جفت دمائها بعروقها لحظة استماعها لاقتراحه، بل تصميمه الكامل على أن يرافقها لمنزل عمها، فبتلك الحالة ستكون كمن استدرجت فريسة للفخ، بل كمن ستسوقه للموت بيديها، ولا يعلم ما يمكن أن يكون بانتظاره.
شقيقها وعمها باتت تعلم أي مشاعر مكنونة لديهما لأي فرد من عائلة النعماني أو الزناتي، فهي تحاول فعل المستحيل من أجل الحفاظ على ما تبقى، ولكن أن يتم وضعها بين المطرقة والسندان، لهو الأمر الذي يستحق الرفض، فهي لن تغامر بأخذه لهناك، ولن تجعله يطأ بقدميه ذاك المنزل، أو إذا صح القول إلى مقبرته. فبتخيلها لمصيره الذي يمكن أن يلقاه هناك، جحظت عيناها وحدقت بالفراغ وحركت رأسها بعنف وهي تصيح برفض قاطع:
–لااااء يا راسل مش هتيجي معايا مستحيل. ثورتها بالرفض لمرافقته لها، كانت أدعى لأن يسكن الشك بقلبه وعقله، فحالتها تلك إن دلت على شيء تدل على أن هناك خطب جلل وعظيم، حتى ترفض هكذا أن يرى عائلته. تلاحم حاجباه الكثيفان ورمقها بدهشة متسائلاً: –لأ ليه يا حياء؟ مش عايزاني أروح معاكي بيت أهلك ليه، اللي يسمعك كده يقول كأنك رايحة النار برجليكي، مش رايحة بيت عمك.
تجولت يدها على وجهها، كأنها تحاول ترطيب بشرتها الملتهبة من تدفق دمائها الحارة، فربما هي زادت من رد فعلها حتى أثارت دهشته، لكنها ستعمل على تلطيف الأمر قدر إمكانها. فقالت وهي تبتسم بتوتر: –لا أبداً يا حبيبي، المشكلة أني هبقى مشغولة ببيري ومش هعرف أهتم بيك وأنت معايا هناك وكمان عمي أدريانو وديفيد تقريباً معظم يومهم برا البيت، وبيسافروا كتير أوي، فانت هتقعد مع مين، وكمان ممكن متعرفش تشوفهم، هي دي الفكرة.
إن ظنت بأن تلك الترهات والهراء السخيف الذي قالته، سينطلي عليه، فهي حقًا ساذجة، فالطفل الصغير لن يبدو قنوعًا بأعذارها وأسبابها الواهية، فما بال زوجها الذي يستطيع قراءة تعابير وجهها ويعلم ما تفكر به بكل سهولة. فوضع راسل يده على مؤخرة عنقها وهز رأسها بخفة قائلاً بمداعبة ودهاء: –يا حلاوتك يا روحي وأنتي عمالة تقولي كلمة من الشرق وكلمة من الغرب وفكراني هصدق كلامك ده اللي مدخلش الدماغ من أساسه.
شقت ابتسامة شفتيها، كأنها تحاول إظهار قوتها التي لم يكن لها وجود بتلك اللحظة من كشف زوجها لكذبها المتكرر، فقالت بثقة مزيفة: –هو أنت يعني يا حبيبي مش مصدقني، أعملك إيه عشان تصدق اللي قولتهولك. رفع يده عن مؤخرة عنقها، وبأثناء سحبه لها جذب خصلة من شعرها بين أصابعه، فشد عليها قليلاً، فمال رأسها جهة اليسار، ظنت أنه سيعمل على شد شعرها كتأنيب لها، ولكن وجدته يضع يده الأخرى موضع قلبها.
فدقات قلبها كانت كقرع الطبول، ولكن لم تكن ناتجة عن شعورها بالحب، ولكن تلك الخفقات المرتجفة حملت شعورًا ساحقًا بالخوف. فأجابها وهو يتأمل رأسها المائل: –أكبر دليل على كدبك عليا دقات قلبك دي، اللي بتدق من الخوف أن أعرف أنك بتكذبي عليا، أنتي عاملة زي الفريسة اللي بتحاول تتشطر على صيادها يا روحي. جذبته مرة واحدة من تلابيب ثيابه، بعد أن عدلت من وضع رأسها المائل، فقالت بصوت متهدج دليلاً على غرامها بصيادها:
–وصيادي الحلو القمور ده مش ناوي يبطل أسئلة وكلام كتير عشان هو واحشني أوي في أم الليلة اللي مش عايزة تخلص دي. ذراعه الملتف حول قدها الرشيق، شعرت بأنه كاد يذيب عظامها، خاصة وأنه يحيطها بإحكام جعلها ترفع قدميها عن الأرض، والتحمت كاحليها ببعضهما، تشعر بخفة ورشاقة غير معتادة كأنها محلقة على إحدى غيمات الأحلام.
عندما تتلو عليه عهدًا من عهود الغرام، يجعلها تتلو الذي يليه، فكأن العهود تلك الليلة لن تنتهي، ولكن هناك شيء آخر لم ينتهيا من الحديث بشأنه وهي تلك الزيارة التي ستقوم بها لمنزل عمها، فإن كانت استطاعت إخراسه عن الحديث بذلك الأمر، وتجعله يخوض بحديث غيره، فالآن انتهت إحدى جولات العشق، وعادا لما كان عليه من النقاش.
وضعت رداءها الحريري عليها وشدت رباط خصرها وخرجت للشرفة، تبعها هو لينهي الجدل بذلك الشأن، ويخبرها بقراره النهائي، والذي كان على تصميم كامل أن يجعله قيد التنفيذ. فعقد ذراعيه القويتين أمام صدره الصلب وقال بأمر لا جدال فيه: –حياء أنا هروح معاكي بيت عمك يعني هروح وده آخر كلام مفهوم. ضربت بيدها سور الشرفة وقالت بغيظ: –أنت ليه مصر على الموضوع ده يا راسل، أنت عايز إيه بالظبط قولي أو بتفكر في إيه، إصرارك ده وراه حاجة.
