أرجو منك غفرانا بتر أدريانو حديثه بعد رؤيته أحد المصورين الصحفيين، الذي زخر الحفل بعدد لا بأس به منهم، يقترب من طاولته رغبة منه في أن يلتقط له صورة. فكل منهم يسرع بإلتقاط الصور لما يطلقون عليهم "صفوة المجتمع". فالحفل لم يقتصر على حضور رجال الأعمال فقط، بل رجال السياسة والفن والرياضة. فحدث كهذا ليس بإمكانه أن يتغافلوا عن حضوره.
فبالغد ستتصدر الصور والعناوين والمقالات الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات، ولن تخلو من بعض التكهنات والشائعات عن حضور فئة معينة لحفل الزفاف، تاركين للقراء الفضول في معرفة أسباب اجتماع هؤلاء الأفراد في مكان واحد، أو ما هي العلاقة بينهم وبين مضيفهم "رياض النعماني". "أظن كفاية كده بقى"
صاح بها أدريانو بنزق لذلك الشاب، الذي لم يكف عن التقاط صوره. فأشار بيده لأحد رجاله المتواجدين بالحفل، فأسرع بإبعاد المصور، بعد تلقيه الأمر من سيده بفعل ذلك.
نفخ أدريانو بضيق، ولكن عيناه التي وقعت على ذاك الواقف بأحد الأماكن القريبة منه، جعلته لا يعي أي شيء يدور حوله، سوى أنه يريد أن ينظر إليه مليًا. فهذا من جاء خلفًا لوجدي النعماني بقائمة انتقامه، شقيقه الأصغر والطبيب الماهر، الذي ذاع صيته بمجال الطب وخاصة إجراء الجراحات الخطيرة. فغمغم باسمه وهو يكز على أنيابه بغيظ: "راسل النعماني"
فحقد وكره أدريانو لعائلة النعماني لم يقتصر على رياض ووجدي فقط، بل طال راسل أيضًا. فهو حاول بوقت سابق القضاء عليه وقتله كشقيقه، فكل ما أصاب راسل من ندوب وجروح بجسده نتيجة تعذيبه بذلك السجن المشدد، كان أدريانو هو المتسبب بذلك. فبعد علمه بما حدث، أوصى الضباط بالسجن، على أن يقتلوه، ولكن بأساليب التعذيب المختلفة، التي كادت تصل به إلى أن يلقى حتفه، ولكن تدخل أبيه وإنقاذه، حال بين ذلك الأمر.
"بسبع أرواح أنت وأبوك يا راسل، بس على مين أنا وأنتوا والزمن طويل" تعهد أدريانو بصمت، بأنه لن يتركه بحاله، حتى يحقق انتقامه كاملًا. فجاءته فرصة ثانية، من أن نادر شقيق نصر، يريد الانتقام منه هو الآخر، فكم يهوى هو اللعب بأرواح الآخرين، ويستمتع بتعذيبهم حتى الرمق الأخير. نقر فواز بأصابعه على سطح الطاولة، فظلت بيرى تتابع فعلته، حتى مالت برأسها لأبيها هاتفة به بصوت مستاء: "بابي بليز قوله يبطل الحركة دي علشان أنا أتوترت"
تأخذت بيرى إحدى المحارم المزخرفة والموضوعة على الطاولة، وبدأت بشد أطرافها بين أصابعها، كأنها بذلك تحاول قمع توترها، وتهدئة فوران دماءها، فهي تكره أن يتسبب لها أحد بتوتر أو أن يثير أعصابها ولو عن طريق الخطأ. رأى أدريانو ما تفعله ابنته، فجذب المحرمة من يدها، وحول بصره لوجه فواز وهو يقول بما يشبه الأمر: "فواز قوم من هنا ونبقى نكمل كلامنا وقت تاني يلا"
تعجب فواز من صرفه له بتلك الطريقة، التي رآها مهينة بعض الشئ، من أنه لا يريده أن يستمر بجلسته معهما. فلم ينتظر أن يقولها ثانية، فنهض عن مقعده، واعتذر مغادرًا بتهذيب قدر إمكانه، فهو الآن يود لو بيده سلاح ناري، يطلق منه رصاصة تستقر بجبين أدريانو. بعد ذهاب فواز، وضع أدريانو يده على يد بيرى وشد عليها باهتمام بالغ، فلم يكتف بذلك، بل رفع يدها يقبلها قائلًا بحنان وحب لابنته:
"خلاص يا حبيبتي هو مشي أهو إهدي خالص ولا تحبي نقوم نروح" حركت بيرى رأسها بالنفي، فقالت بصوت منخفض: "لأ يا بابي ملوش لزوم نمشي خلينا، أنا بس محبش حد يكون متوتر وينقلي توتره بأفعاله، أعصابي بتثور بسرعة، وأنت عارف في العادي بحب الهدوء"
يعلم هو ما يصيبها إذا أصابها التوتر أو القلق، فتنكمش على ذاتها وتبكي، وربما تظل أيام تعاني تلك الحالة، فهو لا يجد تفسيرًا لحالتها، سوى أنها مرهفة الإحساس والشعور، فلا شيء يستطيع تهدئتها سوى الموسيقى، لذلك هي محترفة للعزف على الآلات الموسيقية وخاصة الكمان، وتهوى أيضًا الغناء.
ولكن لا يوجد بحياتها رجل غيره، كأنها تخشى الوقوع بالحب، فكم يتمنى لو أن تأتي يومًا تخبره بأنها عثرت على شاب ملائم من أجلها، فهو يريد أن يراها عروسًا، تلك الزهرة الرقيقة والناعمة كما يطلق عليها دائمًا، فهي هشة كقطعة من القطن، التي لا تحتمل شظف العيش والقسوة، لذلك حافظ على توفير أقصى درجات الرفاهية، التي يمكن أن تنعم بها فتاة في كنف أبيها.
