الفصل 15 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
21
كلمة
9,183
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

مرت دقيقة كاملة منذ أن فتحت قسمت الباب، قابضة على المقبض بأصابع متشنجة، بعدما سمعت ما قالته ابنتها. اقتحمت الغرفة كالإعصار بهيئتها الشرسة، التي أنبأت شكرى بأنها ربما فطنت ما أقدم على فعله.

جعل حياء تفر هاربة من المنزل. ازدراد لعابه لم يكن كافياً بأن يهدأ من ذلك الخوف، الذي بدأ يسير بعروقه جنباً إلى جنب مع دمائه الحارة. الحرارة غزت جسده بالكامل، ولا يعلم هل تلك الحرارة ناتجة عن شعوره بالخزي، بعدما علمت ابنته بفعلته، أم أنها شعور الخوف من زوجته.

ظل ينقل ببصره تارة بين زوجته وابنته، التي عقدت ذراعيها أمام صدرها، تحاول الهروب بعينيها التي تهدد بسقوط دموعها. لم تكن سوى دموع الحزن على تشويه تلك الصورة والمكانة، التي كان يحتلها هو من قلبها. فهو أبوها، فارسها المغوار كما رأته منذ صغرها، حتى وإن كانت أحياناً كثيرة تستهجن عدم مقدرته على قمع غضب أمها.

كانت تقواه وورعه اللذان كان يدعيهما كفيلين بأن تراه من منظور الأب الفاضل حسن السيرة والسلوك القويم. ولكن بما رأته قبل عدة ساعات، جعل تلك الصورة تتحطم شر تحطيم بنفسها النقية. أثناء وجودها بشرفة غرفتها تتحدث مع زوجها عبر الهاتف، رأت حياء تركض خارجة من المنزل. تركت الغرفة مهرولة على الدرج، لترى ماذا حدث؟

فرأت غرفتها مفتوحة الباب على مصراعيه. اقتربت من الباب ورأت والدها يئن ويتلوى بجسده على الأرض. فلم تكن بحاجة لمزيد من الذكاء، لتعلم سبب ما حدث. عادت أدراجها لغرفتها، قبل أن يراها والدها. "إيه اللي سمعته ده يا هبة؟

" قالتها قسمت وهي ترمق هبة بتساؤل، على أن تسرع الأخرى بإعطائها الجواب على ما سألتها إياه. الباب الذي كانت تقف على عتبته، مانعة بذلك فرار ابنتها قبل أن تعطيها جواباً، أوصدته بإحكام، وصوت أغلاقه لم يزد شكرى سوى فزعاً مما سيلقاه من قسمت. "ماما، هو تقصد إيه؟ " جملتها القصيرة المتلعثمة، لم تكن سوى وقوداً زاد من تأجج نيران الغضب بصدر قسمت. قبل أن تقترب منها، لتنتزع منها الحقيقة، ارتدت بخطواتها للخلف، تشعر بالخوف هي أيضاً.

ولكن قبل أن تفوه بكلمة، كان شكرى هو الأسبق بالقول: "هقولك يا قسمت على اللي حصل. هو الموضوع أني لما كنت عطشان وخرجت أشرب، سمعت صوت في أوضة حياء. فلما قربت سمعت صوت راجل معاها في الأوضة، ففتحت الباب أشوف في إيه، لقيتها... أحنى رأسه يدعي الحزن، يستجلب الدموع من عينيه الماكرة. فبدمعة واحدة فرت من إحدى عينيه، أسبغت عليه ملامح الأسى بمهارة وهو يكمل حديثه:

"لقيتها هي وخطيبها الدكتور نادر في السرير مع بعض، ولما جيت أتكلم وأمسكه، ضربني وهرب وهى كمان هربت وراه. فقولتلك أني وقعت من على السلم، مكنتش حابب أفضح سرها. إحنا برضه عندنا بنت وربنا أمر بالستر."

هبت عقدت ذراعيها، وتهدلت بجانبها وهي فاغرة فاها بدهشة؛ من إتقان والدها للكذب، وإلقاء التهم الباطلة حتى ينجو بنفسه. فهي تكاد تجزم أن ذلك الرجل ليس أباها، الذي كانت تظن أنها تعرفه حق المعرفة. فهو يخوض بعرض وشرف فتاة، من أجل أن لا تنكشف إساءته لها أمام زوجته. "بابا، أنت بتقول إيه؟ حياء مستحيل تعمل كده. أنت... " قبل أن تكمل عبارتها، كانت والدتها تسبقها القول، وهي تقول بثغر ملتوي بتأفف: "ومتعملش كده ليه؟

ميغركيش الشويتين اللي كانت بتعملهم دول. الله أعلم قاعدتها في بلاد برا عملت فيها إيه. ياما تحت السواهي دواهي." تنظر لأبيها وتعود لتنظر لأمها، فكيف عاشت بكنف اثنين مثلهما؟ فبتلك الآونة الأخيرة، انكشف الستار عن أنفس خبيثة، لا تهوى سوى الطمع بما يملكه الغير. وليس هذا حسب، بل والدها الفاضل لم يكتفِ بمحاولته القذرة من القضاء على عفة وطهارة ربيبة ذلك المنزل، بل وصمها بالعار والسلوك السيئ، وقذفها بالباطل.

فانكمشت على نفسها، تشعر بالاشمئزاز والنفور، كأن من تراه ليس سوى ذئب بثوب حمل وديع. ولا تنكر أنها صارت تخشاه، ولكن ليست خشية الخوف من إيذاءها وحسب، بل الخشية من أنه ربما تأتي نفسه الضعيفة والمنحلة بأن لا يفرق بين ابنته وغيرها، بتنفيذ رغباته الشيطانية. فمن تجرأ على التفكير بانتهاك حرمة جسد فتاة كانت تراه بمقام أبيها، لن يشكل لديه فرقاً إذا كانت فريسته القادمة فتاة غريبة أم ابنته التي تحمل دماءه.

فهي يجب عليها الخروج من ذلك المنزل بأقرب وقت تستطيع به فعل ذلك. فهي أخذت قرارها وعزمت على تنفيذه بشتى الوسائل الممكنة لها. فزوجها ومنزله أحق بها الآن، ولن تتراجع عن عزمها تلك المرة، مثلما فعلت بوقت سابق، ظناً منها أنها قادرة على إقناع والديها بالحسنى. فبهدمهما لمعتقدها الحسن بهما، جعلها غير آبهة بما سيحدث لاحقاً. فالأفضل لها الخروج من هذا المنزل، قبل أن تنقطع كل أواصر المحبة والود بينها وبينهما، التي بدأ أبوها بقطعها واحداً تلو الآخر بيديه الأثمتين.

*** باليوم التالي... بوقت الظهيرة، وأثناء شروعها بأخذ قيلولة قصيرة، صوت الجرس الملِح، جعلها تسرع بارتداء ثوب الصلاة، الذي لا يوجد غيره ساتراً لها الآن. فبعد نظرها بشق الباب، أسرعت بفتح الباب بلهفة لرؤية تلك القادمة. فبثوانٍ كانت حياء بين ذراعي صالحة، وهي مطبقة عليها بحنان وأعين دامعة من رؤيتها التي اشتاقتها.

