بتساقط الحرف الأخير من تلك الكلمة على مسامعه، سقط هو جالسًا على طرف الفراش خلفه. كلمة لو مُزجت بماء نهر لصارت مدنسة وعكرة، كلمة دلالية على جريمة نكراء بشعة، كانت السبب في خسف قومٍ منذ زمن سحيق، تتحدى الفطرة التي خلق الله عليها بنو الإنسان، وجريمة يزينها الشيطان للغاوين.
ارتجف بدنه كمن لو كان يقف بوجه عاصفة ثلجية، تزوغ عيناه بكل مكان، كأنه يريد التأكد منه أنه لم يسمع شيئًا خاطئًا كهذا. فبعد أن اكتفت عيناه من التجول هنا وهناك بتيه، عاد ينظر لولده الواقف مكانه وما زال على حاله، كأنه لم يلقِ بوجهه كلمة كقصف الرصاص. فابتلع لعابه بصعوبة، فحلقه أصابه الجفاف فجأة، كأرض جدباء لن تزورها الماء ولن ترتوي. إلا أنه جاهد على أن يخرج تلك العبارة من بين شفتيه الجافتين:
–عمريو أنت بتقول إيه، أنت بتكذب عليا صح؟ التوى ثغر عمرو وقال ساخرًا من وضعه: –لأ اللي سمعته صح ومكدبتش عليك، أنا فعلاً مش سوى وكل ده كنت أنت السبب فيه. رفع فواز سبابته يشير لنفسه قائلًا بذهول: –أنا! أنا السبب ليه؟ هو أنا اللي قلتلك تعمل مصيبة سودة زي دي؟ أنت مش عارف إنها حرام وكبيرة من الكبائر. رفع عمرو حاجبيه، فما لبث أن قال بصوت متألم: –وهو الإتجار في المخدرات مش حرام ولا كبيرة من الكبائر كمان؟
انفعل فواز وترك مكانه قابضًا على ذراعي عمرو، فهز جسده بعنف، فتلك الخطوة كان أرجأها ريثما تمر صدمته بسماع الكلمة منه. فصرخ بوجهه بحدة: –إيه اللي جاب دي للقرف اللي بتعمله؟ طلعت بتاع رجالة يا عمرو، علشان كده رفضت تتجوز، خايف تنكشف حقيقتك وقرفك؟ نفض عمرو يد أبيه بحدة، كانت ستتسبب في اختلال توازنه، لولا أنه استطاع أن يتماسك قبل أن تخونه قدماه. فعلا صوت عمرو بصياح، كمن طفح كيله، ولن يستطيع اختزان ما بقلبه أكثر من ذلك:
–مضايق لما عرفت حقيقتي؟ طب سبتني لواحد غريب يربيني ليه؟
سبت طفل فتح عينيه على عمايل جوز أمه القذرة فيه، مكنتش فاهم ليه بيعمل معايا كده. عشت أيام أسمع صوته أعيط وأخاف، بقيت أهرب من البيت علشان ميعملش فيا كده ويدمر طفولتي أكتر. اشتكيت لأمي مكنتش بتصدق، لأنه كان بيوهمها إن عندي مشاكل نفسية وبتخيل حاجات ملهاش وجود. كبرت يوم ورا يوم، وأنا بتدمر على إيده أكتر وأكتر، راجل سادي كل القذارة اللي تتوقعها كان بيعملها، عايز إيه من واحد عاش سنين على القرف ده، لحد ما خلاص الموضوع بقى بالنسبة ليا عادي.
استمع له والده بذهول، ولم يكتفِ بأنه أقر بحقيقته، بل أراد إثارة غيظه وغضبه ونقمه أكثر، فتابع عمر مستطردًا: –إيه رأيك دلوقتي بدل ما تشوف لي عروسة تشوف لي عريس؟ قضت تلك الجملة على ما تبقى لدى فواز من صبر على أن يقف هكذا ويستمع لما يقوله، فرفع كفيه وظل يصفه بكلتا يديه وهو يصرخ بانفعال: –أخررررس مش عايز أسمع منك كلمة تانية خلاااااااص.