عاد فواز لتلك الطاولة، التي يجلس حولها ولده عمرو، فهو يرى عيناه تتجول بوجوه الحاضرين، ولكن استطاع أن يلاحظ توقف بصره على فتاة بعينها، والتي لم تكن سوى حياء، فهي تقف بجوار راسل متأبطة ذراعه وتبتسم لكل من يلقي عليهما التحية. مد فواز يده يدير وجه عمرو له وهو يقول بتساؤل: "انت مالك عمال تبص على مرات راسل النعماني ليه انت تعرفها ومالك مش بتشيل عينك عليها ليه هي وجوزها" رفع عمرو كوب الماء الموضوع أمامه وارتشف
منه وهو يقول بتوتر ظاهر: "قصدك إيه يعني يا بابا بكلامك ده أنا ببص عادي يعني على كل الموجودين دي أول مرة أحضر فرح غير الأفراح الغربية، فعاجبني الجو مش أكتر" لم يستطع إقناعه بحديثه، ولكن قرر تجاهل الأمر، فتبسم والده له وهو يقول بهدوء: "طب إيه رأيك تتجوز يا عمرو وأنا لقيتلك عروسة كويسة أينعم أبوها عايز الحرق بس لأجل الورد"
بصق عمرو الماء من فمه، فهو لا يضع الزواج ضمن مخططه، ولا يريد منه أن يأتي الآن ويكون الأب الصالح، الذي يبحث عن سعادة والدته، بل ويبحث له عن شريكة حياته. فتبسم عمرو وقال ساخرًا من حديث أبيه: "ضحكتني يا بابا والله عايز تجوزني كمان ومين العروسة المصونة دي" "بص وراك كده" قالها فواز وهو يشير بيده لبيرى ابنة أدريانو، فالتفت عمرو برأسه ينظر حيث أشار أبيه، فبعد تأمله لها، عاد بوجهه ثانية لوالده وهو يقول بجمود:
"قصدك على البنت اللي قاعدة وعاملة زي العروسة الشمع دي، دا أنا من شوية افتكرتها ميتة وهي قاعدة مبتتحركش، زي ما تكون خايفة تتنفس، مليش أنا في زهور الكاميليا" لم يفهم فواز مقصد ولده من تشبيه بيرى بزهرة الكاميليا، فالتوى ثغره بتهكم من قول عمرو، ولكنه فضل أن ينتهي حديثهما إلى هذا الحد، فعمرو منذ مجيئه للإقامة معه بمنزله، لا يلقى منه سوى التهكم والسخرية دائمًا.
فلن تكون مهمة سهلة بأن يلتقيا بنقطة معينة من التفاهم بينهما كأب وابن، تقتضي الظروف والحياة، أن يتواجدا معًا بكثرة بالأيام المقبلة، فعمرو أخبره بشأن إقامته بالإسكندرية، وقابل هو قراره بالترحيب، فربما حان الوقت أن يعلم الجميع أن له ولدًا شابًا، سيعمل على إعداده ليكون خلفًا له بإدارة أعماله، ولكن دون الخوض بأعماله غير المشروعة. ***
تحسس ذراعه المصاب، ليرى مدى الضرر الملحق به، فهو بعد أن استعاد عافيته نسبيًا، أصر على نصر بأنه هو من سيعتني بنفسه، فأولًا وأخيرًا هو طبيب وبإمكانه أن يعتني بجراحه خير من أي طبيب آخر. ترك مكانه ووقف أمام المرآة، رفع يده يتلمس وجهه، الذي أصابه الخدوش والجروح هو الآخر، فتمثلت بتورم عينه اليسرى، والكدمة الدامية بجانب فمه، وذلك اللون الأزرق أسفل عينه اليمنى. "صبرك عليا يا دكتور راسل"
تلفظ بها نادر وهو مازال يتحسس وجهه، فوجه الوسيم أصبح الآن مخيفًا، كأنه أحد شخصيات الرسوم المتحركة الأشرار. فالمزهرية التي تناولها من على المنضدة الصغيرة، حطمت زجاج المرآة، بعد أن قذفها لتصطدم به، ودوى صوت التحطيم بالغرفة الواسعة. كأنه يكره رؤية وجهه، الذي اختفت منه معالم الوسامة مؤقتًا، ذلك الوجه الذي استطاع به خداع الفتيات، ولكن كان حظه غير موفق في استخدام براءته ولطفه المزيف.
جلس على الأريكة وفتح هاتفه، فلابد أن مواقع التواصل الاجتماعي تضج بأخبار وبنقل مراسم حفل الزفاف. فلم يجد مشقة بالعثور على مقاطع فيديو لإذاعة الحفل، فهو يرى العديد من المدعوين، ولكن لم يرى العروسان بعد. ولكن استطاع رؤية من جعل الدماء تضخ حارة بعروقه، يود لو يحطم الهاتف كما حطم زجاج المرآة. ولكن صوت نقرات خفيفة على باب الغرفة، جعلته يترك الهاتف ليرى من القادم، ففتح الباب وجد إحدى الخادمات، تحمل له الطعام وتتشدق
بعلكتها وهي تقول بميوعة: "الأكل يا سعادة البيه، نصر بيه كان موصيني أجبهولك بنفسي علشان تاكل، نصر بيه خايف عليك أوي" تخرج الكلمات من فمها بإيحاءات عدة، استطاع هو فهمها بكل سهولة، فلم يجد ضررًا من أن يمرح معها قليلًا، فهي لا بأس بها من حيث الجمال، وربما تفى بالغرض المطلوب منها، والذي لن يجد مشقة بإقناعها بما يريد، فيكفي نظراتها التي تتجول على وجهه كأنها تتفحصه باشتهاء واضح.
"هستنى إيه يعني من اللي شغالين عند نصر هيكونوا طول النهار يعني مبيسبوش سجادة الصلاة" هتف بها نادر، تنحى جانبًا ودعاها للدخول، فأغلق الباب بإحكام، فوضعت الصينية من يدها، وأستقامت بوقفتها واضعة إحدى يديها بخصرها. "أي خدمة تانية يا بيه"
فقالت بإغراء ودلال، فعقدة الرباط حول عنقه، المرفوع به ذراعه المصابة، فلا حاجة له إليه الآن. بكلمات بسيطة وجدها تطيعه بما يريد، فبعد انتهائه من فعلته المحرمة والدنيئة، وجدها تأخذ سيجارة من العلبة الموضوعة على الكومود، فأشعلتها وظلت تنفث دخانها ببطء، ومن ثم عادت ووضعتها بفمه، ليأخذ دوره بسحب دخانها. "هو أنتي فين أهلك؟ هتف بها نادر بتساؤل وهو يستلقي على شقه الأيمن ينظر لها.
"هو لو أنا كان ليا أهل كنت عملت اللي بعمله ده، أنا طلعت في الدنيا دي لقيت نفسي في ملجأ، خرجت منه والدنيا لطشت فيا يمين وشمال، لحد ما جيت اشتغلت هنا من حوالي كام شهر بس، بس بتسأل ليه" فمدت سبابتها ومررته على وجهه وهي تجيبه. أخذ خصلة من شعرها ولفها حول إصبعه وهو يقول بمكر: "الصراحة كده عايزك في مصلحة حلوة وهديكي قرشين حلوين" تألقت عيناها ببريق الجشع فأجابته:
"وأنا موافقة بس هتدفع كام لازم يكون مبلغ حلو كده، بس مقولتليش مصلحة إيه دي زي اللي لسه عملناها" ضحكت بصخب، فنهرها بشدة محذرًا: "أخرسي ومتعليش صوتك كده وأنتي بتضحكي وإلا مش هتعرفي اللي هيجرالك" وضعت يدها على فمها دلالة على أنها ستستمع لما يقوله، فعاد مستطرداً: "عايزك ترمي بلاكي على واحد وتفضحيه فضيحة لا قبلها ولا بعدها" سحبت يدها من على فمها فقالت متسائلة:
"مين ده اللي عايزني أرمي بلايا عليه وأنا عينيا ليك هعمله فضيحة يتكلم عليها الصغير قبل الكبير بس قوللي على اسمه بس وقولي هو فين وسيب الباقي عليا" قال وهو يربت على خدها باستحسان لقولها: "هقولك على كل التفاصيل بعدين دلوقتي خلينا في اللي إحنا فيه" قبل أن يعود إليها، مكملاً لأفعاله المقززة، سمعا صوت أقدام قادمة تجاه الغرفة، فوكزها لتترك الفراش سريعًا، قبل أن يأتي شقيقه نصر ويرآها.
