سبق جوابها على سؤاله، صوت المؤذن يردد آذان الظهر. في ذلك المسجد الكبير على مشارف ذلك الحي الفقير، فصمتت تردد الأذان تنتظر أن ينتهي المؤذن. فطفق يردد هو الآخر بصوت هامس، وعيناه عالقة بهؤلاء الأطفال الراكضون خلف الكرة، يحاول كل منهم النيل منها. ليستطيع أحدهم ركلها بقوة، ويكون مصيرها الاصطدام بمقدمة السيارة.
الوقت الذي استغرقته لتردد الأذان منحها السكون وبعض الهدوء، وشيء من التفكير، في منحه إجابة تكون شافية وكافية حتى لا يبادر بسؤالها عن شيء آخر. بانتهاء المؤذن عادت هي لقول ما استطاعت حبكه بعقلها، فهي يجب عليها الحفاظ على البقية المتبقية من كبريائها الذي كان على وشك الهدر والدعس بخسة ودناءة شكري وزوجته المصون قسمت. فأزدردت لعابها قائلة بصوت هادئ:
–المسجد ده كان بابا الله يرحمه بناه، والحي ده كان مولود ومتربي فيه وكان معتز بحياته هنا. –علشان كده بنى المسجد. وأشارت بيدها لمبنى ملحق بالمسجد عبارة عن طابقين فسيحين. فبالطابق الأول لافتة كبيرة كتب عليها "دار الحياء لتحفيظ القرآن الكريم". والطابق الثاني شقة سكنية. فـعاودت حديثها قائلة بإبتسامة حنين: –بابا بنى المبنى ده علشان الأولاد في الحي يتعلموا حفظ القرآن.
–والدور الثاني شقة كنا بنقعد فيها في شهر رمضان، كنا بنقضي الشهر كله هنا. –بس من ساعة ما سافرت أمريكا أكمل تعليمي وأنا ما جيتش هنا إلا دلوقتى، تقريبًا كنت نسيّاه ودلوقتي افتكرته، وحابة أن أعيش الذكريات اللي كانت ليا مع بابا وماما هنا. استرسلت بحديثها ظناً منها أنها تحدث ذاتها، تقص عليه سبب بناء المسجد والمبنى، تذكر نفسها بتلك الأيام الغابرة. فهي لم تطأ ذلك الحي منذ سنوات.
فبخضم تلك المأساة والمعاناة التي واجهتها بالأونة الأخيرة، غفلت عن ذلك المكان. فهي لم يكن لديها الوقت الكافي لتعيد ترتيب حياتها بهدوء. فكل الصدمات جاءت تباعًا. ولكن من لطف الله ورحمته بأن جعلها تتذكر ما كانت تنساه، وبأن ذلك الحي سيكون مأواها الآن. فالمحامي لم يأتي على ذكر تلك الشقة لكونها ملحقة بدار تحفيظ القرآن الكريم وبالمسجد. فقسمت لن تهتم بذلك وهي من صارت تملك عدة منازل وبنايات سكنية فخمة تدر ربحًا وفيرًا.
لماذا مازال عقله رافضًا تلك الأسباب والمبررات؟ فحتى صوتها الذي شابته الحنين، لم يكن كافيًا لإقناعه بأنها فتاة حنت لماضيها وجاءت لتستعيد ذكرياتها. ولكن قبل أن ينبث ببنت شفة، كانت هي الأسرع بفتح باب السيارة من جانبها، وترجلت منها وأغلقت الباب سريعًا. فهتفت به قبل أن تحث الخطى على الابتعاد: –مع السلامة يا دكتور راسل. –والبالطو إن شاء الله هبعتهولك.
بخطوات قليلة وجدها تقطع المسافة بين السيارة وبين المبنى، ورآها تلج للداخل. فتـرجل من السيارة، ووقف بجوار بابها لهنيهة. وسرعان ما ولج للمسجد فتوضأ وأدى الصلاة خلف الإمام. وبعد الانتهاء، اقترب من إمام المسجد. فتبسم للرجل العجوز وجلس بجواره. فتبسم له الإمام بدوره، وعلم أنه يريد منه شيئًا. فسبقه القول قائلًا بتساؤل: –خير يا ابني شكلك عايز تسأل على حاجة. هز راسل رأسه بحركة خفيفة قائلًا بفضول:
–قولي يا شيخ هو المسجد ده ودار تحفيظ القرآن اللي جمبه فعلاً اللي بناهم المرحوم عرفان الطيب. –أيوه يا ابني هو اللي بناهم. –وكمان في شقة هنا كان هو ومراته الله يرحمها وبنته بيجوا هنا في الشهر الكريم علشان كان بيقضي الشهر كله هنا. –وكمان كان بيعمل موائد إفطار للصائمين الله يرحمه كان راجل خير. قالها الإمام وطغى على صوته الحزن بتذكره عرفان. فرفع يده يدعو لله بالرحمة والمغفرة، وعاد يدير مسبحته بين أصابعه.
فشكره راسل ونهض تاركًا مكانه، وخرج من المسجد. رفع يده ينظر لساعته فوجدها تشير للواحدة ظهرًا. فشهق بخفوت: –يا خبر أبيض ده كان في عملية المفروض هعملها الساعة ١٢ والوقت أتأخر. أخرج هاتفه فوجده مغلقًا لنفاذ شحن البطارية. فطفلته لابد أنها تنتظره هي الأخرى. فبدون تردد أخذ سيارته ينطلق للمشفى لتأدية عمله. وهناك سيخبر وفاء بضرورة الذهاب لسجود لعدم تمكنه من فعل ذلك. أمام نافذة عريضة.. كانت تختفي عن الأنظار خلف الستار الأبيض.
فبعد أن دلفت للمبنى وصعدت الدرج، تذكرت أنها لا تحمل معها مفتاح للشقة. فقبل أن تندب حظها، تذكرت نسخة المفتاح الاحتياطي التي كانت تضعها مديحة ببوتقة الكهرباء تواريها عن الأنظار. وكانت تفعل ذلك تحسبًا لنسيانها أو ضياع مفتاحها. ففتشت حياء عنه ووجدته، وأدارته بمقبض الباب، وولجت للداخل تغلقه خلفها. فضغطت على زر الإنارة، فطافت عيناها بالصالة. فالأثاث مرتب وبحالة جيدة، ولكن ربما تكسوه ذرات الغبار.
استندت على الباب بجسدها تغلق عيناها بشعور الإرهاق الذي سحق خلاياها وما تبقى لها من قدرة. لا تعلم كم ظلت واقفة هكذا، حتى قررت تحريك قدميها وأقتربت من النافذة التي مكنتها من رؤية الشارع بوضوح. فقبل أن تزيح الستائر، لتغيير الجو الخانق بالشقة، لمحته وهو يستقل سيارته ينطلق بها. فأزاحت الستائر جانبًا وفتحت زجاج النافذة. وأبتعدت بعد ذلك قبل أن يراها أحد، وهي مازالت بتلك الحالة الرثة والمزرية.