لم يحاول عمرو الدفاع عن نفسه، بل ترك والده يصفعه كما يشاء، فربما ساهم ذلك المخدر الذي تعطاه، بأن ينشئ لديه حالة من البلادة المؤقتة، لا يفعل شيئًا سوى أن يحلق بأبيه، وعيناه مغرورقتان بالدموع. فهل هذا جل ما استطاع فعله؟ لم ينتبه عمرو إلا على سقوط والده أرضًا، بعد تلك المعركة الحامية من جانبه، دون محاولة الجانب الآخر الدفاع عن نفسه، فجلس عمرو على ركبتيه بجانبه، يحاول إفاقته دون فائدة.
فأستقام بوقفته وهرول صوب الباب المفتوح، فخرج منه ينادي بصوت عالٍ على العاملين بالمنزل: –حد يشوف دكتور بسرعة بابا وقع مغمى عليه بسرررررعة. تجمع العاملون كافة من خدم وحرس، يهرولون للطابق العلوي، لمعرفة ما ألم بسيدهم، ولما كان نجله الوحيد يصرخ هكذا.
فمنهم من ساعد عمرو بحمل جسد فواز لوضعه بالفراش، وأحدهما هاتف الطبيب ليأتي على وجه السرعة. بدأ الجو يصبح خانقًا بالغرفة، والتوتر على أشده، خاصة عندما بدأوا يسألونه عن سبب إغماء والده. فلم ينتظر عمرو سماع كلمة أخرى، فأمر بإنصرافهم جميعًا عدا الحارس الأمين لوالده والأقرب إليه، فصاح بهم بحزم: –يلا كل واحد فيكم يروح يشوف شغله بلاش زحمة في الأوضة على الفاضي يلاااا.
انصرف العاملون تباعًا، بينما كان الحارس يدور بالغرفة والهاتف على أذنه لمهاتفة ثالث طبيب طالبه بالمجيء من أجل سيده. فبعد أن انتهى، وضع الهاتف بجيبه قائلًا باحترام: –أطمن يا عمرو بيه أنا كلمت ٣ دكاترة وزمانهم جايين حالًا.
فلم يكتفِ الحارس بقوله، بل بحث عن قنينة عطر، تمكنه من أن يجعل فواز يستعيد وعيه، حتى مجيء الأطباء الثلاثة، وخرج من الغرفة وذهب لغرفة فواز للبحث عن تلك العقاقير الطبية التي وصفها له الطبيب من قبل، وعاد للغرفة ثانية، فهو يبدو عليه متمرسًا بذلك الأمر. فقطب عمرو حاجبيه متسائلًا: –هو أنت هتعرف تفوقه؟ رد الحارس قائلًا بهدوء:
–إن شاء الله، لأن مش دي أول مرة تحصل لفواز باشا إنه يغمى عليه، لأنه أصلًا عنده مشاكل في القلب، بس هو اللي كان بيهمل في صحته بشرب الخمرة ومبيسمعش كلام الدكاترة.
استمع عمرو لما قاله الحارس، فلم يكن على علم ودراية بمشاكل والده الصحية، فهو منذ أن وطأ المنزل بقدمه، لم يراه يشكي همًا أو وجعًا، أو أنه يعاني مرضًا. ولكن قبل أن يتعمق بتفكيره أكثر، وجد طبيبًا يلج الغرفة مسرعًا، وبدأ بفحص والده، فكلما انكمشت ملامح وجهه، يعلم أن ربما الأمر ازداد سوءًا. ولم يتيقن من ذلك إلا بعد أن أعلن الطبيب ضرورة انتقال أبيه إلى المشفى على وجه السرعة، وهذا ما أكده الطبيبان الآخران، اللذان جاءا بعد مجيء الطبيب الأول بفارق زمني لم يتعد سبع دقائق.
