الفصل 27 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
21
كلمة
9,655
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

تعالت دقات قلبها بخوف وهي تستدير لصاحب الصوت، فهي تخشى مجيء زوجها الآن ورؤية ذلك الشاب الوسيم، وتعلم مدى غيرته الشديدة من حديثها مع أحد، خاصة إذا كان شاباً أو رجلاً. فمن أين جاء ذلك المغرور؟

الذي لم يكن سوى شاباً يدرس بالولايات المتحدة الأمريكية، أثناء إقامتها ودراستها هناك. كان يكبرها بعامين، شاباً عابثاً وأشهر بالجامعة. كم من مرة حاول استمالتها، ولكنها قابلت كل محاولاته بالرفض القاطع. لم تنقطع مضايقاته لها إلا بعد عودتها لمصر. لكنها لم تعلم بشأن عودته، فهي تعلم أن عائلته تقيم بأمريكا منذ سنوات طوال. أزدردت لعابها وهي تقول بتوجس: "عمرو." تبسم عمرو وقال وهو يرمقها من رأسها لأخمص قدميها كعادته دائماً:

"افتكرتك نسيتيني يا حياء. أنا لما شوفتك مصدقتش إنك انتي، إلا لما قربت وتأكدت إنك نفس حياء البنت اللي دايماً كانت تقولي لأ، وكأنك مكنتيش تعرفي غيرها." التفتت حياء برأسها لتطمئن على سلامة سجود، وقالت ببرود متحاشية النظر إليه: "في حد ينسى كابوسه برضه؟

انت كنت

مكرِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ

"مكرهاني في عيشتي. ومع إن حاولت كذا مرة إنك تبعد عني، بس كنت مصمم على المشاكل." قضم عمرو شفته السفلى وهو يقول بخباثة: "أصل الصراحة كنتي عجباني قوي يا حياء." التفتت له برأسها وهي تقول بغضب عارم: "أحسن لك تمشي دلوقتي قبل جوزي ما ييجي، وأنا هخليه يعرف شغله معاك." لم يتزحزح من مكانه قيد أنملة، بل ظل ينظر لها فقال متسائلاً: "أوه معقولة اتجوزتي؟ ومين اللي قدر يقنعك بالجواز يا حياء؟

نفخت بضيق. فتلك ليست مفاجأة سارة، أن تتقابل معه وخاصة الآن، وراسل على وشك الوصول. ولكن ربما خدمتها الصدفة بمجيء شابين آخرين، وجذبا ذراعي عمرو لإكمال تجولهم، ولكنه ظل يلتفت إليها من حين لآخر.

زفرت براحة بعد ابتعاده. ولكن لم يكد عمرو يبتعد حتى وجدت ميس تناديها، فتعاظم الخوف بداخلها بدون أن تعلم له سبب، سوى أنها خشيت أن تكون ميس رأتها وهي تتحدث مع عمرو وتظن بها الظنون. ولكن اطمأنت قليلاً من رؤية ملامح وجهها الهادئة، التي لا تنم على شيء. فلم تعلم ميس هل من الحكمة أن تنادي حياء أم أنه تصرف آخر من تصرفاتها الهوجاء بالآونة الأخيرة؟

فهي بمجرد أن رأتها هنا، لم تمنع لسانها من أن تناديها بإلحاح. فهي بأوج غضبها منذ شعورها بميل جدها للتصديق على رفض راسل لنادر. فكأنما أرادت مواجهتها بمفردها، لعلها ترسخ بعقلها أن محاولاتها هي وزوجها لن تأتي بثمارها من التفريق بينها وبين من رأت أنه ملك عليها قلبها وعقلها. ولكن على الرغم مما يعتمل بصدرها من غضب، إلا أنها حاولت أن تضفي على صوتها نبرة هادئة، لعل ذلك يأتي بالنتائج المرغوبة.

فتبسمت ابتسامة مصطنعة برعت في رسمها على شفتيها وهي تقول بهدوء: "أخبارك إيه يا حياء؟

التفتت إليها حياء، بعد أن شعرت بأن القشعريرة سارت بداخل أوردتها كوخز الأشواك. فهي لا تنكر خوفها من مواجهة ميس بمفردها. فلا تعلم سر رهبتها وخوفها بعد سماع صوتها، مع أنه لا يوجد ما يثير الريبة. فهي أولاً وأخيراً فتاة مثلها، وبالأخص تكون ابنة شقيق زوجها. فالعادات والأعراف تقتضي من ميس احترامها كاحترامها لعمها. ولكن الأمور بينها وبين راسل ليست على ما يرام. فربما تخشى هي جفاءها معها مثلما حدث بذلك اليوم بالقصر.

رسمت حياء ابتسامة أنيقة على شفتيها المكتنزتين وهي تقول بهدوء مماثل: "الحمد لله يا ميس. أخبارك انتي إيه؟ إن شاء الله تكوني بخير وكويسة. وبخصوص اللي حصل في اليوم إياه فا أنا... رفعت ميس يدها دلالة على أنها لا تريد سماع أي مبررات لما حدث. فهي لديها ما تقوله وسترحل سريعاً. فأخذت نفساً عميقاً قبل أن تقول بما يشبه الأمر، ولكن حاولت مزجه باللطف:

"حياء، أنا عارفة بخصوص أن نادر كان خطيبك قبل كده، بس مش معنى إن محصلش نصيب واتجوزتوا يبقى خلاص نادر وحش أو مش كويس. أنا شيفاه إنسان محترم وكويس، فمتحاوليش انتي وراسل تبوظوا الجوازة، ماشي؟ عشان مش عايزة يبقى بيني وبينكم عداوة." "ها، وإيه تاني يا دكتورة ميس؟ هاتي اللي عندك كله. كلي آذان صاغية." قالها راسل وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويقف خلفها.

جالت عين ميس بكل مكان، لعلها تبحث عن مخرج أو مهرب. فهي لم تضع بحسبانها مجيئه الآن، فهي حتى عاجزة عن الاستدارة إليه ومواجهته. لا تعلم لما شعرت حياء بالشفقة عليها، وهي تراها تحاول الفرار ولكن قدميها تعجز عن مساندتها. فهي اختبرت ذلك الشعور معه مراراً. ولا تعلم أيضاً لما أنتابتها رغبة قوية في الضحك. فمن أين يظهر هو فجأة؟ ويرهب من حوله. ولكنها حاولت تقديم المساعدة لها بقدر استطاعتها. فربتت على ذراعها، وأشارت له بعينيها

بأن يتحلى بالحلم والصبر: "ميس، أفضل حاجة اقعدي مع عمك وافهمي وجهة نظره. ولو مش حابة وجودي هروح أشتري بقية الحاجة اللي محتاجاها وخلي سجود معاكم."

أرادت تنفيذ ما قالته. فقبل أن تتجاوزه، قبض على كفها بين كفه العريض. فنظرت أولاً لأصابعه التي تلمست ظاهر يدها بحنو. فرفعت رأسها تنظر لوجهه الوسيم. فكان أول ما تلقته منه أنفاس دافئة لفحت وجنتيها من شدة قربه منها. فلو كانا بمفردهما، لكانت بادرت بتطويق عنقه، وترسل عينيها رسائل بليغة وفصيحة بأنها تريد عناقه. فقضى همسه على ما تبقى لديها من قدرة على التفكير: "خليكي هنا. متبعديش عن عيني. لا انتي ولا سجود."

