لا يكاد يسمع صوتاً، سوى صوت نشيجها ونحيبها المكتوم وهي تحاول كبت دموعها. صوت أزيز بعض الحشرات، التي لا تظهر بوضوح، سوى بالأماكن الخالية ومع سواد الليل، جعله يكاد يصاب بالجنون. ألا يكفي ما سمعه منها؟ شعر كأنه تم وضعه بغرفة للتعذيب النفسي. أصوات الحشرات تجعله عاجزاً عن التفكير. فلما اختار ذاك المكان من البداية؟ ولكن ليس هذا وقت تأنيب ذاته على أفعاله الرعناء وسوء اختياره.
فهو لم يضع بباله أنه سيقضي وقتًا أطول بهذا المكان. فمخططه كان أن يذهب بها سريعاً من هنا إلى المأذون، ومنه إلى تلك الشقة، التي استطاع شقيقه نصر تدبير أمرها من أجله، بعد أن ألح عليه وأقنعه بصعوبة بالغة في مساندته ومساعدته بإتمام زواجه من حفيدة أشهر رجل أعمال بالمجتمع السكندري، واعداً إياه بأن إذا تمت أموره وأصبحت على ما يرام، سيساعده بمنحه فرص ذهبية من أجل كسب المال، وسيكون هو غطاءه عن أعين الشرطة، نظراً لكونه سيكون صهراً لرياض النعماني.
"هنعـمل إيه دلوقتى يا نادر؟ قالتها ميس فجأة وهي تنظر إليه بطرف عينيها. فحركته المفرطة التي بدأت تزداد وتيرتها، جعلتها تشعر بشيء من الخوف. فلم يكتفِ بذلك، بل عمل على جذب شعره بغيظ. فصاح بغلظة: "يعني إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا ميس؟ يعني إيه راسل بقى هو المالك الوحيد لأملاك جدك؟ يعني أنتي خلاص شالك من حساباته؟ لازم بتهزري معايا." هزت كتفيها وهي تقول بقلة حيلة:
"هو ده اللي حصل. والمحامي سيباه مع جدو في البيت وتقريباً مضى كل أوراق التنازل، فاضل بس تتسجل." للمرة الثانية يتم خداعه. فبالأولى كانت الفتاة متبناه، والآن على الرغم من أن فريسته تلك المرة من أصول عريقة وثرية، إلا أنها لن ترث. فبعد أن سأم من الدوران حول نفسه، جلس على مقدمة السيارة، وحلق بالفراغ، كأنه ينتظر ظهور حلاً أو مخرجاً من وسط الظلام. عقدت ميس ذراعيها وهي تغمغم:
"والموضوع مش بس كده، ده في عريس كمان متقدملي وعايز يتجوزني. وشكلهم ممكن يوافقوا علشان العريس غني. وحتى كمان أنا أعرفه صاحب سلسلة فنادق مشهورة." ضم نادر كفيه، فتلاحمت سبابتيه ببعضهما باستقامة، فنقر بهما على شفتيه، كأنه يفكر فيما سمعه منها. فبعد مرور دقيقتين على صمته. حدق بها وهو يقول ببرود وخبث: "طب ما تتجوزيه يا ميس وإحنا برضه هنفضل مع بعض؟ تاخدي منه قرشين حلوين ونهرب." لطمته بكفها على وجنته. فما ظنه بها؟
هل هي محتالة وسيئة الخلق، حتى توافق على اقتراحه الدنيء؟ ألا يعلم من تكون هي ومن عائلتها؟ نظرت إليه باشمئزاز واضح وهي تقول بكره لسذاجتها، قبل كرهها لما قاله: "ما كدبوش راسل وحياء لما قالوا عنك إنك واطي وانتهازي وبتحب الفلوس يا نادر. طلعت زبالة فعلاً زي ما قالوا."
تذكرت جلستها مع راسل وحياء بذلك اليوم، عندما أخبرتها حياء حقيقة تركه لها، وأنه ليس الشاب الملائم أو الأمين عليها. فدعم راسل قول حياء، وحاول بشتى الطرق، أن يجعلها ترى حقيقته. فهي ممتنة لهما الآن. تشعر بالغباء على أن حاولت أن تثير عداء عائلتها وبالأخص راسل من أجل هذا الخبيث، الذي لا يتحلى بأي صفة للنخوة والرجولة، بل بشاعة أفكاره، وصلت للحد الذي أراد أن يجعلها كعاهرة تسلب أموال زوجها من أجله.
اتسعت حدقتاه من فعلتها، ولكن قبل أن يصدر منه رد فعل على صفعها له، لمح سيارة تقترب منهما. فلم يعِ أي منهما ما يحدث، إلا بعد أن ترجل ثلاث رجال ضخام الجثة، مهرولين إليهما، فيما خلفت أقدامهم سحابة ترابية، من إسراعهم بالاقتراب منهما. قبل أن يعِ نادر ما يحدث، كان أحد الرجال الثلاثة، قابضاً على ذراعه يكاد يحطم عظامه. فأزدرد نادر لعابه قائلاً بخوف شديد: "هو في إيه وأنتوا مين؟ "هتعرف دلوقتي."
قالها رجل آخر بصوت خشن. فما لبث أن أخرج من جيبه غمامة سوداء وضعها على عيني نادر، والآخر يكبل حركته. فكلما حاول الإفلات من بين يديه، يفشل بذلك.
غريزتها كأنثى جعلتها تحاول الصراخ، لعل أحد يستطيع نجدتها من ذلك الرجل، الذي يحاول الإمساك بها قدر إمكانه بلطف ولين، حسبما تلقى أوامره. فالثلاثة أمروا بأن يأتوا بنادر وميس، دون المساس بها هي فقط. فجرها الرجل بلين حتى وصل للسيارة، ففتح الباب الخلفي، وجعلها تجلس بجانب نادر، الذي أصبح معصوب العينين ومكتوم الفم. "انتوا مين وعايزين مني إيه؟ انتوا مش عارفين أنا أبقى مين؟ أنا أبقى حفيدة رياض النعماني."
صاحت بها ميس، ظناً منها بأن ذكر اسم جدها كافياً، لجعل هؤلاء الرجال يرهبون جانبها، ويعلموا أن عقابهم سيكون شديداً إذا مسها ضر أو سوء. فأخرج الرجل الجالس بجانبهما بالمقعد الخلفي سلاحه الناري، مصوباً به تجاه جبهتها، فقال بوعيد: "مش عايز أسمع منك كلمة، مفهوم؟ لأن ردي هيبقى رصاصة من المسدس ده."