ذهبت لتلك الغرفة التي كانت مخصصة لها بالإقامة فيها. فرأت الدمى المحشوة التي تراصت على الفراش وأيضًا الأغطية التي ما أن رأتها شعرت بالنعاس يداهم جفنيها. فهي لم تنم منذ البارحة. بدون تفكير أرتمت على الفراش تسحب الأغطية على جسدها لتغفو قليلاً. فهي حتى لم تنزع عنها معطف راسل. بمجرد وضع رأسها المثقل بالهموم على الوسادة حتى غرقت بسبات عميق. لم يخلو نومها من استعادة أحداث ليلة البارحة.
فتنكمش ملامح وجهها بتذكر جلوسها وسط السجينات، اللاتي لم تنجو من شرهن إلا بحماية امرأة لها. ولكن تبدل ذلك الكابوس بحلم آخر. فانقبضت أساريرها، وهي ترى نفسها راكضة بطريق مظلم لا تعلم إلى أين هي ذاهبة، كأنه نفق ضيق. فكـلـمـا زاد ركضها زاد النفق ضيقاً حتى شعرت بجسدها يكاد يسحق بين جدارين مطبقين عليها من كل جانب. فصرخت تنادي لعل أحد يساعدها.
فكلما أطبقت عليها الجدران، زادت بمناجاة الله تنادي وتردد ما تيسر لها من القرآن الكريم. فوضعت وجهها بين كفيها تبكي وتنادي ولم تشعر إلا بيد تربت على كتفها ونسمات عليلة تلامسها. كمن جاءتها بعد يوم شديد الحرارة. رفعت رأسها لترى من يربت على كتفها بذلك الحنان الطاغي. فلم تستبين ملامحه جيدًا. فهتفت به متسائلة: –أنت مين؟ –خلي بالك من الحية يا حياء. لم تسمع منه سوى تلك الكلمة، ووجدت نفسها تنظر حيث تشير يده.
فرأت حية عملاقة تكشر عن أنيابها. صوت فحيحها جعل الدماء تفر هاربة من عروقها. فرأتها تزحف إليها. وكلما اقتربت، زحفت هي بجسدها للخلف، حتى دنت منها تفتح فمها. ولكنها استيقظت من نومها وهي تشهق بصوت مسموع، كمن ظلت حبيسة بقاع البحر، وحان وقت خروجها منه. وضعت يدها على صدرها بعدما هبت جالسة بالفراش وهي تردد: –بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ظلت تتحسس وجهها وجسدها معقبة:
–الحمد لله يارب أنه كابوس الحمد لله. نظرت حولها كأنها تتذكر أين هي الآن؟ فالغرفة غارقة بالظلام، بعدما كان يملأها نور الصباح. فعلمت أن المساء قد حل الآن، وربما هي نائمة منذ وقت طويل. فـنـظـرت للساعة المعلقة على الجدار وجدتها لا تعمل. فزفرت بخفوت وأزاحت الأغطية عنها وتركت الفراش. وقفت بجوار الفراش تتحسس معدتها، فتقلصات شديدة أصابتها ناتجة عن شعورها بالجوع.
ففكرت أن تتحمم أولاً وتصلي ما فاتها من الصلاة ولتبحث عن شيء تأكله. فتحت خزانة الثياب، فظلت تجيل ببصرها تبحث عن شيء ترتديه. فتلك الثياب كانت لها وهي مراهقة، فالآن ربما لن يكون قياسها مناسبًا ولكن لا حل أمامها غيرها. فتناولت ثيابًا نظيفة وولجت للمرحاض. قضت وقتها به وبعد أن انتهت خرجت تعقص شعرها بمنشفة. فوقفت أمام المرآة، فرغمًا عنها تبسمت على مظهرها بتلك الثياب البيتية التي لا تصل لكاحليها ولا معصميها.
ولكن الشيء الوحيد الذي وجدته فضفاضًا هو ثوب الصلاة فأرتدته وأدت ما عليها من صلاة. تلك الغرفة التي كانت مخصصة لعـرفـان وزوجته، كانت هي الأولى بزيارتها لها لتفتش عن نقود. فولجت الغرفة بسكون سرعان ما انتشر الضوء بالغرفة، بعد ضغطها زر المصباح الكهربائي. فتشت بالأدراج وأسفل الوسائد ولم تجد شيئًا. فجلست على الفراش تتحسه بيدها، تنزلق دموعها بصمت.
فـاتـجـهـت بعد ذلك لخزانة الثياب الخشبية التي تحوي ثيابًا لمن رحلوا عن عالمها، تاركين إياها تصارع الحياة وحدها. فتحتها من المنتصف، فرأت تلك الخزنة بالحجم المتوسط. فتبسمت عندما تذكرت أنها كانت دائمة العبث بأرقامها متفكهة بذلك أنها تريد أن تعلم كلمة السر الخاصة بها. فتتعالى ضحكات عرفان على ما تفعله، يخبرها أنها هي الوحيدة التي تستطيع فتحها، فالرقم السري هو رقم يوم مولدها المدرج بشهادة الميلاد.
برغبة طفلة صغيرة، أرادت تذكر كيف ستتمكن من فتحها. فبعدة خطوات بسيطة بتحريك مؤشر الخزنة بالأرقام التي تعلمها عن ظهر قلب، سمعت صوت تكة خفيفة، تنبئها بنجاحها في فعل ذلك. فتبسمت وأدارت المقبض المعدني، وفتحت الخزنة. شعور بالاندهاش والصدمة حل على حواسها كاملة. فهي ترى الآن عدة صفوف من النقود، فالخزنة مملوءة بالنقود التي تم ترتيبها بالفئات العالية.
فالخزنة مكتظة بالنقود، وبعض الحُلي والمشغولات الذهبية كمن وجدت صندوقًا لكنز قد تم إيداعه بعيدًا عن أعين المتطفلين. وضعت يدها على فمها مشدوهة وهي تردد: –معقولة دي فلوس بجد ولا أنا اللي بحلم عشان جعانة. بـتـلـك اللحظة، شكت بقواها العقلية، من أن ما تراه ما هو إلا حلم ينسجه لها عقلها. وعندما تمد يدها الآن ستجدها فارغة. ولكن ما تتحسسه بيدها لم يكن وهمًا أو سرابًا. فتلك نقود حقيقية والحُلي الذهبية أيضًا.
