الفصل 46 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
25
كلمة
8,099
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

"ما كنت أخشاه" هكذا كان الأمر دائماً. فشقيقه الراحل كان يتمتع بمكانة خاصة بين عائلة والده وعائلة والدته. فالجميع كان ينظر لدانيال على أنه الشاب البكر لإسكندر شمعون، ولي العهد والمخول له قيادة العائلة خلفاً لأبيه. كان يتمتع بكل الصلاحيات التي كانت تُمنح لإعداد رجل سيكون هو الوريث، الرشيد والحكيم، الذي بإمكانه الحفاظ على تلك المكانة التي تمتعت بها العائلة بالمجتمع السكندري.

أما هو، فهو الشقيق الأصغر، والذي كان لا ينظر إليه أحد سوى أنه سيكون الشاب المدلل للعائلة، والذي سيعمل تحت إمرة أخيه بالمستقبل. رأى كيف أن والديه كانا يغدقان بكامل الحب والاهتمام لشقيقه، وربما زاد من الأمر كون دانيال كان لطيفاً ولين الطباع مع والديه. ولكن هو كان المشاكس والمشاغب، والذي يخرج جميع من حوله عن طورهم، نظراً لكونه صعب المراس، ولا يستطيع أحد إلجام سلوكه السيئ، والذي بدأت بوادره منذ صغره، وكيف كان يحاول إيذاء من حوله.

أطاح بكل ما تحمله المنضدة أمامها، بسبب إتيانها على ذكر تلك الأمنية، والتي لم تكف عن ترديدها منذ سنوات، على الرغم من أن شقيقه قد لقى حتفه منذ زمن، وهو ما زال على قيد الحياة. فتلبسه الجنون وهو يصيح بها: –اخررررررسى.

لم يرف لها جفن، ولم تتحرك من مكانها قيد أنملة، على الرغم من أنها تعلم أنه وصل لأقصى درجات الغضب، وربما بالدقيقة التالية سيرديها قتيلة برصاصة واحدة من ذاك السلاح الناري الموضوع بغمده حول خصره، والذي لا يفارقه بنومه أو صحوه.

فكل ما استطاعت فعله، هو انحناؤها لتلقط صورة من الورق، ولكن تلك المرة تحمل صورة الفتى. مرت يديها على الورقة من أعلاها لأسفلها، وأغمضت عينيها، بينما ارتجفت شفتيها الجافتين وهي تهمس ببضع كلمات، لم يفهم هو منها شيئاً. فتحت عيناها التي تشبه الكوبلت الأسود، وانتفض جسدها وألقت بالورقة على الفور، كأنها شعرت بحرق مفاجئ بيدها، وتتابعت أنفاسها وهي تردد كلمة واحدة ولم تقل غيرها: –هو.

لم يفهم أدريانو مغزى كلمتها، ولا من تقصد، ولكن نفض كل هذا عن عقله. فهذيانها الدائم صار معتاداً عليه منذ سنوات طويلة، أي منذ قام بحبسها بذلك المكان، خشية علم أحد بما يخفيه من ماضيه. ولكن دائماً ما كانت هي تحذره من كشف المستور، بل والويل الذي بانتظاره، ولكن هو لا يؤمن بتلك الخرافات التي تهذي بها، على الرغم من أنه يعلم أن قدرتها العجيبة على معرفة ما يخفيه بمهارة الاستبصار التي تملكها، والتي لم تأتها من فراغ. بل تعلمت تلك المهارات من إحدى جداتها، والتي كانت تشتهر في صقلية بأعمال السحر وقراءة الورق والكف. وبالرغم من أنها شقيقة والدته، إلا أن أمه لم تكن ضليعة بتلك الأمور كشقيقتها الصغرى.

أراد الخروج من الغرفة، ولكن ما أن وصل للباب حتى سمعها تقول بتحذير: –رحب بالضيف يا أدريانو وبلاش أذية، علشان هي ممكن تحرقك بنارها. التفت برأسه إليها مقطباً حاجبيه قائلاً: –قصدك على مين يا مارجريت؟ وعرفتي إزاي أن جه ضيف؟ ضحكت مارجريت حتى صار صوت ضحكتها يتردد بين أرجاء الغرفة، وكأن الصوت يأتيه من كل حدب وصوب. فما ذلك السؤال السخيف؟ أما زال لديه شك بقدراتها؟

نهضت مارجريت من مكانها وسارت بخطوات بطيئة، حتى وصلت إليه، ولكن برؤيته لها تتقدم منه، تقهقر هو بخطواته للخلف، كأنه يخشى أن تبتلعه كالوحش. ولكنها لم تفعل شيئاً، سوى أنها ربتت على كتفه وهي تقول بابتسامة خافتة: –لسه يا ابن أختي بتسأل السؤال ده. المهم قولتلك رحب بالضيف، وكمان ابعتلي الأكل علشان جوعت أوي.

تركته واتجهت صوب فراشها، فاستلقت عليه بعظامها الهرمة والواهنة، ولكنها ظلت تنظر إليه، وتلك الابتسامة على شفتيها، كأنها تشعر بالشماتة مما سيلقاه بالمستقبل، والذي يحاول هو إنكاره. خرج من الباب وأوصده كالعادة، واضعاً المفتاح بجيبه. فعاد ثانية لغرفة ابنته، فأبهجت نفسه قليلاً بعد تلك المقابلة العاصفة مع خالته، خاصة وهو يرى بيرى جالسة بالفراش وحياء تطعمها بيدها وهي تثرثر معها وتبتسم. –عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟

قالها أدريانو وهو يقترب من فراش ابنته، وجلس على حافة الفراش بجانبها، رابتاً بيده على يدها. سحبت بيرى يدها من أسفل يد أبيها، وتجهمت ملامحها المرةقة، إلا أنها ردت بجفاء: –تفتكر هكون عاملة إيه؟ تلقائياً تحولت أنظار أدريانو تجاه راسل الجالس على المقعد بجوار النافذة، فألتقت أعينهما بحوار صامت. فأدريانو لا يريد لراسل معرفة ما يدور بمنزله. فنهض من مكانه مقترباً منه، وبحث عن ديفيد ولكنه لم يجده بالغرفة.