خشيت أن تلتف خلفها وتواجهه، فظلت مكانها توليه ظهرها. فكل كف من كفيها كان يجاورها كفه، بعد أن حاصرها بينه وبين سور الشرفة، فاستند بذقنه على كتفها، وشعرت بثقل رأسه على كاهلها، إلا أنها التزمت الصمت لتعلم ماذا يريد أن يقول بعد ضمته الحميمية لها. أصابت أنفاسه جانب عنقها وهو يقول بلطف:
–حبيبتي أنا ما صدقت أنك رجعتي لحضني تاني وأن بعد اللي حصل ده رجعنا لبعض حتى فكرت أتخلى عن فكرة جوازي من إيلين، بالرغم برضو أنك مش راضية تقوليلي على اللي مخبياه عليا، فعايزاني أعمل إيه أكتر من كده يا حياء. بسماعها قوله أنه سيتخلى عن فكرة زواجه من أخرى، تهلل وجهها، فاستدارت بين ذراعيه قائلة ببشر وسعادة: –بجد يا حبيبي مش هتتجوز إيلين مش هتتجوز عليا يا راسل. حرك رأسه بالإيجاب، ومال بها ودفنها بتجويف عنقها مغمغمًا:
–شوفتي بحاول أرضيكي وأنتي برضه اللي بتحاولي تبعديني، يعني عايزاني بدل ما أروح معاكي أفضل هنا مع إيلين وأنتي مش موجودة، بس الشيطان موجود وشاطر كمان وإيلين حلوة أوي بصراحة وأنا قلبي ضعيف. تدلى فمها من تخليها أن إيلين ربما تنتهز الفرصة أثناء غيابها عنه، وتعود تلك المرة تجدها زوجته، ولكن بوزن قوله من إصابته بضعف قلبه تجاه إيلين، دفعته عنها ورمقته بشر وغيرة عاصفة. فقالت بسخرية:
–سلامة قلبك يا أبو قلب رهيف، صحيح كل الرجالة صنف واحد عينييهم زايغة ومش فارق بقى دكتور ولا غيره، الدناوة في دمكم، وست واحدة متملاش عينيكوا، أصلًا ميملاش عينيكوا غير التراب.
كأنها نسيت كل شيء فجأة وجعلته بصف الخائنين، فهو لو كان يريد أي أنثى غيرها لكان حصل عليها، ولكن تلك العاشقة الحمقاء، التي تنسى كل شيء ولا تتذكر سوى سقطاته إذا كانت موجودة بالأساس، فهو لم يقع بالمحظور من قبل، حتى عندما فعلت صوفيا المستحيل لجرّه إلى شباكها المغرية، وضع هو الحل لحصولها على مبتغاها وهو أن يرتبطا سوياً بميثاق الزواج، ولم يقرب أنثى أخرى بعد صوفيا سواها هي تلك العنيدة، والتي أصبحت تضع حبه وعشقه موضع الشبهات من كونه يركض خلف أي امرأة.
غلت دماءه بعروقه وعادا لما كانا عليه من أمر الشجار والعراك اللفظي بينهما، فقال بجدية: –تصدقي أنتي حلال فيكي متجوزش عليكي واحدة لأ أتجوز تلاتة يا أم لسان أطول منك، ومش عارف أنا ساكتلك ليه أساسًا ملعون أبو الحب ده اللي هيخليكي تبيعي وتشتري فيا كل شوية، واتفضلي بقى روحي على أوضتك عشان عايز أنام.
جذبها من ذراعها بشيء من الحزم والقسوة وأخرجها معه من الشرفة، متجهًا بها صوب باب الغرفة، كأنها هرة أزعجته بمواءها المتواصل وأراد التخلص منها، ولكن ما أن أدار المقبض وفتح الباب، عادت وأغلقته ثانية، بل أنها أسندت ظهرها له واضعة يديها خلفها. –مش هخرج ولا هروح أوضتي كفاية الأيام اللي فاتت مكنتش بعرف أنام من كتر الكوابيس اللي بتجيلي.
قالت حياء بصوت مرتعش، وعيناها تزوع بكل مكان، كأنها تخفف من ضغط الدموع على مقلتيها، التي تنذر إياها بالفرار من بين جفنيها والإنسكاب على وجنتيها، فتلك الأيام التي قضتها بمفردها، تخللتها أحلام مزعجة وكوابيس، جعلتها لا تهدأ بنومها، فالليلة الوحيدة التي نامت بها هادئة ومطمئنة البال، هي تلك الليلة التي قضتها بين ذراعيه في المقصورة على الشاطئ. ابتعدت عن الباب واستكانت برأسها على صدره وعادت لتردد عبارات الأسف التي
لا تعلم لمتى ستظل ترددها: –حبيبي متزعلش مني، أنا مبقتش قادرة أسيطر على لساني ولا على غيرتي أنا حاسة أن أنا تايهة وتعبانة ومضغوطة ونفسيتي زفت وكل حاجة ماشية معايا بالعكس، أنا حاسة أن قربت أتجنن. ابتعدت عنه ورفعت يدها واحتضت وجنته اليسرى واستأنفت حديثها بصدق:
–بس ملقتش حد بيستحمل سخافتي دي غيرك أنت وعارفة أن كل مرة بخليك توصل لحافة صبرك، وأوقات تلاقيك بتفكر تخلص مني خالص، بس صدقني يا راسل مبحسش بالأمان اللي لما أكون قريبة منك، فعايزك جمبي تطمنيني وقت خوفي، تجبر كسرة قلبي وقت حزني، لأن قلبي بقى موجوع أوي من كل حاجة، ومفيش غير حبك ووجودك أنت اللي مخليني مستحملة لحد دلوقتي.
انسحر بوضعها وهي تشير بإصبعها الرقيق تجاه قلبها، فخفت صوتها وإن كان حمل بين طياته الحزن الدفين بين جنبيها، جعل أذنيه تلتقط حروفها بدقة بالغة، يستشعر مدى حزنها وألمها وأنينها الخافت ونداء قلبها له. فتركها تكمل حديثها، وقالت بعد أن أخذت نفسًا عميقًا: –لو عايز تيجي معايا بيت عمي أدريانو ومصر على كده، أنا موافقة بس عايزك مـا تقـ.
اقتربت حديثها، فكيف تحذره من الجلوس بمفرده مع شقيقها أو عمها، فهي لا تأمن صحبتهما له، فلو مسه مكروه أثناء زيارتهما لبيت أدريانو، فهي تقسم على أنها ستحرق المنزل بساكنيه أحياء، حتى وإن كان رابط الدم بينهما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، ولكن تضعه هو وصغيرتهما بكفة والعالم بأجمعه بالكفة الأخرى، ودائماً ما تكون كفته هو الراجحة.
أومأ برأسه موافقاً وهو لا يعي علام يوافق وهي لم تكمل حديثها، فهو يفعل ذلك من أجل أن تأمن جانبه، أو ربما من أجل أن ينهي النقاش ويمهد لها الطريق بأن تمارس عليه إحدى ألاعيبها، التي صار يستمتع بها، فعندما تظن أنها الرابحة، يعود ويبتسم لعدم علمها بأي فخ هي وقعت بملء إرادتها الحرة.