فمديحة لم تكن من هواة ارتداء المشغولات الذهبية على الرغم من أن عرفان كان يغدقها بها. فتلك الحُلي الذهبية والماسية، التي تركتها بالمنزل بعد رحيلها، أخذتها قسمت تتزين بها. فكم من مرة شعرت هي بالحزن والحسرة وهي ترى قسمت تتبختر وتتباهى بما ترتديه من إرث شقيقها وزوجته. فمديحة لم يكن لها أشقاء أو شقيقات. أخذت حفنة من النقود تقلبها بين يديها، لعلها تصدق أن ما تراه حقيقة. أغمضت عينيها وهي تردد الشكر لله على عطاياه.
فتلك النقود هي من ستجعلها تطعم نفسها، حتى تبدأ في البحث عن عمل لتعيل ذاتها. فهي يجب عليها التفكير بحياتها المقبلة، فالنقود لن تكون كافية وباقية لتعيش بها طوال حياتها. _تأففت تلك المراهقة من النظر لنفسها بالمرآة. فلما هي مازالت بذلك الجسد الطفولي، وأن مفاتنها كأنثى لم تظهر بعد. فهي ترى صديقات لها بجسد ممتلئ، فمن يراهن لا يصدق أنهن فتيات مازلن بطور النضوج.
ولكن هي بسبب نحول جسدها الشديد الذي لا تعرف له سببًا غير إن والدتها الراحلة كانت هكذا بصباها وحتى وفاتها. فلعل الأمر يعود للعامل الوراثي، ولكن زوجة أبيها امرأة بجسد متناسق. وكم من مرة تركت عيناها للمقارنة بينهما.
الطرق المستمر على باب الغرفة، جعلها ترتدي ثيابها بسرعة، وذهبت للباب الذي حرصت على إغلاقه بالمفتاح، حتى لا يقتحم أحد عليها الغرفة وهي تقف أمام المرآة بخلوة صنعتها لنفسها للتفتيش عن حل يمكنها من أن تكون فاتنة لجذب أنظار معلمها العزيز. فتحت سهى الباب وهي تبتسم بدون مرح: –أيوه يا طنط خير في إيه. ضيقت زوجة أبيها ما بين حاجبيها متسائلة: –في إيه يا سهى قافلة على نفسك الباب ليه كده. حكت سهى فروة رأسها وهي تقول:
–بذاكر يا طنط أنتي عارفة بقى في ثانوي وكده والإمتحانات مبقاش عليها كتير والوقت بيجري فبلحق ألم المنهج. –وعلشان كمان ولادك ما يدخلوش الأوضة ويزعجونى ويلعبوا في كتبى ويشتتوا تفكيري. عبست زوجة أبيها من ذكرها الدائم لشقيقيها بأنهما أولادها، غير مقرة بذلك أنهما شقيقيها من أبيها. فهتفت بها بضيق: –هم ولادي دول مش أخواتك. –دايما تقوليلى ولادك ولادك هم جايباهم من الشارع مش أخواتك من أبوكي. قلبت سهى عينيها
بملل ونفخت بضيق وهي تقول: –بقول لحضرتك إيه يا طنط ممكن تسيبيني علشان أكمل مذاكرتي إذا سمحتي. يأست المرأة من أفعال تلك المراهقة، التي لم تتقبل يومًا أنها بديلة لأمها، على الرغم من محاولتها في مصادقتها. فهي تراها أنها امرأة مخادعة لزواجها من أبيها وهي من كانت الصديقة المقربة لأمها الراحلة. فعقلها جعلها تستنتج أنها كانت طامعة بزوج صديقتها منذ البداية، وانتهزت تلك الفرصة بموت أمها وتزوجت زوجها.
تركت سهى الباب، وجلست خلف مكتبها الصغير، وبدأت بفتح كتبها، لعل زوجة أبيها تعلم أنها هكذا أنهت المناقشة والجدال بينهما. فما كان منها سوى أن خرجت من الغرفة تغلق الباب، بعد أن أخبرتها بضرورة تناول طعامها. نظرت سهى بهاتفها، ووجدت أن الوقت مازال مبكرًا على موعد ذهابها لدروس اللغة الفرنسية. فهي تنتظر الموعد بترقب وشوق لرؤية كرم، فلم يكفيها رؤيته بالمدرسة.
ولكن وجوم ملأ وجهها بعدما تذكرت صديقتها، التي لن تتركها تنعم بحلمها الوردي، وستظل توكزها من وقت لآخر، لكي تغض البصر عن التحديق والحملقة بكرم. ذاكرت ما عليها من دروس وأدت ما عليها من واجبات، حتى تثير انتباه وإعجاب معلمها بفطنتها وبراعتها باللغة الفرنسية. فكم تشعر هي بالفخر عند إشادته بذكائها الحاد، وأنها هي الطالبة الأفضل بين زميلاتها. فبعد أن رأت اقتراب الموعد، قفزت من على مقعدها، تتجه لخزانة ثيابها.
فوقع اختيارها على ثوب باللون الرمادي، فأرتدته، ووضعت حجابًا على رأسها. ولكنها أزاحته قليلاً من مقدمة رأسها، فظهر شعرها واضحًا لكل من يراها. فهي فكرت أن هكذا لن تأثم. فهي مرتدية الحجاب، تلك القناعة الغريبة التي أصابت جيلًا بأكمله بأن بتلك الفعلة هي ترتدي الحجاب ولا حرج ولا ذنب عليها بأن يرى الناس مقدمة شعرها. بعد أن انتهت أخذت حقيبتها على ظهرها وخرجت من الشقة.
هاتفت صديقتها التي سرعان ما وجدتها خارجة من البناية المجاورة. تبسمت لها ولكن ما كان من صديقتها سوى مد يدها تسحب للأمام حجابها المنزلق. فاعاتبتها بلين: –كده يا سهى خارجة من البيت ونص شعرك تقريبًا باين. أصابها الضيق من فعل صديقتها، الذي رأته أفسد مظهرها الذي كلفها عناء الوقوف كثيرًا أمام المرآة. فصاحت بها: –يوووه حلو كده بوظتيلي الدنيا. تبسمت صديقتها بحزن وهي تقول: –قصدك بسترك من فتن الدنيا يا سهى.
