الفصل 33 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
25
كلمة
8,586
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

إبتسم راسل بذهول، ظناً منه أن الضابط يمازحه. فهؤلاء الرجال لم يأتون إلا من أجل إلقاء القبض عليه، بتلك التهمة المنسوبة إليه من أنه عمل على قتل سعيد. ولكنه هو وأسرته، لم يكن لديهم الإدراك الكافي لاستيعاب ما سمعوه. فصوت يد وفاء التي دبت بها على صدرها من فزعها مما سمعته، هو من جعل راسل يعي على حقيقة وضعه الآن.

ولم تكن وفاء وحدها من ساهمت بإعادة تركيزه المسلوب بتلك اللحظة، بل زوجته أيضاً، التي اقتربت قابضة على ذراعه بخوف، فعيناها متسعتان وفمها مفتوح بدهشة. إلا أنها استطاعت القول بصوت خافت، ترتعش حروفها من الخوف: "راسل هو بيقول إيه، مين سعيد ده كمان وقتل إيه؟ عندما هم راسل بفتح فمه ليجيبها، أسرع الضابط بهز ذراعه وهو يقول بخشونة:

"إحنا مش هنفضل واقفين مستنين سيادتك علشان تيجي معانا. هتغير هدومك ولا تحب ناخدك كده بالهدوم اللي عليك؟ زادت حرارة انفعال راسل، فكأن ما حدث له منذ سنوات، تعاد تفاصيله مرة أخرى. فها هو للمرة الثانية، يتم إلقاء القبض عليه بتهمة القتل وهو لم يفعل شيئاً. تلك المعاملة الجافة والصلدة من رجال الشرطة، ذكرته بما لقاه بإيطاليا من إهانة وتعذيب. فاتسعت طاقتة أنفه صارخاً بوجه الضابط، غير أبه بما سيحدث له لاحقاً:

"نزل إيدك واحترم نفسك وأنت بتتكلم معايا، مفهوم؟ من تحفز جسده على القتال، فربما سيثير شجار مع رجال الشرطة. فأمر الضابط جنوده بالإقتراب سريعاً ووضع الأصفاد بمعصميه، فهو لن ينتظر سماع كلمة أخرى منه. فبعد اطمئنان الضابط لإحكام السيطرة عليه، وأنه أصبح مكبلاً بالأغلال، يحاوطه الجنود دفعه أمامه وهو يقول بغلظة: "طب لا أنت مغير هدومك ولا هسمع منك كلمة تانية، يلا قدامي. وتبقى المدام بتاعتك تجيبلك هدوم في التخشيبة."

اعترضت وفاء طريقهم وهي تصيح وعيناها باكيتان: "إنتوا واخدين إبني ورايحين على فين؟ إبني ميعملش كده. إنتوا أكيد غلطانين. سبوه، سبوه." بما يشبه الجنون، حاولت وفاء سحب الأصفاد من يد راسل، فهي لا تريد أن تراه بذاك الموقف ثانية، فيكفي ما لقاه بالمرة الأولى. رأى راسل أحد الجنود يهم بإزاحتها عن طريقهم، فصاح بوجهه: "أبعد عنها ومتلمسهاش، أنت فاهم؟ عاد ونظر لوفاء قائلاً بحنان:

"اهدّي يا ماما، أكيد فيه حاجة غلط في الموضوع. كلمي بس المحامي يحصلني على هناك." بعد أن قال ما لديه، استدار برأسه للخلف ليراها قبل ذهابه، فهي تقف كتمثال من الرخام، اتخذ وضع الذهول. ولكن ما أن التقت أعينهما سوياً، حتى هرولت بخطواتها إليه. فقالت بصوت نائح: "راسل، هم واخدينك على فين؟ هو إيه اللي بيحصل ده بالظبط؟

رفع كفيه سوياً، نظراً لأنهما مقيدان بالأصفاد، فعمل إبهامه على مسح تلك العبرات التي تساقطت على وجنتيها بغزارة وهو يقول بصوت حانٍ: "بس يا حياء، متعيطيش وخلي بالك من سجود." فهو يحمد الله أن صغيرته مازالت نائمة، ولم ترى الضابط يعمل على جره هكذا، فربما كانت ستصاب بالذعر والهلع، علاوة على أنه لا يريدها أن ترى أباها يتلقى تلك المعاملة من أحد، وهي من اعتادت على رؤيته بمظهر القوة والبأس.

أراد الضابط فض ذلك الحوار الدرامي، الذي أثار بنفسه الاستياء. ولم يكن هذا فقط من أجج نيران الغيظ بداخله، بل أن راسل لا يظهر خوفاً أو خضوعاً لهم، بل يتصرف على النحو الذي يظهره بأنه هو سيد الموقف. فهو توقع أن يظهر خوفه مما سمعه، إلا أن لم يصدر منه فعل سوى أنه لا يريد أن يلمسه أحد.

بمجرد خروجه برفقة الضابط ورجاله، تبعته حياء ووفاء، حتى وصلوا لتلك السيارة، التي ستنقله لقسم الشرطة. فبعد أن أخذ مكانه وجلس شرطيان بجانبه، انطلقت السيارة يرافقها دوى صوتها المزعج، فأحتضنت وفاء جسد حياء المرتجف والمتشنج، فهي لم تكف عن البكاء والمناداة باسم زوجها، تنوح بصوتها وتشاركها وفاء النحيب. ولكن تذكرت حياء والد زوجها، فهو القادر على مساعدته الآن.

بالبداية أصدر الكمان ألحاناً هادئة ولكنها كئيبة أيضاً، كأنها إنذار بأحد الطقوس الجنائزية. فبيري دائماً ما تهوى عزف الألحان التي تثير الشجن والحزن. ولكن زاد الحماس وصارت الألحان الهادئة تعلو رويداً رويداً، حتى صارت صاخبة. فأغمضت عينيها وهي تميل برأسها على الكمان الموضوع طرفه على كتفها الأيسر. زاد حماسها أكثر فأكثر حتى انتهت من عزف تلك المقطوعة الموسيقية المسماة "قداس الموت".