فتحت باب غرفتها بحرص، وأطلت برأسها من شق الباب الضيق، الذي رفضت أن تفتحه على مصراعيه، حتى لا ترى عمران يسطو على الغرفة كالذئب الجائع، فالله وحده هو الأعلم كيف استطاعت أن تنجو بنفسها من بين براثنه بالأيام الفائتة، فكلما تتذكر تلك المرة، التي ظنت بها أنه ذهب لعمله، وخرجت من الغرفة لاطمئنانها لعدم وجوده، لتقع بالأخير بين ذراعيه بعد خروجها من غرفتها مباشرة، كأنه كان بانتظارها ليشن هجومه عليها بذلك العناق، الذي كان أوشك على أن يجعل عنادها وكبرياءها يتلاشى ويتبخرا وتعلن راية الهزيمة أمامه، ولكن ما أنقذها بهذا الوقت تشتت انتباه عمران لصياح معتصم باسمه وهو يبحث عنه من أجل الذهاب للعمل.
ولكن الآن هناك حالة من السكون بالمنزل، فمبيت ولاء ببيت والدتها منذ الأمس ويرافقها معتصم من أجل زيجة والدتها وإتمام الأمر، جعل خوفها يتصاعد خشية ترك غرفتها وتجد عمران ينصب لها فخ آخر. وقفها بأعلى الدرج وهي تنظر يمينًا وشمالًا كأنها تبحث عن شيء ضائع، جعلت تلك الخادمة، التي خرجت من إحدى الغرف، تقف بجانبها وهي عاقدة حاجبيها بدهشة من فعلتها. فقالت باحترام وفضول في آن واحد: –مالك يا ميس هانم بتدوري على حاجة.
شهقت ميس بصوت مسموع من الخوف، تشعر بتناقص أنفاسها من تفاجئها بمجيء الخادمة، الذي لم تضعه بحسبانها بتلك اللحظة. فأغمضت عينيها وحاولت التقاط أنفاسها وقالت بصوت منخفض مرتجف: –حرام عليكي خضتيني ورعبتيني، لأ مفيش حاجة كنت بشوف ولاء رجعت ولا لأ. حملت الخادمة سلة الثياب بإحكام بين ذراعيها وهي تجيبها: –لأ حضرتك لسه مرجعتيش من بيت مامتها هي ومعتصم بيه وعمران بيه خرج للشغل من بدري.
زفرت براحة وتبسمت لعلمها بخلو المنزل من وجود عمران، فقالت بهدوء: –طب حضريلي الفطار وهاتيه على الجنينة عايزة أفطر في الهواء الطلق النهاردة. أومأت الخادمة بطاعة، وهبطت الدرج حتى وصلت للمطبخ، بينما وضعت ميس يديها بجيب بلوزتها الفضفاضة، وتبسم ثغرها على أنها ستحظى ببعض الهدوء والخصوصية، فعادت للغرفة وأخذت كتابًا لقراءته وبعد ذلك هبطت الدرج بتأنٍ حتى وصلت للحديقة.
فالطقس اليوم مشمس يغري على الجلوس قريبًا من المسبح، فتمددت على المقعد الطويل، وبدأت بقراءة الكتاب لحين مجيء الخادمة بطعام فطورها، انهمكت بالقراءة، حتى سمعت صوت والدتها وهي تناديها وتلقي عليها التحية: –ميس أخبارك إيه يا حبيبتي. خفضت ميس الكتاب من أمام وجهها وأغلقت وتركت مقعدها وابتسمت وهي تقبل والدتها على وجنتيها فقالت بترحيب: –أهلا يا ماما نورتي البيت.
جلست سوزانا على مقعد آخر ووجدت الخادمة تقترب بالصينية الموضوع عليها فطور ميس، فوضعتها على المنضدة وانصرفت لتأتي بمشروب بارد من أجل والدة سيدتها. خلعت سوزانا نظارتها السوداء الكبيرة ووضعتها على طرف حقيبتها وقالت وهي ترمق ميس بتساؤل: –مالك متأخرة في فطارك ليه كده، أنتي مش بتفطري مع جوزك قبل ما يروح شغله. ضمّت ميس شفتيها، فعادت وابتسمت بارتباك:
–لأ النهاردة صحيت متأخرة من النوم وكان عمران راح الشغل، بس مقولتليش إيه الزيارة الحلوة دي. نظرت سوزانا لها وقالت وهي تحاول الابتسام: –جيت عشان أشوفك ونخرج نعمل شوبينج سوا، الصراحة القصر عند جدك بقى زحمة بعد ما كان مفيش غيري أنا وهو وعاصم، دلوقتي بقى الحبايب كتير.
حكت ميس طرف ذقنها بخفة، فهي تعلم مدى حب والدتها الشديد للهدوء وأنها دائمًا كانت محبة لكونها هي سيدة قصر النعماني، ولكن الآن أصبح القصر طبقًا للأعراف السائدة بأن سيدته تكون زوجة مالك القصر، وعلى الرغم من أن جدها هو المالك، إلا أن راسل متزوج الآن وله زوجة وهو الابن المتبقي له على قيد الحياة، وليس مثل والدتها أرملة ولده الكبير، فالوحيدة التي يحق لها استلام زمام أمور القصر هي حياء، مثلما هي زوجة عمران واستلمت مهامها الخاصة بإدارة شئون المنزل.
قالت ميس وهي تحاول الابتسام لتخفف من ضيق والدتها الذي لم تستطع إخفاءه: –بس بالذمة يا ماما مش عاملين حس للقصر وخصوصًا سجود بشقاوتها. زفرت سوزانا وقالت بخفوت:
–أهي سجود دلوقتي واكلة عقل جدك خالص، تقريبًا مبقاش شايف حد غيرها، تقريبًا نسيني، وخالك مشغول مع مراته وراسل ومراته وإيلين وخناقاتهم مع بعض، يمكن الوحيدة اللي يعني بتكلم معاها هي وفاء خالة راسل، بس برضه بتخرج الصبح تروح المحل بتاعها وترجع بالليل، بقى معظم النهار قاعدة في أوضتي، فقولت أجيلك نخرج نغير جو شوية. أنحنت ميس للأمام وربتت على ساق والدتها وقالت بتفهم:
–ماما يا حبيبتي مش عايز اكي تزعلي من جدو أنتي أكتر واحدة عارفة هو بيحبك أنتي وخالو عاصم قد إيه، ده تقريبًا كان بيحبكم أكتر من ابنه راسل. تشابك كفي سوزانا وقالت بنهدة عميقة: –أديكى قولتيلها كان يعني دلوقتي الوضع اتغير. وضعت ميس يدها على كفي والدتها المضمومين، وقالت برصانة:
–ماما، راسل وسجود من حقهم برضو أنهم يحسوا بحب جدو ليهم بس مش معنى كده أنه هو خلاص نسيكي، خلي بس كده أي حاجة تمسك وهو هيقلب الدنيا فوقاني تحتاني عشان خاطرك، وخليكي واثقة في معزتك وغلاوتك عند جدو أنتي قبل ما تكوني مرات ابنه، انتي بنت أخوه وهو اللي مربيكي زي ما دايما كنتي تقوليلي.