–هو أنتي فاكرة أنك كده لابسة الحجاب، يا حبيبتي الحجاب له احترامه. –هتلبسيه بما يرضي الله كان بها مش هتحترميه يبقى متلبسيهوش خالص، مش ماشية وشعرك باين وتقولي على نفسك محجبة، بلاش يا سهى حجاب الموضة ده اللي هيوديكى في داهية. عملت يد سهى على ضبط الحجاب، وهي تشعر بغليان دمائها من أقوال وأفعال صديقتها. ولكنها لم تشأ أن تثار بينهما مشادة كلامية أو شجارًا وتتأخران على موعدهما. بعد ذلك تأبطت ذراعها تجرها معها،
وهي تدمدم بسخط: –دا كان يوم ما يعلم بيه إلا ربنا لما اتولدنا في يوم واحد وأتصاحبنا يا شيخة يلا بينا. تبسمت الفتاة على قولها، ولكنها لم تعقب على ما قالته، فهي تعلمها خير العلم، وتعلم أن خلف تلك الأفعال والتصرفات الجنونية أحيانًا فتاة تشعر بالتخبط والحيرة. فبرحيل والدتها فقدت مأمنها ومن كانت تبوح لها بالصغيرة قبل الكبيرة، غير راغبة في منح زوجة أبيها هذا الدور، مكتفية بذاتها وبصداقتها لها.
فهي تحاول ما أمكنها أن تكون عونًا لها على مجاهدة نفسها بتلك المرحلة العمرية، التي تمر بها من تغيير رداء الطفولة برداء الشباب الزاهي، الذي ربما يكون أحيانًا براقًا يعمي الأبصار عن رؤية الأمور بعقلانية. فعنفوان الشباب إذا لم تلجمه القيم والأخلاق، صار فسادًا يعيث في الأرض خرابًا ودمارًا. فكم من مرة أخطأ كرم في شرح الدرس، حتى أثار غـرابة الطالبات. فهن غير معتادات على ذلك، فذلك التيه الذي يشعر به يختبرونه منه لأول مرة.
فحاول نفض ذهنه عن تلك الأفكار التي تداخلت ببعضها البعض. فمنذ مقابلته لراسل وما حدث له بيوم احتفال هند بمولدها، وهو يسير بمتاهة. من إقدامه على تنفيذ ما قاله راسل، بأن يستمر بحبه لهند، وبين أن يتخلى عن ذلك ويفكر بالانتقام منها على إهانتها له. وصل لحافة صبره وطاقته على الاحتمال، فعلا صوته قائلًا بإرهاق: –معلش كفاية كده ونكمل الحصة الجاية. لملمت الطالبات كتبهن يستعدن للمغادرة.
ولكن سهى لم ترتضى الرحيل إلا أن تكون آخر من يغادر، فالوقت الذي خصصته لرؤياه، لم ينقضِ مثلما أرادت. فأقتربت منه تبدي اهتمامها وهي تقول: –مالك يا مستر كرم حضرتك تعبان. رفع كرم وجهه، بعدما كان يطرق برأسه أرضًا، فأستند بها على أحد كفيه مغمغمًا: –شوية يا سهى المرة الجاية هعوضلكم الوقت اللي مكملش. –طب حضرتك… قبل أن تكمل حديثها وجدت صديقتها تسحبها من ذراعها وهي قائلة بسرعة: –ألف سلامة عليك يا مستر كرم.
دفعتها حتى تتقدمها بالسير. فكم تمنت لو تقذفها بالحقيبة في وجهها البهي الطلة، فدائمًا ما تفسد عليها أوقاتها. فلم تأبه صديقتها لنظراتها النارية، فأرادت إكمال إثارة غضبها. فأخرجت لسانها لإغاظتها وقالت: –أحسن أحسن وهفضل أفسد عليكي كل حاجة بتفكري فيها بعقلك الأهبل ده. فعقدت سهى ذراعيها قائلة بحيرة: –بس أنا بحبه أعمل إيه يعني بحب كرم بحبه. غفلت هي عن أن مكانه القريب منهما، مكنه من سماع قولها.
فشحب وجهه على الفور بسماع قول تلك الفتاة. فبما تهذي هي الآن؟ ففكر أن كل ذلك التودد بصوتها لم يكن سوى شعورها تجاهه وليس احترامًا منها له كونه معلمها وهي تلميذته. تيبست قدماه وتصنمت ملامحه، وتلك الجملة التي تركتها تلك الفتاة قبل رحيلها تتردد بأذنيه مرارًا وتكرارًا. _تشق مقدمة تلك السفينة الماء، تطرحها على جانبيها، كأنها تسابق الوقت والحقيقة.
فالوقت الذي استغرقته بالوصول من اليونان إلى مصر وبالأخص مدينة الإسكندرية، كان الأفيد لها هي. تلك المرأة التي تقف تستند على السور المعدني على سطح السفينة، تنظر للماء المنجرف بفعل الأمواج وثقل محتوى تلك السفينة الضخمة. شعرت ببرودة مفاجئة، وكيف لا وهي من اقتربت من موطنها، ذلك الوطن الذي هجرته منذ أعوام. فتلك النسمات الرقيقة، التي ما برحت تضرب وجهها، كلسعات خفيفة، جعلت الدموع تتجمع بمآقيها.
هاتان العينان التي لا يراهما أحد إلا وقع صريعًا ببحر عشقهما. فهي من كانت يطلقون عليها فاتنة الإسكندرية، ومن أجمل ما أنجبت من صبايا. بتذكرها ذلك اللقب، تبسمت شفتيها النضرتين، كأن السنوات توقفت عندما كانت بالعشرين من عمرها. ولكن تلك الشعيرات الفضية، التي اختلطت بخصيلاتها النحاسية، كانت الأدعى بتذكيرها بسنوات عمرها الاثنى والأربعون.
فلا يستطيع أحد رؤيتها إلا إذا كان قريبًا منها، فتلك الشعيرات هي دليلها الوحيد، على مرور تلك السنوات. فلم تنل من شيء آخر من جمالها. تطاير ثوبها حول كاحليها، وشعرها سأمت من إعادة ترتيبه خلف أذنيها. فالهواء كأنه سعيد بتخريب تسريحتها الأنيقة والوقورة. خفضت وجهها تنظر لثوبها بشقيه الأبيض والأسود، فالشق الأبيض بجانبها الأيمن، والشق الأسود بجانبها الأيسر. فربما هذا الثوب كان هو الأنسب لعودتها إلى الإسكندرية.
فهي عائدة بفرحة وخوف، بسعادة وشقاء، عائدة بكل شيء ونقيضه. فقبل أن تنسكب دموعها، شعرت بيد دافئة تلمست كفها بحنان. فتبسمت بعد رؤية ذلك الشاب الوسيم. فهتفت بصوتها الناعم: –خلاص قربنا نوصل المينا في إسكندرية يا معتصم. استند معتصم بمرفقيه، على الإطار المعدني، فأنحنى قليلاً نظراً لطوله الفارع. فرفع إحدى يديه وحك لحيته: –تفتكري كان قرارنا صح إننا نسيب اليونان ونرجع إسكندرية تاني يا غزل.