فرفع أدريانو يده يشير لراسل بأن يتبعه وهو يقول بود زائف: –اتفضل معايا يا دكتور راسل وسيبهم هم يقعدوا براحتهم. أنت أول مرة تشرفني في بيتي وكمان أنت جوز بنت أخويا، فلازم نرحب بيك. ما كاد راسل يرفع جسده عن المقعد، حتى سمع صوت حياء تقول برفض: –لأ معلش يا عمي خلى جوزي هنا. هو برضو دكتور وممكن يساعدني في أن نخلي نفسية بيرى تتحسن. التفت إليها أدريانو وهو يبتسم على كذبتها الواضحة، فقال بهدوء مرعب:

–بس اللي أعرفه أن جوزك دكتور جراح مش نفسي يا حياء. حاولت حياء السيطرة على ارتجافها المفاجئ، فهي لا تريد أن يغيب راسل عن ناظريها. فهي طوال طريقهما من قصر النعماني لهنا، وهي كانت تلوم نفسها على موافقتها بأن يصطحبها. فما بالها الآن وهي ترى عمها وشقيقها يحاولان استدراج زوجها بحديثهما المنمق. أراد راسل فض الحوار بين زوجته وعمها، فقال بهدوء: –خلاص يا حياء أنا برضه عايز أتعرف على عمك وأخوكي، وعلى ما تخلصي نكون اتكلمنا شوية.

ما كاد يخرج راسل برفقة أدريانو، حتى نظرت بيرى لحياء وهي تقول بإلحاح وخوف: –قومي يا حياء روحي لجوزك ليأذوه. هم أذيتهم وحشة. وأنا هاخد شاور وأحصلكم. تنتظر حياء أن تعيد بيرى حديثها ثانية، إذ قامت بوضع الملعقة من يدها وخرجت تهرول من الغرفة تبحث عن مكان وجود زوجها. ظنت بالبداية أنها ستجدهم بغرفة المعيشة، ولكنها لم تجد أحداً بها. –هم راحوا فين؟

نطقت بها حياء بجنون وهي تبحث بكل مكان بالمنزل، كأنهم اختفوا فجأة. ولكن بسؤالها لأحد الحراس، أخبرها بأن سيدي يجلسان مع الضيف بالحديقة، خاصة بذلك المكان الذي خصصه أدريانو للتدريب على استخدام الأسلحة النارية. فبسماعها لما قاله الحارس، لطمت خدها، وركضت حتى وصلت لذلك المكان المتواجدون به بعد انضمام شقيقها لهما. فصاحت منادية لزوجها بخوف: –راااسل!

التفت راسل لمصدر الصوت، فوجدها تهرول إليه، ووقفت أمامه وسحبت ذلك السلاح الناري، الذي يحمله بيدها ويبدو أنه كان على وشك إطلاق النار على ذلك المجسم المتخذ شكل إنسان. فزجرته بحدة: –بلاش ضرب نار لتأذي نفسك. وأنتم بتعملوا إيه هنا؟ تتابعت أصوات إطلاق النيران من عمها وشقيقها. فبعد انتهائهما، رمقها ديفيد قائلاً بسخرية: –إيه يا حياء مالك خايفة ليه كده؟ إحنا بس كنا بنتسلى شوية. تحب تتسلى معانا؟

أقترب منها ديفيد، وجعلها تمسك السلاح بوضع الاستعداد. حاولت إلقاءه من يدها، إلا أن شقيقها أحكم قبضتيه على يديها، فأدنى برأسه من أذنها وهو يقول بهمس ومكر: –إيه رأيك دلوقتي أخليكي انتي اللي تقتليه؟ دا الموضوع سهل جداً. يعني بس تنشنّي على القلب كده. صوب إتجاه السلاح لراسل، وعاد مستأنفاً حديثه: –وتضغطي بصبعك على الزناد كده. قبل أن يجعلها تضغط بإصبعها على الزناد، كانت هي تدفعه عنها وتضع السلاح بمنتصف

جبهته وهي تساير سخريته: –طب إيه رأيك لو ضربتها في راسك يا ديفيد؟ قهقه ديفيد لعلمه بأنها لن تفعلها، وخير دليل على ذلك، يدها التي أصابتها الرعشة ووجهها الذي استحال لونه للأبيض الشاحب كوجوه الموتى.

وضع راسل يديه بجيبه وهو يتابع الحوار بين زوجته وشقيقها. فشعوره بوجود شيء غامض بدأ بالتزايد. فعائلة زوجته غريبة الأطوار حقاً. فمنهم الابنة التي تعامل أباها بجفاء كأنها لا تريد رؤيته، ومنهم الأب الذي لا تنم تصرفاته الهادئة إلا على أنه يضمر بداخله شيئاً لا يريد أحد أن يعلمه، والشاب الذي من المفترض أنه شقيق زوجته، يمزح معها بالأسلحة النارية. إنها حقاً عائلة توضع بقائمة المجانين. ولكن ماله وما لهم؟

فهو لا يريد شيئاً منهم سوى زوجته فقط. فحمد الله على دعوة أدريانو لهما بأن يذهبا لنيل راحتهما بإحدى الغرف. وما كاد يغلق الباب بعد دخولهما، حتى استند بظهره على الباب. فزفر بقوة قائلاً بصوت منخفض: –يا ساتر يا رب. بيت ده ولا مقبرة. سمعت حياء ما قاله، فأقتربت منه تأنبه على إلحاحه بالمجيء: –قولتلك متجيش وأنت اللي أصرّيت يا راسل. دماغك ناشفة. رفع يده ومسح وجهه مغمغماً: –هو حرام أتعرف على أهلك؟

أينعم ترحيبهم مش ولابد وكمان إكرامهم للضيف غريب. كانوا واخديني أتعلم ضرب نار، مع أن بعرف أضرب نار كويس بس أخدت أخوكي على قد عقله. قبضت على كفيه وهي تقول برجاء: –حبيبي لو عايز ترجع بيت باباك أرجوك ارجع وأنا هطمن على بيرى وهحصلك على طول. أنا حاسة أنك مرتحتش لمقابلة عمي أدريانو وديفيد. أدناها منه وضمها إليه بقوة، يكاد يجعلها تنفذ من بين ضلوعه لتستكين بين ثنايا قلبه. فرد قائلاً:

–هو بكرة تطمنيني عليها ونروح سوا، ماشي يا روحي. هزت رأسها بضعف وهي تستشعر دفء ذراعيه المحيطتان بها، حتى أنها كاد يغلبها النعاس، فغمغمت بصوت خافت: –ماشي يا حبيبي تعال ننام. انحنى حاملاً إياها بين ذراعيه، ولكن ما أن وضعها على الفراش، حتى رأى ظل أسود عند النافذة. فذهب ليتحرى الأمر ولكنه لم يجد أحد. جلست حياء بالفراش ورمقته متسائلة: –في إيه يا حبيبي بتبص على إيه في الشباك؟

أغلق راسل النافذة وضم ستائرها، فاستدار لها قائلاً بابتسامة: –لأ يا حبيبتي مفيش حاجة.