فرنت أصوات التصفيق الحاد من أبيها وهو يلج الغرفة قائلاً بإعجاب: "برافوووو يا بيري، عزفك جنان." ابتسمت بيري وسحبت الكمان من على كتفها، ووضعته بمكان آمن وقالت وهي تقترب من أبيها: "ميرسي يا بابي، أنا لقيت نفسي مش جايلى نوم جيت هنا غرفة الموسيقى وقلت أعزف على الكمان. بس سوري لو كنت صحيتك من النوم." وضع شعرها خلف أذنيها ومال على وجنتها يقبلها قائلاً بحب:

"لأ يا حبيبتي، مكنتش لسه نمت. كنت مستني تليفون مهم وجاهز، بس لما سمعت صوت الموسيقى قولت أجى أقعد معاكي شوية علشان في موضوع عايز أكلمك فيه." نظرت إليه بيري قائلة باهتمام: "خير يا بابي، موضوع إيه ده؟ أخذها من يدها وجلس على المقعد العريض أمام البيانو، فتبسم بوجهها قائلاً بهدوء: "في عريس طلب إيدك للجواز. هو عايش في صقلية حالياً بس هو من أصل مصري، اسمه ألبرتو." انتفضت بيري من مكانها وهي تقول بإعتراض:

"بابي، أنا قولتلك قبل كده مش هتجوز." انفعل أدريانو من رفض ابنته المتكرر للزواج، فعلا صوته قليلاً بغضب: "هو أنتي لسه منسيتيش الواد اللي كنتي بتحبيه يا بيري؟ أنا قولت خلاص بعد السنين دي كلها نسيتيه، ومستنيكي تلاقي شاب تاني كويس علشان تتجوزيه." أطرقت بيري برأسها أرضاً وهي تقول بحزن: "واللي أنا اخترته كان عيبه إيه يا بابي؟ استشاط أدريانو غضباً ورد قائلاً بصياح: "أنتي عارفة كان عيبه إيه؟

كان مسلم وأنتي يهودية. لأ معتقداته زي معتقداتنا ولا كان ينفع تتجوزيه. واتكلمنا في الموضوع ده قبل كده كتير، مش معنى إننا عايشين في إسكندرية وجدك كان يهودي مصري وأنا اتولدت واتربيت هنا وبنتعامل مع اللي حوالينا عادي، معنى كده إنك تتجوزي واحد مسلم." ردت بيري باقتضاب وتبرم: "أنا شايفاك متعصب أوي يا بابي للموضوع ده." أمسكها أبوها من ذراعيها وهزها بجفاء وهو يقول بإصرار:

"لأن إحنا وهم عمرنا ما ينفع نجتمع في مكان واحد. إن كان بيشتغل معايا ناس منهم فده مش معناه إني حابب قربهم أصلاً. بالعكس، أنا مبكرهش حد أكتر منهم." طفحت طباع أبيها كاملة على صفحة وجهه، من تعصبه لديانته التي يراها بمنظور أنها لا يمكن أن تتوافق مع ديانة أخرى، أو أن تختلط دماءهم مع دماء إناس آخرين، أو أن تصبح ابنته زوجة لشاب مسلم، يرى أنه سيكون هو المتسبب بتركها ديانتها واتباع ديانته. ابتعدت عنه قدر إمكانها وأولته

ظهرها قائلة بإصرار وعناد: "يبقى خلاص متكلمنيش في موضوع الجواز تاني وانساه خالص، لأن قلبي أخده واحد قبل كده ومعنديش استعداد أحب حد تاني." قبض على مرفقها بقسوة وجعلها تستدير إليه قائلاً بعناد يفوق عنادها: "مش معنى إني بحبك ومش برفض ليكي طلب وبخاف عليكي يبقى خلاص هوافقك على كل اللي تقوليه. أنا بس مش عايز أوريكي وشي التاني يا بيرى." زفرت بيري أنفاسها بخفوت لتقاوم فرار دموعها من بين جفنيها وردت قائلة بصوت متحشرج:

"بابي، شكلك أعصابك تعبانة. أرجع أوضتك علشان تنام علشان أنا كمان عايزة أنام. تصبح على خير."

سحبت مرفقها من بين أصابعه القابضة عليه بقسوة، جعلته يترك آثار احمرار خفيف على بشرتها البيضة، فتركت غرفة الآلات الموسيقية، تنوي الذهاب إلى غرفتها، ولكنها عدلت عن ذلك وخرجت لحديقة المنزل. جلست أسفل إحدى الأشجار ووضعت وجهها بين يديها وبكت بقوة وبقهر وحسرة على ضياع حبها الوحيد، الذي ما أن خفق قلبها له، رفض أن يخفق لأحد غيره حتى وقتها الحالي. فأين هو الآن؟

فهي لم تعثر له على أثر بعد رفض أبيها له، فهي تخشى أن يكون أقدم والدها على التخلص منه بالطريقة الوحيدة التي يجيدها وهي القتل، ولكنه أقسم لها بأنه لم يمسه بسوء، بل أعلن رفضه له فقط، ومنذ ذلك اليوم وهي لم ترى له وجه، ولا تعلم أين ذهب بعد تركه الإسكندرية؟ بعد اكتفائها من جلستها الباكية، نهضت من مكانها وعادت لغرفتها، فبعد أن ارتطمت على الفراش، سمعت صوت هاتفها يعلن عن ورود اتصال من رقم مجهول. أخذت الهاتف ووضعته

على أذنها قائلة بتساؤل: "ألو، أيوة مين؟ جاء الرد على الطرف الآخر بصوت متهدج: "أنا نادر يا آنسة بيري، فكراني." نفخت بيري بضيق وقالت بتأفف: "نعم يا دكتور نادر، وأنت جبت نمرتي منين وعايز إيه مني في وقت زي ده؟ "مش ده المهم، المهم أن كان نفسي أسمع صوتك الناعم ده قبل ما أنام، لأن من ساعة ما شفتك، والنوم طار من عيني." قال نادر بصوت بدا لها أن من يتحدث عاشق مدله بغرامها. فتبسمت بسخرية وردت قائلة بنفاد صبر:

"بقولك إيه يا نادر، خد حبيتين منوم هتنام على طول بدل ما تفضل صاحي وتغني عليا. تمام؟ ده أنا بنت أدريانو وسمعت أسطوانات غرامية من دي كتير، فأحسن لك بلاش. أنا لو لسه باقي على اللي فاضل من عمرك." قالت بيري ما لديها وأغلقت الهاتف نهائياً، وألقته من يدها على الكومود المجاور لفراشها الوثير، فبمجرد أن وضعت رأسها على وسادتها، مدت يدها أسفلها وأخرجت تلك الصورة لحبيبها الغائب. فقبلت الصورة وهي تتنهد شوقاً:

"يا ترى أنت فين دلوقتي يا حبيبي، روحت فين يا عبد الرحمن وسبتني؟ تساقطت عبراتها على الصورة، فبدت كأن عينيه هي التي تبكي. ففراق دام سنوات، لم يحد من تلك العاطفة التي شعرت بها نحوه، منذ أن رأته أول مرة بالجامعة. فهو كان معيدها بالكلية. وقع هو بغرامها منذ الوهلة الأولى، واستطاع أن يجعلها تغرم به هي الأخرى، على الرغم من تحفظها بالتعامل مع الآخرين.

ولكنه هو لم يكن مثل أي أحد، كان شاباً خلوقاً، يعلم الجميع بحسن خلقه وسيرته الطيبة العطرة. فعلى الرغم من اختلاف معتقداتهما وديانتهما، إلا أن ذلك لم يكن عائقاً أمام قلبيهما. ولكن العائق الوحيد كان رفض أبيها له، وكونه أراد لها أن تتزوج شاب من بني جلدته.

بعد استرسالها بذكرياتها وبكائها، أدركها النعاس ومازالت تحتضن الصورة بيدها واضعة إياها على صدرها قريباً من قلبها، كمن تنتظر أن يأتيها بأحلامها، وتخبره بعتابها له على أنه تركها وذهب دون أن يخبرها. ولج أدريانو الغرفة ليتأكد من خلودها للنوم، فوجدها غارقة بسبات عميق، وتلك الصورة ساقطة بجانبها، فأخذها ونظر لصاحب الصورة. فنفرت دماءه بداخل أوردته، وقبض على الصورة وأعصرها بين أصابعه. فهل هي مازالت تفكر به؟

فماذا يفعل حتى يجعلها تقلع عن هذا الحب؟ الذي رآه كلعنة استوطنت بداخل قلبها وعقلها ولن تتركها طوال حياتها. ولكن لا، فهو لن يسمح لها بالاستمرار في التفكير بهذا الحب المستحيل.

أراد الاحتفال بإلقاء القبض على راسل بطريقته الخاصة. فعلى الرغم من الجفاء الذي لقاه من بيري، أثناء محادثته لها عبر الهاتف، إلا أن ذلك لم يمنعه من أخذ تلك الفتاة المدعوة ليالي إلى الشقة التي كان مستأجراً إياها منذ عودته للإسكندرية، وقبل ذهابه للإقامة عند شقيقه نصر.

تطلعت ليالي حولها وهي تزم شفتيها قليلاً، فالشقة لم تكن فارهة كمنزل نصر، على الرغم من أنها تقع بأحد الأحياء السكنية الراقية. تجولت بالشقة وهي واضعة يديها بخصرها، تنظر لكل غرفة بتقييم. فبعد خروجها من غرفة النوم، نظرت إليه قائلة وهي تتشدق بعلكتها كالعادة: "مش كنا فضلنا في البيت عند نصر بيه أحسن. على الأقل البيت هناك واسع كده وحلو ويرد الروح." قال نادر بسخرية وهو رافعاً حاجبه الأيسر:

"ده على أساس إنك تربية قصور يعني يا ليالي، مش جاية من الملجأ يعني." رفعت ليالي شفتها العليا وهي تقول بتبرم: "يعني هو كل شوية تفكرني إن أنا جاية من الملجأ؟ ما خلاص مش سيرة وقصة هي يعني يا نادر." رأى أنها تجاوزت حدودها المسموح لها بها في التعامل معه، فأقترب منها قابضاً على مؤخرة عنقها، فهز رأسها بقوة وهو يقول بتحذير: "احترمي نفسك يا ليالي، أحسن مش هيحصلك طيب. وإيه نادر دي؟ اسمي نادر بيه أو دكتور نادر، فاهمة؟

قسوة أصابعه على عنقها، جعلتها تبادر بإظهار طاعتها وولاءها له، فردت قائلة بطاعة: "حاضر، حاضر يا نادر بيه، فاهمة." تركها بعد أن ضرب رأسها بخفة، فأمتعضت من فعلته، إلا أنها لم تفوه بكلمة، بل ابتسمت له بسماجة، وهي تود لو تقبض على عنقه. رآته يذهب للمطبخ وسرعان ما عاد حاملاً معه كأسين من المشروب الذهبي "الشامبانيا". فناولها كأساً وهو يقول بأمر: "خدي، اشربي ده. أكيد عمرك ما شربتي الشامبانيا." أخذت منه الكأس وتجرعته دفعة

واحدة وهي تضحك بميوعة: "أنا وحياتك شربت كل اللي يخطر على بالك، سواء رخيص ولا غالي. يلا ما علينا، هنخلص في ليلتنا دي ولا هنقضيها شامبانيا وكده؟ قالت عبارتها وهي تحرك شفتيها يميناً ويساراً باستهزاء، فجن جنونه لقولها ولفعلتها، فجرها معه إلى إحدى الغرف، فنسى من تكون هي، ولم يرى سوى وجه حياء، فتبسم بانتشاء مغمغماً: "حياء." زوت ليالي ما بين حاجبيها بعد سماعه يتفوه بذلك الاسم، فدفعته عنها وهي تقول بتساؤل:

"مين حياء دي كمان اللي أنت بتفكر فيها؟ زفر من فمه بسخط على ما قاله، فلما مازال يفكر بها؟ فرد قائلاً بضيق: "دي كانت خطيبتي واللي بقت مرات الدكتور اللي رميتي بلاكي عليه." اعتدلت ليالي واستندت على الوسائد وهي تقول بدهشة: "مرات دكتور راسل؟ صمتت لبرهة فما لبثت أن عادت مكملة لحديثها بهمس ظناً منها أنه لن يسمعها:

"يا بختها، دي متجوزة راجل ولا كل الرجالة. ده أنا لما روحت أرمي بلايا عليه كنت قربت أحبه، بس إيده طرشة، كان هيموتني فيه." تحسست وجهها بيديها وهي تبتسم، فانتفضت آثر تلك الصفعة التي جاءتها على حين غفلة منها، فهدر بها نادر بصوت عالٍ: "كان عاجبك أوي يا ليالي؟ أهو خلاص راح في شربة مية ومستقبله وحياته هيدمروا. هو فيه إيه زيادة يخليكم تقولوا عليه كده؟ ها، فيه إاااايه؟

غاصت ليالي برأسها في الوسائد خلفها، لتتجنب صوت صراخه بوجهها، فهو منحني إليها، كأنه على وشك خنقها أو قتلها على ما تفوهت به. فحاولت أن تنجو بنفسها من جنونه الطارئ: "اهدأ يا نادر بيه، أنا مش قصدي حاجة. دا أنت حتى راجل وسيد الرجالة، دي خطيبتك دي هي الخسرانة إنها سابتك. إزاي تسيب واحد قمر زيك كده؟

رفعت يديها وأحاطت وجهه بينهما، تحاول إصلاح خطأها بالتفوه بتلك الكلمات، التي طار صوابه على أثرها. ظنت أن العناق كافياً لصرف غضبه، إلا أنه دفعها عنه بجفاء وشيء من القسوة. فترك الفراش قائلاً بأمر: "يلا قومي، غوري من هنا ومش عايز أشوف وشك لا هنا ولا في بيت نصر." أقترب من خزانة خشبية وفتح أحد أدراجها، وأخذ حفنات من النقود، وألقاها إليها مستطرداً:

"دول باقي حسابك على اللي عملتيه، وعايزك لو طلبوكي في النيابة علشان موضوع الفيديو، تبقي تروحي وتقولي على اللي عمله دكتور راسل فيكي وتحاولي تورطيه أكتر، ولو عرفت إنك لعبتي بديلك كده ولا كده، أنتي عارفة نصر يعرف يجيبك إزاي، ماشي يا حلوة؟ لملمت ليالي النقود، وبعد أن انتهت من ارتداء ثيابها، خرجت من الشقة وهي تسبه وتلعنه بصوت خافت، حريصة على ألا تصل شتائمها لأذنيه.

فبعد رحيلها، خرج نادر لشرفة الغرفة وأنحنى يستند بمرفقيه على السور العريض، غرز أصابعه بين طيات شعره، وأغمض عينيه مستمتعاً بهدوء الليل وبنسمات الهواء الرقيقة. فلا ينقصه شيء الآن سوى وجودها معه وبين ذراعيه، فكم اشتاق لإحمرار وجنتيها، ولمعة عينيها البندقيتين، وخفوت صوتها أثناء حديثها. فهو مازال متذكراً كيف كانت تنادي باسمه، وتنظر إليه كأنه فارس أحلامها.

ولكن بتذكره أنها أصبحت زوجة راسل، أغتمت ملامحه، وأنقبضت أساريره. فيده التي كانت تمسد برفق على رأسه، راح يشد بها على خصيلاته بضيق. فراسل اقتنصها منه، وجعلها ملكه هو، أسرها وجعلها مفتونة به. ولكنه تبسم بتشفٍ، فراسل سيتم إيداعه بالسجن، مثلما دبر هو وخطط لذلك. فيكفي فقط تلك الفضيحة، التي ستضج بها الصحف ووسائل الإعلام المختلفة من إلقاء القبض على طبيب اشتهر بالبدء بأنه اعتدى بالضرب على فتاة، وتهديده الصريح بالقتل لسعيد، فهو نصب له الفخ بعناية، وسيعمل على أن يجرده من كل ما يملك.

صباحاً بقسم الشرطة، كان جميعهم واقفون أمام غرفة الضابط، فرياض بعد أن تلقى تلك المكالمة الهاتفية من حياء، وأخبرته بشأن إلقاء القبض على راسل بتهمة القتل، أخبر عاصم بضرورة حضور محاميه الخاص. ولم يكتف بذلك بل جاء معه فريق من المحامين العاملين تحت توجيهه وإشرافه. فزرع الممر ذهاباً وإياباً حتى يعلن العسكري عن سماح الضابط لهم بالدخول.

نظر لزوجة ولده المنكمشة بأحضان وفاء وهي تبكي وتنوح بصوت منخفض، فهو لم يكن مخطئاً بشأن تفكيره، بأن بعد اتحاد العائلتين، ستتوالى المفاجآت التي تنذر بكشف ذلك العدو المجهول. ولكن لم يضع بباله أن يكون نجله هو أول من سيعاني من تلك الأحداث غير السارة على الإطلاق. خرج العسكري وهو يصيح برسمية: "حضرتك الضابط عايز اتنين بس اللي يدخلوا، المحامي وواحد معاه." تقدم رياض وهو يشير لمحاميه: "تعالى، إحنا اللي هندخل الأول."