–كان لازم يوم نرجع فيه مكناش هنفضل هربانين عمرنا كله يا غزل. قالتها غزل بغصة علقت بحلقها، فتمنت أن لا ينتبه معتصم لها. استقام معتصم بوقفته بعد انحناءه، فربت على صدره بحركات رتيبة، كأنه يفكر فيما قالته. فربما وقع ما حدث ماضيًا لم يكن له منه النصيب الأكبر، فهي وشقيقه هما من نال القسط الأكبر بتلك الفاجعة. غير دفة الحديث، لعله يرفه عنها قليلاً. فتبسم مازحًا إياها:
–بس إيه الفستان القمر ده يا غزل أنا كده أول ما ننزل من الباخرة مش هلاحق على اللي هيبقوا عينهم منك ويمشوا وراكي يغازلوكي. تبسمت رغماً عنها وهي تقول: –خلاص بقى يا معتصم الكلام ده كان زمان. –تصدق أنا فرحانة أن عمران مرجعش معانا دلوقتي وإلا كان عملنا مصيبة. تذكر معتصم شقيقه الأكبر، وتذكر تلك المشاجرات والعراك، الذي يفتعله مع أي حد يقدم على مضايقتها أو مغازلتها. فهما الاثنان يحافظان عليها كأنها جوهرة ثمينة.
فأخذ معتصم يدها بين راحتيه وهو يقول بحنان: –لينا حق نخاف عليكي يا غزل إحنا ملناش حد غيرك. جذبته غزل وطوّقته بذراعيها، فلم يكن الفارق بالطول بينهما شاسعًا، فهي الأخرى تتمتع بالطول المناسب، الذي يمكنها من ضمهما إليها، بدون أن تشعر بقصر قامتها. فقوامها الرشيق وجمالها الساحر للأنظار، كان مدعاة لأن يطلقون عليها شتى الألقاب الخاصة بالجمال والجاذبية.
فبعد وصول السفينة لمرفأها الأخير، حاولت غزل استنشاق أكبر قدر من الهواء، كأنها بانتظار مواجهة محتومة ومصيرية. فتعلقت بيد معتصم الممدودة لها، كأنه يدعوها بأن تجعل منه حارسًا ضد الذكريات، التي ستداهمها بمجرد أن تطأ قدميها الأرض. أسرع معتصم بإنهاء المعاملات اللازمة، وهي مازالت متعلقة بذراعه. فهي لم تنسى وضع نظارتها الشمسية الكبيرة، لإخفاء عبراتها، ولكن يستطيع كل من يراها، أن يتكهن بأنها تبكي.
فإحمرار أنفها من كثرة استعمال المحارم الورقية، وإختلاج شفتيها، دلا على صعوبة سيطرتها على دموعها. وجدا سيارة بإنتظارهما. فعمران حتى وإن لم يعد معهما، فهو حرص على أن يصلا للمنزل بسلام. فهو حتى لم ينسى بأن يكلف العديد من الخدم، بتنظيف ذلك القصر المهجور، أو كما يطلق عليه عمران دائمًا "قصر الدماء". جلست غزل بجوار معتصم بالمقعد الخلفي بتلك السيارة الفارهة.
وضعت رأسها على كتفه لعلها تغفو قليلاً قبل وصولهما، فهي تعلم بأن النوم سيجافيها، عندما تعود للقصر ثانية. أشفق معتصم على حالها، فهو أبدى اقتراحه بعدم العودة لذلك القصر ثانية، وأن يبتاعوا منزلًا جديدًا. ولكن غزل رفضت ذلك رفضًا قاطعًا وأيدها عمران بقرارها. فهو أيضًا يريد العودة لنقطة البداية، حتى يستطيع تسطير النهاية بيده، ولن يصح ذلك إلا بعودتهم لذلك القصر. بعد أن قطعت السيارة المسافة اللازمة للوصول، هزها معتصم برفق.
فباعدت بين جفنيها بصعوبة، فأول ما سقط عليه عيناها، هو المسبح الواسع. فخرجت من السيارة، ووقفت أمامه، تنظر للماء الرائق به. فبثانية واحدة كأنها رأت المياه تحولت للون الأحمر، تطفو تلك الأجساد المغدورة به. فأنتفضت وهي صارخة: –لااااااء لااااااء. أصاب معتصم الرعب من صرختها، فأخذها بين ذراعيه يهدهدها قائلًا برفق: –إهدي يا حبيبتي إهدي قولت بلاش نرجع القصر تاني يلا يا غزل نمشي من هنا لو فضلت هنا هتتعبي زيادة.
أغمضت غزل عينيها، ريثما تستعيد هدوءها. فربما هي حقًا مخطئة بقرارها بالعودة لهنا ثانية، ولكنها لن تظل هاربة طوال عمرها. فأبتعدت عن معتصم وهتفت بضعف: –خلاص يا معتصم أنا كويسة متخافش يلا بينا ندخل جوا. وجدا العديد من الخدم بإنتظارهما. فبعد الترحيب بقدومها، صعدت غزل بحذر لغرفتها القديمة. فهي كأنها تركتها بالأمس القريب، فثياب طفولتها وشبابها، مازالت موجودة بخزانة الثياب.
وتلك الصور بداخل الإطارات الذهبية، موضوعة على الكومود بجوار الفراش. فربما عمران أصدر أوامره بتنظيف القصر، على أن يترك كل شيء على حاله سابقًا. فأخذت تلك الصورة الجماعية وتلمستها بحنان ونحيب: –وحشتوني أوي كلكم والغزال كبر وكمان عمران ومعتصم، وغلاوتكم عندي ما هرتاح إلا ما أجيب حقكم كلكم. –وحمام السباحة اللي اتملى بدمكم هيتملى بدم اللي عمل فيكم كده، بس مش هخلي عمران ومعتصم إيدهم تتلوث بالدم.
ضمت الصورة لصدرها، وتحجرت عينيها وهي تنظر من مكانها وهي جالسة على طرف الفراش، لذلك المسبح بالحديقة. فكم كانت تعشق هي السباحة به، ولن تسبح ثانية إلا بدماء عدوها. فكل دمعة ذرفتها هي حسرة وحزنًا، ستحرص على أن يذرفها هو دمًا. فهي عادت للإسكندرية، من أجل القصاص، ولن يكون القصاص عادلاً، إلا إذا جعلته يعاني أولًا، وتجرده من كل ما يملك.
ستجعله بالبداية يعاني الفقر والحاجة، وربما بعدما يصل للنزع الأخير، ستكون رحيمة به وتطلق عليه رصاصة الرحمة. حريصة على أن تختلط دماءه بدماء من سبقوه. _بثوب الصلاة الفضفاض، كانت واقفة أمام أحد المتاجر الخاصة بعمل وجبات الطعام السريعة بذلك الحي. فبالسنوات الأخيرة صار الحي أكثر تحضرًا عن آخر مرة كانت هنا. فالعديد من المتاجر احتلت الأدوار الأولى من البنايات السكنية، فصار الحصول على ما تريده يسيرًا عن ذي قبل.