استلقى بجانبها على الفراش وجذبها إليه دون أن يحاول استبدال ثيابه. فشعور طاغٍ بعدم الراحة جثم على صدره، حتى كاد يمنعه أن يتنفس براحة. ولكنه لم يشأ أن يسبب لها القلق، فحاول قدر إمكانه أن يجعلها تغرق بنومها دون الشعور بما يعتريه. فبعد نجاحه بجعلها تخلد للنوم، سمع صوت مواء لهرة، كأنها طفل صغير يبكي وينوح. فكلما أغلق عينيه يعود ويفتحهما كأنه لن يستطيع جلب النوم لجفونه.

إصطدامه المتعمد بها أثناء خروجها من أحد المتاجر، زاد غضبها أكثر، خاصة بعدما أمعنت النظر بوجهه وعلمت من يكون. ولكنها لم تشأ أن تثير انتباه المارة عليها إذا تشاجرت معه. فبهدوء انحنت ولملمت أغراضها المتناثرة. وبعد انتهائها استقامت لترحل، ولكن ما كادت تبتعد خطوة حتى ناداها بصوت متلهف لأن تمنحه التفاتة منها، أو تجيبه على ندائه الملّح. ولكنها أكملت بطريقها كأنها لم تسمعه.

ولكن مع ازدياد أفعاله الجنونية والطائشة، كركضه واللحاق بها والوقوف أمامها يسد عليها الطريق، كان ذلك أدعى لأن تفرغ به كامل استيائها وحنقها من أفعاله. فتعالَت صيحتها وهي تقول بغضب: –إيه يا أستاذ أنت؟ هو أنت مجنون ولا إيه حكايتك؟ كسب ديفيد صوته ليناً ولطفاً، لعلها تكون أكثر هدوءاً وهو يقدم لها اعتذاره على أفعاله الصبيانية:

–آنسة ياسمين اهدئي. أنا بس بنادي عليكي علشان أتأسفلك على سوء التفاهم اللي حصل بينا في المكتب. بجد أنا آسف. زفرت ياسمين زفرة مطولة وقالت بدون أن تنظر إليه: –خلاص قدمت أسفك واعتذارك. اتفضل امشي بقى علشان مينفعش اللي بتعمله ده. دا اسمه شغل مراهقين. ومتفتكرش إن أنا مش فاهمة تصرفاتك السخيفة دي.

عيناها الملتاعتان بغضب، تنذره بأنها لن تطيل الوقوف هكذا أمامه. ولو حدث ذلك لربما لن تكتفي بأن تجعل المارة بالشارع يلقونه درساً قاسياً جراء فعلته. فتنحى جانباً ورفع يديه يشير لها بالسير، يرافقها همهماته العاشقة. أحكمت ياسمين ذراعيها على ما تحمله من أغراض، ولسانها يتمتم بالكلمات الغاضبة وسوء حظها لمقابلة هذا الشاب. فهي أيقنت الآن أنه مجنون، فليس هناك أحد بكامل قواه العقلية ويفعل ما يفعله.

وصلت للمنزل وولجت الشقة، فوضعت ما تحمله على مائدة الطعام الموضوعة بالصالة. رأت والدتها تخرج من المطبخ وهي تجفف يديها بمنشفة صغيرة. فتلاحم حاجبى والدتها وهي ترى بوادر الغضب على وجهها. فأقتربت منها وسألتها بقلق: –مالك يا ياسمين في إيه؟ باين على وشك إن في حاجة حصلت. سحبت ياسمين مقعداً وجلست عليه وهي تقول بعدم اكتراث: –مفيش حاجة يا ماما أنا كويسة. ربتت والدتها على كتفها وهي تقول بمساكشة: –مفيش حاجة!

ولا أنتي متوترة علشان العريس اللي جايلك النهاردة. اصطبغ وجه ياسمين على الفور، وفركت يديها وهي تقول بخجل: –و وأنا هتوتر ليه يعني يا ماما؟ عادي يعني. جذبتها والدتها حتى استقامت أمامها، فضمتها بين ذراعيها الحانيتين وهي تقول بسعادة غامرة: –مش مصدقة إن جه اليوم واللي هشوف فيه بنتي حبيبتي كبرت وبقت عروسة، وهتبقى أحلى عروسة.

رفعت ياسمين ذراعيها وربتت على ظهر والدتها بمحبة. فسمعا صوت الباب يفتح ويدلف منه أبوها وشقيقها. فهما عادا بعد أن انتهيا من تأدية صلاة العصر بالمسجد، الذي يعمل أبوها إماماً له. فتبسم "بلال" وهو يرى شقيقته الصغرى ووالدته متعانقتان، فقال بحب هو الآخر: –طب أنا مليش حضن أنا كمان يا ماما؟ إيه التفرقة العنصرية دي؟ ولا علشان ياسمين هي آخر العنقود وخلاص هتطير زي العصفورة على بيت العريس؟

تركت ياسمين والدتها واقتربت من شقيقها وقبلته على وجنته وهي تقول بابتسامة ومشاكسة: –عصفورة مين اللي هتطير يا أبيه بلال؟ أنا قاعدة على قلبك أهو.

ابتسم إمام المسجد على قول ابنته وشجارها المحبب مع شقيقها الأكبر. فخرجت نهده قوية من بين شفتيه وهو يفكر بأنه بوقت ليس ببعيد سيتزوج بلال ويترك المنزل، وسيُتزوج صغيرته أيضاً، وسيصبح هو وزوجته بمفردهما. فلله لم يمن عليه سوى ببلال وياسمين، لذلك يهيم حباً بهما، ولم يتقبل حتى الآن أنهما سيتركانه بالقريب العاجل.