حركت رأسها بإصرار بأنها لن تذهب لأي مكان. فألتفت لميس قائلاً بحنان ربما افتقد تقديمه لها بالأيام الماضية: "تعالي يا حبيبتي. ربنا يهديكي، خلينا نقعد ونتكلم زي الناس العاقلين. ده انتي حتى دكتورة ومثقفة وعارفة إن الحوار بينا عمره ما كان فيه تسلط مني عليكي، مع إني أملك السلطة دي بحكم إني عمك. بس بالرغم من كده علاقتنا كانت علاقة أخوة وصداقة أكتر من علاقة واحد ببنت أخوه. ولا نسيتي يا ميس؟

لو وصفت شعورها بافتقادها لوجوده معها، فلن تصدق هي نفسها. بالرغم من عنادها بأنها لا تريد تلك العلاقة بينهما، إلا من داخلها ما زالت كما هي، تفرح برعايته واهتمامه بما يخصها، مثلما اعتادت منه دائماً. فغمغمت بصوت خفيض: "ماشي." سبقتهما بمشيتها. ريثما يأتي راسل بسجود وزوجته، فمال على حياء وهو يقول بابتسامة: "مش قولتلك أنا أعرف أصلح أموري معاها إزاي، وإن محدش يعرفها قدي؟ بادلته الابتسامة وهي تقول بإعجاب:

"انت الصراحة تقدر تأثر على أي حد. عندك كاريزما رهيبة خلتني أقع في حبك بكل سهولة."

فهو يريد الانتهاء من الحديث مع ميس أولاً، ليستطيع بعد ذلك أن يجعلها تعيد على مسامعه ما قالته الآن. فبأحد المطاعم وعلى مقاعد إحدى الطاولات الشاغرة، كان كل منهم يتخذ مكانه. فميس جالسة كمن تجلس على جمر محترق. فهي تخشى مجيء نادر الآن، وهم من تواعدا بالمقابلة هنا بأحد المطاعم الموجودة بذاك المول التجاري الضخم، ضمن مخطط وضعاه سوياً بتغيير مكان مقابلتهما حتى لا يثيرا ريبة أحد. فهما اتفقا أيضاً على أن يتم الزواج السري بينهما

بعد ثلاثة أيام فقط، وذلك رغبة من نادر بتدبير أموره أولاً وتجهيز تلك الشقة التي سيسكناها سوياً بعد زواجهما. فل تنتهِ من الحديث مع راسل سريعاً وتذهب، وبذلك لن تجعل نفسها محل الشك. فبإمكانها إرسال رسالة عبر الهاتف تخبره بشأن تأخرها قليلاً، ولكنها حتماً ستوافِيه بذلك المكان المتفق عليه.

*** باليوم التالي بمشفى الرحمة الخاص براسل، كانت تلك هي المرة الأولى التي تسمعه يناديها باسمها، منذ وقوع ذلك الحادث المرير الذي أدى لغفوته بغيبوبة. لم يفق من أثرها إلا اليوم. فأنحنت إليه وهي دامعة العينين بسعادة من رؤيته يفتح عينيه ويغلقهما عدة مرات، كأنه لن يعتاد الضوء بسهولة. فالله وحده هو الأعلم كيف مرت الأيام الفائتة؟ فهي كانت تخشى انهيار ثباتها بين لحظة وأخرى.

فأن يأتيها خبر وفاة والديها دفعة واحدة، ولم تكن الوفاة طبيعية، بل نتاج القتل العمد. وأن تصبح بين ليلة وضحاها مسؤولة عن أشقائها الصغار المتمثلين بصبيين، أحدهما لم يتجاوز الرابعة عشر والآخر لم يتخط العاشرة. عوضاً عن قلقها وخوفها على زوجها الماكث بالمشفى بين الحياة والموت. فكل ذلك كأنه جبال من الهموم ألقيت على كاهلها، ويجب عليها إثبات قدرتها على تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقها. "وحيد حبيبي، حمد الله على السلامة."

قالتها هبة وعيناها تذرف من الدموع. أمرها وأسعدها، تحمل نقيضين وشعوران متغايران. فكم تود هي الآن أن تلقي برأسها على صدره وتبكي بمرارة على ما لاقته مؤخراً. ببطء اقترب وحيد بكفه من يدها المستندة على طرف فراشه، فحط به عليها. ليعلم لما هي هكذا، ترتدي ثياباً سوداء، ووجهها شاحب، وعيناها منتفخة من أثر البكاء، كأنها لم تكف عنه منذ أيام. فخرج صوته ضعيفاً متسائلاً: "مالك يا هبة؟ حصل إيه وليه عاملة كده؟ كنتي خايفة عليا؟

أمتنت هبة لوجود مقعد بالغرفة، لتريح قدميها من الوقوف، أو ربما لتمنع سقوطها مغشياً عليها، نتاج لتلك الأحداث المؤسفة التي توالت على رأسها تباعاً. فأخذت يده بين كفيها وهي تقبلها بعبراتها قبل شفتيها، لعله يعلم كيف كان حالها أثناء غيابه عنها. فحاولت الابتسام من بين فيضان دموعها الذي يأبى أن ينحسر عن عينيها. فتحشرج صوتها وهي تقول بغصة مريرة:

"أكيد كنت خايفة عليك يا وحيد ومش بس كده، أنا كنت بموت في كل ثانية وأنا شايفاك كده في الغيبوبة وحالتك كانت خطيرة. بس مش ده بس اللي حصل. بابا وماما ماتوا يا وحيد." رفع وحيد رأسه عن الوسادة كرد فعل طبيعي بعد سماعه ذلك النبأ الخاص بوالديها. فهو على يقين أنه هنا بالمشفى إثر تخطيطهما للتخلص منه حتى لا يفتضح أمرهما. ولكن أراد الله أن ينجيه ويرده لزوجته، في حين أنهما هما من رحلا عن الدنيا. فغمغم بعدم تصديق: "ماتوا!

ماتوا إزاي يا هبة؟ قصت هبة له كل ما علمته بشأن ذلك الحادث، مثلما أخبرها الضابط الذي أرسل بطلبها من أجل استلام الجثمانين. فهي لم تنسَ ذلك اليوم عندما وجدت رجلاً يقف على باب شقتها ويخبرها بضرورة الذهاب لقسم الشرطة، ومنه ذهبت للمشفى التي تم إيداع بها والديها. فهي ممتنة لذلك المحامي الكهل الذي كان سابقاً المحامي الخاص بخالها عرفان، فهو ساعدها حتى تمت إجراءات الدفن والعزاء وكل ما يتعلق بتلك الأمور.

أغمض وحيد عينيه وسرعان ما فتحهما ثانية وهو يقول بأسف: "الله يرحمهم ويغفر لهم." حاولت هبة تفريغ زفراتها التي علقت برئتيها حتى كادت تشعر بالاختناق الوشيك. فقالت بهدوء: "أنا كلمت المحامي ينقل نص الأملاك باسم حياء يا وحيد. هي برضه اتأذت بسببهم. فهحاول أرد ولو جزء بسيط ليها من اللي شافته منهم."