بعد أن انتهى عاصم من قول ما لديه، انتبه على شرود عمه، فعلى الأرجح أن عمه لم يستمع لكلمة واحدة مما قالها، فلا يعلم ما أصابه اليوم، فهو يجلس على غير عادته عندما يكون هو جالسًا معه، فهل يشعر بالمرض ولم يخبره؟ ولكن تذكر عاصم أن زيارة طبيبه المعتادة له كانت بالأمس، ولم يخبره الطبيب بشأن أنه يعاني من شيء يستدعي القلق.
انفرجت شفتيه ليناديه، وجد شقيقته سوزانا تقترب من مجلسهما، تحمل قدح القهوة الخاص برياض، فدائمًا ما تعدها هي من أجله، على الرغم من شعورها بالاستياء من إجباره لها على أن تمنحه الموافقة بزواج ميس وعمران. –قهوتك يا عمي. قالتها سوزانا وهي تضع القدح من يدها على السطح الرخامي لتلك المنضدة الموضوعة أمامه، فجلست بمقعد مجاور لمقعد شقيقها عاصم.
فنظر كل منهما للآخر بتعجب، فرياض لم يبدُ بكلمة، بل ما زال على وضعه من الميل بجذعه العلوي مستندًا على عصاه ويحلق بالفراغ. فحمحم عاصم لعل تلك المرة ينتبه لهما: –عمي مالك في إيه؟ زفر رياض بخفوت، وعدل من وضعه المنحني وأستند لظهر الأريكة التي يجلس عليها، فرد قائلًا بهدوء: –مفيش يا عاصم، هو أنت كنت بتقول إيه؟
وضع عاصم أمامه تلك الأوراق التي حملها معه من الشركة، وخاصة بالحسابات بمجموعة شركات النعماني، التي آلت ملكيتها لراسل، حسبما طلب رياض من المحامي. فقال وهو يشير للأوراق: –دا ورق الحسابات والأرباح الخاصة بالشركات واللي دلوقتي مفروض إنها بقت ملك راسل. فمدير البنك بيسأل هتحط الأرباح دي في حساب جديد لراسل ولا هتعمل إيه؟ نظر رياض بالأوراق وبعد أن انتهى من قراءتها، نظر لعاصم قائلًا برصانة:
–خليه يعمل حساب لراسل وميس دلوقتي، بما إن ميس اتجوزت ولسه راسل ما يعرفش موضوع نقل الأملاك، فهتتوزع توزيع شرعي وتتعمل عقود جديدة. أنا لما فكرت أنقل كل حاجة باسم راسل علشان كنت عارف إن راسل عمره ما كان هيظلمها علشان هو بيحب ميس وكان بيحب أخوه وجدي، فمكنش هيأكل حقه. تذكرت سوزانا أمر ابنتها، غمغمت بضيق: –عمي أنا عايزة أعرف أنت ليه وافقت على جوازها من ابن الزناتي وأنت عارف اللي فيها؟
أغمض رياض عينيه بإرهاق، فهو امتعن عن إبداء أسباب موافقته، ولكنه يعلم أن ابنة أخيه، ستظل تلح لمعرفة أسبابه، فرد قائلًا بهدوء وحزم:
–علشان أنا عارف مصلحة حفيدتي، وكمان ليه نظرة في اللي قدامي، وعلشان كمان أنا مصدقش إن مراد ممكن يقتل وجدي. وبالنسبة لعمران، ساعة ما شفته داخل عليا، كأن عمران الزناتي الكبير هو اللي كان داخل بنفس هيبته وشجاعته وذكائه. ولو كان عمران في نيته حاجة وحشة مكنش جابها لحد هنا وطلب من خالها إنه يتجوزها. أينعم عمران مش سهل وذكي جدًا، إلا إن فيه طباع الشهامة من جده. غير كده هو بيحب بنتك يا سوزانا، مش فاكرة وهو صغير كان بيحبها قد إيه؟