هزت سوزانا رأسها وهي توافق ابنتها الرأي، فبعد أن انتهت ميس من فطورها، أبدلت ثيابها وخرجتا للتسوق، وبعد التجول عدة ساعات في المتاجر، عادت كل منهما لمنزلها، فذهبت ميس بسيارتها للمرآب الخاص بها، وترجلت منها وحملت ما قامت بشراءه ودلفت للمنزل وصعدت لغرفتها، ولجت للداخل وقبل أن تضغط زر الإنارة سمعت صوت جمدها بمكانها. إذ هتف بها عمران وهو يضغط على زر الإنارة الجانبية للفراش:
–حمد الله على السلامة يا مدام مش كنتي تعرفيني أنك خرجتي من البيت ولا هو خلاص مبقاش ليكي حاكم. ألقت الحقائب من يدها بعنف، وأضاءت المصابيح الكهربائية بالغرفة، فصاحت بصوتها الغاضب: –إيه ملكيش حاكم دي كمان حاسب على كلامك يا عمران أنت فاهم، مش أنا اللي يتقالها كده ماشي يا ابن الزناتي. قفز عمران من على الفراش واستقام بوقفته، هل هي مازالت تملك ذلك الكبرياء اللعين والذي يجعلها تتحداه وتناطحه بالحديث؟
ولكن إن صبر يوم أو بضعة أيام، فذلك لن يعطيها الحق بأن تظن أنه خضع لأفعالها، فهي بذلك لا تعرفه ولا تعلم ماذا بإمكانه أن يفعل؟ وضع يديه بخصره متأهبًا لكل حركة منها، فرد قائلاً ببرود: –وأنتي على ذمة ابن الزناتي، اللي لازم مراته تاخد إذنه قبل خروجها وإن كنتي عايشة كده في بيت أهلك فهنا يا حبيبتي بيت جوزك.
عقدت ذراعيها وتبسمت بسخرية وأشاحت بوجهها عنه، فطاحت بصوابه لفعلتها الهازئة، حتى وإن لم ترد على ما قاله ولكن يكفي تلك الإبتسامة الساخرة، التي زينت ثغرها الوردي. اقترب منها قابضًا على ذراعيها وهز جسدها صارخًا بوجهها: –معناها إيه ابتسامتك دي مش عاجبك كلامي يا ميس ردي عليا.
تأبى لتلك الشرارة المنطلقة من أصابعه الغاضبة والقابضة على ذراعيها، والتي انطلقت بأوردتها كالسم الزعاف، فهل هي اتخذت حيطتها وحذرها بالأيام الماضية، لتأتي الآن ويتسرب الضعف لأوصالها؟ ولكن لا فهي لن تتركه يشعر بانتصاره والذي بدأت ترى بوادره على وجهه، من استرخاء قسمات وجهه، وتلك الإبتسامة التي تلوح على شفتيه القاسيتين، والتي اختبرت كيف يكون عقابهما لعنادها.
فبكل ما أوتيت من قوة، نفضت يديه عنها، بل لم تكتفِ بابعاده هكذا إذ أشارت تجاه الباب وهي تقول بإصرار: –اتفضل أطلع برا أخرج برا يا عمران ومتحاولش تقرب مني تاني فاهم. اتسعت حدقتاه وهو يراها تحاول صرفه بتلك الطريقة المهينة، والتي لن يقبلها منها أو من غيرها فأجابها بدون أن يعي ما يقول:
–أنتي مفكرة نفسك إيه أنتي، فوقي لنفسك إذا كنتي بنت النعماني فأنا ابن الزناتي وإن كنت سايبك تعملي اللي عملتيه فده عشان بس بحبك لكن أنك تزيدى فيها ده اللي مرفوض أنتي فاهمة، أنا بإمكاني كمان ساعة واحدة بس يكون على ذمتي واحدة غيرك وتقولي يا سيدي، يا بنت النعماني، لأن مش أنا اللي أسيب الحب يذل فيها، لأ يبقى لسه معرفتيش مين عمران الزناتي.
قال ما لديه وخرج من الغرفة، فظلت ميس مكانها، تقف مشدوهة مما سمعته منه، كانت تظن أنه سيحاول أن يستمليها إليه ثانية، ويستميت بالحصول على رضاها، ولكن جاءت النتائج مخيبة لآمالها، فبات يهددها بأن لم تضع حدًا لأفعالها معه، سيقوم باستبدالها بأخرى، كأنها تمثال سأم منه وسيحاول شراء آخر ليبهج نفسه برؤياه، فكم هو عنيد، ولكن هي الأخرى لم تكن بأقل منه عنادًا، فهي تريد أن ترى ماذا سيفعل؟
فلو فكر مجرد تفكير بأن يفعل ذلك، ستحرمه من وجودها وليس هي وحسب، ولكن من تلك النبتة التي ربما بدأت تنبت بأحشائها، والتي ستتيقن من وجودها بوقت قريب جدًا.
يعلم أن ما يفعله لهو الخطأ بعينه، ولكنه لم يستطع السيطرة على أفكاره الثائرة، ورجفات قلبه التي إن أنذرت بشيء، تنذر بأن نهايته قد أوشكت على الاقتراب، فما كان من أمره بتشديد أوامره لعقله وقلبه، بأن يلتزما بذلك الوعد والعهد الذي قطعه على نفسه، من أنه لن يحاول الذهاب لرؤيتها أو معرفة شيء خاص بها، صار الآن بطيء النسيان والتجاهل، فالأمر الذي بدأ بمعرفة اسمها، أصبح الآن يعلم أين تذهب؟ وماذا تفعل؟
فبعد علمه بأنها تعمل معيدة بكلية الفنون التطبيقية، وأنها تعمل بإحدى المكاتب الخاصة بالديكورات، ذهب للمكتب بحجة أنه يريد مهندسًا كفئًا من أجل تجهيز مكتبه، الذي ينوي افتتاحه للعمل بالإسكندرية، وأن يتم نقل جزء من أعماله من صقلية لهنا. ولوج المكتب وحمحم بصوت منخفض قائلاً: –لو سمحتي يا آنسة.