فوهة السلاح القريب من جبهتها، وهي رافعة بؤبؤ عينيها تنظر إليه بخوف، ألجمت لسانها عن التفوه بكلمة أخرى، بل انزوت بجوار باب السيارة المحكم الإغلاق، وأنكمشت على نفسها تضم ذراعيها حول نفسها، وعقلها لا ينفك عن التفكير، عن من يكونون هؤلاء الرجال الثلاثة؟ أو إلى أين هم ذاهبون بها وبذاك الخبيث نادر؟
فعلى الرغم من الخوف، الذي يسير بدماءها، إلا أنها تشعر بالتشفى، وهي ترى الرجل الجالس بجانبها، يلكزه بقسوة بين الفينة والأخرى. فهي كانت بنيتها أن تعود للقصر، وتقدم اعتذارها وندمها لعائلتها، وخاصة راسل. فكلما تتذكر بلاهتها وسذاجتها، تشعر بوخز بضميرها وبأنها كانت حقاً فتاة حمقاء. ***
بعد مكوثها عدة ساعات بالغرفة، خرجت وهي تتأهب للخروج من الشقة. فهما بعد ما حدث بينهما لم يتحدثا، بل سمعت صوت باب الشقة يفتح. ويبدو أنه خرج منذ وقت طويل. فترددها بادئ الأمر، جعلها تأخذ وقتاً أطول في التفكير، ولكنها حسمت أمرها بالأخير. فلتذهب هي بمفردها للطبيبة.
وضعت حقيبتها على كتفها، وتنفست بعمق وزفرت الهواء على عدة مرات، لعلها تعيد تنظيم أنفاسها، وتقضي على ذلك التوتر الساكن بخلاياها. خرجت من الشقة وهبطت الدرج بحرص، حتى لا تخطئ موضع قدمها، وتنزلق من على ذاك الدرج المتهالك كالبناية السكنية نفسها. أشارت لعربة أجرة، وبعدما جلست بمقعدها قالت بجمود: "مستشفى الرحمة لو سمحت." انطلق السائق بالسيارة، وهي لا تعلم هل من الصواب الذهاب للطبيبة بمستشفى راسل، أم أن ذلك حماقة منها؟
ولكنها الآن متزوجة، فبإمكانها أن تبرر زيارتها للطبيبة، أنها تزوجت وتشك بأمر حملها. فهي لم ترَ راسل إلا أثناء مكوث والدها بالمشفى، ولم تتحدث معه مطلقاً، ولا تعلم عنه شيء سوى أنه تزوج. فلا أحد يمكن أن تساوره الشكوك حيالها، هكذا صور لها عقلها. فكأن كل شيء يسير بنمط عكسي، ولا تعلم كيف تزن أمورها أو حديثها.
استغرقت بتفكيرها ولم تنتبه على صوت السائق، الذي أعلن وصولهما للمشفى. فبعد أن انتبهت على ما قاله، أخرجت النقود وناولته إياها وترجلت من السيارة. ولجت للمشفى، فرأت نظرات الممرضات لها، ولكنها لم تأبه بشأن أحد. ولكن تلك الممرضة، التي كانت تخبرها بالكبيرة والصغيرة عن راسل، اقتربت منها وهي ترحب بقدومها: "أهلاً وسهلاً يا آنسة هند، عاش من شافك. فينك كده؟ ردت هند بجفاء:
"مدام هند، أصل اتجوزت. دكتورة النسا موجودة، عايزاها ضروري." فغرت الممرضة فاها ببلاهة من قولها، ولكنها أشارت لها بيدها وهي تقول بدهشة: "آه، اتفضلي للممرضة اللي هنا." تجاوزتها هند وهي تمشي بإباء، وصوت حذائها على الأرضية، يرن بأذنيها كأجراس الخطر. وصلت للممرضة، وطلبت موعداً مع الطبيبة على وجه السرعة. فأشارت لها الممرضة بالجلوس، ريثما تخرج المرأة المتواجدة بالداخل.
جلست هند والخوف يتأكلها. فكلما حرضها قلبها على الهرب قبل الدخول، يعود عقلها يحثها على عدم الاستماع إليه. بعد مرور عشر دقائق، ولجت هند للطبيبة. فبعد أن تصافحا، حاولت هند الابتسام كما تقتضيها الظروف بتلك الحالة. بادلتها الطبيبة ابتسامتها وهي تقول بمهنية: "اتفضلي حضرتك، قوليلي إيه الموضوع." نشبت هند أظافرها بجلد حقيبتها فقالت وهي تبتلع لعابها بصعوبة:
"هو أنا حضرتك متجوزة، فبيجيلي حالات قيء ودوخة، فقولت جايز أكون حامل، فجيت أتأكد." أماءت الطبيبة برأسها وقالت بتساؤل: "معملتيش اختبار حمل سواء في البيت أو اختبار دم؟ حركت هند رأسها بالنفي على ما سألتها إياه، فردت الطبيبة قائلة بهدوء: "هو أفضل حاجة تعملي اختبار دم، علشان لو في حمل هيظهر على طول. فاتفضلي في المعمل هنا، اعملي اختبار دم وارجعيلي تاني."
خرجت هند من غرفة الفحص، وذهبت للمعـمل الخاص بإجراء فحوص الدم. تم سحب عينة الدماء منها، وجلست بانتظار النتيجة. ولكنها لمحت مجيء راسل عبر الرواق الطويل، وهو يتحدث مع أحد الممرضين. فهو ما زال كما هو، يبدو عليه الجدية في العمل. فكان هو الأسبق في الاقتراب منها بعدما رآها. فزوى حاجبيه قائلاً بغرابة: "هند، إنتي بتعملي إيه هنا؟ ابتسمت هند ابتسامة خافتة وهي تجيبه: "كنت تعبانة شوية وجاية أكشف. أخبارك إيه يا راسل؟ قال راسل وهو
يضع يديه بجيب ردائه الطبي: "الحمد لله تمام. أخبار باباكي ومامتك إيه دلوقتي؟ "الحمد لله. عن إذنك يا راسل." قالتها هند وهي تهم بترك مكانها بعد سماع الممرضة تناديها، لأخذ نتيجة فحص الدم خاصتها. استدار راسل برأسه وألقى عليها نظرة أخيرة، قبل ذهابه لغرفة مكتبه. فكأن تلك التي كانت تحدثه فتاة أخرى، غير هند التي كان يعرفها من قبل.