أماء وحيد برأسه موافقاً. فأولاً وأخيراً هي وأشقاؤها ورثة قسمت وشكري، ولا يحق له التدخل بتلك الأمور. فيكفي أنه الله أراد أن يعود للعالم بمعجزة إلهية. فمن كان بمثل حالته لم يتنبأ أحد من الأطباء بنجاته إلا بإرادة من الله ومعجزة. "اللي انتي شايفاه صح يا هبة. اعمليه." قال وحيد عبارته بابتسامة هادئة حاول من خلالها إظهار إعجابه الشديد بتفكيرها ورغبتها بأن تخفف عن غيرها ما عاناه جراء طمع أبويها. فقالت

وهي تربت على كتفه بحنان: "أنا أهم حاجة عندي إنك ترجع ليا بالسلامة يا وحيد. ويمكن باللي عايزة أعمله ده ربنا حب يكافئني وخلاك في وقت من الغيبوبة، وإن شاء الله تخرج من هنا وانت كويس. أنا هسيبك دلوقتي وهرجعلك تاني عشان عندي ميعاد مع المحامي. هاخد منه الأوراق وهروح لبيت جوز حياء عشان أقابلها وأديها الورق اللي يثبت إنها هتملك نص أملاك خالي الله يرحمه. مش هتأخر عليك يا حبيبي."

أخذت هبة حقيبتها وخرجت من الغرفة، ومنها إلى الخارج حيث ينتظرها سائق تلك السيارة التي كانت لوالدتها سابقاً. فهي عادت لمنزل خالها ثانية حتى تستطيع رعاية شقيقيها. فقاد السائق السيارة حتى وصل للمكتب الخاص بالمحامي. وبعد استلامها الأوراق منه، طلبت من السائق إيصالها لمنزل زوج حياء بعد أن هاتفتها تخبرها بشأن قدومها إليها وأنها تريدها بأمر هام على وجه السرعة.

ففي حديقة المنزل، استقبلت حياء هبة بحفاوة وترحيب. فهي بعد علمها بما حدث لقسمت وشكري، لم تنسَ الذهاب إليها وتقديم المواساة لها على مصابها الأليم. بل ورافقها راسل أيضاً، الذي لا تعلم ما أصابه منذ سماعه ذلك النبأ. فهو كأن أحد ضربه بقوة على رأسه، ولا تعلم لما يشعر بكل هذا السوء من أجل وفاتهما. ولم تنسَ إبداء غرابتها لموقفه، ولكنه استطاع صرف تفكيرها عن الأمر كالمعتاد.

بعد رفض هبة الدخول للمنزل وفضلت الجلوس بالحديقة، وجدت راسل عائداً من الخارج. فجلس برفقتهما ليعلم سر مجيئها لمنزله، ولما تركت زوجها بعد إفاقته من تلك الغيبوبة. فأخرجت هبة الأوراق من حقيبتها وناولتها لحياء وهي تقول بابتسامة: "خدي الورق ده يا حياء." أخذت حياء الورق من يدها، ولم تفقه شيئاً. فنظرت له وقالت بغرابة: "ورق إيه ده يا هبة؟ وأعمل بيه إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة."

عقد راسل حاجبيه هو الآخر، في انتظار أن تقدم هبة تفسيرها لما تفعله. فبعد علمهما بشأن ما تحويه تلك الأوراق، فضّل الصمت ويرى رد حياء على ما سمعته. فتلقائياً نظرت حياء له، كأنها بانتظاره أن يقدم لها يد العون والمساعدة باتخاذ القرار المناسب. ولكنها علمت أنه لن يبدي رأيه بهذا الأمر، بل سيتركها تتخذ قرارها بمفردها. "لأ يا هبة، أنا مش عايزة حاجة. شرعاً الفلوس دي مش من حقي، وأنا جوزي مش مخليني محتاجة حاجة الحمد لله."

قالتها حياء وهي تعيد إليها الأوراق ثانية. فأبدت هبة غرابتها من رفضها لقبول ذلك العرض المغري، فألحت عليها بالقبول. ولكن جاءها نفس الرد والرفض منها.

لم تخفِ هبة إعجابها الشديد بتفكير حياء، التي تمنعت عن أخذ حق تراه أنه ليس حقها، مع أنها تملك قانوناً ما يخوّلها الحصول على أكثر ما عرضته هبة. فبعد أخذها واجب الضيافة كاملاً رحلت من المنزل، مع أخذها وعداً منها بأنها إذا أرادت شيئاً لا تتردد في المجيء إليها، وستوفر لها كل ما تحتاجه. فبعد رحيل هبة، طالعها راسل بصمت لم يدُم طويلاً. بل تبدد بسؤاله الهادئ: "هو انتي رفضتي عرضها ليه يا حياء؟

مع إن أي حد هيشوف إنه عرض مغري جداً إنه يمتلك كل ده." ابتسمت له حياء وقالت بحب بعد أن مطت شفتيها بلطافة: "رفضته عشان أنا مش محتاجة حاجة الحمد لله. فأنت وجودك في حياتي يغنيني ويكفيني يا حبيبي ويخليني أحس إني أكتر واحدة محظوظة في الدنيا دي بوجودي معاك انت وبنتنا يا راسل." تعصف بكيانه من مجرد لفظها لاسمه بمحبة. فرد قائلاً بتلهف لقول ما لديه، وما أرسله قلبه للسانه لينطق به:

"انتي نبض قلب راسل ودقاته يا حياء. راسل مبقاش ينفع يعيش في الدنيا دي من غيرك. البعد عنك هيبقى بمثابة الموت بالظبط. إن كنت حبيت قبل كده بعنيا، فانتِ أول واحدة أحبها بقلبي قبل عينيا." كيف أصبحت تملك زمام قلبه هكذا؟

سأل ذاته بحيرة. فمال بجذعه العلوي إليها قليلاً، وأخذ يديها بين كفيه. فضغط فمه على باطن راحتيها وهو يقبلهما، جعلها تأخذ أنفاسها بصعوبة. فأنفرجت شفتيها لتسمح بمرور ذلك الهواء الدافئ الجاثم بصدرها. فلو أحتبسته أكثر من ذلك ستشعر بالاختناق.

فقلبه بمحراب العشق لم يكن سوى خاشعاً راكعاً ومتضرعاً، مستجدياً أن تمنحه الأمل بأنه إذا خطى بخطواته في درب الهوى، يجدها تنتظره بنهايته، واعدة إياه بجنة الحب. فورودها تنبت من بسمتها، وظلالها من سوداء شعرها، ونهر من الخمر يسكن بين جفنيها، سيغترف منه حتى يثمل قلبه. فتلك الثمار الناضجة بوجنتيها تغوي نفسه بقطفها. فهي كقطعة من الحلوى التي أبدع الخالق بصنعها، فحماها من أيدي المتطفلين، حتى جاء هو لينعم بمذاق عشقها. ***

وضعت شعرها خلف أذنيها وهي تتنقل بالمطبخ، كأنها بدوامة ومتاهة. فهي تنظر بالهاتف لتستمع لوصفة الطعام، لتسرع بتنفيذ ما سمعته. فهي لا تعلم أن مهام المنزل شاقة هكذا، وهي من كانت تصحو من نومها وتجد الخادمة واضعة لها ما تحتاجه، حتى خُفيها اللذان كانت ترتديهما بقدميها. ولكن أن ترتدي مريول المطبخ الذي كان عبارة عن لوحة بوهيمية من بقع الطعام المتناثر من الأواني والقدور الموضوعة على الموقد. لم يكن ذلك ضمن مخططاتها يوماً. فهي تلقي بالخضراوات في الإناء، وتقفز بخطواتها للخلف حتى لا يطالها الرزاز المتطاير منها.