التفتت ياسمين تجاه الصوت، فوجدت ديفيد يقف قريبًا من الباب، بالبداية عقدت حاجبيها بدهشة من رؤية ذلك الشاب، الذي يحمل ملامح أوروبية صرفة تمثلت بزرقتيه وشعره الأشقر وملامح وجهه الوسيمة، فظنت أنه رجل أوروبي، ولكنها عادت وتذكرت أنها التفتت إليه بعد محادثته لها باللغة العربية وباللهجة المصرية أيضًا. فردت ياسمين قائلة ببحة صوتها الذي يشبه الهديل: –وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أيوه يا أفندم.
حك ديفيد بإصبعه خلف أذنه اليمنى، بعد سماعه لها ترد بتحية الإسلام، وهو لم يلقيها عليها بالأساس، فحاول تجاوز الأمر وهو يبتسم ابتسامة صافية: –كنت عايز أقابل المهندس صاحب المكتب عشان كنت عايز مهندس ديكور لأن ناوي أفتح مكتب خاص بالأعمال البحرية وعايز حد يجهزيهولي، فسمعت أن المكتب هنا فيه مهندسين كويسين. ردت ياسمين برقة: –تشرفنا يا أفندم، اتفضل اقعد.
اقترب ديفيد من مكان وقوفها، فكان بجانبها يفوقها طولاً ببضع سنتيمترات، فمرت بجانبه لتأخذ مكانها خلف مكتبها الصغير، ليملي عليها ما يريده، أسدل جفنيه على زرقاوتيه، يأخذ نفسًا عميقًا، كأنها نسمة هواء لطيفة مرت من جواره وأراد ترطيب رئتيه بنسيمها.
جلست ياسمين خلف المكتب ووضعت نظارة طبية، على بنيتيها الوديعتين، وأخذت قلمًا ودفترًا صغيرًا للتدوين، ورفعت رأسها وجدته مازال واقفًا مكانه، فنقرت بالقلم على سطح المكتب، لجذب انتباهه، ولكن ظل على حاله، إلى أن هتفت به بهدوء: –يا أفندم اتفضل اقعد واقف ليه وقولي على طلباتك، بس اتشرف بالاسم الأول.
جلس ديفيد حيث أشارت، وعندما هم بفتح فمه ليخبرها باسمه الحقيقي، عاد وأغلقه ثانية يفكر في إخبارها باسم آخر، حتى لا تشعر بالنفور منه كونه شابًا يحمل اسمًا أجنبيًا حتى وإن كانت جذوره مصرية، فلو أخبرها اسمه كاملاً ربما تستطيع التكهن بهويته، فبلمحة خاطفة عاد وتذكر أن أثناء مجيئه لهنا سمع إحدى السيدات تنادي صغيرها باسم "تميم"، فهو كأنه نسى الأسماء كلها فجأة ولم يعد يتذكر سوى هذا الاسم. فحمحم قائلاً بهدوء: –اسمي تميم موسى.
هكذا لن يساورها الشك حياله، فهو أعطاها اسمًا غير اسمه الحقيقي، ولا يعلم أي شيطان وسوس له لفعل ذلك، فهو بدأ السير بدرب الكذب مبكرًا. دونّت هي اسمه أعلى الورقة وهي تقول بتهذيب: –تشرفنا يا أستاذ تميم، قولي طلبات حضرتك إيه. كم يشعر بحرق تلك الكلمات لجوفه ولسانه وهو يريد أن يجيبها بأنه لا يريد شيئًا سواها هي، ولكن لا فليكن أشد حذرًا بالحديث معها. فرفع ذراعه وأسنده لحافة مكتبها وهو يقول بود:
–زي ما قولتلك أنا ناوي أفتح مكتب للأعمال البحرية الخاصة بالمينا، كنت عايز الديكورات حاجة شيك جدًا وكويسة، بس في نفس الوقت عملية ومريحة. دونت باقي حديثه وقالت وهي تنظر بالورقة المدونة: –تمام حضرتك فهمت قصدك، دلوقتي عايزة عنوان المكتب، وتقولي عايز تستلمه في مدة زمنية قد إيه. قبل أن يجيبها على أسألتها، بادر هو بسؤاله الملّح: –هو مين المهندس اللي هيشرف على الشغل. رفعت وجهها وتبسمت ببشاشة وهي تقول:
–أنا حضرتك اللي هشرف على الشغل وأتمنى إن شاء الله يعجبك، ومش عايزة تقلق خالص في أقرب فرصة هتستلم مكتبك زي ما أنت عايز. –لو أنتي اللي هتعمليه، خليكي براحتك على الآخر، مش عايزة يخلص. قالها ديفيد بدون وعي، ولكنه انتبه على ذلة لسانه، عندما وجدها تهتف به شيئًا من الخشونة: –أفندم حضرتك بتقول إيه. أبدى اعتذاره على الفور قائلاً بأسف: –أنا آسف مش قصدي حاجة، كل اللي أقصدة أنك تتمي الشغل براحتك.
رمقته ياسمين باستغراب، ولكن قبل أن تعلن عن قبولها أو رفضها لاعتذاره، سمعت رنين هاتفها، فابتسمت تلقائيًا، ورفعته عن المكتب واضعة إياه على أذنها قائلة بابتسامة حب: –السلام عليكم يا حبيبي، لأ خلاص شوية وهخلص شغلي مش هتأخر عليك سلام. أنهت المكالمة، وعندما عادت تنظر لديفيد، وجدته ينظر لها بشك واتهام، بل أنه لم يحجم لسانه وهو يقول بغضب: –هو مين ده اللي حبيبك وكنتي بتكلمي مين.
فغرت ياسمين فاها ورفعت حاجبيها من هجومه بحديثه غير المبرر على الإطلاق، فنهضت من مكانها وهي تقول باستياء: –إيه حكايتك يا أستاذ أنت، هو أنت مجنون ولا إيه، اتفضل امشي يلا، بدل ما أنادي للساعي يرميك برا. هب ديفيد واقفًا مكانه، ظنت أنه سيأخذ بحديثها ويرحل، ولكن وجدته يدور حول المكتب، وأمسكها من ذراعيها يصيح بوجهها: –بقولك قوليلي مين حبيبك ده انطقي.
نفضت هي يديه عنها، وشعرت بالخوف من جنونه المفاجئ، إلا أنها تسلحت بشجاعتها وعنفوانها، فرفعت يدها اليمنى وصفعته على وجهه صفعة مدوية قائلة بتحذير: –إياك تحاول مرة تانية تلمسني أنت فاهم، واتفضل امشي، أحسن هطلبلك البوليس المرة دي.