بيد مرتجفة أخذت هند الأوراق من يد الممرضة، وعادت ثانية لغرفة الطبيبة، فناولتها الأوراق ونظرت إليها بقلق في انتظار حديثها. فبعد فحص التقرير كاملاً، طالعت الطبيبة هند وهي تقول بأسف: "للأسف يا مدام هند، حضرتك مش حامل." تتابعت أنفاس هند وانفرجت شفتيها بابتسامة، فصاحت بصوتها بسعادة: "بجد يا دكتورة؟ أنا مش حامل؟ حضرتك بتتكلمي جد؟
تعجبت الطبيبة من أمرها. فهي رأت العديد من النساء، يصابن بالحزن، إذا أعلنت هي أسفها لعدم حملها. أنباء سارة لهن عن حملهن، ولكنها أصيبت بالحيرة من أمر تلك الفتاة، وعبرت عن ذلك بأن سألتها بحذر: "هو أنتي فرحانة كده إنك مش حامل؟ مش انتي قلتي إنك متجوزة؟ أدركت هند خطأها بأن تعبر عن سعادتها هكذا أمام الطبيبة. فعادت وأنكمشت ملامح وجهها وهي تحاول أن تكون أكثر حذراً بردها:
"لأ، مش حكاية فرحانة إن مش حامل بس، علشان لسه في أول الجواز ومش عايزة طفل في بداية الجواز كده، عايزة آخد وقتي علشان أتاقلم على حياتي الجديدة. عن إذنك يا دكتورة." فرت هند هاربة من غرفة الطبيبة، حتى قبل أن تتمكن من سماع ردها على أسبابها الواهية، التي أخبرتها بها. فقبل أن تترك المشفى نهائياً، فكرت برؤية طبيب آخر، لتعلم أسباب تقيئها وغثيانها. فهي بعد أن تنتهي ستذهب رأساً لشقة زوجها. فكم هي ترغب بالعودة سريعاً إليه.
ولكن اغتمت ملامحها بتذكرها تصريحه، بأنه مغرم بأخرى. فحماسها الذي ملأها منذ برهة بالعودة للشقة، ظل يخبو شيئاً فشيئاً، كجذوة من النار طالتها الماء، فانطفأ نورها ولم يتبقَّ سوى دخان ورماد الأمنيات. بعد ساعة عادت هند لشقة زوجها. فتحت الباب لتلج للداخل، فوجدت كرم ينتظرها بالصالة مكفهر ومتجهم الوجه. لم ترَ بعينيه سوى سخط ونقم، ولا تعلم علام كل هذا؟ قبض على ذراعها وهز جسدها بخشونة وهو يصيح بوجهها: "كنتي فين ده كله؟
وبرن عليكِ تليفونك مقفول. حتى رنيت على مامتك فعرفت إنك مش عندهم، فكنتي فين يا هند؟ انطقي." رأت اتهاماً صريحاً بعينيه، يحاول أن يواريه هو خلف غضبه. فنفضت يده عن ذراعها وهي تقول بحدة: "هكون فين يعني؟ كنت في المستشفى، روحت أكشف علشان أعرف إيه سبب الحالة اللي أنا فيها، وأطمن. مطلعتش حامل ولا حاجة، لأ طلع عندي التهابات في المعدة. وأدي الدوا والروشتة بتاعه الدكتور، شوفهم بنفسك."
وضعت ما تحمله بيدها بين يديه بخشونة، فكاد أن يترنح بوقفته، بعدما اصطدمت بكتفه، أثناء مرورها من جانبه؛ لتذهب لغرفتها، فصفعت الباب خلفها، محدثاً صوت صرير مزعج.
جلس على الأريكة ووضع الدواء من يده على المنضدة الصغيرة أمامه، فظل على جلسته تلك ما يقرب من النصف ساعة تقريباً، وهو يأنب ذاته على اندفاعه بسؤالها هكذا. فهو عندما عاد للشقة ولم يجدها، طار صوابه، خاصة بأنه لا يعلم أين ذهبت بهذا الوقت. ولكن لم يكن عدم علمه بمكان وجودها، هو من أجج نيران الغضب بداخله، بل شعوره القاتل بالغيرة، ومن الوساوس التي ملأت عقله. ***
اصطف الخدم والعاملين بالقصر والحرس صفاً واحداً، أمام سيد المنزل الأول وكبير تلك العائلة. فبعد علمه بأن حفيدته، تركت غرفتها، بل وتركت القصر بأكمله، ولم يعثر لها على أثر، أمر بأن يقف الجميع أمامه، من أجل محاسبتهم، على التقصير بمهامهم. فلا يعني أنه إذا صار عجوزاً، أنه لن يستطيع إحكام سيطرته على كل من يعمل لديه. فهو كان وما زال رياض النعماني، الذي بإمكانه اسمه فقط أن يرهب الجميع.
كل منهم يقف يضم كفيه، ومنحنٍ الأكتاف والرأس، احتراماً لسيدهم، وخوفاً من مصير غضبه، الذي تجلى بوضوح في نقره لعصاه على الأرض، بكل ما يحمله بداخله من استياء. فصاح بهم بصوت جهوري: "انطقوا قولوا مين اللي ساعد ميس تخرج من القصر، وإلا والله العظيم هيبقى حسابكم عسير. سواء اللي غلط أو مغلطش، كلكم هتتعاقبوا."
تصَبب العرق على وجوههم، حتى قررت تلك الفتاة التي ساعدتها، بأن تعلن عن نفسها وندمها بأنها هي من ساعدت السيدة الصغيرة على الهروب من القصر. فركت يداها ونكست رأسها المغطاة بنقابها، فكادت تشعر بألم بأصابع قدميها، وهي تحاول ضمهما من شدة خوفها بعد أن يعلم سيد المنزل الكبير، بأنها هي الجانية التي يبحث عنها. "أنا يا رياض باشا اللي ساعدتها تخرج."
صدحت تلك الكلمة من فمها بارتعاش، وجسدها يرتجف بأكمله، كأنها تلميذة ستتلقى عقاباً شديداً من معلمها. فبإشارة من إصبعه كان آمراً البقية بالانصراف، بينما أشار لها هي بالاقتراب منه بضع خطوات. فتلك الفتاة كان أبوها المتوفى من رجاله المخلصين، ووالدتها تعمل هنا بالقصر منذ زمن بعيد، فذلك ما سيشفع لها بأن يحدثها بهدوء، عوضاً عن تأديبها بالطريقة الملائمة لتقصيرها ومخالفتها لأوامره. ولكن لم يمنع صوته أن يخرج مستاءً أثناء قوله:
"عملتي ليه كده؟ أنتي مش عارفة إن مانع ميس تخرج من أوضتها، تقومِ تخرجيها من القصر كله." لم تجد ما تبرر به فعلتها، سوى أنها لم ترد أن تخيب رجاء ميس بها. فدمعت عيناها وهي تقول بعد أن أطرقت برأسها أرضاً: "محبتش أزعل الآنسة ميس، أنا بحبها ومحبتش أزعله."
نظر رياض لسوزانا الجالسة بجانبه ولا تفهم بكلمة، بل تحدق بالفراغ، كأنها أصيبت بضربة رأس قوية. فهي كانت أول من اكتشفت أمر اختفاء ابنتها. فخرج عاصم برجاله للبحث عنها، بينما هي ظلت هنا بانتظار سماع أي خبر عنها. فقبل أن يعود رياض للحديث مع الفتاة، أعلنت الخادمة عن مجيء ضيف يصطحب معه ميس ورجل آخر معصوب العينين. فصرف رياض الخادمة وأمر الأخرى بأن تجعل الضيف يلج لغرفة المعيشة.