لم يشأ أحد الاعتراض على قول رياض، فربما هذا الحل الصائب، فبإمكان وجوده أن يعزز من موقف راسل كونه والده، والجميع يعلم من يكون هو رياض النعماني. فولج رياض يتبعه المحامي، وجد راسل يقف بالقرب من المكتب الخشبي، فتجاهل وجود الضابط وأقترب منه قائلاً بلهفة: "راسل، أنت كويس؟ في حد عملك حاجة؟ حرك راسل رأسه نافياً، فأكتفى بذلك دون أن يفوّه بكلمة، فنظر رياض للضابط، وأقترب منه مصافحاً وهو يقول بهدوء:

"أنا رياض النعماني، أبو الدكتور راسل النعماني." صافحه الضابط قائلاً بمودة: "أشهر من النار على العلم يا باشا. اتفضل ارتاح." جلس رياض على المقعد أمام المكتب، فقدميه لن تسعفه بالوقوف أكثر من هذا، فمنذ سماعه بما حدث لولده، شعر بارتخاء ساقيه من خوفه أن يخسر ولده الثاني، خاصة بعد أن أنقذه بمعجزة وأعاده للإسكندرية، بعد أن كان محتجزاً بأحد السجون بإيطاليا. نظر رياض للضابط متسائلاً:

"أنا والمحامي عايزين نعرف إيه اللي حصل بالظبط وليه قابضين على ابني ومتهمينه بتهمة زي دي؟ رد الضابط قائلاً بهدوء: "إحنا جالنا اتصال بأنهم لقوا جثة الممرض اللي اسمه سعيد في مخزن الأدوية بمستشفى الرحمة. فلما روحنا وعملنا معاينة للمكان لقينا سعيد مقتول أو بمعنى أصح مدبوح بمشرط طبي عليه بصمات دكتور راسل. وفيه عاملين في المستشفى قالوا إن حصل خناقة بين سعيد ودكتور راسل وهدده فيها بالقتل." تقدم المحامي من مكتب الضابط قائلاً

بمهنية: "بس تهديد القتل مش دليل كافي على إن دكتور راسل هو اللي قتله. وبالنسبة للمشرط فهو جراح، فطبيعي ممكن تكون بصماته موجودة على أدواته الطبية، وأن الفاعل الحقيقي استخدم المشرط في قتل سعيد علشان يورطه هو في الجريمة. وأكيد يعني فيه كاميرات مراقبة في المستشفى ممكن نتأكد من التسجيلات." قال الضابط بعد أن زفر أنفاسه بخفوت:

"راجعنا كل التسجيلات ملقيناش حاجة. وكمان الكاميرات كلها اتفصلت وقت وقوع الجريمة. دا غير إن لقينا كمان الصورة دي جمب الجثة." رفع الضابط تلك الصورة الصغيرة، التي تضم راسل وحياء وسجود، فتلك الصورة كان محتفظاً بها داخل جزدانه، فكيف وصلت لمكان وقوع الجريمة؟ أخذ راسل الصورة من يد الضابط قائلاً بدهشة: "الصورة دي إزاي وصلت لمخزن الأدوية؟ دي موجودة على طول في محفظتي."

"ممكن تكون محفظتك وقعت منك أثناء مقاومة سعيد ليك وبعد ما قتلته وأخدت المحفظة مشوفتش الصورة؟ قال الضابط باتهام صريح، فرفع راسل بصره عن الصورة، وحملق به بذهول، فهو رسم له السيناريو الذي وضعه كتصور لجريمة القتل، ولكن هو لم يكن أحد ممثلي هذا المشهد الدموي. فرد قائلاً باستنكار: "مقاومة إيه ومحفظة إيه اللي وقعت مني؟ قولتلك أنا لا قتلته ولا حتى شوفته من بعد ما طردته من المستشفى. إنت ليه مصر على إن أنا القاتل؟

رفع الضابط سبابته يشير له بانفعال قوي: "لأن كل الأدلة ضدك وبتأكد إنك أنت اللي عملت فيه كده. ومش عشان أنت دكتور مشهور ووالدك راجل معروف في البلد يبقى تفتكر إن القانون مش هياخد مجراه وتتعاقب على اللي عملته." أراد المحامي تهدئة الأوضاع، فأقترب من راسل، وسحب ذراعه ليجعله ينتبه لما يقوله: "أنا عايزك تحكيلي بالظبط على اللي حصل في اليوم ده قبل ما يتم عرضك على النيابة والموضوع يتعقد أكتر." أغلق راسل عينيه مغمغماً بإرهاق:

"عايزني أبدأ من فين؟ أنا تقريباً مبقتش شايف قدامي من الصداع." قال المحامي باهتمام بالغ: "عايزك تحكيلي من ساعة ما وصلت المستشفى وعلى اللي حصل لحد ما رجعت بيتك تاني واتقبض عليك."

جلس راسل بجوار المحامي على أريكة جلدية موضوعة بأحد أركان الغرفة، فقص عليه كل ما حدث بيومه، من وصوله للمشفى، لرؤيته لمقطع الفيديو، لسماعه بهمس سعيد الساخر الذي نال منه، وتلك المشاجرة بينهما، وقيامه بفصله من العمل بالمشفى وتهديده له بالقتل نتيجة اهتياجه من عدم تهذيب سعيد في حديثه معه، ومجيء وفد وزارة الصحة، وإنهاءه لعمله وعودته لمنزله وهو يشعر بالضيق والسخط على تلك الأحداث المؤسفة، حتى ختم حديثه بمجيء الضابط وأخباره بشأن تلك الجريمة، التي يظن أنه هو مرتكبها.

ترك المحامي مكانه وأقترب من رياض هامساً بأذنه، فنهض رياض من مكانه ونظر لراسل بحنان ومد يده يشد على كتفه ليطمئنه: "عايزك تطمن، إن شاء الله هتخرج من هنا. مش هسيبك يا راسل." "أنا عايز أشوف حياء." قال راسل فجأة، فأماء رياض برأسه موافقاً على مطلبه. فقال محدثاً الضابط، للسماح بدخول زوجة ولده: "ممكن يا حضرة الظابط يشوف مراته، هي موجودة برا." أماء الضابط برأسه قائلاً بتفهم:

"تمام يا رياض باشا، مفيش مشكلة، بس ياريت بسرعة علشان المفروض إنه يتعرض على وكيل النيابة علشان التحقيق." خرج رياض والمحامي من غرفة الضابط، فنادى حياء، التي ما أن سمعته يناديها، حتى هبت واقفة تقترب منه بلهفة لمعرفة ما آلت إليه أمور زوجها. فربت رياض على كتفها مواسياً: "هو عايز يشوفك يا حياء. ادخلي شوفيه."