"بسرعة قومي ادخلي الحمام ومش عايز أسمعلك نفس، أنتي فاهمة" فقال بصوت هامس. بلمح البصر كانت بداخل المرحاض، بينما هو نهض من مكانه، واقترب من الباب ليفتحه، بعد سماعه صوت نصر يطالبه بضرورة فتح الباب، الذي أوصده من الداخل. "إيه يا نصر الخبط ده كله هي القيامة قامت" فتح نادر الباب وهو يحاول الابتسام قائلاً. "مالك قافل الباب على نفسك ليه كده، كنت بتعمل إيه" دفعه نصر من أمامه وولج للداخل، فقال بدون أن يلتفت إليه:
"كنت نايم وقافلت الباب عشان محدش من الشغالين يدخل ويزعجني" رد نادر ببرود. "أه قولتلي مش عايز إزعاج وكنت نايم، وده بيعمل إيه هنا" انحنى نصر والتقط ذلك الثوب الأنثوي، الذي طال طرفه من أسفل الفراش، فرفعه ساخرًا. "بتاع إيه البتاع ده وبيعمل إيه هنا في أوضتي" ألقى نصر الثوب بوجه نادر، فغطى وجهه ورأسه، فسريعًا ما أزاحه نادر عنه، وهو يحاول العثور على حجة مناسبة ليقولها، فتعثرت حروفه أثناء قوله. "جاى يشم هوا"
قالها نصر بتهكم، فأراد له المزيد من التوتر والقلق، الذي لا يخلو من شعوره بالخزي لأفعاله تلك ومع من، مع الخادمة التي تعمل هنا بالمنزل. فجلس نصر على طرف الفراش، يدعوه للجلوس للتحدث معه بشأن أمر هام. "أقعد يا نادر عايز أتكلم معاك بخصوص مقابلتك لأدريانو اسكندر، هو تقريبًا هيقابلك آخر الأسبوع" فأكمل حديثه وهو يتحسس شعره برفق. حك نادر جلد وجهه بتفكير، ممتنعًا عن تنفيذ مطلب نصر له بالجلوس، فما لبث أن قال بثقة:
"وأنا على استعداد وموافق إني أقابله" ترك نصر مكانه، بعد رؤيته تململ شقيقه بوقفته، فرأى أن ينصرف، فقبل خروجه من باب الغرفة، ربت على وجهه عدة مرات وهو يقول بتحذير: "بلاش الشغالات يا نادر بلاش ذوقك يبقى منحط أوي للدرجة دي إستنضف يا حبيبي" "بس لو عجباك هخليها هنا في البيت أهي تسليك شوية" صمت قليلاً وسرعان ما عاد ليكمل حديثه.
خرج نصر من الغرفة، فأغلق نادر الباب خلفه، فأستند عليه بظهره وهو يفكر في تلك المقابلة المرتقبة له مع أدريانو، فهو وضع بداية تلك الخطة، التي سيتناقش معه بأمرها من أجل القضاء على سمعة راسل.
فرأى تلك الفتاة تخرج من المرحاض بعد اطمئنانها لرحيل نصر، فألقى لها الثوب وألتقطته بمهارة وشرعت بارتدائه، لا تشعر بالخزي أو أن ما تفعله من المحرمات والكبائر، فهي تكتفي بالحصول على متعتها من الدنيا متمثلة بالنقود، وبعض الأحيان بكونها غانية تستطيع إغواء الرجال من أجل ارتكاب الفواحش، التي ترى أنها تعود عليها بالنفع والفائدة. ***
جالسة أمام منضدة الزينة، بعد أن انتهت أخصائية التجميل، من تزيين وجهها، ولكنها لم تجشم نفسها مشقة النظر لوجهها بالمرآة، فحتى وإن كانت فاتنة بثوب زفافها الملكي، وجمالها الأخاذ، فهي لا تشعر بالسعادة أو الابتهاج، وكيف يصح لها ذلك وهي من أكرهت على تلك الزيجة؟
فجدها لم يقدم لها تفسيرًا حول موافقته السريعة لزواجها من عمران، فهي تعلم خير العلم أن جدها دائمًا ما يزن الأمور بروية، فهو لا يتخذ قرارًا مصيريًا إلا بعد أخذ وقته بالتفكير. إستدارت برأسها لوالدتها الجالسة على أحد المقاعد بالغرفة صامتة، ولا تتفوه بكلمة، كما تقتضيها الظروف اليوم، من أن تتجلى السعادة على وجهها من رؤيتها لابنتها الوحيدة وهي عروسة وخلال دقائق ستزف لزوجها. "مامان"
نادتها ميس بصوت منخفض، يملأه الندم، فربما لولا حماقتها، لم يكن ليحدث كل هذا. انتبهت سوزانا الشاردة على مناداة ابنتها لها، فتبادلتا النظرات بينهما بصمت في البداية، حتى استطاعت أن تحل عقدة لسانها فقالت بهدوء مغلف بنبرة طفيفة من الحدة: "عايزة إيه يا ميس" "ماما أنا مش عايزة أتجوز اللي اسمه عمران ده" قالتها ميس فجأة، فبدأت عيناها تنذر بهطول دموعها، التي حاولت اختزانها مطولًا، منذ سماعها كلمة الموافقة من جدها على زواجها.