لاحظت زوجته سكوته غير المعتاد خاصة بوجود أولادهما. بل زاد تعجبها وهي تراه يلج غرفتهما بدون أن ينطق بكلمة. فتبعته لتعلم سر صمته المقلق لها. ووجدته يجلس على طرف الفراش، فشب القلق بقلبها. جاورته بجلسته وهي تقول باهتمام: –مالك في إيه يا أبو بلال؟ ساكت كده ومش زي عوايدك. حتى ياسمين رجعت من برا وكانت ساكتة وكأن في حاجة حصلت. أنتوا مخبيين عليا حاجة؟ رفع زوجها رأسه ونظر إليها متسائلاً بقلق: –مالها ياسمين؟ فيها إيه؟

حصل ليها حاجة؟ تبع حديثه بانتفاضة من مكانه وبنيته الخروج ليرى ما أصاب ابنته. إلا أن زوجته قبضت على ذراعه وهي تقول بهدوء: –اهدى يا أبو بلال، أنا قولت إنها كده علشان متوترة بخصوص العريس اللي جاي. وأنت بقى مالك؟ تنهد بصوت مسموع قائلاً بحنان:

–مش قادر أتخيل إن ولادنا كبروا كده وخلاص كل واحد هيبقى له حياته، زي العصافير اللي كبرت وسابت العش علشان تبني ليها عش خاص بيها. وخصوصاً مش متخيل البيت من غير ياسمين. أنا بتهيأ لي لو جوزها زعلها في يوم، مش عارف أنا ممكن أعمل فيه إيه أو أتصرف إزاي.

ضحكت بخفوت على قوله، فهي تعلم مدى حبه الشديد لابنتهما. فياسمين كالزهرة التي ينتشر عبيرها بكل زاوية من المنزل. فهي الأخرى لم يطاوعها قلبها حتى الآن، بتخيل اليوم الذي ستفارقهما به وتذهب لمنزل زوجها. فعلى الرغم من هدوئها الظاهري، إلا من داخلها لم تكن بأقل من زوجها من حيث قلقها وخوفها على ابنتها.

تحدثت مع زوجها طويلاً، وحاولت خلال حديثها أن تطمئنه على أن ابنتهما ستنعم بزيجة مباركة، خاصة أن العريس المنتظر لها، لم يكن سوى ابن أحد أصدقائه المقربين، والمعروف عنه التزامه وخلقه الحسن، علاوة على تحصيله الدراسي الذي مكنه من أن يعمل بإحدى شركات الطيران.

حلها الوحيد لتصحيح المفهوم الخاطئ لدى أبيها، المختص بحادث خطفها، وقراره بزواجها وعدم ذهابها للمدرسة ثانية، كان بذهابها لمقر عمله. فبالمنزل لم تعد تراه، كأنه يتحاشى الجلوس معها أو رؤيتها، حتى لا تغلبه عاطفة الأبوة تجاهها، ويحيد عن قراره بتزويجها من ابن شقيقه. فهي تعلم بأي من الشركات الكبرى يعمل أبوها، وهناك ربما سيضطر لسماعها إذا جلسا بمفردهما بمكتبه أو ماشابه. على الرغم من خوفها من رد فعل والدها، إلا أن ذلك لم يحد من عزمها وتصميمها الكامل على الحديث معه.

فبمجرد وصولها وسؤالها عن مكتب أبيها، دله أحد العمال على تلك الغرفة التي يتخذها مكتباً نظراً لكونه مدير الشؤون القانونية بالشركة. وصلت أمام المكتب ومدت يدها بتردد، ولكن حسمت قرارها بطرق الباب ثلاثة طرقات. إذا لم يأتيها رد، ستعود أدراجها، وربما ذلك سيكون لصالحها حتى لا يثور أبوها بوجهها على أنها تريد مناقشة أمر كهذا هنا بمقر عمله. –أنتي بتعملي إيه هنا؟

انتفضت سهى إثر سماعها تلك الجملة، التي جاءتها من ذلك الشاب، الذي تستطيع تميز صوته بسهولة الآن. فنظرت إليه وقالت بدهشة: –أنت اللي بتعمل إيه هنا وجاي هنا ليه؟ وضع عمرو هاتفه بجيبه، ورد قائلاً بهدوء: –دي شركتي، يعني أنا صاحب الشركة. فغرت فمها الصغير مما سمعته منه، فكيف يكون هو مالك تلك الشركة، وهو ما زال شاباً بمقتبل حياته. فقالت بغرابة: –صاحب الشركة إزاي يعني؟

ابتسم عمرو على رد فعلها، فأجابها وهو يحرك كتفيه دليلاً على أنه هو الآخر لا يعلم كيف يكون صاحب الشركة، ولكن هذا هو الواقع: –زي الناس، الشركة كانت بتاعة بابا الله يرحمه ومات وأنا ورثتها. هي دي الحكاية. بس مقولتليش بتعملي إيه هنا؟ رفعت سهى يدها تشير لغرفة مكتب أبيها وقالت بشعور ساحق بالخوف والخجل: –كنت جاية أشوف بابا علشان عايزاه في موضوع مهم. رفع عمرو حاجبيه قائلاً: –بجد؟ هو مدير الشؤون القانونية بالشركة يبقى باباكِ؟

أومأت برأسها عدة مرات، ولكن فكرت بأنه يمكن أن يساعدها، فهو الشاهد الوحيد على صدق حديثها. فربما تلك الصدفة كانت بمحلها، فبإمكانه إخبار أبيها بما حدث لها من اختطاف وإنقاذه هو لها، وبذلك من الممكن أن يصدقها أبوها ويترك كل خططه بشأن زواجها جانباً. فهي تريد إتمام دراستها ودخول الجامعة، ولا تريد التفريط بأحلامها من أجل سوء تفاهم. ضمت شفتيها لعدة ثوانٍ، ولكن سرعان ما نظرت إليه وقالت بما يشبه الرجاء: –ممكن أطلب منك طلب؟

أنت الوحيد اللي تقدر تساعدني، لأن بابا من ساعة ما رجعت البيت وهو مش مصدق موضوع الخطف وكمان عايز يجوزني وميكملش دراستي. فـ أنت ممكن تحكيله على الحقيقة. فكر جدياً بمطلبها، ولكن كيف يخبر أباها بشأن أنه يعلم من قام باختطافها، وأنه متورط بأعمال غير مشروعة. ولكن ربما هناك حل آخر. فحدق بها وهو يقول بتفكير:

–هو ممكن أكلمه بس طبعاً مش هقوله أنا جبتك منين ولا أن أعرف اللي خطفك. بس ممكن أقوله إن لقيتك بعد ما قدرتي تهربي وكنتي تعبانة واستضفتك في بيتي. حكت سهى جانب رأسها وقالت بتفكير هي الأخرى: –بس أنا حكيت لبابا على اللي حصل بالتفصيل، وأن اللي أنقذني أخدني من المكان اللي كنت فيه. فـ إزاي دلوقتي هغير كلامي؟

قضم عمرو جانب شفته السفلى، بعدما اهتدى بتفكيره لذلك الحل، الذي تبادر لذهنه. فأشار إليها بأن تعود للمنزل، على أن يقوم هو بحل الأمر مع أبيها. أرادت التصميم على رأيها أنها لن ترحل قبل أن تعلم ماذا ينوي أن يفعل مع والدها، إلا أنه أصر عليها بالرحيل مع وعده لها بأن أمورها ستسير على ما يرام. فبعد اطمئنانه لرحيلها، عاد لمكتبه وأرسل بطلب والد سهى من أجل مقابلته. فجاءه على وجه السرعة، ليعلم ماذا يريد منه المالك الجديد؟

أرتخت قسمات وجه عمرو وهو يدعو والد سهى للجلوس فقال باسماً: –اتفضل حضرتك اقعد علشان في موضوع مهم كنت عايز أكلمك فيه. جلس والد سهى ونظر إليه في انتظاره أن يقول ما لديه. فحمحم عمرو ليجلي صوته، فما لبث أن قال بهدوء يحسد عليه: –هو الموضوع إن عرفت إن عندك بنت، والصراحة أنا شفتها قبل كده بس مكنتش أعرف إنها بنتك. بس لما سألت عليها عرفت كل حاجة عنها. حتى كمان فرحت أوي إنك أنت بابها. فـ كنت حابب أطلب إيدها منك. قولت إيه؟

ظن والد سهى أن عمرو يمازحه، ودل على ذلك ملامحه التي اكتسبت معالم الدهشة والصدمة معاً. ولكن تلك الحالة التي اعترت والد سهى، لم تكن شيئاً يذكر بجانب ما اعترى عمرو، فكيف تقدم بمطلبه هذا؟

وهو لا يميل لبنات حواء بالأساس، ولكنه يعاني من التطرف بالسلوك الإنساني والفطرة من حيث الشذوذ، وأنه لم يكن له تجربة تذكر مع أي أنثى من قبل، فدائماً تجاربه ما كانت تؤول للفشل، ويعود لما كان عليه أمره. ولكن ما جعله يأمل بأن من الممكن أن يقلع عن شذوذه، أنه منذ مجيئه للإسكندرية وهو لم يرتكب تلك الفاحشة، التي كان معتاداً عليها أثناء إقامته بالولايات المتحدة الأمريكية، بل أنه كان يمتلك صديقاً مقرباً بالخفاء، ولم يرد أن يعلم أحد بهذا الشأن، خاصة أن من المفترض أنه شاب عربي ومسلم، ولابد أن قيمه ودينه يمنعانه عن ارتكاب مثل تلك الفاحشة، التي يهتز لها عرش الرحمن.

إحدى أقساط الراحة التي كان يحصل عليها عادة بيومه المتكدس بالهموم والمشكلات والأعمال، هي عندما يجلس قريباً من حظيرة الخيول، ويراقب تلك الصغيرة الفاتنة وهي تمتطي مُهرة خصصها لها لتكون ملكاً لها فيما بعد، حتى أنه أطلق عليها اسم "سيجو" تيمناً باللفظ التحببي الذي يخص حفيدته. والذي يتأكله الخوف يوماً تلو الآخر من أن يعلم ولده بما أخفاه عنه ويجده قد اختفى من حياته هو والصغيرة. فجموح راسل يشبه جموح الجياد، والتي إن روضت وعادت لجموحها ثانية، تخرج زمام أمورها عن السيطرة، بل وتصبح أشد خطراً على المحيطين كونها تصبح كالوحوش المفترسة، والتي ترغب بالثأر.

رفعت سجود يدها ولوحت بها لرياض وهي تصيح منادية بسعادة: –جدو! تثلج صدره بإقرارها بهويته وكيونته لها، بل ويصبح أشد الناس سعادة، عندما يجدها تأتيه ركضاً لتلقي نفسها بين ذراعيه، لتحصل على الدلال المتمثل بشراء ثياب أو حلوى أو أن يحاولا خداع راسل والمقيمين بالقصر بإحدى ألاعيبها الطفولية. لوح لها هو الآخر بيده وقال رداً لندائها: –روحي يا جدو.

سمع رنين هاتفه باسم حياء، فألتقطه بلهفة وفتحه واضعاً إياه على أذنه، فقبل أن تقول شيئاً، كان يبادر هو بسؤالها عن ولده: –راسل عامل إيه يا حياء؟ ابني كويس طمنيني عليكم. أجابته حياء بهدوء: –اطمني يا عمي إحنا كويسين وراسل مش بيغيب عن عيني. أنا اتصلت بيك علشان أطمن على سجود. نظر رياض لحفيدته، التي ما زالت تمتطي مُهرتها، ورد قائلاً:

–سجود الحمد لله كويسة وبخير، بس أنا اللي قلقان عليكم، ومش عارف ليه وافقت إنكم تروحوا بيت أدريانو. ياريتني ما كنت وافقت. وعلى الرغم من إن مأمن وجودكم هنا بس برضه مش مطمن لعمك ده، لأن ابني لو حصله حاجة، مش هيكفيني فيه المرة دي إن أقطعه حتت وأخلي الكلاب تاكله، لأن كفاية اللي راح مني. استشعرت نبرة صوته الخائفة، فهي ليست بأقل خوفاً منه، ولكن زوجها العنيد ذو الرأس اليابس هو من صمم على الذهاب برفقتها.

فزفرت زفرات متتالية حملت على أجنحتها خوفها، الذي لم تستطع أن تداريه وقالت بأمل: –أمتى ينتهي الكابوس ده ونرجع البيت تاني؟ أو أمتى نخلص من الخطر ده كله ونعيش مرتاحين؟ –هاتي راسل وارجعي يا حياء.