عقدت سوزانا حاجبيها اعتراضًا على قول عمها، فدمدمت بصوت منخفض: –الكلام ده كان من زمان يا عمي، وإحنا إيش عرفنا السنين دي كلها عملت فيه إيه؟ مش يمكن يأذي بنتي؟ –وهو لو حاول يأذيها أنا هسكت له يا سوزانا؟ هتف بها رياض وهو يرفع قدح القهوة يرتشف منه، معلنًا بذلك إغلاق باب النقاش بتلك الزيجة، فهو قال ما لديه وكفى. فعزز الأمر قول عاصم بتأييد لما قاله عمه:
–كلام عمي مظبوط يا سوزانا، وشكل حد لعب بالعيلتين ووقعنا في بعض علشان غزل كانت متهماني أنا وعمي إن إحنا اللي قتلنا عيلتها وكمان قالت لي إنها سمعت من الرجالة اللي هاجمت على البيت بيقولوا اسمي واسم عمي وإن إحنا اللي بعتناهم علشان يقتلوهم. انتفضت سوزانا من مقعدها وهي تقول بصوت مرتفع: –أنت بتقول إيه يا عاصم؟ هم مفكرين كده يعني بنتي دلوقتي عايشة مع واحد فاكر إن أهلها هم اللي أذوه؟
دا إحنا كده رميناها في النار، الله أعلم هو ناوي على إيه معاها علشان عايز ينتقم مننا. لم يعلم رياض بشأن هذا الأمر إلا الآن، فوضع قدح القهوة من يده وقال باهتمام: –أنت متأكد من كلامك ده يا عاصم؟ حرك عاصم رأسه بالإيجاب وهو يقول بهدوء:
–أيوة يا عمي، من ساعة ما قابلت غزل وهى كانت بتقول لي كده، كنت فاكرها في الأول بتقول كده علشان زعلانة مني، بس لما اتكلمنا حكيت لي على كل حاجة حصلت في اليوم اللي اتقتل فيه أهلها، والهجوم اللي حصل على البيت كأن الرجالة اللي هاجموا على البيت رجالتنا إحنا وفضلت السنين دي كلها مفكرة إن إحنا انتقمنا منهم لموت وجدي.
اتخذ الأمر منحنى آخر للتفكير، فما حدث لزوجة ولده، ومعرفته الآن بشأن تلك التهمة التي كانت تنسبها غزل لهما، كان كل ذلك مدعاة للقلق والتفكير، بشأن تلك الأحداث التي تداخلت ببعضها البعض، فالآن لديه من الألغاز ما يكفيه لحلها، فإن كان فضل أن يغلق باب التفكير على ما حدث بالماضي بين العائلتين، فالأدعى الآن أن يعود ويفتش بين طيات الماضي، فربما ما يحدث لهم الآن، ما زالت خيوطه متشابكة بما حدث منذ سنوات عدة.
فنظر رياض لعاصم قائلًا بأمر لا يقبل الجدل: –عاصم عايزك تجيب لي راسل ومراته في أقرب وقت، ودلوقتي هنروح قصر الزناتي علشان عايز أتكلم مع غزل وعمران. هنروح بحجة إن نطمن على ميس، لأن لو متكلمناش في الموضوع وفكرنا فيه كويس، هنفضل نخبط في بعض، وممكن على رأي سوزانا إن عمران يكون بيفكر يأذي ميس علشان اعتقاده بأنها بنت الناس اللي أذوا عيلته. جهزي نفسك يا سوزانا خلينا نمشي.
أماء عاصم برأسه، دلالة على طاعته لقول عمه، فهو لن يجد مشقة بالذهاب معه لمنزل غزل، خاصة بعد أن أخذت أحوالهما في طور التحسن قليلاً، فربما هي قادرة على إقناع عمران بالاستماع إليهما هو أيضًا، ولكن الجزء الأصعب بالتنفيذ هو إقناع راسل بأن ينصاع لمطلب أبيه بالحضور، فالعلاقة بينهما ليست على ما يرام، فهو الأعلم بطباع ابن عمه التي تميل للوقاحة وعدم التهذيب خاصة في التعامل معه أو مع والده.