حمدت الله أن لا أحد يعرفها ولا يتذكرها. فبثوب الصلاة كانت شبيهة بساكنات الحي من النسوة والفتيات. فهي لا تريد أن تثار التساؤلات حول وجودها هنا، وخاصة الآن بعد موت عرفان ومديحة. ولما هي فضلت المكوث هنا عوضًا عن المنزل الفخم بذلك الحي الراقي. ناولها الرجل حقيبة بلاستيكية، تم وضع الطعام الذي أوصت به. فأخذته عائدة للمنزل، ولكن قبل أن تلج للداخل استوقفها صوت إمام المسجد.
–أنتي يا بنتي رايحة فين، تحفيظ القرآن بيكون الصبح هو أنتي مين. قالها إمام المسجد وهو يحث خطاه البطيئة في الاقتراب منها. إزدردت حياء لعابها قبل أن تدير جسدها وتصبح وجهًا لوجه معه، فهي لم تكن تريد مقابلة أحد الآن قبل أن تستعيد هدوءها واتزانها المفقود. ولكنها لم تجد مفرًا من المواجهة المحتومة. فتبسمت بحرج وهي تقول: –دا أنا حياء. دقق الرجل العجوز بملامحها، حتى تهللت أساريره وصاح بصوت ملأه السعادة لرؤياها:
–حمد الله على السلامة يا بنت الغاليين، مقولتيش ليه أنك جيتى كنا رحبنا بمجيتك يا ألف أهلا وسهلا. ولكن تبدل صوته من الفرح للحزن وهو معقبًا: –البقاء لله يا بنتي والله كلنا قلبنا انخلع لما سمعنا الخبر ربنا يرحمهم يارب، بس أنتي كنتي فين كده بالاسدال. رفعت حياء الحقيبة البلاستيكية قائلة بهدوء شابـه الخجل:
–مفيش كنت بشتري أكل من المحل اللي قريب من هنا، أصل ملقتـش حاجة فوق في الشقة، عن إذن حضرتك وإن شاء الله نتكلم تاني، لأن أنا هقعد هنا شوية. أبدى الإمام غرابته بسماع قولها بتقطيب حاجبيه، ولكنه لم يشأ لها البقاء بالوقوف أمامه هكذا. فتنحنح قائلًا بمودة: –تنوري يا بنتي أتفضلي أنتي. صعدت حياء للشقة، أدارت المفتاح بالمقبض، فأنفتح الباب. ولكن قبل أن تلج للداخل سمعت صوت مواء هرة، يأتي من مكان قريب.
فأنارت الضوء أمام الشقة، فرأت هرة باللون الأبيض والرمادي تنزوي بأحد الأركان يبدو عليها الوداعة والجوع أيضًا. فربما اشتمت رائحة الطعام الذي تحمله حياء، فأبدت رغبتها في الحصول على بعض منه بصوت مواءها الضعيف. أقتربت منها حياء قائلة بصوت مشفق على حالتها: –يا حرام أنتي باين عليكي جعانة أوي زيي، تعالي معايا. قبل أن تهم بحملها، فكرت مليًا بأنها يمكن أن تكون مريضة، أو بها داء أو علة.
ولكن يبدو عليها أنها ليست قطة ربيبة الأزقة، بل تشبه الهررة الثمينة. ففكرت أولًا بأن تقدم لها بعض المغريات بالطعام حتى تتبعها للداخل، وبعد ذلك سترى ماذا تفعل معها. لم تجد جهدًا يذكر بجعل الهرة تتبعها، فربما جوعها هي الأخرى جعلها سهلة الانقياد خلفها. بحثـت حياء عن طبق ووضعت لها الطعام بجانب المائدة، التي جلست هي عليها تتناول طعامها هي الأخرى. تناولت كل منهما طعامها بنهم وجوع شديد.
فحياء زفرت براحة وشعور بالامتلاء، شاركتها الهرة بتمددها على الأرض بارتياح بعد أن سدت رمقها هي الأخرى. فتبسمت حياء وهي ترمقها: –تصدقي أول مرة آكل بالشكل ده كأني ما أكلتش قبل كده، بس مقولتليش اسمك بقى يا حلوة. أصدرت الهرة مواء ضعيف، تفتح عينيها ببطء لتعيد وتغلقهما، كأنها بحاجة للنعاس. ولكن تركت حياء مكانها تنحى إليها تشير إليها بأن تتبعها:
–تعالي علشان تاخدي شاور وتبقى نضيفة على ما أشوف دكتور أوديكي ليه لتكوني تعبانة وبعد كده هخليكي تعيشي معايا إيه رأيك. عادت الهرة لمواءها، كمن تخبرها بموافقتها على ما أبدت من اقتراح بشأنها. فبعد ثلاث دقائق، كانت حياء تغمرها بالماء وبعض السوائل الخاصة بالاستحمام. وبعد الانتهاء جففتها حياء جيدًا، وأخذتها عائدة للصالة، ووضعتها بجانبها على الأريكة، تمسد عليها من وقت لآخر.
بعدما فتحت التلفاز، لتروح عن نفسها قليلاً، سمعت حياء صوت جرس الباب فتركت مكانها، لترى من القادم. نظرت من ثقب الباب، فرأت إمام المسجد يصطحب زوجته. فأسرعت بفتح الباب قائلة بترحيب: –أهلا وسهلا اتفضلوا. ولج الإمام وزوجته، ولكن سمعوا صوتًا قائلًا بمرح: –استنوا أنا جاي. تبسمت زوجة الإمام على قول ولدها، الذي رأته يصعد الدرج مهرولًا، حتى وصل إليهما. فوضع يده على صدره يلتقط أنفاسه، كمن كان يركض بطريق طويل. فربتت والدته
على كتفه قائلة بحنان: –خد نفسك يا بلال هو أنت داخل سباق. تبسم بلال على قول والدته، سرعان ما عاود النظر لحياء قائلًا: –حمد الله على السلامة يا آنسة حياء. تذكرته حياء، تذكرت ذلك الشاب اليافع، الذي كلما كانت تأتي لهنا، تجده يسرع لمساعدتها بأي شيء تريده. يساعد والده وعرفان بتحضير موائد الإفطار.
فكم تغيرت ملامحه عن السابق، فصار أكثر طولًا، واشتد ساعديه، وأصبح يمتلك ملامح وجه رجولية مليحة، خاصة بلحيته السوداء، وغمازتيه البارزتين بوجنتيه، والتي كلما تبسم أو ضحك، تكون أشد ظهورًا بخديه. –الله يسلمك أزيك يا أستاذ بلال أتفضلوا. وقالتها حياء بإبتسامة، وهي تتنحى جانبًا تسمح لهم بالمرور للداخل. فتبسم بلال بدوره قائلًا: –الحمد لله أزيك أنتي. حسناً.. فهي مازالت تتذكره، وتتذكر أيضًا اسمه.