وضع ديفيد يده على وجنته، التي تلقت صفعتها القاسية، ونظر إليها وجدها تمسد على ذراعيها، كأنها تريد محو آثار يديه، كأنها تشعر بالاشمئزاز والنفور، ودل على ذلك تلك الدمعات التي ترقرق بداخل مقلتيها، كأنه فعل بها جرمًا لا يغتفر، فلم تكتفِ بما فعلته، فصاحت منادية للعامل، الذي جاءها على وجه السرعة، وأشارت إليه بأن يرافقه حتى الباب، فحظها السيئ أن المكتب اليوم، لم يكن به أحد سواها هي والعامل، فهي من تأتي مبكرًا من أجل مقابلة العملاء لثقة صاحب العمل بها، والذي يكون خالها شقيق والدتها، فكثير من الأحيان يتركها هي تدير العمل أثناء غيابه.
اليوم هو بصدد الذهاب للمشفى برفقة خالته وزوجته، من أجل اصطحاب والد زوجته، الذي مكث بالمشفى عدة أيام فاقت تخمينه، فالطبيب هو الذي شدد على ضرورة وجوده بالمشفى من أجل تلقي الرعاية الطبية اللازمة له، حتى لا يعود ويصاب بتلك الحالة الصحية ثانية، التي رآها أنها كانت ستودي بحياته لولا عناية الله له، فكم من مرة شاهد خالته وهي تبكي خلسة خشية خسرانها لزوجها ووالد ابنتها، فهو يعلم مدى أهميته لها، وذلك الود والمحبة بينهما.
ارتدى ذلك القميص الأزرق، الذي ابتاعته له هند خصيصًا من أجل ارتدائه اليوم، فعلى الرغم من إصراره على الذهاب لشقيقته لجلب ثيابه، إلا أنها أصرت أن تبتاعه له على سبيل الهدية بين رجل وزوجته، فلم يشأ الاعتراض، أو أن يرد لها هديتها ويتسبب في حزنها. سمع صوت طرقات على الباب تلاها إدارة المقبض وولج هند الغرفة وهي تقول بابتسامة عريضة: –خلاص خلصت عشان نمشي. استدار إليها بعد أن انتهى من تمشيط شعره ورد ابتسامتها بابتسامة أشد حلاوة:
–أه خلاص خلصت. أمعنت النظر به جيدًا، فوسامته التي تراها صارخة بمدى أناقته وصفاء رماديتيه، كانت باعثة على الخطر، فتلك الأفكار التي جالت بخاطرها من أنه سيخرج هكذا وربما تراه الممرضات بالمشفى، أشعلت بقلبها فتيل الغيرة، فكيف هي بماضيها لم تر مدى وسامته تلك، أو أخلاقه وصفاته الرجولية التي يتحلى بها وتزيد من افتتانها بوسامته.
ساقتها قدماها إليه كالمغيبة، ووقفت أمامه ومدت يدها تعدل من ياقة قميصه التي لم تكن بحاجة لذلك، ولكن ذلك لم يكن حجة إلا لتقترب منه، وتلمس أناملها جانب عنقه، يضربها ذلك النبض النافر بعروقه من قربها المهلك لقلبه. أزدرد لعابه للمرة التي لا يعلمها، قبل أن يقول بصوت جاهد على أن يحاول خروجه من بين شفتيه، اللتين شعر بجفافهما فجأة: –إحنا مش هنمشي ولا إيه. أجابته بصوت أشد خفوتاً من صوته:
–لأ هنمشي بس كنت بعدلك ياقة القميص، ده طلع عليك حلو أوي يا كرم. تعمدت إكساب صوتها نعومة فائقة وهي تهتف باسمه بآخر عبارتها، التي خرجت تحمل دفئًا واشتياقًا لإحدى صولات وجولات جنونه الذي اعتادته عندما كانت تقيم معه بشقته.
بتردد رفع يديه وأمسك ذراعيها من أعلى مرفقيها، فثوبها الصيفي غير مكتمل الأكمام، لم يكن مناسبًا بتلك اللحظة التي شعرت بأن دفء كفيه، سيشعل النيران بجلدها، فلو كانت ارتدت ثوبًا بأكمام طويلة، لربما تفادت ذلك الشعور من ملامسته لها. –هـ ـنـ ـد.
خرجت حروف اسمها المتقطعة من فمه، تبدي مدى ارتباكه وتوتره، على الرغم من أنه سبق له عناقها وضمها بل بإحدى المرات كان الأمر سيتطور بينهما وكانت ستصبح زوجته فعليًا، إلا أنه اليوم كأنه عاد كرم القديم، الشاب الخجول والذي كان يستحي كثيرًا. رفع وجهه ويمعن النظر بها، ولكن هي من أحثته على قول ما لديه وهي تقول بصوت ناعم: –نعم يا عيون هند.
تفرض أمور دلالها لثقتها وتيقنها الآن، من أن لا شيء سيحول بينهما، فحبها حقيقة لا يمكن إنكارها، كـتلك الحقيقة والبراهين القاطعة على أنها ستحاول أن تكون الزوجة، التي تمناها دوماً، علاوة على أنها تتحرق شوقًا لمعرفة حقيقة أمرها، بأنه سيكون هو أول وآخر من سيمتلكها ويقيدها بقيود العشق والغرام.
خصلة متمردة أبت أن تنضم لمثيلاتها من باقي خصلاتها الفحمية، كان مصيرها الالتفاف حول سبابته، ولكن عاد وإستفاق على تلك الحالة من الهيام، التي بدأت تنشر أثرها بأوردته وكاد يشعر بالخدر من تلك اللمسات الحالمة، التي صارت بارعة بفعلها لتجعله يخضع لها بالأخير. –يلا إحنا لازم نروح لباباكي في المستشفى.
قالها كرم وقبض على كفها وخرج من الغرفة، ليبتعد عن كل تلك المغريات، فوجد خالته بإنتظارهما والتي تبسمت لرؤيتهما يهبطان الدرج سويًا ومتشابكي الأيدي. وصلوا للمشفى وأنهى كرم الإجراءات اللازمة لخروج والد زوجته، فعادوا جميعهم للمنزل ثانية، ساعد كرم زوج خالته بأن يستريح بفراشه، فربت على كتفه وهو يقول بامتنان: –تسلم يا كرم على كل حاجة عملتها معانا، أنا لو كنت خلفت ولد مكنش هيعمل معانا كده. رد كرم قائلاً بابتسامة:
–متقولش كده يا عمي ده إحنا أهل وعلشان كده كنت عايز أتكلم مع حضرتك بخصوص موضوعي أنا وهند. نظر له والد زوجته قائلاً بابتسامة بشوشة: –خالتك قالتلي على كل حاجة، وأنت عارف رأيي، أنا ملقيش في الدنيا دي حد أحسن منك لبنتي. أنهى حديثه وأخذ يدي كرم بين كفيه وضغط عليهما مكملًا لحديثه: –وأنت هتبقى ابني اللي مخلفتهوش ودلوقتي معلش نادلي خالتك.