فلم تفعل شيئاً كمطلوب منها بالوصفة. فلم هو يصر على أن تفعل كل هذا، وهي التي لم تعتد على الإتيان بكوب ماء لنفسها. "إيه العك اللي أنا عملته ده؟

نظرت للطعام الذي أعدته، فتجعدت جبهتها بشعور الاشمئزاز. فلو رأى كرم ذلك لن يمرر الأمر مرور الكرام، بل سيسمعها ما يعكر صفو مزاجها. ولكنها فكرت بحيلة تمكنها من أن تنفذ بجلدها من كلماته القاسية. فبحثت بهاتفها عن رقم أحد المطاعم الفارهة الخاصة بتوصيل الطعام للمنزل. فهي ستوصي بكل الأكلات التي طلبها منها كرم أن تعدها من أجل الغداء. فبعد أن أخبرتهم بشأن مطلبها، أغلقت الهاتف، ووضعته بجيبها وهي تبتسم:

"الأكل هييجي وهحطه في الأطباق وأقوله إني أنا اللي جبت الوصفة من على الموبايل ومش هيعرف حاجة. يا سلام على أفكاري."

أسرعت بالتخلص مما أعدته من طعام. ولم يمضِ وقتاً طويلاً حتى سمعت رنين هاتفها. فالشاب الذي يحمل الطعام إليها أخطأ بالعنوان عدة مرات. فحاولت قدر إمكانها وصف الحي الذي تقع به تلك البناية التي تسكنها. فظلت تحدثه حتى سمعت رنين جرس الباب. فأسرعت بفتح الباب وتناولت الطعام من الشاب الذي أتى به، وأعطته المال اللازم. فالشاب لم يخفِ غرابته أن فتاة كهذه تسكن بهذا الحي، بل تطلب طعامها من أفخر المطاعم وأشهرها. ولكن ما يهمه هو الحصول على النقود. فوضعها بجيبه ورحل.

حملت هند أكياس الطعام للمطبخ، وأسرعت بتفريغها بالأطباق اللازمة، وأخفت كل ما يمكن أن يستدل عليه كرم ويعلم أنها لم تطهو الطعام بنفسها. "كده كله تمام. هروح آخد شاور، ريحتي بقت مقززة."

أنهت عبارتها وهي تسرع بالذهاب للغرفة. فأخرجت ثياباً نظيفة وولجت للمرحاض. لم يكن برفاهية مرحاضها، ولكن كان يفِي بالغرض من حصولها على حمام دافئ تمحو به تلك الروائح التي علقت بها. فالجو حار وخانق بالمطبخ الصغير، وكم من مرة تجمعت حبات العرق على جبينها وكانت تسرع بمسحها بظاهر يدها. أما الآن فهي تفوح منها رائحة طيبة أرضت غرورها كأنثى كانت مثالاً يحتذى به للجمال والأناقة.

بسماع باب الشقة يفتح، أسرعت بارتداء ثيابها التي حرصت أن تكون محتشمة قدر الإمكان، حتى لا تثار مشكلات بينهما، أو... خشيت التفكير بالاحتمال الآخر الذي جعل وجنتيها تلتهب بمجرد أن جال بخاطرها إقدام كرم على مغازلتها مرة أخرى، كتلك المرة التي سلبتها كل حصونها التي شيدتها حفاظاً على كبريائها أمامه، وأن تظل بنظره تلك الفتاة المعتدة بجمالها وغرورها. "كرم جه برا."

حاولت ترطيب شفتيها بلسانها التي أصابها الجفاف فجأة بعد سماعه يناديها بصوت قوي الذي أثار رجفة بعمودها الفقري. فبضعة أيام تحصى على اليد الواحدة جعلتها ترهبه وتخشى غضبه، كأنها طفلة صغيرة تخشى التأنيب والتقريع من أبيها. فوالدها كان حريصاً على تقديم الأفضل لها من مأكل ومشرب وملبس، ووالدتها كانت تغدقها بحنانها الذي لا حد له بحكم أنها ابنتها الوحيدة والمدللة، والتي لم يشأ الله لها بأن تنجب غيرها. فهي لم تعرف معنى الخوف من أحد بإمكانه تأديبها على أخطائها وأفعالها قبل أن ترى ذلك الجانب الآخر المتمرد من ابن خالتها، الذي كان دائماً يتحلى بالخجل والقناعة وعدم إقدامه على الإساءة إليها.

"نعم سمعتك بتنادي عليا عايز تتغدى؟ أحط الأكل على السفرة." قالتها هند بلباقة وهي قادمة من الغرفة بعد أن صففت خصيلاتها الرطبة. ولكن لم يكن لديها الوقت الكافي لتصفيفها بالطريقة التي اعتادتها، فتجعدت بعض خصيلاتها على جبهتها مما أعطاها مظهراً لم يعتاد رؤيته. فبعد أن اكتفت رماديته من التطلع إليها، رد بصوت خالٍ من أي شعور يمكن أن تستدل منه على أثر هدوئها المفاجئ لديه: "ماشي. حطيه على ما أتوضى وأصلي."

تركها وذهب لغرفته، بينما هي ظلت تفكر. فإن كان هو متديناً بطبعه، فلما سمح لنفسه بأن يتزوج فتاة مثلها؟ ربما يراها البعض متبجحة بثيابها السافرة والتحرر الذي تتبعه منهجاً وسلوكاً. ولكنها لم تتعمق بالتفكير في الأمر، بل ذهبت للمطبخ وبدأت بنقل الأطباق لمائدة الطعام.

فبعد انتهائه من صلاته، خرج للصالة ووجدها تنتظره بالمقعد المقابل. فسحب المقعد ولم يخفِ دهشته من رؤية الأطباق المتراصة على مائدة الطعام. فمتى وكيف استطاعت طهو كل هذا الطعام؟ أخذ الملعقة وبدأ يتناول طعامه بهدوء ولم يبدِ اعتراضاً أو ملاحظة. فتبسمت لرؤيته هادئاً، فأرادت أن تبادر هي بالحديث، فقالت بثقة لم تعلم من أين أتتها بتلك اللحظة: "إيه رأيك في الأكل؟ حلو مش كده؟ "ودفعتي فيه كام ده بقى يا هند؟

قالها كرم بغتة. فعلق الطعام بحلقها، وظلت تسعل بشدة، كمن ستبلغ روحها حلقها بين ثانية وأخرى. فهي ظنت أنه لن يكتشف حيلتها، ولكن هي من صور لها عقلها السخيف أن أمر كهذا سيمر بسلام. دمعت عيناها وهي تتجرع كوب الماء الذي ناولها إياه بهدوء. فنزعت الكلمات من فمها بجهد مرير وهي تقول بصوت خفيض نتيجة إصابة أحبالها الصوتية بالألم من سعالها المستمر: "انت عرفت إزاي؟ تبسم كرم بسخرية وقال بتهكم واضح: "على أساس إني أنا طفل؟

أول ما تقوليلي إنك عملتي الأكل ده لوحدك هتصدقك. ده انتي مبتعرفيش تسلقي البيض، هتصدق إنك عاملة الأصناف دي كلها؟ مش عارف ليه مصرة تستخفي بيا وبعقلي يا هند." صوت جرس الباب كأنه حبل نجاة تمسكت بطرفه، ليضمن سلامتها من الخروج من مشادة كلامية لن تستطيع التكهن إلى أي مدى يمكن أن تصل بهما. فأسرعت بفتح الباب ووجدت أبويها يقفان أمام الشقة. فأرتمت هند بين ذراعي والدتها وقالت وعيناها تدمعان بعد رؤيتهما:

"ماما وحشتيني أوي انتي وبابا." انفجرت هند بالبكاء على كتف أبيها بعد أخذ دوره في احتضانها. فهي حتى لم تستطع رؤية ما أحضراه معهما من أجلها. فأقترب كرم للترحيب بقدومهما وهو يشير لهما بالدخول: "اتفضلي يا خالتو. اتفضل يا عمي." "يزيد فضلك يا حبيبي." قالتها خالته وهي تأخذ بيد هند وهما يدلفان سوياً لغرفة المعيشة. فلاحظت هند وجود امرأة معهما، ولكنها لا تعلم من تكون. فنظرت لوالدتها وهي تقول بتساؤل: "مين دي يا ماما؟

رد والدها عوضاً عن والدتها فأشار للمرأة بالتقدم: "دي شغالة عشان تخدمكم."