فهو كان يخشى أنها لم تعد تتذكر ذلك الحي وساكنيه. اتخذ كل منهم مقعده، فذهبت حياء للمطبخ، للبحث عن أي مشروب تستطيع به مضيافتهم. فلم تجد سوى الشاي، فجلبت الاكواب وبدأت بإعداد المشروب. ولكنها من داخلها تخاف من أن يكتشف أحد أمرها، وأنها ليست ابنة صاحب تلك الشقة. فحتماً ستثار الأقاويل والتساؤلات حول مكوثها هنا بالفترة القادمة. فبما هي تجيب؟ أخذت الصينية وخرجت للصالة، ووضعتها على الطاولة، وجلست بمقعد منفرد،
تفرك يدها بتوتر وهي تقول: –أهلا وسهلا نورتوني. تبسمت زوجة الإمام قائلة بمودة: –دا نورك أنتي يا بنتي أعذرينا لو كنا جينا لكِ كده على غفلة بس لما عرفنا أنك هنا جينا نعمل الواجب، ربنا يرحمهم يارب. –اللهم آمين، متقوليش كده تنوروا في أي وقت. نطقت بها حياء وعيناها تتأمل السجادة أسفل قدميها. تناول بلال كوب الشاي يرتشف منه قائلًا بفضول: –هو أنتي خلصتي دراستك وأتخطبتي ولا لسه هو أنتي قاعدة هنا على طول.
لمحة مستاءة من عيني والده، جعلته يطرق برأسه أرضًا، يأنب نفسه على رعونة تصرفه. فرغبته في معرفة كل ما حدث لها بالسنوات الماضية، كانت هي الغالبة على رزانته وعقلانيته. فحمحم يبدي أسفه على ما قاله، إلا أن حياء تبسمت بهدوء وهي تقول:
–أيوه خلصت دراستي، وأتخطبت بس محصلش نصيب، وأيوه أنا هقعد هنا الفترة الجاية، حبيت أبعد شوية عن الذكريات الحزينة، وعلشان بابا وماما الله يرحمهم كانوا بيحبوا المكان هنا أوي، وأنا كمان بحبه، فعايزة أعيش في أكتر مكان كانوا هم بيحبوه، علشان كده جيت هنا. تمنت أن تنطلي عليهم تلك الكذبة الواضحة للعيان. فملامح الغرابة التي ارتسمت على وجوههم من قولها، جعلتها تتيقن من أن إذا مرروا لها تلك الكذبة، فسيكون ذلك من باب الذوق لا أكثر.
فربما هم يفكرون من يكون لديها من المال والإرث المتروك من جانب عرفان، وتترك كل هذا وتأتي لهنا. فحاول الإمام رفع عنق الحرج عنها بقوله: –دا أنتي تنوري العمر كله يا بنتي دا الحي زاد نور بوجودك وإن شاء الله تكوني مرتاحة بقعدتك هنا. كانت زوجة الإمام هي الأقرب إليها بالمجلس، فمدت يدها تربت بها على كفيها المضمومين، تحاول أن تبث بها بعض الأمان: –اعتبرينا زي أهلك يا بنتي ولو احتجتي أي حاجة أحنا في الخدمة.
أماءت حياء برأسها بإمتنان لقولها، فحنانها الظاهر من جانبها وجانب زوجها، والمودة بصوت ابنهما، إن لم تكن مقلقة فهي مطمئنة. فانقضت ساعة كاملة، وحياء جالسة معهم يتحدثون بعدة أمور عامة، ولم يتطرق أحد للسؤال عن لما عمتها المدعوة قسمت جعلتها تسكن تلك الشقة بمفردها، ولم تدعوها مثلاً لأن تعيش برفقتها خاصة أنها لم يعد لديها أقارب سواها. _ذلك الهدوء الذي ساد محياها، كان مبعثًا على القلق.
فهي منذ أن أفضت لها بمكنون قلبها، وإفشاء ذلك السر الدفين بين أضلاعها، تجدها تجلس سارحة بأفكارها، تضع وجنتها على يدها وتجلس بالشرفة تحملق بالفراغ. فهل هي مخطئة لفعلها ذلك؟ ولكن بما يفيدها الندم الآن، ففكرت أن ربما تصنع لها قالب الحلوى بالشيكولاتة، الذي تفضله دائمًا. فذهبت للمطبخ وبدأت بإعداده.
وكم كانت محقة بتفكيرها أن ابنتها، حتى وإن أظهرت لها تقبلها للأمر الذي أخبرتها به، فهي تعلم أن خلف ذلك الهدوء، ربما العديد من الأفكار التي تشبه الحمم البركانية، ستطفو على عقلها، وستجعلها تشعر بالخوف مثلها تماماً. بعد أن انتهت وضعت قطع الحلوى بطبق. فحملته إليها ونادتها بهدوء: –ولاء. انتفضت ولاء أثر سماع صوت والدتها، فنظرت لها وهي ترمش بعينيها قائلة بتساؤل: –خير يا ماما بتنادي عليا ليه في حاجة يا حبيبتي.
قدمت لها إسعاد الطبق، وهي تأخذ مكانها بأحد المقاعد: –كنت عاملاكِ كيكة بالشيكولاتة اللي بتحبيها قولت جايز تفرحي لما عملتهالك بدل ما أنتي قاعدة كده سرحانة. –أنتي خايفة مني يا ولاء. سؤالها الغريب، ترك أثره على وجه ولاء، من تقطيبة حاجبيها ودهشة عينيها. فقالت بغرابة: –وأنا هخاف منك ليه يا ماما. استندت إسعاد بمرفقها على سور الشرفة، فزفرت قائلة: –خفتي علشان عرفتي إن أمك قاتلة وهربانة.
وضعت ولاء الطبق من يدها، وربتت على يدها الأخرى الموضوعة على ساقها. فحاولت الابتسام ولكن فشلت محاولتها بفعل ذلك. فهي لا تخشاها، فهي تخشى عليها من أن يأتي ذلك اليوم ولا تجدها بجانبها. فامتـلأت عينيها بحنان وهي تقول: –ماما أنا قولتلك أنا يشرفني أنك تكوني أمي.
–هو كل خوفي عليكي صدقيني وكمان اليومين دول بفكر في موضوع عريس الغفلة ده كمان إحنا حاولنا نأجل الموضوع على قد ما نقدر، بس أنا عارفة أن بابا هيجي عليه وقت ويزهق والاقيه داخل علينا وهو في ايده. –أنتي كلمتي راسل. قالتها إسعاد بتساؤل، فهي لا تعلم إذا كانت أخبرته بشأن ذلك الاقتراح أم لا. فقالت ولاء وهي تهز رأسها بنفي: –لأ مقولتلوش وكمان خايفة من ردة فعله حاجات كتير جوا دماغي لحد ما هتجنن.