دلف عمران يجر نادر من يده المكبلة أيضاً، وتتبعهما ميس الساخطة على ما حدث لها اليوم، من اكتشاف حقيقة من ظنت أنه حبها الحقيقي، ومن وقوعها بيد عمران بعد اختطاف رجاله لهما. فربما هي نائمة وتحلم بكل هذا. وقف عمران على مقربة من مجلس رياض، فأفتر ثغره عن ابتسامة جانبية وهو يقول بسخرية تجلت بكلماته الشامتة:
"مساء الخير يا رياض باشا. أنا عمران الزناتي. سمعت كده خير اللهم اجعله خير، إنك بتدور على حفيدتك، فجبتهالك هي واللي كانت هتهرب معاه من وراكم. أصل الصراحة خفت على اسم عيلتكم، فحبيت ألم الموضوع من غير شوشرة." ظن عمران أنه سيرى نظرة انكسار بعيني رياض، بعدما تفوه بعباراته الساخرة، ولكن وجده يستند بظهره للأريكة بأريحية، ويده قابضة على رأس عصاه بشموخ معتاد. فتبسم رياض وقال ليجاريه بسخريته: "لأ، شهم يا ابن الزناتي."
تلفتت ميس خلفها، لعلها ترى من ينقذها من براثن والدتها، التي رأتها تقترب منها بخطوات حثيثة. أثارت بقلبها الخوف، فهي على علم ودراية بما ستفعله. فلم تنتظر طويلاً حتى تلقت وجنتها صفعة قوية. فلم تكتفِ سوزانا بذلك، بل قبضت على شعرها وهزت رأسها بعنف وهي تصرخ بوجهها: "لييييه تعملي كده؟ أنا ربيتك على كده يا دكتورة، ليييه؟
همت برفع يدها ثانية، لتصفعها صفعة أخرى، فوجدت من يقبض على رسغها مانعاً إياها من فعل ذلك. فحولت بصرها عن وجه ابنتها لوجه راسل، الذي لا تعلم من أين أتى هو الآن؟ ارتمت ميس بين ذراعيه وهي تبكي بصوت مسموع وشهقات متلاحقة، منعته من أن يلتقط حروفها بوضوح وهي تتحدث: "راسل، وو الله أنا كنت هرجع تاني. أنا عرفت القذر ده على حقيقته، بس لقيت رجالة خطفونا قبل ما أرجع."
حدق راسل بأبيه، في حين أن يده تربت على ميس لتجعلها تكف عن البكاء. فهو تلقى منها رسالة عبر الهاتف، تخبره بضرورة المجيء للقصر، وبأن الأمر هام للغاية، بل هو أمر حياة أو موت. فدب القلق بقلبه، وبسرعة فائقة كان يقود سيارته للوصول لقصر أبيه. "بس يا حبيبتي، إهدي وقوليلي إيه فيه بالظبط."
قالها راسل بهدوء وحنان، في حين أن عيناه ترمق عمران، الواقف على مقربه منه، وليس هو بمفرده، بل نادر راكعاً على الأرض، كأنه ينتظر تنفيذ الحكم بالموت. أصبح الموقف أكثر تأزماً بعودة عاصم هو الآخر. فآمر رياض بابعاد جميع الحرس والعاملين عن غرفة المعيشة، وإذا علم أن أحد استرق السمع على تلك الجلسة، فسيعاقب عقاباً عسيراً. "آه يا عمران يا ابن...
همست ميس بقرارة نفسها باستياء. فكلما رأت ابتسامته وهو يطالع الحاضرين، تود لو تقترب من عنقه وتزهق أنفاسه. فهي كانت ستعود وستنهي الأمر، لولا تدخله اللعين. فراسل لم يحجم نفسه عن ضرب نادر، الذي خرج صوته مكتوماً نظراً لتكميم فمه، فأزاح عصبة عينيه وفمه. فعلا صوت صراخه، كلما تلقى ضربة أو صفعة من يده. "بس يا راسل."
أتاه هذا الأمر من أبيه، بأن يكف عما يفعله. فضرب بأمره عرض الحائط، وعاد لما يفعله ثانية. فأشار رياض لعاصم بأن يفض الأمر، قبل أن يؤل للأسوأ. "خلاص بقى سيبه، أنت ما صدقته." تفوهت عاصم وهو يجذب راسل، الجاثم على صدر نادر يكاد يزهق روحه. نفض راسل يد عاصم عنه، بعدما استقام بوقفته فقال ببرود: "أنا هاخد ميس عندي البيت اليومين دول. يلا يا ميس." "ميس مش هتخرج من هنا إلا على بيت جوزها وفرحها الأسبوع الجاي على عمران الزناتي."
قال رياض فجأة، فألجمت عبارته ألسنة الحاضرين جميعهم. فعمران لم يظن أنه سيوافق هكذا بكل سهولة، على ما سبق وأخبر به عاصم. فبعد أن انقشعت سحابة الصمت، أبدى راسل رفضه لزواجها من من يضعه بمنزلة الأعداء. ولكن كانت كلمة أبيه كالسيف، ولن يتراجع عن قراره. فرأى أنه من الأفضل الذهاب لمنزله، عوضاً عن بدء مشاجرة بينهما. فأبيه يبدو عليه التصميم الكامل على زواج ميس من عمران. فلا أحد آخر سيخالف له أمراً، فهو على ثقة بذلك. ***
حملت حياء قدح القهوة الخاص بوفاء، والذي كانت أوصت الخادمة، أن تأتي لها به بالحديقة. ففضلت هي حمله إليها، فهي تريد الحديث معها قليلاً، لعلها تصبح أكثر تفهماً لحالات زوجها المزاجية المتغيرة باستمرار. فتذكرت بالأمس بعد عودته من الخارج، وكأن العالم سيفنى بين دقيقة وأخرى. فهو لم يصعد للغرفة، بل وجدته بالملعب خاصته. فلم يكتفِ بتنفيس غضبه بلعبته المفضلة، بل رأته كيف حطم الزجاج الموجود بالغرفة بالمضرب.