قضت ميس نهارها بالجلوس في الحديقة، كأنها تخشى الدخول للقصر، أو أن تصبح وجهًا لوجه مع زوجها المجنون، فهي أطلقت عليه لقب "المجنون" نظرًا لأفعاله وطباعه التي تتبدل بالدقيقة الواحدة أكثر من مرة، فتارة تجده يحاول استمالتها إليه باللين، وتارة أخرى تراه كوُحش ثائر نَفذ صبره من انتظارها أن تمنحه موافقتها على إتمام زواجهما، الذي اقتصر على عناق أهوج منه بليلة زفافهما، ولم يحدث بينهما شيء آخر، بعد تهديدها له بالقتل إذا حاول لمسها ثانية.
خرجت أنفاسها حائرة وهي تضم جسدها بذراعيها، كأنها تصنع لنفسها ملاذًا آمنًا، يقيها كثرة الخوف من مستقبلها المجهول مع زوجها. –أنا دماغي تقلت ليه كده. غمغمت بعبارتها وأغمضت عينيها وبدأت أطرافها ترتخي كأنها بحاجة للنعاس، فهي بالأيام الماضية، لم تحصل على كفايتها من النوم، خاصة وهي تستلقي على تلك الأريكة بالغرفة، بعد أن أعلنت رفضها أن تتقاسم مع عمران الفراش.
اقترب منها عمران بخطوات متأنية، وعيناه ترصدها وهي غافية على المقعد، فهي عنيدة جدًا، ولكنه يروقه هذا العناد. فكأنها شعرت بقربه، ففتحت عيناها على الفور، وارتجفت بخفة بما يشبه الرعب لرؤيته. –هو أنتي كل ما تشوفيني تخافي ليه كده؟ هو أنا بخوف؟ قالها عمران وهو ينحني إليها، بل مد يده وربت على وجنتها بلطافة. صفعت ظاهر يده لتبعده عنها: –شيل إيدك عني. تبسم عمران وهو يقول بمزاج رائق:
–بتبقي حلوة أوي زي الأكلة الشهية وخصوصًا وأنتي متنرفزة، ببقى عايز آكلك أكل من حلاوتك، فأنا مش هفضل صايم عنك على طول يا ميس، مسمعتيش جملة "إنما للصبر حدود". رفعت ميس حاجبيها من إطرائه لها الذي وصل حد الوقاحة: –على فكرة أنت وقح جدًا وقليل الأدب. –جدًا جدًا يا حبيبي فوق ما تتصور.
هتف عمران بعبارته وأنقض عليها معانقًا إياها، كانت حالتها أشبه بعصفورة صغيرة تم سجنها في مكان واحد مع هِر متوحش، استلذ بمذاقها ولن يتركها إلا بعد أن يجعلها وجبة شهية. الحل الأفضل والأنسب لها بهذا الوقت، هو أن تحاول غرز أظافرها الطويلة بوجهه، فنجحت بخدش وجنته قريبًا من عينيه وهي تحاول دفع وجهه عن وجهها. قال عمران بتألم من فعلتها: –آآه يا بنت النعماني، وربنا ما أنا سايبك النهاردة.
ما كاد أن يبتعد عنها ليهُم بحملها، حتى تركت مكانها تلوذ بالفرار منه، فلم يكن سعيد الحظ بالركض خلفها، إذا وجد أحدًا يناديه ولم يكن سوى مدير أعماله، الذي أمره بالحضور من أجل المناقشة بأمر افتتاح الفندق الجديد.