انتفضت سوزانا من مجلسها صارخة بها بحدة أرعبتها: "ما لولا عملتك السودة مكانش ده كله حصل دلوقتي جاية تقولي كده عايزة تحطي سمعة جدك وعيلتك كلها في الأرض وترفضي الجوازة دلوقتي والقاعة تحت مليانة ناس، ماهو لو كنتي حكمتي عقلك وسمعتي الكلام مكنتيش حطيتيني في الموقف ده مع عمي وقفلت بوقي ووافقت على الجوازة وأنا أساسًا مش موافقة" نهضت ميس من مقعدها، وهي تقول برجاء: "لو أنتي مش موافقة يا ماما خلاص هربيني من هنا"
"عايزة تهربي تاني يا ميس مش كفايكي اللي عملتيه" صدحت تلك العبارة الحادة من فم رياض بعد أن ولج الغرفة، من أجل اصطحابها للأسفل لعقد القران، كما ذهب راسل لجلب ولاء من الغرفة المجاورة. "جدواز"
درت لعابها للمرة التي لا تعلمها عددها، منذ سماع صوت جدها، فهي لن تتعجب إذا تلقت صفعة منه أو من والدتها، فبالأيام السابقة، تلقت منهما جفاء بمعاملتها، بعد الرغد والدلال الذي كانت تحيا به، ولكن هي المخطئة، فلتحمل نتائج أفعالها الحمقاء. ظل رياض يدير عصاه بين يديه المرتكزة عليها، فأنتهى الأمر بأن نقر الأرض بخفة عدة مرات قبل أن يقول بصوت رصين:
"بصي يا ميس أفكارك الطفولية دي بطليها خالص، عشان خلاص دقايق وتبقى على ذمة راجل، ولو أنا مش عارف إن عمران هيحافظ عليكي زي ما كنت أنا محافظ عليكي، مستحيل كنت أسلمك ليه، فبهدوء اتفضلي قدامي عشان كتب الكتاب"
مكرهة كانت تتأبط ذراع جدها وهي تخرج من الغرفة، فوصلتا لتلك القاعة الصغيرة الملحقة بالقاعة الكبرى المقام بها حفل الزفاف، من أجل عقد القران، فرأت ما سيصبح مسماه زوجها بعد دقائق وهو يقف بجوار شقيقه المنتظر عقد قرانه هو الآخر. صاح المأذون قائلًا ببشاشة: "يلا يا جماعة مين اللي هيكتب كتابه الأول من العرسان"
أرادوا أن يتم الأمر وفق التقاليد والعادات المتعارف عليها، من أن يكون شقيق الأكبر، هو البادئ بعقد قرانه، فجلس عمران بجوار المأذون، واضعًا يده بيد رياض، فلم تمر دقائق، حتى أعلن المأذون أن ميس وعمران أصبحا زوجًا وزوجة. "يلا العريس التاني مين وكيل العروسة التانية" قالها المأذون بتساؤل، فجاءه الرد من راسل وهو يقول بهدوء مغلف بالبرود: "وكيل العروسة التانية هو رياض باشا النعماني برضو"
نظرت له ولاء، فهي كانت تظن أنه هو سيكون وكيلها بعقد قرانها، ولكنه فضل أن يكون والده وكبير العائلة هو وكيل الفتاتين، فلم تمانع هي اقتراحه. "شكراً يا أبيه" بل مالت برأسها إليه هامسة بامتنان. "أنا كان نفسي أكون وكيلك يا ولاء بس لقيتها هتبقى بايخة لو خليته يقوم عشان أقعد أنا مكانه وأكتب كتابك، وكمان عشان تعرفي إنك زيك زي ميس النهاردة" رد راسل وهو يطلق تنهيدة حائرة. "ربنا ما يحرمني منك يا أبيه وعقبال ما تفرح بسجود"
تفت بها ولاء بصوت مختلج بالسعادة، كونه أراد لها أن تحيا الليلة كابنة شقيقه، فهما ستتزوجان شقيقان، ومن سيزوجهما هو رياض النعماني. بعد انتهاء عقد القران الثاني، أطلقت النسوة الزغاريد، التي صدحت بالمكان، تنبأ ميس بكونها ستخطو بشرك نصبه لها عمران، وترسم لولاء طريق السعادة، من كونها أصبحت الآن زوجة معتصم. "يا فرج الله بقيتي مراتى يا كيلوباترا أنا مش مصدق" "ليه يا أنطونيو حياتي"
رك معتصم يديه بحماس بعدما أخذها من راسل ليلج بها القاعة الأخرى. قالتها ولاء ممازحة، فلم يصدق معتصم أذنيه، من أنه سمعها تمازحه، فيكفي رؤيته لتلك البسمة المضيئة على وجهها، والتي زادتها جمالًا ونعومة، فبإطالته النظر إليها جعلها تشعر بالخجل، فأطرقت برأسها أرضًا، هربًا من نظراته المتفحصة لها. بينما جذب عمران يد ميس بشيء من الخشونة، فجعلها تتأبط ذراعه، أرادت سحب يدها من حصاره لها، فغمغمت بحنق:
"سيب إيدي أنت مش هتسحبني وراك زي الجواري" "ياريت تخلي الليلة تعدي على خير يا بنت النعماني، عشان أنا معنديش صبر كفاية لدلعك النهاردة، والناس كلها بتبص علينا، فحاولي تبتسمي، ولا متعرفيش" همس قريبًا من أذنها. "أنا بموت وأعرف ليه جدو وافق عليك، وأنت ليه أساسًا طلبت تتجوزني، دا أنت مشوفتنيش غير كام مرة بس"
قالتها ميس بحيرة، فهي لا تستطيع فهم ما يحدث لها، فجدها امتنع عن إخبارها بأسباب موافقته، على الرغم من علمه برفضها ورفض والدتها للأمر، ولكن استطاع أن يجعل والدتها توافق بالأخير، ولم يهتم بشأن موافقتها أو رفضها هي للإقتران بعمران. أجابها عمران وهو يستعد لدخول القاعة، بعدما علت أصوات التصفيق من المدعوين: "بطلي أسئلة كتير وامشي وأنتي ساكتة"
تعلم أن الليلة لن تمر بسلام، فإن كان الحوار بينهما هكذا وهما على وشك بدء حفل الزفاف، فكيف سيكون الأمر عندما يصبحان بمفردهما. لم تمنع عيناها عن النظر لمعتصم وولاء، اللذان يبدو عليهما الانسجام، بل ترى كيف يبتسم كل منهما للآخر، وترى كيف تسير ولاء بجواره وهي متعلقة بذراعه، تهديه ابتسامات رقيقة وعذبة، في حين أنها هي تريد لو بيدها أن تفر هاربة من هنا، قبل أن تجد نفسها وجهًا لوجه مع عمران، أو إذا صح القول مع زوجها. ***
أكوام الكتب الموضوعة على ثلاثة أرفف خشبية، مثبتة على الجدار، بجوار خزانة الثياب الخشبية، كانت مدعاة للفضول لديها، فهي أصبحت تقضي أوقاتها بين جدران تلك الغرفة، خاصة إذا كان هو هنا بالشقة، فهي تفعل ذلك، حتى تتجنب احتكاكًا مباشرًا معه سواء بالقول أو بالفعل، فهي لا تريد أن تتشاجر معه، وتسمع منه ما يجعلها تشعر بحقارة فعلتها، فهي علمت خطأها وندمها ولا حاجة له بتذكيرها طيلة الوقت.