لم يستسغ كرم ما سمعه من والد زوجته. فهو لا يضع بمخططه الاستفادة من رفاهية زواجه من ابنة خالته. فهو لا يريد سوى أن يشفي غليل قلبه المعتل بعشقها، لعله يبرأ من ذلك الهاجس الذي لا يريد أن يفارقه. فحتمًا هو يريد نزع كل شعور وعاطفة تخصها بقلبه. فيكفي أنه كلما نظر بوجهها، يتذكر ما رآه بذلك الفيديو المشؤوم. فثيابها السافرة التي كانت ترتديها، ولم تكن تختلف كثيراً عن ثيابها المعتادة، وتمايلها على أنغام الموسيقى أمام شاب غريب، كأنثى بارعة بفنون الإغواء. ساهم كل هذا بزيادة وقود النيران بقلبه. فلو لم يكن يخشى ما يمكن أن يحدث له، ربما كان أقدم على قتلها بكل أريحية وبدون وخز بالضمير.

"معلش يا عمي سامحني. أنا مقبلش إن يكون في حد غريب في بيتي حتى لو كانت شغالة. وأنا كمان إمكانياتي متسمحش إني أدفع لها مرتبها." قال كرم ما لديه بهدوء، يتأجج خلفه بركان ثائر من الأفكار المستاءة. فتبسم والد زوجته وقال بهدوء ونية حسنة: "ولا يهمك يا ابني. أنت مش مطلوب منك حاجة. أنا اللي هدفع لها مرتبها." "لأ طبعاً. أنا مقبلش ده على كرامتي إن أهل مراتي يصرفوا عليا."

صاح بها كرم باعتراض على ما سمعه منه. فتبادلت خالته النظرات مع زوجها، الذي لم يخفِ إعجابه برد فعل زوج ابنته. فحاولت خالته تخفيف حدة التوتر فقالت باسمة: "خلاص يا كرم متزعلش نفسك. اعمل اللي يريحك يا حبيبي." أرادت هند أن تحتج على ما قاله، ولكنها ابتلعت كلماتها بحلقها ثانية. فما تراه بوجه أبيها وأمها جعلها تعلم أن احتجاجها لن يجدي نفعاً. ففضلت إرجاء الأمر حتى ذهابهما.

فبعد مرور ساعتين كاملتين ذهب والديها، وصارت وجهها لوجه مع زوجها. فظلا يتبادلان النظرات بينهما بصمت ثقيل. حتى خرجت هي عن صمتها وقالت باحتجاج: "انت ليه رفضت موضوع الشغالة؟ انت شايف أهو إن مش عارفة أعمل حاجة في البيت. إيه لازمته العند؟ رفع كرم قدميه على المنضدة الصغيرة أمامه، وأستند بظهره للأريكة وهو يقول بصوت كالصقيع: "لا عند ولا حاجة. الموضوع إن مش هقدر أدفع لها مرتبها. في مثل بيقول: على قد لحافك مد رجليك. سمعتي عنه؟

أهتاجت هند من بروده ورده الجاف. فعندما حاولت أن تجادله، داهمها غثيان مفاجئ. فوضعت يدها على فمها. فلم تنتظر ثانية أخرى، بل ركضت للمرحاض وأفرغت ما بجوفها، حتى شعرت بألم ببطنها. فظلت منحنية ريثما تنتهي من تقيئها المفاجئ. فسمعت صوته خلفها قائلاً باهتمام: "مالك؟ في إيه؟

اقتربت من صنبور الماء، ففتحته لتتناثر المياه الفاترة منه، فأغترفت منها تغسل وجهها وفمها. وبعد انتهائها نظرت له بعينان زائغتان ولم تقول سوى عبارة قصيرة، قبل أن يتهاوى جسدها بين ساعديه: "كرم الحقني."

ألقت بثقل جسدها على صدره، فلم يسعه سوى أن يتلقاها بين ذراعيه. فحملها من المرحاض حتى وصل بها للغرفة ووضعها بالفراش. فربت على وجهها عدة مرات، لعلها تفيق من إغمائها. فذهب للغرفة الأخرى يبحث عن قنينة عطره، فربما باستنشاقها رائحة العطر ستستعيد وعيها المفقود. فبعد أن استعادت وعيها، واتتها الرغبة في القيء ثانية، فأسرع بجلب سلة المهملات وقربها منها حتى فرغت مما تفعله. فعادت واستلقت على الفراش، وهي تشعر بأن قواها منهكة للغاية. فمالت برأسها لليمين ونظرت إليه. فما قرأته بعينيه هو ما جال بخاطرها وتخشى التمعن بالتفكير به أو التصريح عنه. فتلك الأعراض كم من مرة رأتها وسمعت عنها.

فهل من الممكن أن ما أصابها ناتج عن وجود مصيبة أخرى كنتيجة لأفعالها الطائشة؟ فبديهياً وضعت يديها على بطنها، وهي تسأل بقرارة نفسها بخوف: "هل هي تحمل بأحشائها الآن طفلاً؟ ***

جعلت غرفة النوم رأساً على عقب في سبيل إيجاد إجابات لتلك الألغاز والغموض الذي يحاوط زوجها. فهو لم يبدِ رغبته أو نيته في إخبارها شيئاً يخصه، ولكنها كأي إنسان طبيعي، تأكلها الفضول لمعرفة ولو شيء يسير عن ماضيه بصغره. ففكرت بالذهاب لغرفة مكتبه. فالمنزل ساكن ولا أحد هنا سواها هي والخادمة. فوفاء ذهبت لمتجرها، والصغيرة بروضتها، وراسل ذهب باكراً لمشفاه.

طلبت من الخادمة إعادة ترتيب غرفة النوم، وذهبت هي للبحث بغرفة المكتب. بدأت بالبحث بكل مكان بالغرفة. فقبل أن تزفر بيأس من عدم حصولها على شيء، وجدت حقيبة تم وضعها بعناية بصندوق خشبي كبير بأحد أركان الغرفة. فأخرجت الحقيبة وجلست على الأرض. فأخرجت صوراً فوتوغرافية قديمة، وورقاً به رسومات طفولية، وألعاب صغيرة. فربما كانت تخص راسل بصغره. "ياترى هلاقي في الصور دي صورة لأمي؟

نظرت حياء للصور تباعاً، حتى توقفت أمام صورة جعلت مقلتيها تتسع بدهشة. فبالصورة وفاء بصباها وهي تقف بجوار فتاة أخرى لا يستطيع أحد تفريقهما نظراً للشبه الشديد بينهما. فهما تؤأمتان. ولكن الفتاة الأخرى ما يميزها عن وفاء وجود شامة سمراء صغيرة بأحد جانبي أنفها. فهل تلك هي والدة زوجها الحقيقية؟ ولكن أين هي الآن؟ "حياااء!