بعد إلحاح قسمت لتركها المنزل، لم يكن بينهما سوى مكالمة عبر الهاتف. أطلقت حياء العنان لدموعها التي تساقطت فرحة بلقاء مربيتها الحنون، والتي لم تدعها تنغمس بغمرة سعادة اللقاء وحدها، بل شاركتها الدموع. وخاصة بعدما رأت ملامحها الشاحبة ووجهها الذي اختفت منه معالم الحياة، التي كانت تتمثل بوجنتيها المتوردتين، وعينيها الصافيتين، وشفتيها النضرتين. بل من تراها أمامها شبحاً لفتاة، تربت على يديها، وعاشت سنوات طوال كان الحزن لا يعرف لها سبيلاً.

"دادة وحشتيني قوي." قالتها حياء بصوت مكتوم وهي دافنة وجهها بصدر صالحة، تطوقها بذراعيها، كمن تتعلق بقشة وسط أمواج تتقاذفها بدون رحمة أو شفقة. فربتت صالحة على ظهرها وهي تقول بحب: "وأنتي كمان يا حبيبتي وحشتيني قوي. أنا مصدقتش أنك هنا لما مرات الشيخ قالتلي من شوية." أبتعدت حياء عنها ترمقها بهدوء: "هي اللي قالتلك أن أنا هنا؟

أومأت صالحة برأسها إيجاباً، فولجت للداخل وهي تضمها إليها، تغلق الباب خلفها. فجلست على الأريكة بالصالة تجلسها بجانبها. فهي تريد معرفة سبب مجيئها لهنا، ولما لم تهاتفها أو تعلمها بشأن مجيئها. فهي أيضاً تسكن بهذا الحي منذ زواجها. وبعد وفاة زوجها أسرع عرفان بتقديم يد العون والمساعدة لها، فأصرت هي على العمل لديه، بعدما توسمت به الطيبة هو وزوجته.

أخذت صالحة يد حياء بين كفيها، تحثها على إخبارها بما حدث لها منذ أن تركت المنزل. فتبسمت لها بتشجيع: "قوليلي يا حبيبتي إيه اللي حصل وأنك جيتي هنا ليه؟ في حد زعلك أو عملك حاجة؟

لم تحسن حياء كبح جماح دموعها، التي سرعان ما انهمرت غزيرة على وجنتيها. فشَب القلق بقلب صالحة، وخاصة عندما تصاعدت شهقاتها، كأنها تبكي بحسرة. فقبل أن تبدي قلقها على حالتها، كانت حياء بدأت تقص عليها ما حدث، من بداية علمها بأنها ليست ابنة عرفان، مروراً باكتشافها كذب نادر وهروبه، خاتمة حديثها بما كان ينتوي شكرى أن يفعله معها وقضاء ليلتها بين جدران قسم الشرطة، ومساعدة راسل لها حتى مجيئها لهنا.

بملامح متصنمة كانت صالحة ترمق حياء، لا تصدق ما سمعته منها. ولكن قبل أن تقول شيئاً، نظرت إليها حياء بتساؤل: "دادة، أنتي كنتي تعرفي أن أنا مش بنته؟ هزت صالحة رأسها نفياً وهي تجيبها: "أبداً والله يا حبيبتي ما أعرف. أنا أصلاً مش مصدقة اللي سمعته ده. معقولة كل ده حصل، وشكري كان عايز يعتدي عليكي؟ الله يلعنه طول عمري مبرتحلوش هو ولا مراته."

مع أخر كلمة قالتها، كانت تدنيها منها تحتضنها، محتوية إياها بين ذراعيها، ووضعت قبلة على رأسها شفقة ومواساة لها على ما لقيته بالأونة الأخيرة. فشعرت حياء بالراحة، من كون صالحة مازالت تعاملها بالود والمحبة، حتى بعدما علمت حقيقتها. ف اثنتان فقط هما من ظلتا يتعاملان معها كالسابق وهما هبة وصالحة. اتسعت عينيها قليلاً، بعدما تبادر لذهنها من أن صالحة تستطيع مساعدتها بجلب أشياءها وثيابها من المنزل. فأبتعدت

عنها ونظرت لها بإستجداء: "دادة، ممكن أطلب منك طلب؟ ربتت صالحة على يدها وهي تقول: "عيوني يا حبيبتي. قولي عايزة إيه." "عايزاكي تروحي البيت وتقولي لهبة تلم لي هدومي وتليفوني وحاجتي وأوراق تخرجي وكمان في اللبس اللي جبته من الملجأ، أنا حطاه هناك وعايزاه. وهقولك حطاه فين. أنتي عارفة أوضتي كويس."

ختمت حياء حديثها، في انتظار سماع رد صالحة. فلو أبدت رفضها من أجل أن لا ترى قسمت، فهي لن تلومها. ولكنها وجدت صالحة تهب واقفة من مكانها، ففكرت هل بذلك تبدي رفضها أم ماذا؟ ولكنها سمعتها تقول: "بس كده، من عينيا الاتنين. هروح ليها حالا يا حبيبتي وهجبهملك، مش هتأخر."

خرجت صالحة من الشقة. فوضعت حياء رأسها بين يديها، وهي تدعو الله أن تسير الأمور بخير، داعية الله أن تستطيع صالحة جلب ثيابها، فهي لا يعنيها شيء سوى ثياب ذكريات طفولتها. فلو لم تنجح بجلب أي شيء آخر سواها، فستعمل على شراء ثياب جديدة من النقود التي عثرت عليها.

قطعت عربة الأجرة المسافة الفاصلة بين ذلك الحي وذلك المنزل الفخم في غضون نصف ساعة تقريباً. فترجلت صالحة منها بعدما صاح السائق بصوته الصادح، بأنهما وصلا لوجهتها التي تريدها. غادرت العربة، فتقدمت صالحة من البوابة الحديدية، يتأكلها الخوف من إخفاقها في تنفيذ ما طلبته حياء منها. فصياح الحارس بسعادة لرؤيتها جعلها تطمئن قليلاً: "صالحة يا ألف مرحب. عاملة إيه؟ تبسمت له صالحة:

"الحمد لله. تسلم يا رب. بقولك إيه، هي الست قسمت جوا هي وجوزها؟ "لأ، الست قسمت وشكري بيه خرجوا من ساعة كده. ليه، عايزها ترجعك الشغل هنا تاني؟ " قالها الحارس بفضول، لمعرفة سبب مجيئها وسؤالها عن قسمت.

زادت سعادتها بعلمها عدم وجود أحد منهما بالمنزل. فأرادته أن يخبر هبة بأنها تريد مقابلتها على وجه السرعة. فبعد دقائق معدودة، كانت صالحة تخبر هبة بما تريد، بعدما ألحت عليها هبة بمعرفة مكان تواجد حياء الآن. فأخذتها هبة وذهبتا لتلك الغرفة التي كانت تقطنها حياء بالمنزل.