تحسس أثر خدشها له وهو يتوعدها، فعلى الأرجح أن حياتهما سوياً ستنتهي بنهايته، فمرة تتسبب له بجرح في عنقه، ومرة أخرى بخدش قريب من عينه اليسرى، فلو استمر الحال بينهما هكذا، ستكون كالحرب الدامية، التي لن تنتهي إلا بموت أحدٍ منهما. –الحمد لله هربت منه المجنون ده. قالتها ميس وهي تضع يدها موضع قلبها، فحاولت أن تعيد تنظيم أنفاسها التي سلبها منها الخوف، منذ بدأه عناقه، حتى فرارها منه. فرفعت شفتها العليا وهي تغمغم بضيق ونزق:
–عامل زي المتوحش، كل ما يشوف وشي يتصرف بقلة أدب، مش عارفة هو بيعمل معايا ليه كده. حاولت إيجاد أسباب لأفعاله معها، فتذكرت ميس تلك الغرفة التي رأته يخرج منها مرة، ولم تكن تعلم لما يقضي بها وقتًا طويلاً، ولكن بحديثها مع غزل، علمت أن تلك الغرفة خاصة بأغراض عائلتهما، التي تم قتلهم غدرًا منذ زمن بعيد. فافكرت هل أفعاله تلك ناتجة عن شعوره بالحزن لفقدان عائلته دفعة واحدة؟ ولكن ما ذنبها هي في تصرفه الهمجي معها؟
قضمت شفتها السفلى وهي تفكر بالذهاب لتلك الغرفة، لمعرفة ما تحويه، يجعله بعد معاملته اللينة معها، يعود لتصرفه الهمجي، كأنها غرفة سحرية يلج إليها عمران، ويخرج عمران آخر. وخرجت من غرفة النوم بحرص، حتى وصلت للطابق الأرضي، ظلت تلتفت يمينًا ويسارًا حتى وصلت أمام باب تلك الغرفة. فهمست بصوت مرتجف: –أيوة هي دي الأوضة، هدخل وأشوف فيه إيه جوا بيخليه يدخل ويخرج زي المجنون.
كاد قلبها يقفز إلى حلقها، من ذلك الخوف الذي أنتابها خشية أن يكون أحد يتبعها، فظلت تنظر خلفها للتأكد من خلو الرواق، وصلت لتلك الغرفة، وهي تحمل بيدها شمعة صغيرة، ألتقطتها من على كومود بطريقها، فهي لن تعمل على إنارة المصابيح، حتى لا ينتبه عليها أحد.
أدارت المقبض بحرص شديد، فولجت للداخل تغلق الباب خلفها، وأخرجت أعواد الثقاب التي جلبتها وأضاءت الشمعة، فلهيبها ألقى بظل مخيف على تلك الصور التي رأتها بأحد أركان الغرفة، فهي عزمت على ألا تبرح هذا المكان حتى تحصل على أجوبة لكل تلك الأسئلة التي ضجت بعقلها. اقتربت من الصور بحذر خشية أن تخطئ موضع قدمها وتدعس أي من تلك الأغراض القديمة الملقاة على الأرض، وتحدث صوتًا من الممكن أن يستمع إليه أحد.
وضعت الشمعة من يدها على كومود، وراحت تبحث بالغرفة، ولكن لسوء حظها، سقطت الشمعة على ثوب ملقى على مقعد بجوار الكومود، فأشتعلت به النيران. لم تنتبه إلا عندما وجدت ألسنة لهب متصاعدة من الثوب، حاولت جاهدة أن تطفئ تلك النيران قبل أن تنشب في الغرفة بأكملها، فأثناء محاولاتها المستميتة لإطفاء النار وجدت من يمد يده ليسكب الماء لتخبو النيران شيئًا فشيئًا. –الحمد لله.