–بس أقولك هقوم أرن عليه وأقوله واللّي يحصل يحصل. خرجت ولاء من الشرفة، واتجهت إلى غرفتها، وأخذت هاتفها من على الفراش. فتحتـه وبحثت عن اسم راسل، بعد طلبها له، وضعت الهاتف على أذنها. ولكن سرعان ما أغلقت الهاتف ثانية، فهي يجب أن تتحدث معه وجهًا لوجه، وليس عبر الهاتف. فبالمشفى كان كافة العاملين بها، ينظرون لغرفة مكتب صاحب المشفى بتعجب. فهو منذ مجيئه، لم يبرح الغرفة، فكافة أعماله اليوم ألقى بها على عاتق أطباء آخرين.
فليس لديه المقدرة الكافية، بأن يجعل حياة الآخرين بخطر، بسبب عقله المشغول بالتفكير بحياء. فبداخل الغرفة، كان يدور بأرجائها تارة، ويجلس خلف مكتبه تارة أخرى، حتى سأم من أفعاله، فأرتمى على الأريكة وهو يزفر بحنق على حالته. فدمدم ساخطًا: –خلاص بقى يا راسل أنت إيه اللي جرالك. عاتبًا لذاته مؤنبًا لها، هكذا هو حاله بسبب كثرة تفكيره بحالها الآن، وبتلك الأسباب التي أدت بها، لتلك الحالة المزرية التي رآها بها.
فكيف انقلب عالمها هكذا؟ وقبل كل هذا أين ذهب نادر؟ حاول البحث بهاتفه عن رقم نادر، وبعد إيجاده، حاول الاتصال به، ولكن وجد هاتفه مغلقًا. فاشتعل القلق بقلبه أكثر، فالأمر لغز يحيره. ولكن ماهو؟ فعاد ثانية للتفكير لما يشغله أمرها إلى هذا الحد؟ فهو قدم لها المساعدة قدر استطاعته، وقدر سماحها له بالاقتراب. فليدعها بحالها، فاليوم برمته مر عليه كأنه دهرًا بأكمله، على الرغم من أنه لم يفعل شيئًا بيومه.
بعد إنهاك عقله بكثرة التفكير والتأنيب، أخذ سترته ولملم حاجته، ليعود للمنزل. فخرج من المشفى واستقل سيارته. ولكن قبل أن يفكر بالعودة لمنزله، ويتلقى التقريع الطفولي من صغيرته، على أنه حنث بوعده لها اليوم، ولم يأتِ للروضة ليعيدها للمنزل، كان يصف سيارته أمام متجر لبيع الألعاب والدمى. فربما بشراء دمية جديدة لها، سيستطيع صرف غضبها منه. فبعد أن ولج للداخل وانتقى أفضل الدمى وأغلاها، عاد لسيارته ثانية.
قاد السيارة ولكن انحرف مسارها، ليجد نفسه ذاهبًا لذلك المنزل الذي كان يمتلكه عرفان الطيب. فهو طيلة يومه، لم تبارح تفكيره، يتأكله الفضول لمعرفة ما حدث بالأيام الماضية، منذ أن وقع على استقالة نادر من المشفى. فهو لن يهدأ إلا بعد أن يعلم ماذا حدث لها أوصلها لتلك الحالة التي رآها بها. أوقف محرك السيارة وترجل منها، فأقترب من البوابة الكبيرة للمنزل. ظل يجوب بعينيه ليرى حارس المنزل أو ما شابه.
ولكن قبل أن ينادي، وجد رجلًا يقترب من الباب، تتبعه قسمت. فهتف الرجل براسل متسائلًا: –مين حضرتك. أجابه راسل قائلًا بهدوء: –أنا كنت عايز دكتور نادر هو مش عايش هنا ومتجوز بنت عرفان بيه. قبل أن يفهم الرجل بكلمة، أشارت له قسمت بالانصراف، بعدما أمرته بفتح الباب ودعت راسل للدخول. عقدت قسمت ذراعيها أمام صدرها، ترمق راسل مليًا بعدما عبر من البوابة للداخل. فتبسمت قسمت بعدم اكتراث:
–أنت بتسأل على دكتور نادر، بس للأسف هو مش عايش هنا ولا متجوز بنت عرفان بيه، علشان عرفان أخويا معندوش بنات. قطب راسل حاجبيه قائلًا بغرابة: –ملوش بنات إزاي طب آنسة حياء دي تبقى مين، مش هي ساكنة هنا. نظرت قسمت لأطراف أصابعها قائلة بصوت شامت:
–حياء مش ساكنة هنا دي طفشت الله أعلم بقى راحت فين وهي متبقاش بنت أخويا دي بنت كان جايبها من الملجأ زي ما تقول كده لقيطة وصحينا الصبح لقيناها طفشت وإحنا ملناش صلة بيها ولا عايزين نعرف هي راحت فين، أتمنى أكون جاوبتك على سؤالك ومع السلامة ومتجيش تسأل على حد منهم هنا تاني. بمعاملتها الجافة والصلدة، وحديثها المهين عن حياء، جعله لو يود أن يدق عنقها. فأسرع بالخروج حتى وصل لسيارته وعقله لم يعِ ما سمعه للتو.
فربما اليوم برمته نائمًا ويحلم بأحداث ربما يراها أنها أشبه للخيال. فحديث قسمت معه، لم يكن سوى فتيل أشعل لهيب الفضول وعدم التصديق لما سمعه. ولكن يعلم شيئًا واحدًا فقط، أن من تستطيع إعطاءه جوابًا شافيًا هي حياء بذاتها. عادت قسمت للداخل، ولكن قبل أن تلج الغرفة، التي لم يبارحها شكري منذ الصباح، بعدما أخبرها بشأن سقوطه من على الدرج، بعد اطمئنانه على أبنائهما، فأخطأ موضع قدمه وسقط متضررًا بساقيه.
سمعت صوتًا يشبه الشجار بين شكري وهبة، مما أصابها بالغرابة. فتلك هي المرة الأولى التي تسمع صوت ابنتها عاليًا وخاصة مع والدها. فأرهفت السمع لترى علام يتشاجران. فسـمـعـت هبة قائلة بتحدٍ: –بابا لو مخليتش ماما توافق على أن أروح لوحيد جوزي أنا هقولها حياء هربت من البيت ليه، وبسبب إيه أنت نايم في سريرك ومش قادر تتحرك. _يتبع.... !!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!