صرخ بها راسل بصوت جهوري أفزعها، جعلها تنتفض وترتعش وهي تفترش الأرض. فنظرت صوب الباب، فوجدته يقف يرغى ويزبد من الغضب. فلما هو عاد بهذا الوقت؟ تركت غضبه منها جانباً وسألته: "هو انت رجعت بدري أوي كده ليه؟ بحركة غاضبة، اقترب منها وأنحنى يلملم كل ما أخرجته من الحقيبة، فرد قائلاً باستياء: "كنت ناسي الورق بتاع شركة الأدوات الطبية اللي بتعامل معاها وجيت أخده. انتي إيه اللي خلاكي تفتشي في حاجتي يا حياء؟

بعد أن أعاد كل شيء بالحقيبة، ووضعها بالصندوق ثانية، نهضت من مكانها ووقفت أمامه. ولكنها ردت بتحدي: "كنت عايزة أعرف انت مين بالظبط. كل شوية أكتشف عنك حاجة معرفهاش. أولها إنك مش راسل صفى الدين وأنك ابن رياض النعماني. وبعد كده إن ماما وفاء مش مامتك وأن مامتك واحدة تانية. أيوة أنا عرفت ده من يوم ما باباك كان هنا. وانت شكلك مش عايز تحكي لي على حاجة، فقولت أدور أنا على إجابات تريح فضولي." قبض على فكها وأحنئ رأسها للخلف

ونظر في عينيها بهيمنة: "مش كل الفضول حلو يا حياء. يعني محاولتك تعرفي عني كل حاجة ممكن تأذيكي." شعرت بألم من قسوة أصابعه القابضة على فكها. فأزاحتها وهي تقول بإصرار: "وإيه سبب الأذى؟ أنت ناسي إني مراتك وإني بحبك ومستعدة أشاركك كل وجعك. ليه مصر تخلي فيه حاجز بيني وبينك؟

وضعت يديها على صدره، وتألقت عيناها ببريق من شأنه أن يجعله يتخلى عن تصلبه ورأيه المتعنت بأن لا يشاركها ماضيه. فهو حاول إرجاء الأمر كثيراً، ولكن ربما هي محقة. فهي زوجته بالأخير ويحق لها معرفة كل شيء. فرفع كفيه ووضعهما على راحتيها، وهو يقول بهدوء لا يستطيع أحد إعادته إليه بسهولة سواها هي وصغيرته: "بكرة إن شاء الله يا حياء هحكيلك على كل حاجة."

لم يزد كلمة أخرى، بل أخذ الأوراق التي عاد من أجلها، وخرج من المنزل. فتمنت أن يكون صادقاً بقوله ويبوح لها بما يعذبه ويألم قلبه. فوقت الظهيرة باليوم التالي، استلمت حياء حقيبة تحوي ثوباً باللون الأبيض يشبه ثياب الأميرات مرفقاً معه رسالة لها خطها راسل بيده: "بالليل البسي الفستان وتعالي على المبنى اللي في الجنينة لو عايزة تعرفي كل حاجة شغلاكي. هستناكي الساعة ٨. متتأخريش."

ضمت الرسالة لصدرها وهي تبتسم. فتأملت ما أرفقه مع الثوب بانبهار. فهذا ما حلمت به. رفعت الثوب بين يديها بعد أن طوت الرسالة بعناية. فوقفت أمام المرآة، واضعة الثوب عليها. فدارت حول نفسها بسعادة. فربما الليلة سينجلي ويتحطم كل حصن بناه زوجها حول نفسه، مانعاً إياها من أن تتوغل بداخل غياهب أسراره. فهي تريده أن يخرج من تلك المتاهة التي تجزم أنه ما زال تائهاً بين أرجائها، رغم ما يبديه من قوة وبأس على تحمل الصعاب.

مر الوقت سريعاً، حتى حل المساء. فوفاء أخبرتها بشأن أخذها لسجود والذهاب للمبيت بشقة إسعاد. وكأن راسل أراد إخلاء المنزل من أجلهما. فوفاء لم تنكر سعادتها بأن راسل قرر أخيراً كشف أوراقه كاملة أمام زوجته. فلعل القادم يكون أفضل من أجله. "ياخبر! دا الوقت خلاص مبقاش فاضل كتير." أنهت عبارتها وركضت للمرحاض. أغتسلت وخرجت وبدأت بارتداء ثيابها.

فصوت حذائها على الأرضية المرصوفة بذلك الممر الفاصل بين المنزل وبين وجهتها الذاهبة إليها. كانت دقات قلبها أشد صخباً عنه. شبكت يديها ببعضهما البعض، وقفازاها المصنوعان من الحرير يصلان لمرفقيها، وثوبها الأبيض المماثل للون قفازيها يصدر حفيفاً حول كاحليها. تلملم خصيلاتها بمشبك بلون الماس، ما عدا خصلتان متمردتان حول وجهها. وشفتيها بلون الورد مدعاة للغواية. قبل أن تصل، وضعت إحدى يديها على صدرها، تحاول أن تنظم أنفاسها، كمن أوشكت على دخول حلبة للمصارعة.

"أخيراً جيتي." هاتان الكلمتان الصادرتان منه بصوته الرجولي، الذي ساهم مع الظروف المحيطة بها وجعلها تزدرد لعابها أكثر من مرة. جعلتها تخشى التحرك من مكانها. ولكن لم يمهلها فرصة، فأخذها من يدها كالمسحورة، حتى وقفا بمنتصف الغرفة.

تأملت هيئته جيداً، بداية من حذائه الأسود اللامع، صعوداً ببنطاله الأسود الضيق الملتصق بساقيه، مروراً بقميصه الأبيض المفتوح أسفل عنقه وعليه صديري بلون أسود. حقاً فهو وسيم، وتلك ليست المرة الأولى التي تقر بذلك. أخذت نفساً عميقاً وقالت: "أيوة جيت عشان زهقت من لعبة الغموض وحابة أعرف كل حاجة. عايزة أعرف هي تبقى مين، وراحت فين، وليه انت مكنتش عايزني أفتش وراك."

لم يكن رده عليها سوى أن أطاح بيدها اليسار بخفة، حتى حطت على كتفه، بينما يدها اليمنى تلقاها بنعومة بين كفه العريض. بينما يده الأخرى تحتضن قدها الرشيق. فتبسم لها وهو يقول بصوت متهدج: "خلينا الأول نرقص رقص الفالس اللي كان نفسك فيها، ومع كل خطوة هجاوبك على سؤال من أسئلتك."

انسابت الموسيقى الناعمة، وذراعها ممدود بمحاذاة ذراعه، وكفها على كتفه. جعلها بالبداية تدور حول نفسها، وثوبها يضرب ساقيه كالسياط بصوت من لهيب الشوق. تعود بين يديه، وترحل منساقة بأشواق العودة إلى يديه من جديد. فما أجمل التمايل بين ذراعيه بتلك الرقصة الناعمة والملكية. فهو ماهر بأداء الخطوات، تتبع هي خطواته بابتسامة نبتت على شفتيها من تحقيق حلمها، كمن تناست لما هي هنا الآن بالأساس. فكم ترغب هي بتلك اللحظة أن لا تتذكر شيء.

ولكن تلك الكلمات التي انسابت من بين شفتيه، جعلتها تتصنم بوقفتها وهو يقول: "كنتي عايزة تعرفي هي مين اللي تبقى أمي. تبقى اللي شوفتيها في الصورة مع خالتي 'وفاء'. أيوة أنا أمي الحقيقية تؤام خالتي وفاء واسمها 'وفية'."