قال رياض وهو يضرب الأرض بعصاه، فالخوف نخر قلبه وعقله، وعلى الرغم من اتخاذه كافة الإجراءات اللازمة، لتأمين وجود راسل وحياء ببيت أدريانو، إلا أن عاطفة الأبوة لديه، صارت تجعله يتخيل أبشع الأمور وأسوءها. فيكفي فاجعته الأولى بموت ولده الأكبر، فهو ليس على استعداد لخسارة ابنه الثاني. وكأن جملته زرعت بها العزم فجأة، فردت قائلة بإصرار: –حاضر يا عمي هجيبه وأرجع. هخلص مهمتي ونرجع على طول.

أنهت حياء المكالمة مع والد زوجها، وأغلقت صنبور الماء. فالمكان الوحيد الذي تأمن بالحديث به مع والد زوجها هو المرحاض. فبإمكانها أن تتذرع بحجة أنها تغتسل، كخروجها الآن وهي ترتدي مأزر الحمام وتعقص شعرها بمنشفة صغيرة. فبحثت عن زوجها الذي تركته نائماً أثناء دخولها، وجن جنونها لعدم رؤيته بالفراش. –أنت روحت فين يا راسل؟

قالتها بخوف واقتربت من السرير وأزاحت الأغطية، فوضعت يدها على فمها وهي تكتم صوت صرختها، وهي ترى تلك البقع من الدماء تغطي الملاءة البيضاء. فلو ذبحها أحد الآن لن يجد بعروقها نقطة دم واحدة، فالدماء نضبت وجفت من جسدها فجأة. بل شحب وجهها على الفور، خاصة وهي تتبع أثر الدماء على الأرض، والذي يبدو أنه لن ينتهي، إلا عندما تبلغ باب الغرفة. فبوصولها للباب فتحته، ووجدت أدريانو يقف أمام الباب وهو يبتسم أبشع ابتسامة يمكن أن تراها في حياتك بأسرها. فصدمة تلك الأفكار، التي تدور بعقلها ألجمت لسانها، بل كأنها أخرستها للأبد. فدارت الدنيا من حولها ولم تعد ترى سوى هوة سوداء تبتلعها، تتمنى أن لا تخرج منها وترى ما رفضت تصديقه صار حقيقة واقعة لا محالة.

تلك الورقة التي تحملها بين يديها، كانت الدليل القاطع على أنها تحمل الآن بأحشائها جنيناً، ضمن إحدى منح الله لها، ثمرة عشقها لزوجها، والذي وصلت الأمور بينهما الآن، لتشييد جدران من البرودة والجفاء. فهي لم يكن لديها الوقت الكافي لتنعم بعشقه الدافئ، فحتى عندما أرادت أن تتحدّاه، صار الحال للأسوأ كحالهما الآن. فعلى الرغم من تركها باب غرفتها موارباً كل ليلة، كأنها تمهد الطريق له بأنه مرحب بعودته إليها، إلا أنه كأنه زهد بقربها فجأة، وكان ذلك أدعى لأن يسكنها الشك من أن يكون حديثه الذي قاله أثناء غضبه جدياً، وأنه الآن يمتلك زوجة أخرى.

سمعت حركة بالغرفة المجاورة، والتي لم يكن يفصلها عن غرفتها سوى باب، كانت توصد هى كل ليلة قبل خلودها للنوم. ولكن الليلة أرادت الحديث معه بشأن ذلك الطفل، الذي سيرزقان به بعد بضعة أشهر. فأندفعت ناحية الباب وأدارت المفتاح بالمقبض وفتحت الباب بدون طرقه. خطت عدة خطوات حتى صارت تقف بمنتصف الغرفة، ولكنها لم ترى له أثراً. فنادته بإلحاح: –عمران عمران.

خرج عمران من المرحاض وهو يجفف رأسه، فأزاح المنشفة عن وجهه ورأسه، فنظر لها قائلاً ببرود: –نعم، هي المدام مشرفة بزيارة ليه؟

بعد أن قال عبارته، عاد يجفف عنقه وصدره من بقايا قطرات الماء العالقة بهما بعد اغتساله. ولكن كأن الجو أصبح مشحون بشحنات كهربائية، جعلتها تشعر بارتعاش أطرافها، وهي تتأمل ما حرمت منه بالأيام الماضية. فابتسم هو لعلمه بما يدور برأسها الجميل، والذي اتضح أنه صلب ولا يلين، وربما ذلك عائد لتلك الصفات السائدة بعائلتها، فجميعهم يمتازون بالعناد والكبرياء.

فحركة بؤبؤ عينيها، دلت على أنها تبحث عن شيء آخر يخرجها من تلك الحالة من الضعف التي أصابتها. ولكن هو لم يمهلها فرصة، إذ اقترب منها فجأة مشدداً من حصاره حولها، إلا أن حالة قوية من الغثيان أنتابتها، خاصة بعد استنشاقها تلك الروائح العطرية التي تفوح منه بعد الاستحمام. فتخبطت بين ذراعيه، لعله يطلق سراحها، قبل أن تفرغ ما بمعدتها عليه. فوضعت يدها على فمها وهي تقول: –عمران ابعد ابعد.

وصلت بالأخير لأن تدفعه عنها حتى كاد يترنح بوقفته، وركضت للمرحاض. فبعد أن انتهت من القيء، خرجت تجفف وجهها بالمنشفة. فانكمشت ملامح وجهها وهي تقول بدون أن تعي قولها: –ريحتك مقرفة قوي يا عمران. استشاط غضباً وجن جنونه من قولها، فصرخ بها بصوت جهوري: –أنا ريحتي مقرفة يا بنت النعماني؟ الظاهر إن سكتلك كتير قوي. بدون أن يعي ما يفعل، كان حاملاً إياها وألقاها على الفراش بعنف مستأنفاً: –أنا هوريكي قلة أدبك دي.

عنفه المفاجئ وإلقاءه لها على الفراش جعلها تشعر بألم شديد بظهرها. فقطبت جبينها وقبل أن تقول شيئاً، كان يشن هجومه عليها، كوحش جائع ووجد فريسته. بالأخير، حاولت الصراخ أو أن تقول ما لديها وتخبره بأنها الآن تحمل طفله، إلا أنها كلما حاولت إخباره يخرسها ويجعلها تبتلع كلماتها بجوفها. فأصابها الإنهاك والتعب من شراسته وهمجيته، التي لم تكن تتخيلها بأسوأ حالاتهما، كأنهما اثنان بحلبة للمصارعة ولكن أحد الخصمين، كان لديه العزم والتصميم على النيل من الآخر.