فكت ذراعيها الملتفتان حول ساقيها، ووضعت قدميها أرضًا، تاركة الفراش، الذي بدأت تعتاد على قسوته وخشونته، فوقفت أمام الأرفف الخشبية، وبدأت بأخذ الكتب واحدًا تلو الآخر. "هو بيعمل إيه بالكتب دي كلها" قالتها هند وهي تقرأ أسماء الكتب ومن قام بتأليفها، وعن أي مجال وتخصص وردت المعلومات بين دفتي الكتاب.
وجدت الكتب خاصة بالأدب والشعر والفنون وفن الرواية القديمة والحديثة، فيبدو عليه أنه يهوى القراءة بشدة، أما هي فكانت لا تحب المطالعة، بل أنهت دراستها الجامعية بمعجزة، نظرًا لكونها تكره أن تجلس عدة ساعات ممسكة بكتاب، ومن الواجب عليها أن تفهم ما ورد به من معلومات خاصة بمجال الدراسة، فهما حقًا لا يشبهان بعضهما بأي حال. ولكن جذب انتباهها وأنظارها كتاب خاص بالشعر، ولكن كرم خط بالقلم داخل صفحاته، فأرادت قراءة ما كتبه.
"ياترى كاتب إيه كده في الكتاب ده" تفت بها هند وهي تعيد باقي الكتب لأماكنها، بينما أخذت الكتاب المراد، وجلست على حافة الفراش، بدأت بقراءة الملاحظات الجانبية، والتي لم تكن سوى تصريح مباشر لولعه بعشقها المستحيل. ظلت تنهل عيناها من بين السطور، ترى كيف يصفها بأنها حلم صعب المنال، متغزلًا بحسنها وجمالها غزلًا عفيفًا، جعل الدموع تنساب من عينيها ندماً وقهراً على إضاعتها حبًا عظيمًا كهذا. فضمت الكتاب لصدرها وهي
تشهق بخفوت من أثر بكائها: "أنا بجد غبية إزاي كنت عمية وضيعته مني وهو كان بيحبني الحب ده كله" ارتعدت بشدة بعد سماعها باب الغرفة يفتح ويصطدم بالجدار، فهي كانت تاركة إياه مواربًا، نظرًا لعلمها أنه لن يقترب من الغرفة، ولكنها تراه الآن يقف على عتبة الباب كالمارد. فهبت واقفة وهي تقول بصوت مرتعش: "فيه إيه يا كرم"
فهو برؤيته لذاك الكتاب بين يديها، أثناء مروره من أمام الغرفة، طار صوابه وتلبسته حالة من الجنون، فلا يحق لها العبث بأشيائه الخاصة. فأقترب منها وسحب الكتاب من بين يديها بقسوة وخشونة: "إيه اللي خلاكي تاخدي الكتاب ده وليه أساسًا تفتشي في حاجة مش بتاعتك مسمعتيش عن حاجة اسمها احترام الخصوصية"
تعلم أن أفعاله وأقواله ناتجة عن شعوره بالضيق، خاصة بعد أن علمت هي مقدار حبه لها، ولكن تساءلت بقرارة نفسها، هل ما زال يحبها أم أن ما فعلته قضى على ذلك الحب وجعله يبحث عن حب آخر كما صرح بذلك؟ ردت هند بهدوء: "أنا كنت بدور على حاجة تسليني ومكنتش أعرف الكتاب مكتوب فيه إيه غير إنه كتاب أشعار، معرفش إنك كاتب فيه حاجة زي اللي قرأتها" توهج وجهه إثر احتقانه بالدماء، بعد علمه أنها قرأت ما دونه داخل الكتاب، فبدون أن يشعر، أمسكها
من ذراعها وهزها بجفاء: "الكلام اللي قرأتيه ده كان زمان لما كنت شايفك نجمة في السما ومش طايلها لكن دلوقتي إنتي بقيتي بالنسبة ليا ولا حاجة يا هند ولا حاجة، خلاص أنا بكرهك" صرخ بعبارته الأخيرة بوجهها، كأنه يريد ترسيخ تلك العبارة بذهنه ويقنع بها قلبه، قبل أن تقتنع هي بها، فهو حاقدًا ناقمًا على نفسه وقلبه، من أنه ما زال يخفق لرؤيتها.
بخضم المشادة الكلامية بينهما، واتتها الرغبة في عناقه، رغبة مجنونة، لا تدري ما ستكون عاقبتها، غير أنه سيسمم أذنيها بكلماته القاسية، ولكنها لم تبالي بذلك، فقبل أن يبتعد باغتته بعناق، جعل أطرافه تتجمد من إقدامها على فعل ذلك. انتظرت دفعه لها بين الفينة والأخرى، وعندما لم يفعل ذلك، تجرأت وفتحت عينيها ونظرت إليه، فهالتها تلك العاطفة الجياشة التي أثارتها برماديته، فأقتربت أكثر منه وألقت برأسها على كتفه.
فغمغمت بندم وأسف ورجاء: "أرجوك سامحني يا كرم، عارفة إن غلطت غلطة متتغفرش بس حاول تسامحني" لن يمنحها الغفران. فبطء حل ذراعيها من حوله، وجعلها تبتعد عنه، فرد قائلاً بصوت كالصقيع: "مش هسامحك يا هند، ومتحاوليش تحيي رماد الحب جوايا، لأن خلاص وقتك فات من غير رجوع، ويا ريت متحاوليش تعملي اللي عملتيه ده تاني"
خرج من الغرفة، وما أن دلف لغرفته، حتى استند بجسده على الباب، الذي حرص على إغلاقه خلفه، فدقات قلبه تخفق بقوة، تمكن الرائي من رؤيتها من أسفل قميصه المشدود على صدره، فربما وجودها هنا أصبح الآن يشكل خطرًا عليه، ويجب أن ينهي الأمر بأقرب وقت ممكن، قبل أن يجد نفسه خاضعًا لتلك العاطفة، التي تصرخ بعروقه تطالبه بها. ***
ضمت وفاء إسعاد إليها، وهي تربت عليها بحنان، فمنذ بدأ عقد القران وحفل الزفاف، وهي لم تكف عن البكاء، وهي ترى ولاء صارت عروسًا اليوم، تعلم أن دموعها بالمقام الأول، هي دموع السعادة، ولكنها أرادت أن تكف عن بكاءها وتبتهج بمراسم حفل الزفاف الأسطوري، الذي سيظل تتحدث الناس عنه وقتًا طويلًا. فوكزتها بمرح وهي تقول بتفكه:
"ما كفايكي عياط بقى يا ولية إنتي هتقلبي الفرح مناحة، متعرفيش تفرحي أبدا يا إسعاد، الله يرحمه حسان سابلك النكد ورث" ضحكت إسعاد رغماً عنها من قول وفاء، فقالت وهي تمسح وجنتيها: "الله يسامحك يا وفاء ضحكتيني وأنا مضايقة، بس إيه الناس دي كلها، دا إحنا بنشوفهم في الجرايد والتليفزيون بس" أجابتها وفاء وهي توزع نظراتها بين الحضور:
"اه فعلًا واللي عرفته كمان جايبين مغنيين مشهورين أوي عشان يغنوا في الفرح، ياااه أنا فاكرة يوم جوازي من صفي الدين الله يرحمه، النور قطع وقضينا بقية الفرح مولعين شمع، والراجل اللي جابوه يغني، كان بيموت يا عيني ولا اللي مدة صلاحيته خلصت، ولا شكله كان ميت وطالع يتحاسب" قهقهت إسعاد على ما قالته وفاء، حتى دمعت عيناها ثانية، فردت بمشقة من شعورها بالألم من كثرة ضحكها: "وفاء اسكتي بقى مش قادرة الله يسامحك"
تبسمت وفاء لها، فهي تفعل ذلك من أجل صرف حزنها، ولتجعلها تشعر بالسعادة، التي عاشت محرومة منها أو أن تزورها سنوات طويلة. بعد أن صدح ذاك الصوت، الذي دعا العرسان لبدء الرقص على أنغام الموسيقى الناعمة، بعد أن تم خفض الإضاءة، لإضفاء جو شاعري، أخذ عمران يد ميس، الذي حرصت على نشب أظافرها بباطن يده الممسكة بها. فتبسم لها ببرود: "شكل النهاردة هننبسط أوي يا ميس وخصوصًا وأنتي مضايقة كده ومفكرة إن عمايلك دي إني هتأثر بيها"
شملته بنظراتها وهي رافعة شفتها العليا باستنكار: "ماهو مفيش حاجة تأثر في واحد معندوش إحساس عارف إن مش طايقاك وبرضه كملت جوازك مني، ده ملوش تفسير غير إنك واحد معدوم الكرا…" قبل أن تلفظ بقية حروفها، قبض على فكها بقسوة، وقال محذرًا إياها من مغبة الاستمرار بإهانته: "كلمة كمان يا ميس وبدل ما هيبقى النهاردة فرحك هتبقى جنازتك"
أزاحت يده بصعوبة، فشعورها بالألم لا يطاق، ولكنها غير قادرة على الصراخ أو أن تثير انتباه أحد عليهما، فهو جاف وصلد بأفعاله. فإن كان هما يتشاجران بصوت هامس، فهناك اثنان آخران حملتهما السعادة على أجنحتها، كأنهما لا يوجد غيرهما بالقاعة المكتظة بالمدعوين. فأدنى معتصم برأسه لولاء قائلاً بعشق: "مبروك يا أحلى عروسة في الدنيا دي" ردت ولاء بخجل: "الله يبارك فيك يا حبيبي، بجد متوقعتش إن الفرح هيبقى جميل أوي كده، أنا مبسوطة أوي"
قالتها ولاء بحماس، فقبل معتصم جبينها، وهي يتعهدها بأن يجعل السعادة حليفتها دائمًا، فأغمضت عينيها بشعور طاغٍ بالأمان، فإن لم تكن تشعر به سابقًا، فمن اليوم ستحيا بكنفه، داعية إلى الله، أن يكون لها الزوج الصالح الذي تمنته. نظر راسل حوله يبحث عن صغيرته، فهو لا يراها برفقة حياء أو وفاء، فأين ذهبت؟ فقبل أن يعرب عن قلقه لاختفائها، وجدها تجلس أمام أبيه على الطاولة وهو يداعبها بمحبة، وهي تقبله على وجنته.
أراد الذهاب إليهما لأخذها، وجد حياء ممسكة بيده، تمنعه عن الحركة فقالت برجاء: "سيبها يا راسل ده جدها مش هياكلها يعني وسجود مبسوطة عشان خاطري أقولك تعال نرقص سوا"
تلاحت أنفاسهما سوياً، خاصة وهي رافعة وجهها وتنظر له بعشق وافتتان كالعادة، عندما تجد نفسها بين ذراعيه القويتين، فالأضواء الخافتة بالقاعة، وصوت الموسيقى الناعمة، ساهمت في جعلها تشعر بنشوة حلوة تلفحها، وهي تشعر بأنفاسه الدافئة تلفح وجنتيها، اكتفت من النظر إليه، فأغمضت عينيها وهو يستند بأحد جوانب وجهه على رأسها، فظلت تقترب منه أكثر، حتى كادت أن تنسى أنهما الآن وسط جمع غفير من المدعوين، فهي عندما تكون برفقته تنسى كل شيء، فبحضرته يختفي العالم من حولها ولا يتبقى سوى نيران الشوق.
"راسل أنا بحبك أوي يا حبيبي" بهمسة مترددة كادت تذهب بأنفاسها، كانت تصب بأذنيه تلك العبارة، التي خرجت حروفها من بين شفتيها كإحدى النغمات. كف يده الموضوع على ظهرها، عمل على دفعها برفق تجاهه، ليقربها منه أكثر، فلو كان بإمكانه كان أخفاها عن العالم، فهي صارت أكثر علمًا بحاجته إليها، خاصة لتصريف غضبه واستيائه، فلا وسيلة أخرى أفضل من أن تجعله يشعر بمدى أهميته لديه.
"وأنا بموت فيكي يا قلب راسل، بقيتي شاطرة أوي في إنك تنسيني نفسي وتاكلي قلبي وعقلي بحلاوتك" ابتسم لها هامسًا. "حرام يعني إني آكل عقل جوزي حبيبي، اللي هيوعدني إنه يبطل عصبية عشان الليلة دي تعدي على خير ومحدش يزعل، صح يا حبيبي" صدرت عنها ضحكة خافتة وقالت بدلال. لم يجادلها بل فضل أن يستمتع بوجودها بين يديه، فاكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه، ولكن اصطدام أحد آخر بها، جعلها تلتصق أكثر به.
فالتفتت خلفها باستياء، لترى من فعل بها ذلك، فوجدت عمرو يراقص فتاة لا تعلم من تكون، فنظر إليها بابتسامة وهو يقول بأسف مزيف: "أووبس أنا آسف إني خبطت في حضرتك من غير قصد" "محصلش حاجة بس ياريت تاخد بالك بعد كده" قالتها حياء وهي تعود لزوجها ثانية، فلم تمر دقيقة أخرى، حتى اصطدم بها عمرو ثانية، ولكن تلك المرة، أعلن راسل عن ضيقه من أفعاله المتعمدة.
"أظن حضرتك تحترم نفسك شوية هي سكتت في المرة الأولى لكن المرة دي أنا اللي هرميك برا القاعة" جذب عمرو من ياقة سترته، وهو ينذره. حاولت حياء فض الاشتباك بينهما، قبل أن يؤول الأمر للأسوأ، خاصة بعد أن بدأ المدعوون بملاحظة ما يجري بين راسل وعمرو. "راسل أرجوك الناس بدأت تاخد بالها بلاش تعمل مشكلة وخصوصًا النهاردة خلاص تعال نقعد بلاش نرقص" ترجته أن يحافظ على هدوئه.