"شوفي حياء محتاجة إيه وخديه، وأنا هساعدك." قالتها هبة وهي تتقدم صالحة لغرفة الثياب. فالحقائب الخاصة بالسفر، كانت موضوعة بأحد أركان الغرفة. فأخذتا أكبر حقيبتين منهم، وبدأت كل منهما بترتيب الثياب بداخلها. فتحت صالحة ذلك الجارور الذي أخبرتها حياء بوجود ثياب طفولتها به، فحملتها تضعها بالحقيبة، وبحثت عن هاتفها وأوراقها الخاصة، وأخذت كل ما رأت أن حياء بحاجة إليه. نظرت صالحة للحقيبتين الكبيرتين والثقيلتين:

"تقريباً كده خدت كل حاجة هي محتاجاها. تسلمي يا ست هبة." تبسمت لها هبة ولا تنكر أسفها أيضاً على حالها: "ابقى سلميلي عليها. وكويس أني أطمنت أنها بخير. وإن شاء الله أبقى أجي أزورها من غير ما حد يعرف. ويلا، قبل ما ماما ولا بابا يرجعوا من بره." سحبت كل منهما حقيبة، تجرها خلفها تشعر بثقلها، حتى وصلتا للبوابة الخارجية. فساعدتها هبة في إيقاف سيارة أجرة، وهي تبتهل من داخلها أن لا يأتي أحد من والديها الآن.

تهللت أسارير هبة وهي ترى سيارة تقف بالقرب منهما. فترجل السائق، وحمل الحقائب يضعها بالسيارة. وبعد إعراب صالحة لشكرها لمساعدتها، انطلق السائق بسيارته مغادراً. فعادت هبة أدراجها للداخل، وهي تتهيأ هي الأخرى لأخذ تلك الخطوة المصيرية. فهي بطور الاستعداد لمغادرة ذلك المنزل، بعدما أخبرت وحيد ابنتيها بترك المنزل والذهاب إليه. فهي كانت على وشك المغادرة هي الأخرى قبل مجيء صالحة، فحقيبتها تنتظرها لإنهاء لملمة أغراضها.

بصوتها المتلهف كانت صالحة تخبر السائق بالوقوف، بذلك المكان الذي أشارت إليه. فترجلت من السيارة وأنحنت تنظر للسائق بابتسامة: "بقولك إيه يا أسطى، ساعدني بس أطلع الشنط دي الدور الثاني وهديك الأجرة اللي أنت عايزها." أومأ السائق وهو يفتح باب السيارة: "من عينيا يا ست الكل."

بمساعدة السائق كانت الحقيبتان متجاورتان أمام باب الشقة. ففتحت صالحة جزدانها الجلدى، وأخرجت منه نقوداً وضعتها بيد السائق مع ترديدها عبارات الشكر والامتنان. فبعد إطمئنانها لذهابه، ضغطت زر الجرس، ففتحت حياء الباب. فتبسمت صالحة وهي تشير للحقائب قائلة بتفكه: "جبتلك الأوضة بتاعتك كلها في الشنطتين دول." انفرجت شفتيها بابتسامة على مزحة صالحة، فساعدتها بإدخال الحقائب لغرفة النوم. فنفضت حياء ذراعيها بألم:

"الشنط تقيلة قوي. أنت شكلك يا دادة جبتي الأوضة بحيطانها كمان في الشنطة." تلك هي المرة الأولى التي ترتسم الضحكة على ملامحها. فأقتربت من صالحة طابعة قبلة على وجنتها، وبدأت بإفراغ الحقائب وترتيب الثياب، تساعدها صالحة وهما يثرثران بمرح، تحاول كل منهما الترويح عن الأخرى. ***

سكب من زجاجة الخمر، الموجودة على الطاولة بجوار مقعده، حتى امتلأ الكأس بيده. فهو لا يكتفي بسكب القليل، بل دائماً ما يحرص على امتلاء كأسه، حتى يتجرعه ببطء. ويداه تلتمس الملمس الحريري، لذلك الثوب الأنثوي، الموضوع على ساقيه. فيد تتلمس الثوب، واليد الأخرى بها كأس الخمر، وعيناه مسلطة على الصورة العريضة المعلقة على الجدار بتلك الغرفة. فهي مخصصة فقط من أجل استرخاءه، وجلوسه لاستعادة ومضات ولمحات من ماضٍ، لا يعلم مر عليه كم من الأعوام.

هامت عيناه بتلك العينان الساحرة، التي يكاد يشعر بأن الصورة ستدب الروح بها يوماً ما، وتجلس بجواره، مثلما كان معتاد هو الجلوس قريباً منها، ملبياً لمطالبها، سعيداً بتلك الابتسامة التي تهديها له بإمتنان، على ما فعله من أجلها. لم يخرج من تأمله بالصورة، إلا على صوت دقات الباب المتتالية. فخرج صوته حاداً بإستياء من قطع خلوته: "عايزين إيه يا بهايم؟ مش قلت محدش يخبط عليا ولا يزعجني."

"فواز بيه، في حاجة ضرورية حصلت وعايز أبلغ سعادتك بيها." قالها أحد رجاله المقربين، من خلف الباب الموصد بإحكام. فترك فواز مقعده، وأقترب من الباب، وأدار مقبضه. فتطلع ملياً بالرجل وجفناه حمراوين، كأنه خرج للتو من عراك أو ما شابه. فشعره الذي تخللته الخصلات البيضاء بكثرة مبعثراً بفوضوية، هيئته الغير مهندمة، لا تمت بصلة لذلك الرجل ذائع الصيت بسوق الأعمال، منذ سنوات ليست بالقليلة. "عايز إيه وحاجة إيه دي اللي ضروري أعرفها؟

" قالها فواز وهو يعود لمجلسه ثانية، بينما أتبع الرجل أثره، حتى وقف بجواره يضم يديه بإحترام. فابتلع ريقه أولاً، حتى يتسنى له أن يصيغ ذلك الخبر القادم لإخباره به، ولعمله أيضاً أن ستثور ثائرته بعد سماعه. بلل الرجل شفتيه قائلاً بصوت مرتجف: "هي الحقيقة يا فواز بيه، مجموعة الفنادق اللي كنا هنشتريها صاحبها باعها لناس تانيين ومقبلش العرض بتاعنا." "بتقول إااايه؟

" تلك الصيحة العالية من فمه، الذي تطاير منه رزاز الخمر الذي كان يحتسيه بوجه الرجل، جعل الخوف يزداد أكثر بقلبه، خشية إقدامه مثلاً على قذفه بزجاجة الخمر، أو أن يهشم وجهه بلكمة من يده. فهو حتى إن تجاوز الثانية والخمسون من عمره وزيادة، فهو مازال يتمتع ببنية جسدية قوية، يرجع أثرها لعمله كحارس شخصي بشبابه. فلم يكتفِ فواز بذلك، بل قبض على تلابيب ثيابه، وفح بوجهه معقباً: "وإزاي ده يحصل ها؟ وإزاي يرجع في كلامه معايا أنا؟

هوريه شغله، بس مين ده اللي اشترى الفنادق؟ "اللي عرفته أنه باعها لناس كانت عايشة في اليونان، بس الست اللي اشترتهم اسمها غزل عمران الزناتي." قالها الرجل بسرعة، لعله يفلته من يده، التي كاد يشعر بها على وشك زهق أنفاسه وهو قابضاً على ياقة قيصه أسفل عنقه.