ما كادت تبتعد حياء عنه، حتى لمح عاصم ارتجاف جسد عمه، فأسرع بإسناده حتى لا يراه يسقط أرضاً، فأخذه من ذراعه، فساعده المحامي بجلب مقعد خشبي ليجلس عليه. فانحنى إليه عاصم قائلاً باهتمام: "عمي مينفعش كده، أنت لازم تروح البيت وأنا هتابع الموضوع مع المحامي وهبلغك أول بأول، بس روح ارتاح." استند رياض بكلتا يديه على رأس عصاه، وحرك رأسه قائلاً برفض: "لأ يا عاصم، مش هروح وأسيب ابني، ومتقلقش أنا كويس."

حاول عاصم مراراً أن يثنيه عن قراره بالبقاء، إلا أن رياض ظل على تصميمه الكامل بأنه لن يبرح قسم الشرطة، قبل أن يعلم إلى أي حال سيؤول أمر راسل. ولجت حياء غرفة الضابط، وهي تعمل على تجفيف وجهها بالمحرمة الورقية، تبحث بعينيها عنه، حتى رأته جالساً واضعاً رأسه بين يديه ويحني كتفيه العريضين للأمام.

ولكنه اعتدل في جلسته بعد سماع صوت اقتراب خطواتها، فرفع رأسه ونظر لها ملياً، فخرج الضابط من الغرفة، ليتيح له المجال بالتحدث مع زوجته بحرية، فبسماعهما صوت إغلاق الباب، كانت حياء بين ذراعيه تبكي بصوت مسموع، يحاول هو جعلها أن تكف عن البكاء، فربما استمع إليها كل من كان خارج الغرفة. فأبعدها قليلاً عنه، واحتضن وجهها بين كفيه قائلاً بحنان: "بس يا حبيبتي، بطلي عياط يا حياء وإهدّي."

حركت حياء رأسها يميناً ويساراً، وهي لا تصدق ما حدث، فهي لم تغفو منذ البارحة، فكيف يواتيها النوم وهو لم يكن بجانبها، بل الأدهى والأمر، أنه هنا بين جدران قسم الشرطة. خرج صوتها متحشرجاً من تدفق عبراتها وتلك الغصة التي علقت بحلقها وهي تقول: "عايزني أهدأ إزاي وأنت متوجه لك تهمة زي دي يا حبيبي؟ قولهم يا راسل إنك مش أنت اللي ارتكبت جريمة القتل دي. مستحيل أنت تعمل حاجة زي كده، مستحيل."

عادت تبكي على صدره ثانية، وكلما تتذكر أن بين فينة وأخرى سيعود الضابط وتحرم من وجودها بقربه، تحيطه بذراعيها أكثر، فأستند بذقنه على رأسها وذراعاه حولها، لعلها تهدأ، فهي لا تعلم ما يشعر به الآن، ليس حزناً على ما أصابه ولكن لبكائها هي بالأخص. فغمغم وهو يقبل رأسها: "عايزك تاخدي بالك من نفسك ومن ماما وسجود يا حياء، ويلا علشان تروحي البيت." بسماع قوله وكأنه يوصيها بأحبائه، ابتعدت عن صدره ووضعت يديها

حول وجهه وهي تقول بإصرار: "أنا مش همشي من هنا إلا وأنت معايا، حتى لو قعدت عمري كله هنا يا راسل." ابتسم بقلة حيلة، فأطلق نهده عميقة مغمغماً: "هتعملي إيه بس يا حبيبتي، المحامي موجود وأنتي هتتعبي من القاعدة هنا وأنا مش عارف إيه اللي ممكن يحصل. فعايزك تروحي علشان سجود يا حياء." همت بفتح فمها لتبدي اعتراضها، فأنفتح الباب وولج الضابط معلناً انتهاء الوقت المسموح لها به لرؤيته، فصدح صوته بحزم:

"خلاص كده، ويلا علشان العرض على النيابة." ولج العسكري ووضع الأصفاد بيد راسل ثانية، فقبض على مرفقه وأخذه معه وخرج من الغرفة، فبعد أن وقع بصر وفاء عليه، اقتربت منه تحتضنه باكية، فأحنى رأسه على كتفها وأخفى وجهه عن رؤية المحيطين به. فربتت على ظهره عدة مرات: "إن شاء الله يا حبيبي هترجع لنا بالسلامة." رد راسل بخفوت: "إن شاء الله يا ماما، ادعي لي."

أراد العسكري إتمام تلك المهمة المكلف بها، والتي ستساهم تلك العواطف بتأخيره عن تأديتها، فجذب راسل بشيء من الحزم والجفاء، وأخذه مبتعداً.

رفعت حياء يديها ووضعتهم على صدرها، تتحسس أنامل يدها اليمنى، ذاك الخاتم الماسي الموضوع ببنصر يدها اليسرى، تتأمل ذهاب راسل من أمامهم، ودموعها تنسكب على وجنتيها كمجرى نهرين فاضت ماؤهما، فظلت تحرك الخاتم بإصبعها، ولم تنتبه لما تفعل، حتى رن صوت اصطدامه بالأرضية الرخامية، بعد أن سقط من إصبعها، فأحنت رأسها بفزع، بعد إدراكها لما فعلت، فأنحنت وأخذته بين سبابتها وإبهامها، وهي تمعن النظر بتجويفه، الذي رأت به زوجها قبل اختفائه من ذلك الرواق الطويل، الواقفة هي بآخره.

صارت أكثر هدوءاً وتقبلاً لوضعها الحالي، فتلك الراحة النفسية، التي زارتها بعد تخبطها بحياتها وأفكارها، كان لها أثرها الواضح على أفعالها وأقوالها، فها هي تجلس الآن بغرفتها وتضع شقيقها الصغير على ساقيها، تهدهده وهي ممسكة بيديه الصغيرتين، لتجعله يصفق معها على نغمات موسيقى الأطفال، التي يستمعان إليها، حتى يحين موعد عودة زوجة أبيها بعد انتهاء الفحص الطبي لشقيقها الآخر، الذي أصيب بوعكة صحية بالأمس.