خرج كرم من الغرفة ونادى خالته، التي خرجت من المطبخ بعد أن أوصت الخادمة بتجهيز الطعام، وولجت غرفتها هي وزوجها، ولكن لا يعلم كرم أين ذهبت هند، فخرج للحديقة للبحث عنها. أثناء مروره بالحديقة، ومن جوار تلك النافذة التي تخص غرفة خالته وزوجها بالطابق الأرضي، سمع ذلك الحوار الدائر بينهما. إذ سمع زوج خالته وهو يقول ضاحكًا: –بس إيه رأيك في اللي عملته بقى جاب نتيجة صح. ردت زوجته وهي تقول باستياء طفيف:
–بس أنت هربت دمنا وخوفتنا عليك، يعني عشان تصلح أمور بنتك مع جوزها تقوم تفول على نفسك بالمرض ودخول المستشفى كمان، يعني لولا أنك قولتلي على الحقيقة، كان زماني دلوقتي لسه مكملة عياطي. زفر زفرة مطولة وهو يقول، كأنه لم يكن يملك حيلة غير تلك التي فعلها:
–أنا معملتش كده إلا لما شوفت بنتي بتتقطع من جواها على أن جوزها هيسيبها، وأنتي عارفة أن هند عمري ما رفضت ليها طلب حتى لو كانت طلبت لبن العصفور، كنت هجبهالها، لأن عارف كرم شهم ومكنش هيسيبكم في الظروف دي وأنه هيفضل جنبكم وساعتها هند هتقدر تقنعه يتخلى عن فكرة الطلاق، حتى كمان ناوي أخليه ميرجعش الأقصر تاني، وأخليه يعيش معانا هنا، لأن بنتي ممكن متستحملش العيشة هناك، ومش عايزها تتبهدل.
ابتعد كرم عن النافذة بعد سماع نداء هند له يأتي من مكان ليس ببعيد، ولكن يكفي ما سمعه، فزوج خالته مارس عليه خدعة من أجل أن يضمن بقاءه بجوار ابنته، فحبه لابنته جعله يسلك كل السبل الممكنة وغير الممكنة لضمان سعادتها، ولكن هل هو لعبة أو دمية، أراد شراءها من أجلها؟
بل أنه ينوي جعله يعيش هنا بكنفه، وأن يصبح زوج الفتاة الثرية، فلو هو وافق على ذلك، سيظن الجميع أنه هو من سعى لأن يكون زوج لابنة خالته، لكي يصبح رجلاً ثريًا ويتمتع بنفوذ والد زوجته، فشعور بالمهانة اكتسح ما لديه من قدرة على التفكير السليم.
أصبحت عيناها غائرتين وجفونها مائلة للون الأحمر، من كثرة إرهاقها بالبكاء وتحريم النوم عليها، فمنذ تلك الليلة وما حدث بها، صارت حالتها أشد سوءًا عن حالات الاكتئاب أو العزلة التي كانت تفرضها على نفسها أوقات كثيرة، ولكن تلك المرة كأنها القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ أصبحت تلازم غرفتها وفراشها بشكل دائم، بل أنها لا تعلم إلى أي حال صار مصير أبيها بعد إطلاقها تلك الرصاصة التي أصابته، فحتى الخادمة التي تعمل على رعايتها والعناية بها، لا تلقي بيرى بنظرة واحدة عليها، ولكن ما أن تسمع مقبض الباب يدور، تغلق عيناها على الفور وتدعي أنها غارقة بسبات عميق، فهي لا تريد أن ترى أحدًا ولا تتحدث مع أحد.
ولوج ثالث طبيب تم استدعاؤه من أجلها، فلم تكلف نفسها عناء إبعاد جفنيها عن بعضهما البعض لتناظره، أو أن تبدي استعدادها لأن يبدأ بفحصها بسبب التراجع الشديد لصحتها، فهي أصبحت كالوردة الذابلة والتي لم يعد لها رونق أو عطر، سوى أوراق جافة وساق أصابه اليبس. –عاملة إيه النهاردة يا آنسة بيرى. قالها الطبيب الخمسيني ذو الوجه البشوش بود، فربما تتخلى عن تظاهرها بالنوم وتفتح عينيها وتجيبه على سؤاله.
ولكن لم يأتيه ردًا منها، ولكن يجب عليه فحصها كما أمره والدها، والذي كان أمره ينطوي على تهديد صريح بالأيذاء إذا فشل بأن يجعل تلك الصبية تفيق من تلك الحالة الصحية المزرية.
أتم فحصه لها وأدريانو يقف قريبًا من الفراش، كأنه يخشى التقدم ويمعن النظر بوجه ابنته، ويرى شحوب وجهها ورغبتها القوية في أن تظل هكذا حتى تنتهي أنفاسها، كأنها اختارت الطريقة الأنسب في تعذيبه، بأنها لن تقدم على الانتحار وتنهي الأمر ببساطة، ولكن ستظل هكذا، حتى يدركها الموت، ولكن ليس قبل أن تجعله يشعر بفداحة أفعاله، وأن تجعل الخوف يأكل قلبه وعقله، فهي تعلم مدى تعلقه الشديد بها.
بدأ الطبيب فحصه لها بدقة وعناية، وبأثناء ذلك سمع أدريانو صوت طرقات متتالية على باب الغرفة، ففتح الباب وجد حياء ومن خلفها زوجها، فلم يكن لديه الوقت الكافي ليبدي دهشته أو صدمته من رؤية راسل هنا وبمنزله. قالت حياء وهي تنظر من خلفه لبيري: –أنا ديفيد قالي أن بيرى تعبانة فجيت عشان أشوفها. رفع يده يشير لها بالدخول، فهرولت بخطواتها حتى وصلت لفراش بيرى وجلست بجانبها تناديها بصوت حنون:
–بيرى أنا حياء جيت عشان أشوفك ألف سلامة عليكي. على الفور فتحت بيرى عينيها ونظرت لحياء، وسرعان ما أجهشت ببكاء مرير وهي تقترب منها تقول بصوت نائح: –حياء، شفته يا حياء شفت عبد الرحمن ويا ريتني ما شفته. ضمتها حياء إليها وربتت على جسدها، لعلها تكف عن الارتجاف كالأرنب المذعور، فلملم الطبيب أدواته ونظر لأدريانو قائلاً بهدوء: –بنت حضرتك محتاجة دكتور نفسي، لأن معندهاش مشاكل عضوية، كل اللي هي فيه ده ناتج عن سوء حالتها النفسية.