بسماع ذلك الاسم، الذي أخبره به الرجل، تشنجت أطرافه، ويده التي كانت متحجرة، أرخت فجأة، بل شعر بأن عظامه ذابت، تحت وطأة التقاط أذنيه للاسم. فلا بد له من أنه يتخيل سماع اسمها، أو ربما اليوم أفرط بشرب الخمر، وكل ما يحدث ناتج عن حالة من السُكر، التي اعتادها من كثرة احتساءه الخمور. "غزل... " نطق اسمها بضعف اجتاح حواسه، فأسرع بالجلوس على مقعده، حتى لا يترنح بوقفته، من مداهمة الارتخاء لأعضائه.

قطب الرجل حاجبيه، من تلك الحالة التي رآه بها. فهو يعمل بخدمته، منذ ما يقرب العشر سنوات، لم يراه مرة هكذا، بل دائماً أمراً متجبراً برجاله. فلا بد أن بالأمر شيء يجهله. فهو حتى لم يكمل ثورته عليه، وكأن لفظه بإسم تلك المرأة، كان مفتاح النجاة له من بطشه. بعدما رأى أنه الآن بطور قبول سماع اسمها ثانية، ومن فم أحد آخر، تطلع بوجهه للرجل قائلاً بلهفة لم تخلو من الحدة: "وهي فين؟ عايشة فين دلوقتي؟

أنطق. في القصر بتاع أبوها ولا فين؟ رد." انتفض الرجل من حدته بسؤاله، فأسرع بإجابته: "هجيبلك قرارها يا فواز بيه. حاضر." استقام فواز بوقفته، وألتفت حوله يميناً ويساراً، كأنه يبحث عن شيء مفقود. فهتف بالرجل بما يشبه التحذير: "خلاص، أنت ملكش دعوة بالموضوع ده. أنا اللي هعرف كل حاجة بنفسي. يلا غور من وشي."

لم ينتظر الرجل سماعها منه ثانية، فبلمح البصر كان تاركاً الغرفة وصاحبها. فأسرع فواز بالذهاب لغرفته، ومنها للمرحاض، فهو يريد أن يستعيد وعيه كاملاً. فأسرع بفتح الماء، الذي تدفق على رأسه بقوة، وهو يلتقط أنفاسه، كأنه غريق. فبعد أن رأى أن عقله عاد لثباته ثانية، أغلق الماء، وخرج من المرحاض، ووقف بغرفة الثياب، ينتقي منها أفضل ما يمكن ارتداءه من أجل مقابلتها. فهو سيذهب للقصر، وإن لم يجدها، سيبحث عنها بكل مكان. فهو جاب الأرض بحثاً عنها بعد اختفاءها، ولكنه لم يعثر لها على أثر.

تلك المرة لم يشأ أن يقود السائق سيارته، بل إنه لم ينتظر مجيئه من تلك الغرفة التي يسكنها بحديقة المنزل، بل أسرع هو بقيادة السيارة، فكانت تنهب الأرض نهباً حتى يصل لوجهته. أمام البوابة الكبيرة بذلك القصر، الذي كان تعود ملكيته، لأحد كبار رجال الأعمال بالإسكندرية ويدعى "عمران الزناتي". أوقف محرك السيارة، وفتح الباب بجانبه، وترجل منها مسرعاً، خاصة بعد رؤيته لتلك الأضواء المتلألئة بحديقة المنزل.

بعد علمه بأن ورثة ذلك القصر، عادوا حقاً للإسكندرية، طلب من الحارس مقابلة سيدة القصر. فلم يكلفه الحارس عناء الوقوف كثيراً، فدعاه للدخول، واستقبلته الخادمة، التي ساعدته بالوصول لغرفة الصالون، وهي متعجبة قليلاً من أنه يعلم أين هي تريد إيصاله، فهو يعلم كل ركن بذلك القصر. جلس يفرك يديه بتوتر، ولكن لم تدوم راحته بمجلسه كثيراً، فترك المقعد، كأنه جالساً على جمر محترق، لا يطيق صبراً لرؤياها.

صوت حذائها الرنان، وصل لأذنيه قبل أن يستدير برأسه ويراها قادمة. فتوقفت هي على بعد عدة خطوات منه، تتفرس بوجهه بهدوء، كأنها تحاول الربط بين ذلك الرجل الذي تراه أمامها، وبين ذلك الشاب الذي كان يعمل بخدمة والده. مسحت عيناه كل عين بها، كأن الزمن لم يستطيع المساس بجمالها، كأنه تركها تلك الصبية الحسناء، الذي وقع هو صريعاً لحسنها. ولم يكن هو بمفرده، بل تبعه الكثيرون. فضيقت ما بين عينيها، كأنها تحاول تذكره، فهتفت

به قائلة بصوت ساحر خلاب: "معقولة أنت فواز؟ "أيوه أنا يا ست البنات وقمر عيلة الزناتي." قالها فواز بصوت متهدج، فدائماً ما كان يناديها هكذا. فتبسمت هي على قوله وقالت: "أنت لسه برضه يا فواز بتقولي يا ست البنات؟ أنا خلاص كبرت." انفرجت شفتيه باسمة وهو يقول: "هتفضلي طول عمرك ست البنات وبنت سيدي. أنا مصدقتش أنك رجعتي إسكندرية تاني. أنا كأني بحلم. دا أنا قعدت أدور عليكي من ساعة الحادثة...

لم يكمل عبارته، وهو يراها تسقط جالسة بالمقعد خلفها، بعد إتيانه على ذكر ما حدث. فما كان منه سوى إبداء الأسف والندم على قوله. فتراجعها بأن تمنحه السماح على ما قاله: "سامحيني يا ست البنات، مش قصدي أفكرك بحاجة." حكت غزل جبهتها، كأنها أصيبت بالصداع فجأة. فصوت قصف الأسلحة النارية، مازال يتردد صداه بأذنيها، علاوة على صوت الصرخات والعويل، وتذكرها بركة الدماء. فكلمة واحدة أعادت كل شيء حياً أمام عينيها.

حاولت الابتسام بعد ذلك العبوس الذي حل على وجهها وقالت: "بس هو أنت عرفت أن أنا رجعت إزاي يا فواز؟ ولا أقولك فواز بيه؟ الظاهر كده أنك دلوقتي بقيت رجل أعمال مشهور." جلس على حافة مقعد قريب من مقعدها، يكاد يجثو على ركبتيه بجانب مقعدها، فهو لا يصدق أنه يراها أمامه، جميلة أنيقة، سليلة واحدة من أكبر عائلات المجتمع السكندري. فخرج صوته قائلاً بحنين: "لأ، أنا فواز وبس. فواز خدام تراب رجليكي يا ست البنات."

انتفضت غزل بعد تفوهه بعبارته، فحاولت تغيير دفة ذلك الحديث، الذي ما أن يبدأ به لن ينتهي، وهي لا تريد ذلك بوقتها الحالي. فابتلعت ريقها قدر ما أمكنها، فقالت بابتسامة حاولت الحفاظ عليها: "الزمن بقى غير الزمن يا فواز، وأنت أكيد دلوقتي مبقتش زي زمان. فخلينا ننسى الماضي ونبقى مجرد اثنين كانوا يعرفوا بعض في فترة من حياتهم، وتعاملنا يبقى على أساس وقتنا الحالي وبس. وصدقني أنا مبسوطة أني شوفتك."