سمعت رنين جرس الباب، فوضعت شقيقها على الفراش وخرجت لترى من القادم، ففتحت الباب بعد علمها بأن من تطرق الباب صديقتها المقربة. فتحت سهى الباب وتبسمت لها: "أهلاً يا أختي، بقالي نص ساعة مكلماكي علشان تيجي تقعدي معايا، اتأخرتي ليه كده؟ قالت صديقتها متفكهة: "المواصلات أخرتني، كانت زحمة أوي يا سهى." جذبتها سهى من حجابها بغيظ: "مش وقت استظرافك، ادخلي علشان تلعبي مع أخويا على ما أحضر الأكل، عايز حد يلعب معاه يا إما يعيط."

وضعت صديقتها يديها بخصرها وهي تقول بصياح: "يا حلاوتك، جايباني أقعد بأخوكي وأنا اللي قولت إنك عزماني على الغداء؟ لاء مش لاعبة، أنا هروح." قبل أن تصل للباب، جذبتها سهى من تلابيب ثيابها وهي تقول مزمجرة: "تعالى هنا، راحة فين؟ يلا خشي على أوضتي شيلي أخويا وألعبى معاه، قولتلك فاهمة." "أوامرك يا معلم." قالتها صديقتها بطاعة واستكانة، فسرعان ما ضحكت بصوت عالٍ، تشاركها سهى الضحك.

فذهبت سهى للمطبخ وبدأت بطهو طعام الغداء، في حين أن صديقتها تحمل شقيقها وتقف خلفها تتحدثان سوياً. فقالت صديقتها بعفوية: "سهى، مش عرفتي إن مستر كرم اتنقل من المدرسة وهيسافر الصعيد هيشتغل هناك؟ سقطت الملعقة من يد سهى بعد سماعها ما تفوهت به صديقتها، فأستدارت إليها متسائلة: "وإنتي عرفتي منين الكلام ده؟ وإشمعنى يعني الصعيد اللي هيروح يشتغل فيه؟ كأنها أدركت خطأها بوقت متأخر، فردت قائلة بغمغمة:

"أنتي ناسيه إن عمتو شغالة في المدرسة وهي اللي قالتلي لما كنت عندها وبتكلم عادي عن المدرسين، فقالتلي إنه عمل طلب نقل من المدرسة لمدرسة في الصعيد، وهيبدأ يدرس هناك من بداية السنة الدراسية الجديدة." أصيبت بدوار فجأة، فأغلقت الموقد وخرجت للصالة، فجلست على مقعد واضعة رأسها بين يديها، فبتلك الآونة كان الصغير قد غفى بين ذراعي صديقتها، فوضعته بفراش سهى، وعادت تجلس بجانبها فضمتها إليها مربتة عليها بحنان.

"لازم تنسيه بقى يا سهى وركزي في دراستك أحسن." قالت صديقتها برجاء، لعلها تستمع إليها وتترك تلك الأوهام جانباً. فرفعت سهى رأسها ونظرت إليها بتتمعن، كأنها لا تجد ما تقوله، فهي باتت تعلم أن من المحال أن تلتقي طرقهما سوياً. أجابتها سهى وهي تزفر بتيه: "مش عارفة أعمل إيه، كل ما أقول ما أفكرش فيه ألاقيني بفكر فيه." ابتسمت لها صديقتها بتشجيع:

"صدقيني هييجي الوقت وهتنسيه يا سهى. وأنا قولتلك ده حب مراهقة، بياخد وقته وبينتهي، وهتلاقي الشاب اللي يناسبك وساعتها هتعرفي إن كل اللي بتفكري فيه ده هبل. وقومي بقى خلصيلنا الأكل، هموت من الجوع."

ابتسمت سهى رغماً عنها على قول صديقتها، فربما هي محقة بكل كلمة تفوهت بها، فهي بتلك المرحلة العمرية، يجب عليها أن تضع تركيزها واهتمامها بأمور أكثر جدية وفائدة كإتمام دراستها الثانوية والحصول على الدرجات التي ستمكنها من الدراسة بتلك الكلية، التي تتمنى أن تنهي دراستها الجامعية بها.

فعادت للمطبخ ثانية لاستكمال طهو الطعام، وهي تحاول ترك تفكيرها بكرم جانباً. فظلت تثرثر بمرح مع صديقتها، حتى عادت زوجة أبيها وشقيقها. وبعد تناولهم الطعام، ولجت سهى غرفتها هي وصديقتها لتتحدثان بحرية. فضمت سهى ساقيها بذراعيها، وأستندت بفكها عليهما وهي تنظر لصديقتها متسائلة: "بس تفتكري إيه السبب اللي يخلي مستر كرم يعمل كده وهو لسه متجوز قريب؟ وتفتكري مراته دي هتروح تعيش معاه في الصعيد؟ حركت صديقتها كتفيها قائلة بجهل:

"وأنا إيش عرفني؟ ثم مش أنتي ناوية تشيلي الموضوع من دماغك ليه بتفكري تاني فيه؟ أجابتها سهى بوجوم: "يعني هو أنا خلاص قولت مش هفكر فيه يبقى هدوس على زرار هيمسحه من دماغي خالص؟ مش أنتي اللي بتقولي كل حاجة بتاخد وقتها، فأكيد محتاجة وقت علشان أقدر أنسى. وطالما هو خلاص هيبعد، يبقى أكيد هييجي الوقت اللي أنساه فيه."

فالوقت كفيل بأن يجعلها تنسى أمر كرم، ولكن لكل شيء وقته، فهي ليست بحاجة إلا لوقت كافٍ حتى تبرأ من هذا الهاجس. وربما سيساعدها بذلك قلة خبرتها بالأمور العاطفية، فبالأخير هي مازالت بطور النضوج الجسدي والعاطفي، فالتقلبات المزاجية والنفسية، ما هي إلا شيء طبيعي بتلك المرحلة التي تمر بها، من تخطيها مرحلة الطفولة، وبدئها بمرحلة أكثر نضوجاً وهي مرحلة الشباب.