"اتفضلي يا ماما وفاء القهوة بتاعتك." هتفت بها حياء بابتسامة وهي تضع قدح القهوة أمامها، فتبسمت لها وفاء بدورها شاكرة إياها. ارتشفت وفاء القهوة مغمغمة باستـمتاع، ولكنها رأت نظرات حياء الحائرة، وكأنها تود سؤالها عن شيء. فبادرت بسؤالها: "مالك يا حياء؟ في إيه؟ شكلك عايزة تسألي على حاجة." زفرت حياء وهي تقول بقلة حيلة:
"الصراحة كنت عايزة أتكلم معاكي بخصوص عصبية راسل المفرطة دي. دا بيأذي نفسه وهو مش حاسس. أنا الصراحة بقيت أخاف من ردود أفعاله." وضعت وفاء قدح القهوة من يدها، فهي على علم ودراية بما تقوله حياء، فهي سابقاً كانت تبذل مجهوداً كبيراً لقمع غضب راسل. ضغطت بيدها على عينيها بإرهاق:
"مش عارفة أقولك إيه يا حياء. ليكي حق تخافي. إذا كنت أنا بخاف من عصبيته، أنا لما كان بيعمل كده وهو صغير كنت بحايله لحد ما يهدى، لكن لما كبر الموضوع بقى صعب شوية. بس بالرغم من كده هو ميقدرش يأذي اللي بيحبهم." تعلم هي هذا، ولكن خوفها لم يكن على شيء إلا عليه. فهي لا تريده أن يتسبب بإيذاء لنفسه. فجلستها مع وفاء أسفرت عن نصائحها لها بأن تكون صبورة وتحاول احتوائه وقت غضبه.
نظرت حياء لهاتفها، فوجدت أن الوقت حان للذهاب لمنزل مربيتها صالحة، فهي بالغد ستسافر لتأدية مناسك العمرة، وتريد رؤيتها قبل سفرها. فنهضت حياء وهي تقول باسمة: "عن إذنك يا ماما، أنا هروح لدادة أسلم عليها قبل ما تسافر بكرة تعمل عمرة. أنا كنت هاخد سجود معايا بس نامت، هي في أوضتها فوق وأنا مش هتأخر."
أماءت وفاء برأسها موافقة، فخرجت حياء من المنزل، تقود تلك السيارة التي ابتاعها لها راسل بوقت قريب. لم تستغرق وقتاً طويلاً في الوصول لذلك الحي، الذي تقطن به صالحة وتقع به تلك الشقة التي كانت تسكنها قبل زواجها من راسل. ففكرت أن تعرج عليها بعد انتهائها، فهي كانت تاركة كل أغراضها بها. طرقت حياء الباب، ففتحت صالحة الباب وصاحت بسعادة لرؤيتها: "حبيبة قلبي، اتفضلي."
احتضنتها حياء وقبلت وجنتيها، فولجت للداخل ورأت أبناء صالحة، اللذان رحبا بقدومها، فأنصرفا بعد وقت قصير، وظلت حياء بمفردها مع صالحة. ناولتها صالحة كوب الشاي وهي تستطلع أحوالها مع زوجها: "عاملة إيه يا حبيبتي مع جوزك، كويسة؟ ابتسمت حياء وقالت وهي تحرك رأسها بالإيجاب: "الحمد لله يا دادة. راسل كويس أوي معايا وبيحبني، وأنا كمان بحبه. وحبيت بنته كأنها بنتي أنا كمان، وحبيت ماما وفاء، بقوا عيلتي وعزوتي."
فرحت صالحة بسماع قولها، فوعدتها أنها ستدعو لها بأن يديم الله عليها السعادة. فبعد أن ودعتها حياء وداعاً لم يخلو من الدموع والأحضان، خرجت من المنزل واستقلت سيارتها، فقادتها حتى وصلت أمام المسجد، فترجلت منها وصعدت للشقة، ففتحت الباب وولجت وأضاءت زر الإنارة بالصالة. سمعت رنين هاتفها باسم زوجها، فأخبرته بمكان وجودها، فطلب منها انتظاره وسيأتي إليها.
فتحت نافذة الصالة ونظرت للخارج، وسمعت صوت زغاريد قادم من مكان قريب، ففكرت بالذهاب لشراء طعام لها ولزوجها من أحد المطاعم، فهي تريد قضاء بعض الوقت معه هنا قبل عودتهما للمنزل، لعلها تعلم ما امتنع عن إخبارها إياه حول ما أزعجه بالأمس. قبل أن تصل للمطعم، قابلت زوجة الإمام، التي صافحتها بحرارة مرحبة بقدومها، فعلمت منها أن اليوم ستتم خطبة بلال على إحدى فتيات الحي، فأصرت على الذهاب معها من أجل تهنئته.
فولجت برفقتها لإحدى البنايات وصعدت لتلك الشقة المقام بها حفل الخطبة، تعجب بلال بادئ الأمر من رؤيتها، إلا أنه تبسم لها وهي تقترب منه تردد عبارات التهنئة: "ألف مبروك يا أستاذ بلال، ربنا يتمم بخير. مبروك يا عروسة." رد بلال قائلاً بتهذيب: "الله يبارك فيكي، ونورتي."
جلست حياء لما يقرب من العشر دقائق، واعتذرت مغادرة معللة أنها لا تريد التأخير في العودة لمنزل زوجها. فخرجت من البناية وذهبت للمطعم وابتاعت ما ألزمها وعادت للشقة ثانية. وجدت راسل يقف أمام الشقة واضعاً الهاتف على أذنه وينفخ بضيق. فرآها تصعد الدرج فهتف بها بتساؤل: "حياء، أنتي كنتي فين؟ برن عليكِ مبترديش، قلقتيني عليكي." رفعت الأكياس البلاستيكية أمام عينيه وهي تقول بابتسامة:
"نزلت أشتري أكل، كنت حابة نأكل مع بعض هنا. والتليفون سيبته في الشقة، بس وأنا راحة أشتري الأكل عرفت إن حفلة خطوبة بلال ابن إمام المسجد. فرحت أباركله، معلش يا حبيبي لو كنت اتأخرت عليك." فتحت باب الشقة وسبقته بالدخول، فولج بأثرها وأغلق الباب خلفه. فخلع عنه سترته وقام بثني أكمامه عن ساعديه، بينما هي كانت بالمطبخ، تقوم بوضع الطعام بالأطباق. فأستند بمرفقيه على الحائط المنخفض والفاصل بين المطبخ والصالة. فحك
لحيته وهو يقول بمكر طفيف: "بس ليه عايزة ناكل هنا لوحدنا؟ ابتسمت وهي تضع الأطباق على السطح الرخامي قريباً منه، فقالت بصوت منخفض وهي تنحني إليه: "علشان حابة أستفرد بيك النهاردة، يعني اعتبر نفسك مخطوف بس مع خدمة فايف ستار." قبض على طرف حجابها؛ ليمنع ابتعادها، فصعدت يده لوجنتها يلاطفها بوله هامساً: "وأنا موافق تخطفيني زي ما خطفتي قلبي مني."