كأن بتلك الكلمة أحييت كل ما دُفن تحت ثرى الماضي. فترك مكانه هو الآخر مبتسماً لها: "مش قد سعادتي أني شوفت يا ست البنات. بس هم فين ولادك؟ أخوكي مراد الله يرحمه، فين معتصم وعمران؟ ضمت غزل ذراعيها وقالت: "معتصم لسه خارج قبل ما أنت تيجي، وعمران لسه في اليونان ومرجعش كام يوم كده وهييجي إن شاء الله." وضع فواز يديه بجيبه قائلاً:

"لسه عمران بيحب اللعب بالمسدسات. لسه فاكر لما عمران باشا الكبير كان يزعقلي أني بعلمه ضرب النار، ومرة كان هيضرب عاصم النعماني بالغلط." تتابعت أنفاسها، تعلو بصدرها، كأن الهواء يستل من رئتيها رويداً رويداً. فلما هو على إصرار تام، بتذكيرها بما حدث ماضياً. علم هو من ملامح وجهها المحتقنة بالدماء، أنه أخطأ ثانية، ولكن تلك المرة كان الخطأ فادحاً بذكر اسم "عاصم النعماني". فحاول أن يبدي أسفه، فطفق يردد عبارات الأسف الشديد:

"أنا أسف والله يا ست البنات، سامحيني. غلطت مرة تانية، أنا أسف والله ما قصدت." رفعت يدها تشير له، بأن يكف عن ترديد عبارات الأسف، فليس الخطأ خطأه، فلابد أن تثار ذكرياتها سواء بقصد منه، أو بدون قصد. وكيف لا؟

فهو من قضى سنوات يعمل حارساً لدى والدها، وهو من حاول حمايتها بيوم الفاجعة، التي حلت على ذلك القصر. فربما لولاه لكانت التحقت بمن قتلوا هي وأبناء شقيقها، اللذان استماتت للحفاظ عليهما، من قصف الأسلحة النارية، واستطاعت الهرب بهما خارج البلاد. ***

جالسة منذ أكثر من نصف ساعة، تحاول فهم ما اعتراه اليوم من شرود وتيه، لم يحسن إخفاءه عنها، خاصة وهو جالس على مقعده خلف مكتبه، يستند برأسه على حافة المقعد، يحلق في تلك الصورة المعلقة على الجدار، وعيناه متسعة قليلاً. استطاعت هي رؤية حركة بؤبؤ سوداوين بوضوح، كمن يحدث نفسه بشيء، لا يريد منها سماعه. فتركت مقعدها وجلست على حافة المكتب، مثلما اعتادت أن تفعل، عندما تريد منه شيئاً، ولكن تلك المرة وضعت يدها على

كتفه ووكزته بلطف وهي تقول: "مالك يا راسل؟ في إيه؟ كأنه انتبه على جلوسها أمامه، فمسح وجهه بكفيه مغمغماً: "مفيش يا حبيبتي. بقولك إيه، يلا روحي دلوقتي علشان أنا كمان هروح. حاسس أني تعبان." عقدت ميس حاجبيها، وهي تنظر لساعة معصمها الثمينة، فهتفت بغرابة: "نروح دلوقتي؟ دا لسه الساعة ٤. ثم مش في عملية المفروض هنعملها الساعة خمسة ونص؟

"دي عملية بسيطة. هخلي أي دكتور جراح هنا يعملها، لأن بجد مش قادر أقعد ولا مركز، ومينفعش أدخل أوضة العمليات وأنا مش في كامل وعيي." قال راسل عبارته وهو يهم بترك مقعده، وخلع عنه رداءه الطبي الأبيض ملقياً به على مقعده.

مازالت ميس جالسة على طرف المكتب، وهي متعجبة من صنيعه اليوم. ولم تترك مكانها إلا بعدما جذبها من يدها، يحثها على إطاعة أمره. فما كان منها سوى أن أومأت برأسها إيجاباً، وخلعت عنها هي الأخرى رداءها الطبي، لينكشف ثوبها المحتشم، الذي ارتدته إرضاء له. حطت ميس بيدها على كتفه فابتسمت وهي تقول: "طب أنا همشي. سلام."

خرجت من غرفة المكتب، وبعد أن استعد للذهاب، وقبل أن يغلق باب غرفة مكتبه، وجد ولاء آتية عبر الرواق تقترب بخطوات مهرولة، ووجهها شاحباً، فخشي أن يكون حدث لها شيء. فقبل أن تخبره بسبب مجيئها، أسرع هو القول: "ولاء، مالك؟ في إيه؟ حصل حاجة؟ وضعت ولاء يدها على صدرها، تلتقط أنفاسها، فأجابته مسرعة: "أبيه، عايز أتكلم معاك في موضوع ضروري." "ادخلي يا ولاء." نطق بها راسل، وهو يشير لولاء بأن تسبقه لغرفة المكتب.

جلست ولاء وهي تفرك يدها بتوتر، خشية من قولها الذي ستقوله الآن، وربما ستثار ثائرته، ولكن لا تملك حلاً آخر. فجلس راسل على المقعد المقابل لها يحثها على الكلام: "في إيه يا ولاء؟ قولي قلقتيني." "أنا كنت جاية أكلمك بخصوص العريس اللي بابا عايزني أتجوزه." قالتها ولاء بصوت متحشرج. فإن استطاعت إرجاء الأمر بضعة أيام، فلن تستطيع فعل ذلك ثانية. ضرب راسل جبهته بأسف: "يا خبر! دا أنا نسيت خالص."

صار وجه ولاء أكثر شحوباً، فقبل أن تنهمر دموعها، بادر هو بإبداء أسفه، فما حدث له، جعله لا يتذكر شيئاً، سوى حياء وما حدث لها وما علمه عنها. فخرج صوته هادئاً: "ولاء، بجد مكنش قصدي أنسى. بس حصل ظروف وحاجات خلتني أنسى. بس متقلقيش، هروح لباباكي النهاردة وأتفاهم معاه." زفرت ولاء من أنفها، وهي تحاول منع دموعها من التساقط: "لو روحتله مش هيسمعلك يا أبيه. هيمشي اللي في دماغه." زادت قسمات وجه راسل وحشية وهو يقول بحدة:

"وأنا مش هسمحله بده أبداً، ولا أسيبك تتعسي نفسك." ضمت ولاء شفتيها، سرعان ما أفرجت عنهما وهي تزدرد لعابها قائلة بتوجس: "هو حالياً في حل. وفي واحد يقدر بكلمة واحدة يوقف الجوازة دي، وأنت اللي تقدر تكلمه." رمقها راسل قائلاً باهتمام: "مين ده؟ لو فعلاً الشخص ده هيقدر يساعدنا، هكلمه فوراً." أخذت ولاء نفساً عميقاً وهي تقول بحذر: "الوحيد اللي يقدر يعمل كده هو رياض النعماني. لو طلبت منه...