فأرادت إغلاق باب الحديث بهذا الأمر، بأن اقترحت على صديقتها الخروج للتنزه قليلاً على شاطئ البحر. فبعد أن تأهبت للخروج برفقة صديقتها، لم تنسى الاقتراب من زوجة أبيها تقبلها على وجنتها، لتمنحها الإذن بالخروج، فتبسمت لها وأماءت برأسها دليلاً على موافقتها التامة لمطلبها. ولكن لكي تصلان للشاطئ، كان لابد لهما عبور الطريق الفاصل بين البنايات السكنية وبين شاطئ البحر. فقبضت سهى على يد رفيقتها بما يشبه الخوف:

"استنى نعدي براحة، أصل أنا أساساً بخاف من العربيات وهي ماشية بسرعة كده بحس إنها هتخبطني." شدت صديقتها على يدها بتشجيع: "اهدأي بس يا سهى ويلا بينا." اجتازتا عبور نصف الطريق بنجاح، ولكن ما كادت أن تضع سهى قدميها أرضاً بعد تركها الرصيف، حتى صرخت برعب وتلك السيارة تأتي مسرعة صوبها. أغمضت عينيها لكي لا ترى ما سيحدث لها، ولكن فتحت عينيها ببطء، ووجدت كل شيء على حاله، فتحسست وجهها وجسدها بابتسامة متمتمة:

"الحمد لله، أنا سليمة، محصلش حاجة." ولكن قبل أن تكتمل سعادتها بنجاتها، حتى وجدت سائق تلك السيارة يترجل منها صارخاً بها: "انتي عمية؟ إزاي تعدي طريق سريع كده؟ أرادت صديقتها سحب مرفقها لكي تغادرا قبل أن تتشاجر سهى مع ذاك الشاب، ولكنها أبت أن تتحرك من مكانها، خاصة بعد أن زادت وقاحته حد شتمها وهو يقول ببرود: "واحدة متخلفة بجد، مش عارف إيه الأشكال دي."

"هي مين اللي متخلفة يا متخلف يا قليل الأدب ياللي أهلك معرفوش يربوك يا زبالة يا حثالة." نطقت سهى بكل ما لديها من شتائم دفعة واحدة، فهي لم تكن لتصمت على إهانته لها، بدون أن تحاول النيل منه هي أيضاً. أكفهر وجه عمرو من حديثها، فهو ليس بمزاج يمكنه من الاستماع لما تقوله، فهو يريد الذهاب للمشفى لرؤية والده، وليس أن يقف هنا يستمع لشتائم تلك الفتاة، فرفع شفته العليا قائلاً باشمئزاز: "انتي طلعتي بيئة بجد، إيه القرف ده."

ربما اليوم هو يوم حظه السيئ، فهي لم تكتف بقولها، بل انحنت وألتقطت حجراً وجدته قريباً منها، فألقته على زجاج السيارة فتهشم، وأخذت يد صديقتها وولت هاربة من المكان. نظر عمرو لزجاج السيارة وهو فاغر فاه، فبعد أن حول بصره عن سيارته، نظر حوله لم يجد لها أثراً، كمن انشقت الأرض وابتلعتها بجوفها، فهي أصابت الجزء الأهم من الزجاج، الذي يمكنه من رؤية الطريق أمامه أثناء قيادته للسيارة، فكيف سيقودها هو الآن؟

فعاد واستقل السيارة ثانية وهو يسبها ويلعنها على ما فعلت. فلو أتيحت له الفرصة لرؤيتها ثانية، سيحرص على أن يكسر عنقها لما فعلته.

رأى رياض أنه من الأفضل بهذا الوقت، أن تأتي حياء ووفاء وسجود للإقامة بقصر النعماني، ريثما يعود راسل للمنزل، فبعدما وضع الجميع آمالهم على أنهم لن يخرجوا من قسم الشرطة إلا برفقته، جاء قرار وكيل النيابة محطماً لأمانيهم، إذا أمر بحبس راسل أربعة أيام على ذمة التحقيق، بعد قضائه ما يقرب من الساعتين يعمل على استجوابه والتحقيق معه بتلك الجريمة.

فبعد علمها بما سيحدث لزوجها، كأنها صارت بكماء فجأة، لا تفوه بكلمة ولا يصدر منها رد فعل على أي شيء يقال، بل وفاء هي من تعمل على تحريكها وهي آخذة بيدها بين كفها، وبيدها الأخرى تقبض على كف الصغيرة. فرفعت سجود رأسها لوفاء وهي تقول بتساؤل: "أنا وفاء، هو فين بابي؟ مش شفته، عايزة بابي."

ب سماع حياء قول الصغيرة، انفجرت باكية ووضعت وجهها بين يديها، فسمع صوت بكائها كل من كان جالساً، فالكل مجتمع الآن، لمعرفة السبيل الأمثل لحل تلك المشكلة الواقع بها راسل. فربتت وفاء على ظهرها وهي تقول بحنان: "اهدأي يا حياء، إن شاء الله خير وراسل هيخرج بالسلامة." "أه يا حياء، راسل هيخرج ويرجع لنا بالسلامة، مش كده يا جدو؟

قالت ميس عبارتها وهي تبكي أيضاً، فساهمت تلك الظروف التي تمر بها من حزنها وبكائها بعد علمها بما حدث لراسل، أن تكون أكثر ليونة بالتعامل مع احتواء زوجها لها بأوقات ضعفها، كتلك اللحظة التي يجلس فيها بجانبها مربتاً عليها بحنان. زفر رياض بخفوت وإرهاق: "كل واحد يروح على أوضته يرتاح شوية، اليوم كله كان شد أعصاب ومحدش ارتاح."

نادى رياض على الخادمة، لتصطحب حياء ووفاء لغرفهما، ففي البداية أبت حياء أن تصعد للغرفة، ولكن أمام إلحاحهم، حملت الصغيرة وصعدت بها للأعلى. فقبل أن يذهب عمران وميس لمنزلهما، نظر لرياض مقترحاً: "إنتوا متعرفوش حاجة عن البنت اللي كانت مع راسل في الفيديو، على ما أظن إن ممكن يكون حل اللغز ده بدايته من عند البنت اللي رمت بلاها عليه، يعني لو عرفنا نوصلها ممكن نعرف نحل موضوع قضية القتل."

نظر له رياض وعاصم باهتمام، فعاد عمران مكملاً لحديثه:

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...