لم يكن أمر تناول الطعام محل طلب منهما الآن. فجوعه للقائها كان هو الغالب على كل ما تقتضيه الظروف، من تناولهما للطعام والعودة للمنزل. ولكن بإمكانه اختطاف لحظات من السعادة بقربها، كتلك الدقائق التي مرت وعيناها وشفتيها تفِي بنذور وعهود العشق. ***
بعد وصول زورق الخيال لمرفأ الأحلام، وجدت عيناها تطالبها بالنعاس، الذي يستطيع سرقته من بين جفونها بسهولة. فالآن ستغفو على صوت نبضات قلبه الصادحة أسفل أذنيها وهي تتوسد صدره، بعدما نجح بإلهائها عن التفكير بسؤاله عما حدث البارحة وتسبب بتعكير صفو مزاجه. ***
تلك الرفاهية التي يحيا بها بمنزل أبيه، جعلته يتخذ قراراً من شأنه أن يغير مستقبله بالأيام القادمة. فوالده لم يبدو عليه أنه مستاء من وجوده، بل على النقيض يشعر بأنه أكثر تفهماً لوجوده، كأنه اعتاد على رؤيته يتجول هنا وهناك بالمنزل الفسيح. فأخذ هاتفه وذهب لغرفته، فهو سيتحدث مع والدته بشأن إقامته بالإسكندرية بصورة فعلية ونهائية. فهو حتماً لا يرغب بالعودة للولايات المتحدة الأمريكية، ويحيا بكنف زوج والدته الحقير ثانية.
رأى والدته تبتسم له عبر الفيديو، أثناء محادثتهما على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك". فتبسم لها بدوره وهو يقول بتوتر: "ماما أخبارك إيه؟ وحشتيني." ردت والدته قائلة بحب: "وأنت كمان يا حبيبي وحشتني. هترجع امتى؟ المفروض أيام سفرك لباريس تخلص وترجع هنا تاني." شاعراً بالألم من ضمه لشفتيه، يخشى خروج الكلمات من بينهما. فمن المؤكد أن والدته ستثور بوجهه الآن بعد علمها بما ينوي قوله، ولكن حاول أن يتحلى بالشجاعة. فقال دفعة
واحدة دون أن يلتقط أنفاسه: "ماما، على فكرة أنا مش في باريس. لأ، أنا في إسكندرية وفي بيت بابا ومش راجع أمريكا تاني. أنا هعيش هنا، وده قراري الأخير، وأتمنى متزعليش مني." انتظر لسماع رد والدته على ما قاله، إلا أنها ظلت على حالتها الساكنة والمذهولة من حديثه معها. فبعد أن أزاحت عن فمها غطاء الصمت. قالت بعصبية مفرطة: "باباك!
وهو تلاقيه فاكرك ولا عايزك أصلاً يا عمرو. قدامك ٤٨ ساعة ترجع فيهم أمريكا، وإلا صدقني مش هتعرف أنا هعمل إيه. أنا... قطعت حديثها بعد جلوس زوجها بجانبها، الذي تبسم لعمرو عبر الهاتف، فتعكر مزاجه بالكامل. فربت على ساق زوجته وهو يقول بهدوء وخبث متقن: "إهدي يا حبيبتي، ابنك كبر دلوقتي وأكيد عارف مصلحته، مش كده يا عمرو يا حبيبي؟ رد عمرو بإنفعال قوي وغيظ عظيم: "آه، عارفها. وأنا قلتلكم على قراري. سلام بقى علشان مش فاضي."
أغلق الهاتف وألقاه على الفراش، وهو يطلق سباباً لاذعاً من بين شفتيه يخص به زوج والدته. فترك غرفته وهبط الدرج، ولكن أثناء مروره من أمام غرفة مكتب أبيه، سمع صوتاً بالداخل، فوقف يتنصت على الحديث. فسمع أبيه وهو يقول بإنزعاج: "يعني إيه الكلام ده؟ عايز ترجع في كلامك وتنزل في السعر؟ لأ، أنت بتحلم." رد أحد الرجلين المتواجدين معه بغرفة المكتب:
"يا فواز بيه، المبلغ المطلوب في البضاعة دي كتير أوي ومش ده السعر اللي اتفقنا عليه قبل كده." "يا حبيبي ده أغلى صنف موجود دلوقتي، دي بودرة هيروين بيور مش مضروبة زي اللي بتشتغلوا فيها ومش موجود عند أي حد في مصر كلها." قالها فواز بشيء من الفخر. فأتسعت حدقتا عمرو الواقف بالخارج، فبعد علمه أن أبيه يعمل بتجارة المخدرات، قرر أن يستمع للحوار كاملاً. فهتف الرجل الآخر قائلاً بضيق:
"مش معنى إن 'أدريانو إسكندر' هو اللي مخليك أنت بس اللي تشتغل في الصنف ده، يبقى تغلي علينا السعر كل شوية يا فواز بيه؟ كده كتير أوي." قال فواز بعدم اكتراث: "ده اللي عندي، عاجبكم كان بها، مش عاجبكم يادار ما دخلك شر. وشوفوا هتجيبوا بضاعة منين. ومع السلامة بقى دلوقتي علشان صدعت من الكلام معاكم."
كاد عمرو يهشم تلك المزهرية، التي اصطدم بها، أثناء محاولته الهرب من أمام غرفة المكتب، قبل خروج والده وضيوفه. فبسرعة البرق كان يستند على أحد الأشجار بالحديقة، يحاول التقاط أنفاسه، وعقله لا ينفك عن التفكير فيما سمعه وعلمه عن والده. فأبيه لا يختلف كثيراً عن زوج والدته. ولكنه يفكر الآن في كيفية الاستفادة من معرفته بما يفعل والده. فتلك الفرصة لن تتاح له ثانية. ***
وقف بجوار الفراش المستلقي عليه شقيقه. فالطبيب يعمل على تضميد تلك الجروح التي ملأت وجهه وجسده. ولكن أخبره الطبيب بأن يطمئن، فنادر بإمكانه التماثل للشفاء بوقت قريب. فتذكر عندما هاتفه نادر، يكاد يخرج صوته من فمه، وهو يطالبه بالمجيء لأخذه، بعدما تخلص منه رجال عاصم وأخرجوه من القصر. فهم أيضاً أبرحوه ضرباً، بعدما تركه راسل.
فهو يرقد بالفراش منذ ثلاث ليال، ويأتي الطبيب يومياً للاطمئنان عليه، ووضع ضمادات جديدة على تلك الجروح، التي إن دلت على شيء، تدل على أن نادر كان أقرب أو أدنى من الموت. "تمام كده يا نصر بيه، أنا خلصت وإن شاء الله قريب تبقى كويس." تفوه بها الطبيب وهو يخلع قفازه الطبي، ويلملم أدواته الطبية، التي كان بحاجة إليها، أثناء اعتنائه بتضميد جراح نادر. شكره نصر على صنيعه وهو ينظر لوجه شقيقه: "شكراً يا دكتور، اتفضل أنت مع السلامة."