انتهت المعزوفة الموسيقية. فصارت وجهها لوجه معه، في انتظار إكماله بقية حديثه وإخبارها القصة كاملة. فما كان منه سوى أن أخذها من يدها واتجه صوب تلك الوسائد التي أعدها كمتكأ على الأرض بجوار المدفأة التي تراصت بها أكوام من الخشب، لإضفاء لمسة جمالية على الغرفة. كأنها بأحد العصور الكلاسيكية. فكأنه أراد أن تقضي ليلتهما كسندريلا. ولكنها لن تتركه إذا دقت الساعة وأعلنت أن الليل انتصف. "اقعدي يا حياء عشان نكمل كلامنا."

أمرها راسل بلطف. فجلست حياء وثوبها يشبه بستان ورود بيضاء من حولها. فجلس مقابل لها. ورأته يسحب تلك الحقيبة التي سبق لها ووجدت بها صور ورسوم وألعاب. فبدأ بإخراج إحدى الصور التي تفردت بها والدته وهي تحمل صغيراً لا يتعدى العام من عمره. فمن المؤكد أن ذلك الصغير هو راسل. نظر في الصورة، وتبسم بألم قبل أن يناولها إياها ليبدأ سرد القصة كاملة منذ البداية:

"أنا هحكيلك كل اللي ماما وفاء قالتهولي وكمان اللي عيشته. جدي عوض الله يرحمه مكنش عنده إلا بنتين وفاء ووفية. سابتهمل مراته وماتت وهم عمرهم ٣ سنين. كانت وفاء أكبر من وفية بخمس دقايق بس، بس بالرغم من كده كانت كأنها أم تانية لأختها. البنتين كبروا لحد ما وصلوا ١٨ سنة. خالتي وفاء حبت جارهم صفي الدين العطار وخطبها واتجوزوا. بس أمي رفضت إنها تتجوز في السن ده وفضلت إنها تكمل تعليمها وتدخل الجامعة. وفعلاً خلصت تعليمها. فجدي

عوض كان شغال ساعي في شركة رياض النعماني. طلب منه يشغل بنته في الشركة ووافق رياض النعماني. كان في الوقت ده عنده حوالي ٤٤ سنة وكانت مراته الأولى وأم وجدي أخويا اتوفت من سنتين بعد ما جالها مرض خطير وربنا أراد إنها تموت. أمي اشتغلت في الشركة، وكانت من النوع العاطفي شوية. حبت رياض النعماني ومعملتش اعتبار لفرق السن الكبير اللي بينهم ولا للفرق الاجتماعي. بدأ ياخد باله من إعجابها وحبها ليه، فعرض عليها الجواز في السر. وافقت

واتجوزوا من غير ما حد يعرف، لحد ما جه اليوم اللي أمي حملت فيا وانكشف سرها. قبل ما جدي عوض يعرف إنها متجوزة رياض النعماني، جاله جلطة ودخل المستشفى من صدمته من اللي بنته عملته. وبعدها بكام يوم مات. مكانش قدام أمي حل غير إن لازم رياض النعماني يعلن جوازه ويعترف إن اللي في بطنها ابنه. الموضوع اتعقد زيادة. فخالتي وفاء وجوزها حاولوا يساعدوها بكل طريقة عشان تثبت حقها. فصفي الدين راح لرياض النعماني وقاله لو ما أعلن جوازه من

وفية، هيفضحُه في إسكندرية كلها والناس تعرف هو عمل إيه. طبعاً عيلة النعماني طول عمرها أسياد البلد، فخاف إن يحصل مشاكل ويهتز اسمه وسمعته. فأعلن جوازه من أمي، وأخدها عاشت في قصر النعماني لحد ما اتولدت أنا. ودي كانت بداية العذاب ليا ولأمي. طبعاً محدش اتقبل إن إزاي بنت الساعي تبقى مرات كبير عيلة النعماني، وخصوصاً عاصم وسوزانا. لأن مرات رياض النعماني الأولى كانت برضه خالتهم أخت أمهم. فمتقبلوش إن أمي تاخد مكانها وتبقى مرات

عمهم، لأن معروف إن عيلة النعماني نسبهم دايماً من الأكابر اللي زيهم. كانت أمي معظم الوقت تاخدني وتروح لخالتي وفاء. كانت بتهرب من المعاملة الجافة وكمان قلة الاهتمام من جوزها، لأن من ساعة ما دخلت القصر وهو كان جوز ليها بالاسم بس. وأنا مجرد شايل اسمه. حبيت الحي الفقير أكتر من قصر أبويا. في الوقت ده كانت أم ولاء مخلفة بنتها الكبيرة أشجان، وكانت بتشتغل وساعات كانت تسيبها مع خالتي وفاء على ما ترجع. فأنا وهي رضعنا من أمي،

وأوقات لما أمي كانت بتسيبني لوحدي عند خالتي وفاء، كانت خالتي بترضعني من طنط إسعاد لو موجودة. كبرت لحد ما بقى عندي ٧ سنين، ومش لاقي تفسير إن ليه الراجل اللي مفروض أبويا مش بيعاملني زي ما بيعامل وجدي وعاصم وسوزانا. الوحيد اللي كان كويس معايا أنا وأمي هو وجدي. حتى مرة قولتله هو انت تبقى بابا وهو يبقى جدي؟

فضحك وقالي لأ. أنا أخوك الكبير وهو يبقى أبونا احنا الاتنين. وحاول يفهمني إنه رياض النعماني بيحبني بس هو بس الشغل اللي واخده. حاولت أتقرب منه عشان أحس بحبه ليا، بس مكنتش باخد منه غير القسوة في الرد. أنا أفتكر مرة رجعت من المدرسة كنت اخدت جايزة على رسمة رسمتها. هي دي." قال راسل وسحب ورقة من الرسومات وناولها إياها، وهو يبتسم بمرارة ويكمل حديثه:

"كان في ناس معاه في الصالون فدخلت وأنا فرحان عشان أوريه الرسمة والجايزة. هب فيا وقالي متدخلش عليا كده تاني. خرجت وأنا بعيط. جه وجدي كالعادة يطيب خاطري. فضلت الأيام تمر زي ماهي مفيش تغيير. كنت بستنى اليوم اللي أمي تاخدني فيه عند خالتي وفاء كأنه يوم العيد، وإن هخرج من القصر اللي كنت عايش فيه زي المسجون. بقى عندي ١٠ سنين وكل يوم أشوف أمي بتدبل زي الوردة وهي مستنية إن جوزها يحس بيها أو بيا. جه يوم وقفت قدام باب أوضة رياض النعماني وسمعته

بيتخانق مع أمي وقالها: انتي ملكيش حاجة عندي غير إنك تعيشي في مستوى مكنتيش تحلمي بيه، وإنه عمره ما هيتقبلها زوجة وإن اللي حصل بينهم كانت غلطة ونزوة وندم عليها.