عيناه المفتوحة على اتساعها، جعل الخوف يسكنها، فربما سينسى من تكون وتجده يصفعها الآن. فكيف لها بالإتيان على ذكر رياض النعماني، وهي تعلم مدى العداء بينهما، أو بالأصح بينه وبين عائلة النعماني برمتها. ولكن خوفها هو ما جعلها تلجأ لهذا الحل. رمش راسل بعينيه أكثر من مرة، قبل أن يقول: "أنتي قلتي مين يا ولاء؟ أنتي بتهزري صح؟ جف حلقها فحاولت أن تبحث عن كلمات، تحسن بها مطلبها شديد الغرابة:

"مم ماهو يا أبيه، أنت عارف أن له كلمة مسموعة على الكبير والصغير في إسكندرية، ولو هو بس قال لعريس الغفلة ده يبعد عني، مش هيقدر يخالف أوامره." "دا على أساس أنك مش عارفة اللي بيني وبينه، مش كده؟ " قالها راسل بصوت شابته حدة خفيفة، جعلت ولاء تنكمش بمقعدها، وعيناها امتلأت بدموع، ستنهمر على وجنتيها، بين فينة وأخرى. أغلق عينيه مأنباً لذاته، فعاد معقباً: "ولاء، مش قصدي أزعلك. أنتي عارفة غلاوتك عندي، بس الطلب ده صعب قوي."

أومأت ولاء برأسها مراراً وهى تقول: "عارفة يا أبيه، بس ملقتش حل تاني قدامي غيره. وكمان خوفت عليك لتحصل خناقة بينك وبين بابا وتتأذى بسببى، علشان كده كنت عايزة أحل الموضوع من غير مشاكل. بس لو أنت مش موافق خلاص، أعتبر مقولتش حاجة، وهتصرف أنا مع العريس ده."

لم تنتظر ثانية أخرى، بل تركت مقعدها وخرجت من الغرفة، تسرع الخطى. فوضع رأسه بين يديه، يكاد الصداع يفتك بها. فمطلب ولاء منه، كان الأكثر غرابة، بل أكثر الأمور التي جعلت من إحياء ذلك الكره الدفين بين طيات قلبه، أمراً حتمياً. فكيف له بالذهاب لذلك الرجل، ليستجديه من أجل أي أمر كان. فسنوات طوال حاول ترويض ذاته، على ألا يجعل من أي شيء يعرقل حياته، يكون حله بيد رياض النعماني. ولكن ذلك المطلب غير قابل للتفاوض. ***

بعد مرور أسبوع. انبلج صباح يوم جديد، كانت تقف أمام المرآة تضبط حجابها، بعدما انتهت من ارتداء ثيابها. سمعت صوت صالحة تناديها من خارج الغرفة، فأسرعت بأخذ حقيبة كتفها، وحقيبة أخرى وضعت بها معطف راسل، بعدما حرصت على تنظيفه قبل أن تعيده إليه. ولم تنسى أيضاً أخذ ذلك الملف الشخصي المرفق به أوراق تخرجها وكل ما يلزمها من أجل التقدم لتلك الوظيفة، حتى تستطيع أن تعيل نفسها. فخرجت من الغرفة، وتبسمت لها صالحة تشير بيدها

للمائدة وهي تقول بحنان: "يلا يا حبيبتي علشان تفطري قبل ما تنزلي." جلست حياء على أحد المقاعد وهي تقول: "معقولة هاكل الأكل ده كله يا دادة؟ "بألف هنا وشفا." قالتها صالحة وذهبت للمطبخ لجلب قدح القهوة، الذي تحب حياء دائماً احتساءه بصباحها الباكر. فوضعت القدح أمامها، فشدت حياء على يدها لتجلسها: "اقعدي بقى يا دادة علشان تاكلي معايا."

جلست صالحة على مقعد آخر، فهي لم تتركها لحظة واحدة، بل فضلت المكوث معها بالشقة، على ألا تدعها بمفردها. فهي تعلم مدى هشاشتها، فهي لم يتبق لها أحد سوى الله ثم هي. فهي مازالت تراها تلك الفتاة سليلة الأثرياء، حتى وإن كانت الحقائق غير ذلك. فبعد أن انتهت حياء من طعامها نهضت عن مقعدها، وأخرجت من حقيبتها عدة أوراق نقدية ووضعتها أمام صالحة وهي تقول باسمة:

"الفلوس دي يا دادة علشان لو احتاجتي أي حاجة وأنا مش موجودة. وأدعيلى ربنا يوفقني." في بادئ الأمر، رفضت صالحة أخذ النقود، ولكن بإلحاحها أخذتها منها، وطفقت تدعو الله، بأن ييسر لها أمورها. فهي لم تشأ الانغماس بحزنها أكثر من ذلك، مفضلة بذلك أن تبحث عن عمل، لعلها تنسى ما حدث لها من خيبات وجراح.

خرجت حياء من المنزل وأشارت لعربة أجرة، واتخذت مقعدها بالخلف، تخبر السائق بذلك العنوان لتلك الشركة التي عثرت عليها أثناء بحثها عن وظائف خالية. داعية الله أن لا يكون الإعلان واهياً أو أن الشركة مختصة بأعمال النصب والاحتيال. فظلت طوال الطريق، تفرك يدها بتوتر وقلق، وتزدرد لعابها من وقت لآخر. فلم تنتبه لطول المسافة التي قطعتها السيارة، إلا بعد أن أخبرها السائق بوصولهم.

ناولته النقود وخرجت من السيارة، وقفت أمام ذلك الصرح العملاق الخاص بتلك الشركة المختصة ببيع المنتجات الغذائية، ولجت للداخل بعد سؤالها لعاملة الاستقبال عن ذلك الطابق المفترض بها الذهاب إليه من أجل تلك الوظيفة المعلن عنها. جلست حياء بجانب العديد من الفتيات، اللواتي يرغبن مثلها في الحصول على تلك الوظيفة. استمرت مقابلة المدير للفتيات حتى جاء دورها، فولجت للغرفة تمشي باستحياء مطرقة برأسها أرضاً. لم ترفع رأسها إلا بعد سماع

ذلك الصوت القائل بدهشة: "آنسة حياء؟ رفعت حياء رأسها، وامتقع لونها بعدما رأت بلال ابن إمام المسجد، جالساً خلف المكتب بحلة زرقاء أنيقة، تحمل شعاراً للشركة. ماتلك الصدفة التي لم تضعها ببالها، بأن تراه هنا وليس هذا فحسب، بل هو الذي سيجري معها تلك المقابلة. "أستاذ بلال." قالتها حياء وهي تضم ملف الأوراق لصدرها، وتشد بيدها الأخرى على الحقيبة الموضوع بها معطف راسل. ترك بلال مقعده قائلاً بابتسامة عريضة:

"أهلاً وسهلاً. اتفضلي، بس غريبة أن أشوفك هنا. أنتي جاية هنا ليه؟ أجابته حياء بتساؤل: "هي الشركة دي بتاعتك؟ قهقه بلال بصوت مسموع وهو يقول: "معقول يعني أكون صاحب شركة كبيرة زي دي؟ لأ، أنا بس مدير قسم المبيعات في الشركة. بس مقلتليش سبب وجودك هنا." تسلحت حياء بشجاعة واهية وهي تقول بثقة مهزوزة: "جاية أقدم على الوظيفة اللي الشركة أعلنت عنها وطالبين خريجة إدارة أعمال." قطب بلال حاجبيه قائلاً بغرابة:

"معقولة تقدمي على الوظيفة البسيطة دي؟ وباباكي الله يرحمه كان غني وبإمكانك تديري أعماله." ماذا تفعل أو تقول هي الآن؟ فأغمضت عينيها بشيء من الإرهاق ولم تجد سوى تلك الكلمات تقولها: "عمتو قسمت أخدت الورث كله، وياريت متسألنيش ليه. فلو بالإمكان أقدم للوظيفة تمام، مفيش إمكانية ممكن أمشي."