خرج الطبيب من الغرفة، فجلس نصر على طرف الفراش، وعيناه ساخطة على رؤية شقيقه الأصغر، بتلك الحالة الصحية المزرية. ولكنه لم يستطع منع نفسه من أن يصيح بنقم: "كويس كده يعني يا نادر؟ أنا مش حذرتك بلاش تلعب مع عيلة النعماني، أدي آخرتها إهي؟ كنت في ثانية ممكن يخلصوا عليك خالص، مش بس يضربوك." كأنه وضع مادة ملتهبة على جراحه، فانتفض نادر بجزعه العلوي. فعلى الرغم من شعوره بالألم، إلا أن ذلك لم يمنعه من الرد على نصر بحدة مماثلة:
"خلاص بقى، مش كل ما هتبص في وشي هتقولي الكلمتين دول يا نصر. أنا غلطان إني استنجدت بيك وجيت بيتك، أنا ماشي." عندما حاول ترك الفراش، لم تسعفه قدميه المصابة، فبمجرد وقوفه عاد وسقط ثانية مكانه. فأسرع نصر بتقديم يد المساعدة له، حتى عاد واستلقى على الفراش ثانية. زفر نصر أنفاسه قائلاً بضيق:
"أنا مش بلومك ولا بعاتبك، أنا بس بفكرك إنك أنت اللي اخترت تدخل عش الدبابير برجليك وأنا حذرتك وقولتلك، عيلة النعماني وخصوصاً رياض النعماني مش زي عرفان الطيب. وكمان طلعلك ابن الزناتي ده كمان في البخت."
تذكر نادر وجه عمران، وكيف كان رجلاً مهاباً من رجاله، ذو شخصية تحير الآخرين. فمن يراه يظنه شاب لطيف، من ذوات الطبقة المخملية، ولكن بالحقيقة ربما يشبه رجال العصابات بدهاءه وذكاءه. فالأمر لا يقتصر على ذلك، بل أنه سيتزوج من الفتاة، التي حلم هو بالثراء على يديها، ولكن خاب أمله بكل ما وضعه من مخططات، عندما ظهر عمران ليفسد له مخططه، وليس هو فقط بل راسل أيضاً. غلت الدماء بعروقه، كلما تذكر ما حدث له بقصر النعماني،
فقال من بين أسنانه بوعيد: "والله ما هسيبهم، وهاخد حقي منهم واحد واحد. وأولهم راسل. إما خربت حياته مبقاش أنا نادر. هخلي سيرته وسمعته على كل لسان، لدرجة إنه مش هيقدر يرفع عينه في عين حد." تختمر خطط الانتقام بعقله، فهو سينتقم منهم، حتى وإن كان هذا آخر شيء سيفعله بحياته. فحاول الهرب بعينيه عن مطالعة وجه شقيقه، الذي ملأه الاحتجاج على ما يفكر به، وكأن لسان حال نصر يخبره: "ألا يكفيك ما لقيته منهم؟
ولكن العناد تملك منه، فما أنهى تلك المحادثة، التي ستنتهي حتماً بالمشاجرة، سوى رنين هاتف نصر. ترك مكانه ووضع الهاتف على أذنه قائلاً بطاعة: "تمام تمام، جاى دلوقتي." لم يفهم سوى بتلك العبارة القصيرة، فوضع الهاتف بجيبه ونظر لنادر قائلاً وهو يغلق أزرار سترته: "أنا جالي تليفون من أدريانو إسكندر عايزني ضروري. أنا رايح له، وأنت الشغالة هتطلعلك الأكل، ياريت تأكل ومتعملش زي العيال الصغيرة. سلام." قبل أن
يصل نصر للباب هتف به نادر: "نصر، أنا عايز منك خدمة." استدار إليه نصر، وعبر عن غرابته من مطلبه بتجعيد جبينه: "خير، خدمة إيه تاني يا نادر؟ ياريت متكونش مصيبة تانية." اعتـدل نادر بالفراش، واستند بظهره للوسائد الموضوعة خلفه، فمسد بيده السليمة، على ذراعه المصاب وهو يقول بتعبير مبهم:
"عايز أقابل أدريانو إسكندر شخصياً. أنا على طول بتعامل معاكم عن طريقك أنت، بس المرة دي عايز أقابله، لأن هو ده اللي هيساعدني أنتقم من عيلة النعماني وأولهم راسل." حك نصر لحيته بتفكير، فما لبث أن قال مغمغماً: "لما تبقى تخف الأول، هبقى أوديك ليه. ودلوقتي سيبني بقى علشان متأخرش عليه." خرج نصر من الغرفة، ومنها إلى الخارج، فأستقل سيارته آمراً السائق بإيصاله لمنزل "أدريانو إسكندر" أو إذا صح القول قلعته الحصينة.
بعد أن أطلق السائق زمور السيارة، حشد من الرجال التف حول السيارة، ليعلموا من يكون مالكها. فبعد علمهم بمن يكون، سمحوا له بالدخول. فرافق نصر عدة رجال مدججين بالسلاح، كأنهم على وشك دخول الحرب. "أهلاً يا نصر، أتأخرت كده ليه عن ميعادك دقيقتين."
صدحت تلك الجملة من بين شفاه ذاك الرجل الجالس واضعاً ساقه على الأخرى، يحمل بيده اليمنى سيجارا ضخماً بني اللون، يتصاعد دخانه بخيوط رمادية ملتوية، وبيده اليسرى كأس من النبيذ الفاخر، يشبه لونه الأحمر لون الدماء، التي يحب سفكها دائماً. وهناك فتاة جميلة وناعمة تجلس على سور النافذة وهي تعزف على الكمان وتدندن بصوتها العذب إحدى الأغنيات بصوت منخفض، فنظرت لنصر وعادت تكمل عزفها وغناءها وهي تهز ساقيها المكشوفين من فتحة ثوبها.
"بيري، سيبينا لوحدنا شوية." أمرها أدريانو بضرورة الخروج، فتركت مكانها وأقتربت منه، وقبلته على وجنته وهي تقول بابتسامة: "أوك يا بابي، بس مش عايزك تنسى إن النهارده عندنا حفلة في الأوبرا هنحضرها." إيماءة خفيفة من رأسه، كانت دلالة كافية، على أنه سيرافقها، فهو لا يخالف لها أمراً. وكيف يصح له ذلك وهي ابنته المدللة. بعد سماعه صوت إغلاق بيري الباب خلفها، وضع أدريانو الكأس من يده فقال وهو يحدق بوجه نصر:
"أنا سمعت إن أخوك داخل في مشاكل مع عيلة النعماني وده مش حلو علشانكم، فاهمني طبعاً يا نصر." أزدرد نصر لعابه عدة مرات، فهو يعلم أن أدريانو، إذا سئم من أحد رجاله، لا يملك غير طريقة واحدة للتخلص من سأمه وهي القتل. فهذا الرجل يطلق عليه "عراب عالم الإجرام" على الرغم من أنه ذائع الصيت بأنه أحد كبار رجال الأعمال المخلصين بالإسكندرية وصقلية مسقط رأس والدته. رد نصر بتوجس:
"أدريانو، خلاص نادر بعد عن بنت النعماني، بس هو طلب مني إنه عايز يقابلك علشان عايز ينتقم منهم." ارتشف أدريانو من كأس النبيذ خاصته وهو يفكر بما سمعه من نصر، فهتف به: "المهم دلوقتي، عايزك تجهزلي ٤ بنات مطلوبين ضروري. وبعدين أبقى أشوف موضوع أخوك ده. واتفضل أنت دلوقتي ونفذ اللي قلتلك عليه." لم يكن نصر بحاجة لسماعها منه ثانية، فمثلما أتى مثلما خرج يرافقه رجال أدريانو.
