات قبل خروجه هو الآخر. "يلا قوم علشان تشرب الشوربة دي كلها." قالت وهي تسحب غطاء الفراش عنه قليلاً، فأستاء راسل من فعلتها فرد قائلاً بنزق: "مش عايز حاجة ويلا اخرجى واقفي الباب وراكي، مش عايز ممرضات." لم تستمع لما قاله، بل عملت على وضع وسادة خلفه ليستند عليها وهي تحثه على النهوض:
"بلاش عند واسمع كلام." صاح راسل بها قدر إمكانه: "انتِ مبتفهميش؟ قولتلك مش عايز. اخرجى برا يلا برا." جلست على طرف الفراش ووضعت ساقًا على الأخرى، كأنها تعلن رفضها لصرفه لها. حاول الاعتدال بجلسته، وتفرس بملامحها بداية من شعرها المائل للون البني وعيناها الرماديتان، ووجهها المستدير وبشرتها البيضاء، وثيابها الأنيقة على الرغم من بساطتها، إلا أنها أكسبت قوامها الرشيق جمالًا لا يستهان به.
وضعت يدها أسفل ذقنها واستندت بمرفقها على ساقها وظلت تبتسم له حتى أثارت غرابته لأفعالها، فزوى حاجبيه قائلاً بتساؤل: "انتي مين بالظبط؟ حررت يدها وأخذت يده اليمنى وبسطت كفه ووضعت به قلادة صغيرة معلق بها قلب يتوسطه حرف الراء باللغة الإنجليزية. رفع كف يده ليرى ماذا وضعت به، فصعق من رؤية القلادة فتمتم مذهولاً: "معقولة انتي... ردت هي بابتسامة تملأ وجهها وصوت ملأه الحنين: "أنا إيلين يا راسل، إيلين النعماني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!