تشكلت أمامه لغز مستعصي الحل، ولكن لم يريد لها مزيد من الحرج، فعاد وجلس على مقعده يشير لها بالجلوس، فناولته ملف أوراقها، فطالعه بلال بإعجاب من حصولها على شهادة التخرج من إحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية. أغلق بلال الملف أمامه وهو يقول بصوت جاد: "تمام يا آنسة حياء. بإمكانك تبدأي الشغل، بس دلوقتي هتقابلي عاصم بيه النعماني صاحب الشركة، لأن انتي هتكوني المساعدة الشخصية ليه." تبسمت حياء بهدوء وهي تقول:

"متشكرة جداً يا أستاذ بلال." سارت خلف بلال بعدما ترك مكانه، يسبقها بالخروج من غرفة مكتبه، فسارا عبر رواق طويل، حتى وصلا أمام باب إحدى الغرف، استطاعت حياء التعرف عليها، بأنها تخص مالك الشركة. طرق بلال الباب بهدوء، ثم دلف داعياً حياء للدخول. تحركت قدماها بآلية، فهي يجب عليها تقبل الأمر، بأنها ستعمل لدى أحد آخر، غير ذلك الحلم الذي رسمته سابقاً، بأنها هي من كانت ستدير أعمال عرفان.

رفع عاصم رأسه، فألتقت عيناه بتلك الفتاة، التي تسير خلف بلال، كأنها ضلت طريقها، تتلفت حولها، كأنها تبحث عن وجهتها. فأسرع بلال بتقديمها إليه قائلاً بإبتسامة وهو يشير إليها بعدما وضع الملف الخاص بها أمام عاصم: "دي الآنسة حياء يا عاصم بيه. هتبقى المساعدة الجديدة لحضرتك، ومعاها شهادات من أحسن جامعة في أمريكا، يعني مطابقة كل الشروط اللي حضرتك عايزها."

استمعت حياء لمديح بلال، فرأت عاصم يدعوها للجلوس، بعدما أمر بلال بالانصراف، بعدما أدى مهمته بتوظيفها وجلبها له. خرج بلال من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، فصدى صوت إغلاق الباب جعلها ترتعد بخفة، وهي تجلس متململة بمقعدها. تبسم عاصم على ما تفعله، فوضع القلم من يده، وأرتكز بمرفقيه على حافة المكتب قائلاً: "مالك قاعدة خايفة ليه كده؟ هي دي أول مرة تشتغلي فيها؟

هزت رأسها عدة مرات، فبدون وعي منها، ضمت الحقيبة التي تحمل بداخلها معطف راسل، كأنها بذلك ستخفف من وطأة خوفها وخجلها. فتح عاصم الملف أمامه، وجال ببصره بأوراقها، فلم يخفى دهشته عندما علم اسمُها المدرج بالأوراق أمامه. فسألها بغرابة: "معقولة أنتي بنت عرفان الطيب الله يرحمه؟ أنا كنت أعرف باباكي، بس إزاي جاية تشتغلي هنا؟ فلو بيدها كانت لطمت خديها الآن، فإلى متى سيظل كل من يقابلها يطرح عليها هذا السؤال؟

ولكنها لم تجد إجابة سوى تلك التي تجيدها، وهي أن شقيقة والدها انتزعت منها أرثها، وأنها أصبحت وحيدة، ولا طاقة لها على مجابهة أحد بعد موت والديها. أومأ عاصم برأسه تفهماً لقولها، فتبسم لها وهو يقول: "اممم فهمتك تمام. مفيش مشكلة أنك تبقي المساعدة بتاعتي، بس بحب كل اللي شغالين معايا دماغهم شغالة، ومبحبش الكسل ولا الغباء يا حياء، ولازم تبقي لماحة ومفهوم." "مفهوم يا أفندم." نطقت بها حياء بصوت يكاد يسمع.

فأشار إليها بالانصراف، على أن تأتي بالغد لبدء العمل، فأنصرفت حياء وهي تحاول التقاط أنفاسها، التي كانت تحبسها من وقت لآخر من كثرة خوفها. فتبعتها عيناه بتقييم حاد، وهي تسير متجهة صوب باب الغرفة. فلم تنم ملامحه عن شيء، لكنه لم يمنع شفتيه من الابتسام لها، وهي تغلق الباب بعد خروجها.

خرجت حياء من الشركة، ولا تعلم هل أراد بلال توظيفيها من أجل مؤهلاتها الدراسية، أم من أجل أنه يعرف من تكون. ولكنها تعلم أن بقبولها تلك الوظيفة، ستثار الأقاويل والتساؤلات حولها، فهو لن يستطيع كتمان الأمر عن والديه. فزفرت بخفوت، فأمرها لن يظل طي الكتمان للأبد.

تذكرت معطف راسل، فانطلقت سيارة الأجرة التي أشارت إليها، متجهة صوب ذلك المشفى الذي يملكه. بسؤالها إحدى الممرضات عن مكان تواجده، علمت أنه بغرفة مكتبه، فدقت الباب بتهذيب، وسمعت صوته القوي يأمر الطارق بالدخول.

رآها تقف على عتبة الباب، فظل الجو بينهما مشحوناً بالصمت، حتى أسرع هو بالإشارة لها بالدخول، فدلفت حياء ودماءها تسير بأوردتها تحمل خجلاً، لم تعتاد أن يزورها وهي برفقته. فمقابلتهما السالفة، كان المتحكم بها ألسنة سليطة، ودماء نافرة تحمل كرهاً وبغضاء. أقتربت من المكتب، ومدت يدها له بالحقيبة التي تحملها وهي تقول بشكر وامتنان ظاهر: "دا البالطو بتاعك يادكتور راسل، وشكراً مرة تانية على مساعدتك ليا. عن إذنك."

فهي حتى لم ترغب في سماع رده، بل أرادت الفرار. ولكن الفرار إلى أين؟ وتلك الكلمات القليلة التي خرجت من فمه، ألجمت ساقيها عن الحركة وهو يقول: "أنا عرفت أنتي سبتي البيت ليه يا حياء." مادت الأرض تحت قدميها، فجحظت عيناها وإستدارت إليه، بعدما كانت توليه ظهرها، فأسرعت بسؤاله: "أنت عرفت إيه بالظبط؟

"عرفت أنك مش بنت عرفان الطيب الله يرحمه، وقدرت أستنتج الباقي وليه أنتي روحتي عيشتي في البيت اللي وصلتك ليه." قالها راسل وهو يرتكز بمرفقيه على حافة المكتب. إن لم تذهب الآن، سينهار ثباتها الذي حاولت الحفاظ عليه، وستتزعزع ثقتها التي جاهدت على غرسها بنفسها، حتى تستطيع تجاوز تلك المحنة. فخرج صوتها محملاً بالأسى وبغصة علقت بجوفها: "أتمنى تحتفظ باللي عرفته لنفسك يا دكتور راسل. عن إذنك."