أخذ أدريانو الطبيب معه وخرج من الغرفة، ولكن قبل خروجه رمق راسل قائلاً: –معلش أن معرفتش أرحب بيك يا دكتور راسل بس ثواني أوصل الدكتور وراجعلك. أومأ راسل برأسه قدر ما اقتضاه الذوق، فوجد مقعدًا أسفل النافذة، فجلس عليه واضعًا ساق على الأخرى، وينظر لزوجته التي تحاول بث الأمان بنفس بيرى، التي استكانت بين ذراعيها كالطفلة الصغيرة.
تلك هي حياء، إن لم تجعل من يقترب منها يريد دفن يأسه بين ذراعيها الناعمتين، لن تكون صبيته الحسناء، فبعد مرور خمس دقائق، رأى راسل أدريانو يعود للغرفة ثانية ولكن تلك المرة لم يكن بمفرده ولكن يتبعه ديفيد، الذي ولج الغرفة متجاهلاً وجوده عن قصد، واقترب من شقيقته واضعًا قبلة على رأسها وهو يقول بصوت حانٍ: –وحشتيني يا حياء.
لو لم يكن يعلم أن هذا الشاب هو شقيق زوجته، لكان أطاح برأسه من على كتفيه لتجرؤه على تقبيل رأسها، فبعد ذلك نظر إليه ديفيد، كأنه انتبه مؤخرًا على وجوده. فخطى خطاه تجاهه، ورفع يده قائلاً بأنفة وغرور: –أنا ديفيد أخو حياء، أكيد سمعت عني.
استقام راسل بوقفته فصافحه مكرهًا، فالجو بينهما كأنه تم شحنه بالكراهية منذ ملامستهما، فـيد حياء التي تربت على بيرى أصابتها الرجفة وهي ترى زوجها وشقيقها يقفان بمواجهة بعضهما البعض كأنهما اثنان على وشك بدء معركة بينهما، على الرغم من التحضر البادي على كل منهما. واكتملت مخاوفها بانضمام أدريانو لهما، والذي صافح راسل، كأنه يتم العهد بالغدر، ولكن خلف ابتسامة هادئة، وترحيب زائف. فقال أدريانو وهو يرمق حياء بخبث:
–بس فرصة سعيدة أنك شرفتنا يا دكتور راسل، وأتمنى تنبسط بالقعدة معانا هنا، اعتبر البيت بيتك، عن إذنكم دلوقتي عندي مشوار مهم، ديفيد هياخد باله منك على ما أرجع تاني. قال راسل بسخرية فجة: –ده على أساس أن أنا بيبي صغير جاي يزوركم وعايز حد ياخد باله منه يلعب في حاجة ويكسرها. جلجلت ضحكة أدريانو بالغرفة، فرد قائلاً بدهاء: –دمك خفيف أوي يا دكتور راسل وشكلنا هننبسط أوي مع بعض عن إذنك.
خرج أدريانو من الغرفة وأغلق الباب خلفه، سار حتى وصل لذلك الجزء المنزوي من المنزل، والذي يبدو عليه أنه مهجور ولا يجعل أحدًا يقترب منه، أخرج مفتاحًا من جيبه ووضعه بمقبض الباب، فسمع صوت التكات الدالة على نجاحه بفتحه.
ولج للداخل يبحث عنها بعينان تشبه أعين الصقر، وجدها كعادتها جالسة قريبًا من النافذة وأمامها تلك المنضدة التي تراصت عليها أوراق اللعب، فشعرها الأبيض الذي يشبه القطن، تركته مشعثًا كالعادة كأنها تريد إخفاته، أو ربما لتكمل تلك الصورة التي يراها عليها دائمًا بأنها "ساحرة وعجوز شمطاء". تبسمت بدون أن ترفع وجهها، ومررت يدها على أوراق اللعب، حتى نقرت بإصبعها على إحداها وهي تقول بصوتها الحثيث:
–ذنب في الماضي، وهي هتدفع تمنه، بس مش هي لوحدها، نسل إسكندر شمعون صابته اللعنة. نفخ أدريانو بملل قائلاً بحنق: –بطلي تخاريفك دي بقى يا "مارجريت" عشان أنا زهقت، أنا جايلك تشوفيلي حل عشان بيرى، الدكاترة مش عارفين يعالجوها. عادت تبتسم بهدوء ورفعت الورقة التي ارتسم عليها صورة الفتاة قائلة بصوتها المنخفض والمرعب بأن واحد:
–بنتك دواها مش في إيد دكتور، بنت دواها في إيد اللي أنت قطعتله إيده، ترياق بيرى موجود في قلب الغايب، اللي حاولت تبعده عنها، أنا قولتلك دي لعنة، ومفيش حل ليها، مكنتش مصدقني يا أدريانو، لما قولتلك أن لعنة زمان رجعت تاني، أهي بنتك وقعت في الحب، وبنت دانيال غرقانة فيه وهتنكوي بناره، وولى عهدك اللي مستني أنه يبقى خليفتك، زهر الياسمين نبت في قلبه، مثلث وأضلاعه التلاتة هيخرجوا عن السيطرة، هيخرجوا عن السيطرة ويا ويلك يا أدريانو.
–اسكتي خالص. صرخ أدريانو بوجهها واقترب منها قابضًا على تلابيب ثيابها، وهو يرغي ويزبد من ضيقه وغضبه من قولها، الذي تعيده عليه كل مرة يراه بها، تلك المرأة التي تشبه الساحرات الشريرات القدامى، فهي خبيرة بقراءة الورق، رغم تقدمها بالعمر. شعر بنظراتها تذيب عظامه، فهي حتى بدون أن تحاول لمسه، يمكنها بث الرعب به، فأبتعد عنها سريعًا وهو مستطرداً:
–مش أنتي السبب في أنك خبّيتي بنت دانيال عني وهربتيها يعني كان ممكن تتربى مع أخوها وبيري وميحصلش اللي حصل. أطلقت مارجريت نهده عميقة وقالت بحسرة: –يا قلبي عليك يا دانيال، راح ضحية لعمايلك يا أدريانو، كان لازم هو اللي يعيش وأنت اللي تموت يا ابن أختي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!