لم يرف له جفن، بل ظل يتابعهما بنظراته وهما يبتعدان عن حلبة الرقص، فأقر بأن زوج حياء رجل لا يستهان به، يبدو عليه أنه يغار عليها بشدة، فهو أراد الشجار معه من أجل اصطدامه بها فقط، فما باله إذا علم بمضايقته لها سابقًا. جلست حياء على أحد مقاعد الطاولة، وهي تحاول تجفيف وجهها، كأنها تشعر بأنه غارقًا بحبات العرق، فماذا يفعل ذلك المعتوه المسمى عمرو؟
فهي تبذل أقصى ما باستطاعتها، حتى تحافظ على هدوء راسل، فهي لا تريد أن تنتهي تلك الليلة نهاية غير مستحبة، إذا خرج زوجها عن طوره، فيكفي فقط استماعها لنقره المستمر على سطح الطاولة، لتعلم أنه يحاول قمع غضبه بجهد كبير. ***
لم تكف عن البكاء أحيانًا كثيرة، منذ علمها بزواجه من ابنة خالته، التي لم تكن تعلم عنها شيئًا، إلا بعدما ذهبت لشققته برفقة زميلاتها ورؤيتها، فكلما تتذكر أنوثة هند الطاغية، تبكي أكثر، بل تقف أمام المرآة تتفحص منحنيات جسدها النحيف، الذي يبدو عليه أنه لن يكتسب أي من الشحوم بتلك الأونة، فهي تظن أنها لو كانت ممتلئة الجسم قليلًا، فربما كانت استطاعت جذب أنظار معلمها العزيز "كرم"، فهي لم تنسى ذلك اليوم الذي علمت بشأن زواجه، عندما تراسلت مع الفتاتان المجاورتان له بالسكن، عبر شات جماعي فيما بينهم، يضم عدد من فتيات المدرسة.
طرقت زوجة أبيها الباب، ثم ولجت لترى لما لا تخرج من غرفتها إلا نادرًا، خاصة بتلك الأونة الأخيرة. "سهى مالك قاعدة ليه، ومالك اليومين دول حابسة نفسك في أوضتك" فقالت وهي تبتسم بهدوء. نجحت سهى بتجفيف دموعها قبل أن تلج زوجة أبيها، فهي لا تريد أن تراها تبكي وتبدأ أن تسألها بإلحاح عما أصابها. "مفيش حاجة يا طنط أنا كويسة الحمد لله، كنتي عايزة مني حاجة" فردت سهى بدون أن تكلف نفسها عناء النظر تجاهها.
زفرت زوجة أبيها بخفوت، فجلست بجانبها على الفراش، ومدت يدها تدير وجهها لها، ولكن سرعان ما نفضت سهى يدها عنها. "إنتي ليه بتعملي كده يا سهى دا إنتي كنتي بتحبيني إيه اللي حصل" فنزلتها زوجة أبيها بأسى وحزن. "كنت بحبك أيام ما كنتي صاحبة ماما لكن إنتي مصدقتي إنها ماتت عشان تاخدي جوزها وتتجوزيه وتعيشي في بيتها" انتفضت سهى من على الفراش، ووقفت أمام النافذة عاقدة ذراعيها مغمغمة بضيق.
"أمك مكنتش بس صاحبتي دي كانت أختي وحبيبتي ومحبتش حد زي ما حبيتها" حاولت استنشاق أكبر قدر من الهواء، لعلها تتحدث بهدوء، وتجعلها تفهم حقيقة زواجها من أبيها، فتركت الفراش وخطت بخطواتها تجاهها ووقفت بجانبها. "اللي إنتي متعرفيهوش إن أنا كنت مخطوبة لواحد قبل ما أتجوز باباكي خلال الفترة اللي مامتك كانت تعبانة فيها، بس لما تعبت جامد طلبت مننا نتجوز عشانك إنتي يا سهى"
وضعت يدها على كتفها، لتجعلها تنظر إليها، ولكن أصرت سهى على عنادها، فنظرت عبر النافذة وهي تقول بنهدة حزينة. "عشانى أنا إزاي يعني مش فاهمة؟ نظرت لها سهى وضيقت عينيها متسائلة.
"مامتك محبتش واحدة غريبة تربيكي وتتجوز باباكي عشان كده سابتك أمانة في رقبتي، فوافقت على طلبها قبل ما تموت وفسخت خطوبتي واتجوزت باباكي عشانك إنتي يا سهى عشان أكون أنا أمك ومتحسيش بغيابها، بس للأسف إنتي كل ما كنت أقرب منك تبعدي أكتر، رسمالي دور الشريرة في حكايتك مع إن مفيش مرة أسأت ليكي بالعكس، كل اللي بتعمليه، مقدرش يخليني أتخلى عن وصية مامتك، بس إنتي اللي حابة تحطي حواجز بيني وبينك، وبالرغم من ده كله مستنية اليوم اللي هتجيني فيه وتحكيلي عن كل اللي مضايقك زي كل بنت ما بتعمل مع أمها"
حركت زوجة أبيها رأسها عدة مرات قبل أن تقول بصوت يحمل ألمًا وحنينًا لصديقتها الراحلة. "بس يا حبيبتي متعيطيش وقوليلي إيه اللي مضايقك يا سهى جايز أقدر أحل معاكي الموضوع" مسحت على رأسها بحنان، بيد أن ربما حديثها، بدأ يسري مفعوله بعقل سهى، فأسترجعت كل أفعالها معها منذ أن وطأت المنزل، فهي حقًا لم تسئ لها، ولم تكن لها زوجة أب بالمفهوم الخاطئ والتقليدي، الذي سمعته عنه ورأته بالتلفاز. "أنا حاسة إن أنا تايهة يا …يا ماما"
حاولت سهى كبت دموعها، ولكن أنهار ثباتها، فأجهشت بالبكاء ولا تعلم علام بكاءها بتلك اللحظة، فهي تشعر بالتخبط والحيرة. لم تصدق أنها سمعتها منها أخيرًا، فزادت من ضمها إليها، وهي تواسيها. "أهدى يا حبيبتي وكل حاجة وليها حل وأنا معاكي متقلقيش ولو مش حابة تتكلمي دلوقتي هسيبك تهدى خالص لحد ما تحسي إنك قادرة تحكيلي على كل حاجة تعالي دلوقتي كلي أكلك اللي إنتي رفضتي تاكليه"
فلم تدعها تبكي بمفردها، بل جذبتها إليها وجعلتها تلقي برأسها المثقل بأفكارها الحائرة على أحد كتفيها، فزادت وتيرة بكاءها أكثر. أخذتها معها وخرجت من الغرفة، وضعت لها الطعام، وجلست تراقبها وهي تتناول طعامها ببطء، فتبسمت وهي تراها تنادي شقيقيها من أجل إطعامهما بيديها، وهي من كانت تنكر أنهما أخويها، كونهما أشقاءها من أبيها.