ببطء كان أدريانو يحرك السائل الأحمر داخل الكأس، قبل أن يرفع لفمه، ويبتلع ما تبقى بكأسه دفعة واحدة. فترك الغرفة وخرج لحديقة المنزل، ينظر لابنته التي تركض هنا وهناك، ويركض خلفها كلبها الأليف. فتبسم ومسد على لحيته التي اختلط بها المشيب، مثلما فعل برأسه. ولكن لم يدم تأمله لها طويلاً، فإذا بأحد رجاله يقف بجانبه هامساً بأذنه، أن هناك ضيفاً ينتظره بالداخل، ويريد مقابلته. فأشار إليه بأن يصرف ذلك الضيف، فهو لم يعد يملك حالة مزاجية تمكنه من مقابلة أحد، فهذا الوقت خاص به وبابنته الشابة.
*** لا أحد يعلم كيف مرت تلك الأيام قبل حفل الزفاف الضخم، ذلك الحدث الكبير، الذي سيشهده المجتمع السكندري، من زواج حفيدة رياض النعماني. فصهره لم يكن سوى حفيداً لرجل شهد له الجميع بحسن السيرة الطيبة، وما زال الكثيرون يتذكرونه على أنه أحد أعلام النبلاء من ذوات الطبقة الثرية.
فكأن الجميع يتصرف بآلية، وكأنهم أصبحوا فجأة خاليين من الشعور. فلا أحد يفهم ما يجري هنا، أو لما وافق رياض النعماني على زواج حفيدته من عمران. والكل يعلم بشأن الشكوك حول والد عمران بتورطه بقتل وجدي النجل الأكبر لرياض.
فأول من أعرب عن غرابته هو راسل، فهو لم يفهم بعد سر إصرار أبيه من زواج ميس. فكلما حاول أن يخرج من متاهة تفكيره، يعود ويدور بالدائرة المغلقة ثانية. فلم يقتصر الأمر لهذا الحد، بل أن اليوم هو يوم زفاف ولاء أيضاً. فمعتصم بعد علمه بموعد زفاف شقيقه عمران، ذهب لراسل بالمشفى يستجديه من أجل الموافقة على أن يقيم حفل زفافه مع شقيقه، فهو يريد اقتسام سعادته معه. فوافق راسل ولم يرده خائباً، خاصة بعد شعوره بميل ولاء وإسعاد للموافقة.
"حبيبي، أنت بتعمل إيه هنا؟ يلا علشان المأذون جه وكتب الكتاب هيبدأ خلاص." قالتها حياء وهي تقف بجواره وتهز ذراعه لتجعله ينتبه على قولها. فمنذ مجيئهما لتلك القاعة الكبرى، التي سيقام بها حفل الزفاف، وهي تراه يقف متبلد الشعور ومتصنم بوقفته، كأنه يشاهد عرضاً سينمائياً. انتبه راسل على وكز حياء له، فحاول الابتسام قدر إمكانه، فالليلة سيتم زواج ميس ابنة شقيقه، وولاء التي تكون بمثابة شقيقته الصغرى. "ماشي يا حبيبتي، يلا بينا."
جذب يدها وجعلها تتأبط ذراعه. فهو يريدها قريبة منه، حتى لا يثور بوجه أحد، وحتى تنتهي تلك الليلة بسلام. قريباً من باب القاعة المفتوح على مصراعيه، كانت عيناها ترصد تحركه بالقاعة، فهو يعمل على استقبال المدعوين، وتلقي التهاني والمباركات بزيجة ابنته شقيقته. فهي لا تعلم سبب تجاهله المتعمد لها الليلة. فتقابلت أعينهما، فعاد عاصم وأشاح بوجهه عنها وهو يتحدث مع أحد الرجال الواقفين بجانبه.
شعور بالمهانة تملك منها، بعد رؤية تجاهله الواضح لها، ولكن رأت فواز يقترب منها يصطحب معه شاباً لا تعلم من يكون. فأقترب منها مهنئاً لزواج أبناء شقيقها: "ألف مبروك لجواز عمران ومعتصم يا غزل هانم. أقدم لك عمرو ابني." تقدم منها عمرو وأخذ يدها يقبلها قائلاً بكياسة: "مبروك." سحبت غزل يدها وهي تحاول الابتسام: "الله يبارك فيك وعقبالك. مكنتش مفكرة إنك كبير كده يا عمرو. أنا باباك كان حكالي عنك زمان."
فهي تتذكر أن فواز أخبرها بشأن أنه كان متزوجاً عندما بدأ العمل لدى والدها، ولكن زواجه لم يدم طويلاً، فأسفر عنه إنجابه لولده عمرو وتم الطلاق، وتزوجت والدة عمرو من رجل ميسور الحال وهاجرت معه لأمريكا مصطحبة الصغير معه.
أدعتـهما غزل للجلوس على إحدى الطاولات، فاعتذر فواز من ولده واعداً إياه بأنه سيعود إليه قريباً، فهو لمح تلك الطاولة، التي يجلس حولها أدريانو وابنته. فلم يتعجب من وجوده، فحفل الزفاف ضم كل أصحاب الثراء والأعمال بالمجتمع السكندري بأكمله. فسحب فواز مقعداً قريباً منه قائلاً بابتسامة جانبية: "منور يا أدريانو. أنا مصدقتش لما شوفتك هنا." نفث أدريانو دخان سيجاره بوجه فواز وهي يجيبه: "وفيها إيه يعني لما أجي أحضر الفرح؟
أنا جاتلي دعوة فمحبتش أفوت الفرصة دي وأجي أشوف النعماني الكبير. أنت عارف كان بيعز والدي جداً." مال فواز برأسه إليه قليلاً وهو يقول بصوت هامس: "هو كان بيعز والدك وأنت الصراحة رديت الجميل كويس، قتلت ابنه وجدي، بس وكمان جاي تحضر فرح بنته." التمعت عينا أدريانو ببريق شيطاني وهو يقول ساخراً: "مسمعتش
المقولة اللي بتقول: خلي أصدقاءك قريبين منك وأعداءك أقرب. يعني أنا قتلت وجدي النعماني وأنت سهلت عليا دخول قصر الزناتي وقتلتهم. لأن الصراحة مراد الزناتي ووجدي النعماني كانوا عاملين ليا صداع. بالرغم من أنهم كانوا أصحابي أوي يا فواز، بس أنا اللي خلقي ضيق زيادة عن اللزوم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!