فآلام بطنها زادت عن حدها، وصرخت ميس صرخة مدوية، ولم ينتبه عمران لما يفعله، إلا عندما وجد الدماء تغطي ساقيها. فصُدم عمران لما يراه، وحالتها المزرية التي أصبحت عليها، بل صارت تتلوى بالفراش وهي ممسكة ببطنها وتصرخ وتبكي بأن واحد: –ابني يا عمران ابني! أدرك الآن خطأه الفادح، فنظر إليها بوجه شاحب متسائلاً: –ميس هو انتي حامل؟ دفنت وجهها بالوسادة من الألم وهي تبكي وتصرخ: –اااااااااه.

لم ينتظر دقيقة أخرى، إذ ارتدى ما قابله من ثيابه التي عاد بها من عمله، ودثرها بالملاءة وحملها وهرول من الغرفة بدون أن ينتعل حذاء. فتساقطت دموعه وهو يلعن نفسه على غبائه، الذي جعله يفعل ذلك بزوجته، بل تسبب أيضاً بخسرانها لطفلهما. رآه معتصم وولاء الجالسان بالصالة، ففزعت ولاء من المشهد الذي تراه، وقالت بخوف: –إيه الدم ده؟ ميس مالها؟

لم يكن لديه الوقت الكافي للرد، إذ تجاوزهما وخرج حتى وصل لسيارته. فتبعه معتصم وولاء، حتى وصلا للمشفى. وقف عمران بالخارج مع شقيقه معتصم وزوجته، لحين خروج الطبيب. فقبض معتصم على كتف عمران محاولاً تهدئته: –اهدى يا عمران إن شاء الله خير. بس هو إيه اللي حصل لميس؟ صمت عمران فهو ليس لديه ما يقوله، فهل يخبر شقيقه، أنه اعتدى على زوجته بهمجية؟ فما أنقذه سوى خروج الطبيب، الذي اقترب منه بلهفة متسائلاً:

–هي عاملة إيه دلوقتي يا دكتور؟ رد الطبيب قائلاً بمهنية وآسف: –هي المدام كويسة وممكن شوية وتدخلوا تشوفوها. بس للأسف خسرت الجنين. بس إيه اللي حصل لكده؟ ارتطم ظهر عمران بالجدار بعد سماع الطبيب يقر بتلك الحقيقة التي أراد أن يكون مخطئاً بشأنها. فولاء ومعتصم أصابهما الصدمة مما سمعاه، ولكن لم يجرؤ أحد على قول كلمة واحدة.

فبعد علمه بأمر إفاقتها ولج للغرفة وقدماه ترتعشان. فما أن وقع بصرها عليه حتى صرخت بصوت جهوري مقهور، على الرغم من شعورها بالوهن والضعف: –اطلع براااااا! مش عايزة أشوف وشك! أنت اللي قتلت ابني! قتلته قتلته! على حين غرة، اقترب من فراشها وانحنى إليها باكياً وهو يمسد على رأسها: –أنا آسف يا حبيبتي. بس ليه مقولتيش ليه يا ميس؟ تابعت شهقاتها وهي تقول بصوت ملتاع: –أنت اديتني فرصة أتكلم؟

طلعت حيوان يا عمران وأنا مش عايزة أشوف وشك تاني! اخرج برا!

تساقطت دموعه على جبينها وهو ينحني مقبلاً لرأسها، ولكن دفعته بيديها المرتجفتين. فاستجاب لرجائها بأن يتركها، ولا يجعلها ترى وجهه خاصة بذلك الوقت. وخرج من الغرفة وطلب من زوجة شقيقه أن تلازمها حتى تستعيد عافيتها. بينما هو سار بخطوات شاردة برواق المشفى، يرى أن فعلته تلك حتماً ستخلق فجوة كبيرة بينه وبين ميس. فما أن وصل لسيارته وأستقلها، حتى ظل يضرب بيديه على المقود، وهو يسب ويلعن نفسه، على قطعه لذلك الخيط الدقيق، الذي كان سيعزز علاقته بزوجته.

استدعاء والد زوجته له جاء ضمن تلك الخطط التي وضعها، بأن يقيم لهما بالبدء حفل زفاف ضخم يشهد عليه المجتمع المخملي بالإسكندرية، وقضاء عطلة بإحدى الدول الأوروبية التي لم يطأها بقدميه من قبل. فلبى دعوته التي حملتها له الخادمة. فبعد سماعه بحقيقة أمر والد زوجته، وهو صار يتجنب الجلوس معهما معللاً ذلك بإصابته بآلام الرأس، كونه يفكر كثيراً بعودته المرتقبة للأقصر وأصطحابه لهند معه. فلم تظهر له خالته وزوجها سوى السعادة والترحيب بقراره.

ولج غرفة النوم الخاصة بزوج خالته بعد طرقه للباب ومنحه الإذن بالدخول، فقال بأدب جم: –أيوة يا عمي حضرتك كنت عاوزني؟ أشار له بالجلوس وهو يقول بحبور: –أيوة يا كرم كنت عايزك في موضوع ضروري. جلس كرم وهو يدعي الجهل، فقطب حاجبيه متسائلاً: –خير يا عمي اتفضل قول. سحب من أسفل وسادته تذاكر الطيران الخاصة به وبهند، فناولهما له وقال باسماً:

–دي تذاكر علشان تقضوا شهر العسل، وكمان هعملكم فرح. أنت عارف معنديش غير هند وعايز أفرح بيها. فـ أرجوك يا كرم مترفضش عرضي ده. ولما ترجعوا أبقى أعمل اللي يعجبك واللي أنت مخطط له. أنا كل اللي يهمني سعادة بنتي وطالما سعادتها معاك أكيد أنا هبقى مبسوط وسعيد. أخذ كرم من يده التذاكر بهدوء، فحاول الابتسام قائلاً: –كل اللي أنت عايزه يا عمي أنا تحت أمرك. تهلل وجه زوج خالته بسماع موافقته على حديثه، فشد على يده بسعادة وقال:

–حيث كده أنت دلوقتي تروح تختارلك بدلة للفرح علشان هعملكم الفرح بكرة هنا في الجنينة وكل حاجة هتكون جاهزة متشيلش هم حاجة خالص. أومأ كرم برأسه طواعية على قوله، فخرج من الغرفة مع تركه وعداً له بأن يذهب الآن لانتقاء حلة مناسبة لحفل الزفاف، الذي سيقام بالغد.