خرجت من المكتب بهدوء، ولكن أسرعت بخطواتها التي تشبه الركض حتى وجدت نفسها تستند على أحد أعمدة البناء الضخمة للمشفى في الخارج. فهي حقاً ساذجة، بلهاء إذا ظنت أن أمرها لن يكتشفه أحد. فالسر إذا انكشف غطاؤه، لن يظل سراً بل سيذاع وينتشر كالنار في الهشيم. ولكن ربما من الأفضل لها أن تتقبل هي حقيقة كونها أنها لا تعيش بمفردها في هذا العالم، وعليها أن تواجه تلك التحديات والصعوبات، التي ستواجهها. فأبواب الجحيم انفتحت بوجهها، وعليها أن تصمد قبل أن تجد نفسها تتلظى بتلك النيران.

مسحت عينيها بتلك المحرمة الورقية، التي أخذتها من حقيبتها، فأرتعدت أوصالها بعد سماع صوته خلفها قائلاً: "حياء... التفتت إليه برأسها، ولكن قبل أن تفوه بكلمة رآت تلك الشقراء، التي اقتربت منهما وهي تقول: "راسل، أنت فين؟ ألحقني بسرعة، في مريض عنده نزيف حاد وتعبان قوي." سحبته ميس من ذراعه تجره معها، وعيناه مازالت منصبة على وجه تلك الباكية. فكلما ابتعد خطوة يعود ويدير رأسه لها، ليرى هل هي مازالت تقف مكانها، أم ابتعدت؟

فحثت حياء قدميها على السير، وهي تفكر ماذا كان يريد منها؟ أو ماذا كان سيقول بعد ذكره لإسمها ولم تسنح الظروف بإكماله حديثه؟ ***

لم يعد لديها مهرب أو ملجأ، سوى ذلك الحل الذي اهتدت إليه بتفكيرها. فها هي تقف أمام مرآتها تنتهي من ارتداء ثيابها، من أجل تلك المقابلة القميئة، التي من المفترض بها أن تتظاهر بالسعادة من أجل أن يمر ذلك اليوم، قبل أن تجد نفسها وأمها بمأزق. فبعد إلحاح والدها بالمجيء برفقة فؤاد، من أجل إعلان الخطبة، بعدما عملت هي على إرجاء الأمر بعض الوقت. ولكن ربما نفذ صبر أبيها باكراً، مثبطاً محاولاتها اليائسة.

سمعت صوت بالخارج، فعلمت أن والدها أتى برفقة فؤاد. فب سماعها صوتهما بالخارج، ملأ النفور والاشمئزاز خلايا جسدها. فذلك الكره الذي أخذ بالتصاعد، جعلها تحزم أمرها وتخرج من الغرفة قبل أن تجد أبيها، يقتحم عليها الغرفة، يجرها كالشاة التي سيعرضها للسلخ والدبح. وجدتهما جالسان متقاربان على تلك الأريكة، فهما حقاً يشبهان بعضهما البعض، من حيث الفسق والأنفس المختلة. فصاح حسان بصوت تراقصت به السعادة: "تعالي يا ولاء سلمي على عريسك."

نهض فؤاد يرمقها بمكر، وهو يرفع كفه ليصافحها: "أزيك يا آنسة ولاء؟ تجاهلت ولاء يده الممدودة، وجلست على المقعد عاقدة ذراعيها، تضع ساق على الأخرى ترمقه بكره خالص. فنظر إليها حسان بتأنيب خفي: "قومي هاتي العصير يا ولاء علشان تقعدي مع عريسك تتكلموا شوية قبل ما نقرأ الفاتحة. أنا بعرف في الأصول."

تبسمت ولاء بتهكم على جملته الأخيرة، فتركت مكانها وذهبت للمطبخ، فرأت والدتها تعد المشروبات، فأخذت صينية ووضعت عليها كوبين فقط، فملأتهما بمشروب البرتقال، وسحبت من جيب تنورتها، ورقة بيضاء ملفوف بها مسحوق أبيض ناعم، وأفرغتها بالكامل بأحد الأكواب وأعادت الورقة ثانية لجيبها، قبل أن تراها إسعاد. حملت الصينية فوجدت أبيها يلج المطبخ يحثها على الخروج، مانعاً إسعاد أن تذهب معها:

"خليكي هنا يا إسعاد أعمليلي فنجان قهوة على ما يقعدوا يتكلموا شوية." فربما هذا أفضل لها، فخرجت ولاء ووضعت الصينية على المنضدة الصغيرة أمامه، فرفعت الكوب المنشود تناوله إياه قائلة بابتسامة صفراء: "اتفضل العصير."

"تسلم ايدك يا عروسة." قالها فؤاد وهو يأخذ الكوب من يدها، متفرساً بملامحها، ماسحاً بنظراته الوقحة هيئتها كاملة. بدأ يرتشفه وعيناه تكاد تلتهمها بدناءة، ولا تخلو عيناه من نظرات الانتصار، على أنه استطاع تحدي إرادتها، وأنها ستصبح له زوجة رغماً عنها. فتبسمت ولاء وظن هو أنها ربما لانت بالأخير، وستجعله يحقق انتصاره كاملاً.

فانكمشت ملامح وجهه بألم، ليعود وتنفرج أساريره بعد لمحة من الراحة. ولكن لم تدم سعادته طويلاً، فالألم أصبح أشد وأقوى على التحمل. انحنى بمنكبيه يطرق برأسه أرضاً، يضغط بكفيه على معدته، يشعر بآلام تكاد تمزق أحشاءه. فخرج صوته بأنين ولهاث: "بطني مش قادر... اااااه... بطني بتتقطع. أنتِ كنتِ حاطة إيه في العصير ده؟ ألتوى ثغر ولاء بابتسامة شامتة تقول ببرود: "هكون حاطة إيه يعني؟

باللحظة التالية، كان ساقطاً من مقعده، راكعاً على ركبتيه، صارخاً بألم شديد: "لأ، العصير فيه حاجة. أنتي بتكذبي. اااااه." أعتدلت ولاء بجلستها بعدما كانت واضعة ساق على الأخرى، فأنحنت بجزعها العلوي، ترمقه بابتسامة تقول بلامبالاة وصوت خافت كأنها تهمس بأذنيه: "متقلقش، شوية وهترتاح خالص. أصل السم لازم يعمل كده في الجسم أول ما يدخل البطن. بس متقلقش، شوية وهترتاح خااالص، وأرتاح أنا كمان. هو أنت مفكر أن هخليك تتجوزني؟

وصدقني حتى لو شرحوا جثتك مش هيعرفوا أنك ميت مسموم...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...