فرفعت سهى يدها ومسحت عيناها بظاهر يدها، تحاول الابتسام لشقيقها الصغير، الذي حاول إطعامها، فتساقط الطعام من يده، فنظر لها بتوجس، يخشى أن يراها ثائرة بوجهه، مثلما كانت تفعل معه دائمًا، ولكنها ظلت تقبله على وجهه، كأنها تطلب منهم جميعًا الغفران على إساءتها لهم، وتصرفاتها الرعناء معهم، فربما هم قادرون على أن يجعلوها تنسى ما يؤرقها ولو مؤقتًا. ***
اكتفت من رؤيتها له يتحدث مع كل هؤلاء النساء المتواجدات بالحفل، فكأنه لن يترك امرأة إلا ويهديها ابتسامة ساحرة من إحدى ابتساماته الجذابة، التي تزيد من وسامته، فالليلة كأن تلك الوسامة تضاعفت أضعافًا كثيرة، فهي تراه كما لم تره من قبل منذ عودتها إلى الإسكندرية، فتلك الحالة من الغيرة التي ألمت بقلبها، ذكرتها بوضوح بأيامهما الغابرة، عندما كان يكاد يطير صوابه من رؤية أنثى أخرى تتودد له.
فهل ما تراه به من وسامة طاغية حقيقة، أم أن شعورها الفاضح بالغيرة، جعلها توهم أنه أصبح أكثر وسامة لما كان عليه؟ تركت القاعة وخرجت لحديقة الفندق، حاولت سحب أكبر قدر من الهواء لتستنشقه، فكأن رئتيها أصبحتا خاويتان فجأة. "واقفة هنا ليه كده يا ست البنات" هتف بها فواز وهو يتخذ مكانه بجانبها أمام إحدى الشجيرات، فقطفت غزل بعض من أوراق الشجرة، تفتتها بين أصابعها.
"مفيش يا فواز اتخنقت من الأصوات والروايح في القاعة فخرجت أشم شوية هوا وكنت هرجع تاني، وأنت جيت ورايا ليه مش عايزة حد يتكلم علينا يا فواز" فقالت ببرود. "أنا بس كنت خايف تكوني مضايقة من حاجة عشان كده جيت وراكي أنا آسف" دلك مؤخرة عنقه بشيء من الإحراج. جعلها تشعر برعونة تصرفها وقولها، بعد سماعها نبرة الآسى بصوته، فغمغمت معتذرة:
"سوري يا فواز مكنش قصدي إني أبقى سخيفة معاك في الكلام، بس النهاردة اليوم كان مضغوط وكمان ده مش فرح أي حد دا فرح عمران ومعتصم، اليوم اللي فضلت أحلم بيه عشان أشوفهم متجوزين وأطمن إن كل واحد فيهم بقى ليه زوجة" "طب وإنتي يا غزل مفكرتيش في نفسك هتفضلي كده من غير جواز" قالتها فواز باستفسار ملح من رغبته في معرفة خططها المستقبلية من أجل نفسها، خاصة بعد زواج أبناء شقيقها.
ضمت غزل ذراعيها حولها، كمن شعرت ببرودة نسمات فجأة، فدمدمت وهي تنظر لتمايل الورود، كلما هب النسيم القادم من البحر القريب من الفندق: "أنا كمان متجوزة يا فواز، أنا أبقى مرات عاصم النعماني من سنين طويلة، من قبل إنت حتى ما تشتغل عندنا"
فغر فواز فاه بعد سماع حديثها، فهو يعلم فقط بشأن أن عاصم بالماضي كان خطيبها، ولكن حالت الظروف بين إتمام تلك الزيجة، ولكن أن يعلم الآن أنها زوجة له كل تلك السنوات وهو لم يكن لديه علم بذلك، فذلك أدعى له أن يشعر بالغرابة والحماقة. فقبل أن يستمر الحديث بينهما، رأوا عاصم يقترب منهما، واضعًا يديه بجيبى بنطال حلته السوداء، التي لم تكن أشد سوادًا من مزاجه، بعد رؤيته لهما هنا بمفردهما. "بتعملوا إيه هنا"
فلم يفه سوى بعبارة اقتصرت على سؤالهما عن سبب وجودهما هنا. رأى فواز أنه من الأفضل لكليهما، أن يبتعد عن هنا الآن، فذهب تاركًا غزل بمفردها تواجه زوجها الممتقع الوجه، ترى ارتعاش شفتيه من فرط حنقه منها. فتذكرت ذلك اليوم الذي اصطحبها به لتلك الشقة، فكأن ما حدث ما زالت تتذكر تفاصيله. *** عودة لوقت سابق.
يضمها إليه بألطف طريقة ممكنة، يمكن من خلالها أن يعبر لها عن مدى عشقه وهوسه بها، يهمس لها بكلمات ناعمة وساحرة، فقرارها أن تظل باردة كالحجر بين ذراعيه لم تستطع تنفيذه. "غزل أنا فضلت طول عمري أحبك وعمري ما فكرت إني أخونك" همس عاصم بحرارة. بدأت تشعر بالضعف يسري بأوصالها، كادت أن تلقي بعنادها وبكل تلك المشاعر الجامدة جانبًا، ولكن استيقاظ عقلها بتلك اللحظة جعلها تجد الحل والمخرج من ذلك المأزق.
فأدعت أنها أصبحت خاضعة، فهمهمت بكلمات متقطعة ثم قالت بهمس ناعم كأنها غير متعمدة: "فواز" صمت لبضعة ثوان، فما لبث أن سحب عاصم شعرها بعنف وهمس بصوت أجش: "إنتي قولتي إيه دلوقتي" "هو أنا قولت حاجة؟ انتفضت غزل بارتجافة غير إرادية وأستعادت برودة أعصابها، إنها تحمل الحل لفرارها من بين يديه. "إنتي كمان مش حاسة إنتي قولتي إيه أنا عاصم يا غزل مش فواز" فقال وهو يرمقها بغضب.
"أنا عارفة إنك عاصم مش فواز بس أعمل إيه لساني فلت بيقول اللي في قلبي" وقالت وهي تقطب حاجبيها ببراءة مصطنعة. ظنت أنه سيمرر لها الأمر، ولكن وجدته يسحبها معه وخرج من الشقة، وهو يخرج من فمه سيلًا من السباب والشتائم. فمنذ ذلك الوقت، وهو يتجاهلها وخير دليل على ذلك، ما يفعله اليوم. بعد أن عادت لواقعها، انتظرت أن يبدأ هو الحديث ثانية، فلم تنتظر طويلًا، إذ وجدته يقول بصوت غاضب وبقرار لا رجعة فيه:
"غزل إحنا خلاص هنطلق، يومين وهبعتلك ورقة طلاقك" يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!