وقالها: انتي وابنك ملكوش مكان في حياتي غير إنكم شايلين اسمي بس وإنه بيكرهنا. جريت على أوضتي وأنا بعيط لما سمعته بيقول كده. تاني يوم أمي اتخانقت مع سوزانا اللي عايرتها بأصلها، فأمي ضربتها بالقلم. قامت بينهم خناقة. فالوقت ده كان رياض النعماني وعاصم ووجدي راجعين من الشغل. لما شافها بتتخانق مع بنت اخوه زعقلها وقالها إزاي تمد إيدها عليها. وعاصم كمان دخل في الموضوع ووجدي حاول إن الموضوع ميكبرش. بس كلمة رياض النعماني ليها

قضت على كل حاجة لما قالها: متعليش صوتك يابنت الساعي. أمي خرجت تجري من القصر وخرجت أجري وراها. مكنتش شايفة قدامها ولا سامعاني وأنا بنادي عليها وبعيط. وصلت للشارع وبرضه كانت بتجري زي ما يكون في وحش بيجري وراها. لحد ما قابلتها عربية وخبطتها ووقعت غرقانة في دمها." أغمض عينيه كأنه يعتصرها، كأنه بتذكره لجسد والدته الغارق بدماءها. أثار الخوف به. فوضعت حياء يدها على يده وشدت عليها. فسمعت صوته وهو يغمغم بأسى وحزن: "ماتت

بعد ما قالت لي: روح لخالتك وفاء متقعدش في القصر ده تاني. وماتت وسابتني. حاولت أهرب من البيت وأروح لخالتي وفاء. كان بيرجعني ويحبسني في البيت. بس الحاجة اللي كانت بتهون عليا وجود وجدي جمبي، لحد ما اتقتل وجدي. مكنتش طايق أقعد تاني في القصر. طبعاً حاول يمنعني، هددته إنه لو ماسابنيش أخرج من القصر هنتحر وبكده يبقى خسر ولاده الاتنين. خاف إن أنفذ تهديدي، فسابني أخرج من القصر. روحت عيشت مع خالتي وفاء وجوزها. ربنا ما أراد إنهم

يخلفوا، فاعتبروني ابنهم من لحمهم ودمهم، وربوني وعلموني. وعلى الرغم من إن كان رياض النعماني بيبعت لي فلوس عشان تعليمي، إلا إن صفي الدين العطار كان بيرفض وهو اللي صرف على تعليمي. وربنا فتحها عليه بقى عنده محل عطارة كبير واشترى البيت ده وبنالي المستشفى لأنه كان حابب إني أبقى دكتور جراح. وسافرني إنجلترا أكمل تعليمي. بس للأسف على ما خلصت كان مات صفي الدين، وملحقش يشوفني وأنا بدير المستشفى اللي وصاني إن يكون فيها جزء خاص

بالأطفال الأيتام. فضلت عايش في البيت ده، مع إن رياض النعماني حاول بدل المرة ألف إنه يرجعني، بس أنا اللي برفض. مش عايز أبقى مجرد سد خانة في حياته. فعشان كده محدش يعرف إن ابن رياض النعماني إلا القليل، لأن استخدمت اسم جوز خالتي وفاء، لأن كنت بعتبره إنه هو اللي كان أبويا فعلاً. وبقيت أعاند معاه في كل حاجة. حتى تصدقي في جوازتي من صوفيا؟

لما لقيته رافض الموضوع عشان كان عايز يجوزني واحدة تانية، عاندت معاه واتجوزتها. بس المشكلة إن بجوازي من صوفيا أديته فرصة إنه يأنبني على غلطي وخصوصاً إن هو اللي رجعني من إيطاليا بعد ما كنت محبوس هناك." قطبت حياء حاجبيها وهي تقول بتساؤل: "رجعك إزاي؟ مش كنت بتقول إنك كنت في سجن مشدد هناك؟

شعر باختناق مفاجئ. فوضع يده على عنقه، وتحسس سخونة جلده من فوران دمه. فتلك الجلسة وما رافقها من تفتيش بماضيه وإخبارها بما حدث، ليس بالشئ الهين بالنسبة له. فهو أعطاها فقط الخطوط العريضة لأوضاعه الماضية، لكنه لم يكن على استعداد لشرح أدق التفاصيل. فيكفي أنها علمت جوهر القصة. ضم شفتيه وسرعان ما تجاوزت الكلمات من بينهما:

"في واحد وعدته إن لو وصل رسالة لأهلي إن أنا موجود في المكان ده هديله مبلغ مالي كبير لأن قولتله إن أهلي ناس أغنيا جداً. فوافق ووصل لخالتي وفاء وعرفها اللي حصلي هناك. وهي اللي راحت قالت لرياض النعماني فجه إيطاليا، وطبعاً معاه جيش محامين وقلب الدنيا لحد ما قدروا يوصلوا لقاتل صوفيا الحقيقي واللي طلع إنه جوزها اللي كانت بتنصب معاه. اعترف إنه قتلها عشان كان عايز يهرب بالفلوس اللي جمعوها مع واحدة تانية كان يعرفها. ولما صوفيا عرفت اتخانقوا قتلها ولبسني أنا التهمة عشان يطلع منها."

رأت أنه من الأفضل أن يكف عن الحديث. فنظراته الزائغة بكل مكان لم تكن سوى مؤشر على أنه لن يكون باستطاعته أن يقول شيئاً آخر. فيكفي ما سمعته منه، ويكفيها نكء لجراحه لهذا الحد. فجذبته من ذراعه حتى ماله بجذعه العلوي تجاهها. فوضعت رأسه على ساقيها، وتمدد بباقي جسده على الوسائد. فغرق وجهه بين طيات ثوبها، يحاول منع تسرب عبراته من مقلتيه. فلم تفعل شيئاً سوى أنها ظلت تمسد على شعره بحنان. فأثار ندوب جسده التي طالما رأتها جلية بصدره وظهره. تعلم أن ندوب قلبه أشد ألماً عنها، ولن يبرأ منها بسهولة.

*** تجرع ما بكأسه دفعة واحدة. باقي البارت السابع والعشرون.

تجرع ما بكأسه دفعة واحدة. فالمشروب اللاذع ربما تسبب له بالشعور باحتراق جوفه، ولكنه لا يبالي. فلا شعور أقسى من ذلك الذي يشعر به بقلبه. فكأنما يعاد الزمن مرة أخرى بتفاصيل دقيقة. فالاختلاف أن أضلاع ذلك المثلث صاروا الآن كباراً وليسوا بمقتبل أعمارهم. ولكنه توقف لحظة عند تلك الخاطرة. فترك مكانه ونظر بالمرآة الكبيرة المثبتة على أحد الجدران. ولم تكن سوى مرآة من أصل أربعة، كل واحدة تحتل جدار من جدران الغرفة. فكما كان يطلق عليها دائماً، غرفة "مرايا الذكريات".

كأنه اختزن بكل مرآة عدة ذكريات، ويأتي إليها وقت حاجته لتذكرها. ولكن مرآة الحاضر أظهرت له كم قسى عليه الزمن وعلى ملامح وجهه التي كانت بالماضي تحمل بعض الوسامة، ولم تكن صارخة كوسامة "عاصم النعماني".

فالآن تأمل نفسه جيداً. فشعره بدأ اللون الأسمر ينحسر عنه تدريجياً واحتل مكانه اللون الأبيض، وظهور بعض التجاعيد حول عينيه وفمه. فعلى الرغم من أنه المشيب لم ينل منه النصيب الأكبر، إلا أنه يستطيع كل من ينظر إليه يعلم أنه تخطى الخمسين عاماً. فقبل أن يتعمق فواز أكثر بشأن ما فعله الزمن به، سمع صوت طرق باب الغرفة. وولج على أثره أحد رجاله يخبره بشأن مجيء ضيف له. فخرج من الغرفة ووصل لغرفة المعيشة. فتلاحمت حاجبيه

الكثيفين وهو يقول بغرابة: "عمرو! انت جيت امتى؟ وهي أمك سابتك تيجي إسكندرية إزاي؟ تبسم عمرو وهو يقول بس

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...