أثناء سيره شارداً اصطدم بهند، التي يبدو عليها أنها عادت من الخارج، تسير خلفها الخادمة تحمل عدة حقائب، فشعرت الخادمة بالخجل وهي ترى سيدتها الصغيرة، بين ذراعي زوجها ولا تنوي الفكاك من تلاحمهما، فصعدت هي الدرج لتضع الحقائب بغرفتها. شعرت هند بشروده، خاصة وأنه يرمقها بصمت، ولكن عيناه كأن بداخلها ألف سؤال. فسحبت يديها من على كتفه، وارتدت خطوة للخلف، مما جعله يحل ذراعيه من حول خصرها. فقالت وهي ترمقه بقلق:

–مالك يا كرم، في حاجة يا حبيبي؟ حرك كرم رأسه نافياً، فتبسم بدون مرح وهو يرفع تذاكر الطيران أمام وجهها: –باباكي اداني التذاكر دي وكمان قالي إنه عملنا فرح بكرة. وضعت يديها على صدره، وتألقت عيناها ببريق البهجة والسرور: –إيه رأيك في المفاجأة دي؟ حلوة مش كده؟ –حلوة قوي يا هند.

قالها كرم بصوت خالٍ من الدفء. فلم يشأ أن تسأله عن شيء آخر، إذ أخبرها بشأن خروجه لشراء ثياب من أجل حفل الزفاف، بل وأنه سيبيت ليلته تلك بشقته القديمة. فبعد إلحاحه وافقت، فبالغد سيصبح لها ما تبقى من عمره. فباليوم التالي مساءاً وبحديقة المنزل الشاسعة، كان يقام حفل الزفاف، الذي أصر والدها أن يضم نخبة كبيرة من رجال الأعمال وأصحاب النفوذ والسلطان.

ولجت والدتها الغرفة وصوتها يصدح بالزغاريد، فأخصائية التجميل أنهت عملها على أكمل وجه وتركت هند بأجمل طلة لعروس بليلة زفافها. فقفزت هند بسعادة واحتضنت والدتها وهي تردد: –أنا مش مصدقة يا ماما إن النهاردة هتجوز أنا وكرم تاني والمرة دي بجد وهيبقى جوزي وحبيبي. هو وصل تحت ولا لسه؟ قبلتها والدتها على وجنتيها وهي تردد عبارات التهنئة: –مليون مبروك يا حبيبتي وربنا يرزقكم السعادة يارب. لاء زمانه على وصول.

التفتت هند حولها لتبحث عن هاتفها، فوجدته على الفراش، أخذته لتهاتف كرم وتحثه على الإسراع، فهي بأوج شوقها لرؤيته، على الرغم من أنه لم يمر سوى يوم واحد على عدم رؤيتها له. وضعت الهاتف على أذنها ولكن جاءها الرد بأن الهاتف مغلق، فأعادت الكرة مراراً وتكراراً، حتى استبد بها القلق، فنظرت لوالدتها، وعادت لتحاول الاتصال به مرة أخرى. أخذت والدتها يدها بين كفيها وقالت:

–إن شاء الله خير يا حبيبتي وتلاقي تليفونه فاصل شحن ولا حاجة. أنا هنزل لباباكي يبعت حد يشوفه اتأخر ليه. خرجت والدتها من الغرفة، بينما هي جلست على طرف فراشها، وضعت يدها موضع قلبها، لعلها تخفف من وطأة تلك الخفقات المؤلمة التي تشعر بها. فشعور الخوف اكتسح كل خلاياها، بل عيناها باتت تهدد بسقوط دموعها. فأين هو الآن؟ ولما هاتفه مغلق؟ أو لما أصر على المبيت بشقته؟

فكل تلك الأسئلة تريد إجابات شافية وكافية، لعلها تدرأ عنها وساوس الشيطان، التي بدأت تنخر بقلبها وعقلها.

برودة مفاجئة أصابته وهو جالساً بانتظار سماع الإعلان عن رحلته الجوية. فكأن كل شيء حولة أصبح صامتاً، لا يسمع سوى أنين ذلك الذي يكتنفه بين أضلعه. ولكن لم يعد هناك قرار للعودة، فـ اتخاذه القرار بالرحيل، استلزمه طاقة وجهد كبير على مقاومة روحه المشتاقة والملتاعة لقربها. ولكن عقله اكتفى من كل شيء، ولم يعد يملك الطاقة أو الصبر لتحمل المزيد.

رفع كف يده الأيسر أمام وجهه، وحدق بخاتم زواجه الفضي، الذي لمع بضوء الإنارة الخافت داخل مقصورة الركاب بالطائرة، التي صعد على متنها منذ عشر دقائق. ولم يفعل شيئاً سوى التحديق بكفه الأيسر، فهو الآن بصدد الذهاب لبلاد الضباب، ذهاب إلى أجل غير مسمى. حرك الخاتم حول إصبعه حتى وصل به إلى طرف بنصره، فأسقطه بكف يده الأيمن وقال بألم وأنين العالم أجمع: –سلام يا أحلى ما في العمر وأمر ما فيه، وأجمل كذبة عشتها.

قبض على الخاتم بكف يده، وسرعان ما وضعه بجيب سترته. فالمضيفة بدأت بإلقاء التعليمات الواجب عليهم الالتزام بها أثناء الإقلاع، وما كادت تمر لحظات، حتى شعر بتحرك الطائرة، فأغلق عينيه يمنع تسرب دمعه.

انتهى كل شيء، وصار الآن محلقاً بين السماء والأرض. فنظر من النافذة وهو يرى معالم الحضارة من مباني سكنية وغيرها تتلاشى تباعاً، كتلاشي أحلامه وما تبقى له من أمنيات. كأرض ظن أن الربيع حل عليها ببهاءه، فاجتاحها الخريف فجأة وأسقط أوراق أحلامه من على أغصان أمنياته، التي لم يظن أنها ستكون صعبة المنال. فالحياة تعانده وتحرضه على القتال والكفاح، ولكن هو من ألقى أسلحته مبكراً وأعلن راية الهزيمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...