ولكن لم تكن لتبتهج لذلك وهي ترى عينيه استحال بياضها للون دامٍ، كأنها لن تفلت من يده قبل أن تنال جزاء جريمتها. امْتَنَت لقدميها بأنها ما زالت قادرة على حملها، تساعدها على أن ترتد بخطواتها، ولكن حدث ما كانت تخشاه، فها هو يحاصرها بينه وبين الجدار. فخرج صوته هادرًا مرعبًا: –إنتي إيه اللي جابك هنا وبتعملي إيه؟
أزدردت لعابها وهي ترمش بعينيها لعلها تجد مخرجًا لهذا المأزق، ولكنها لم تجد، فهو يستطيع اكتشاف كذبها بسهولة، فلم تجد مهربًا سوى أن تتسلح بعنفوان زائف حتى لا تظهر ضعفها وخوفها الذي أثقل قلبها بهذه اللحظة. –كنت عايزة أعرف أنت مخبي إيه وهم جرالهم إيه وليه اتقتلتوا؟ أنا عرفت من عمتك غزل إن أهلك اتقتلوا.
ظنت أن بكلماتها ربما سيتقهقر للخلف، مفسحًا لها المجال، ولكن يده قبضت على عنقها تلصقها بالجدار، شعرت بقسوة أصابعه التي منعت الهواء عنها وظلت تحاول باستماة لتزيح يده ولكنها فشلت في ذلك. فأقترب بوجهه منها قائلًا بصوت بارد كالصقيع: –عايزة تعرفي اتقتلتوا إزاي يا حبيبي؟ أنا هبعتك ليهم واسأليهم بنفسك. مع تلك الكلمة زاد ضغط أصابعه حول عنقها، فعلمت أن النهاية قادمة لا محالة، فتلفظت باسمه بصوت يكاد يتلاشى: –عمران.
تلك هي المرة الأولى، التي تسمعه يناديه باسمه مجردًا، فكأنه وعى فجأة على ما يفعله، فسحب يده وظلت هي تسعل بشدة حتى دمعت عيناها. فقالت بصوت خافت وعينان دامعتان: –أنت متوحش، مستحيل تكون بني آدم، علشان اللي يستقوي على اللي أضعف منه يبقى معندوش رحمة ولا ذرة آدمية، يبقى زيه زي الوحوش المفترسة بالضبط. انفجرت في البكاء، حتى علا صوت شهقاتها ونحيبها، فما كان منه سوى أن أخذها بين ذراعيه، يحاول أن يجعلها تكف عن البكاء.
فغمغم بصوت يكاد لا يسمع: –أنا آسف يا ماسة. ظنت أنها أخطأت في سماع كلمة الأسف والاعتذار منه، ولكن ليست تلك هي المرة الأولى، التي تسمعه يناديها بهذا اللفظ التحببي. فرفعت وجهها عن صدره ونظرت إليه قائلة بغرابة: –هو أنت ليه ساعات بتقول لي يا ماسة، اللي يسمعك وأنت بتقولها يقول كأنك تعرفني من زمان مش من كام شهر بس، أنت مخبي عليا إيه بالظبط؟
حاول إخفاء تلك اللحظة من الضعف والعطف، التي زارته بغير أوانها، فحمحم لكي يجلي صوته وليعيد إليه خشومته، كعادته دائمًا، إلا أن الحظ كان رفيقه، إذا سمعا صوت الخادمة تعلن عن مجيء عائلة ميس من أجل زيارة العروسين، فوجدها فرصة سانحة للتهرب من إجابتها على ما سألته إياه، فأخذها وخرج من الغرفة، وجعلها تتأبط ذراعه، حفاظًا على مظهرهما أمام عائلتها.
ولكن تحسس فجأة عنقه، يخشى أن ينتبه أحد على تلك اللاصقة الطبية الموضوعة قريبًا من عظمة نحره، أو تلك الخدوش التي خلفتها أظافرها على وجهه، فكل هذا دلائل على أن الأيام الماضية بينهما، لم تكن تسير على ما يرام، بل كان الشد والجذب بينهما على أشده.
وصل لحافة صبره من سماع ذلك الهمس الدائر بين العاملين بالمشفى على ما حدث معه، فمقطع الفيديو الذي تم تسريبه لمواقع التواصل الاجتماعي، والذي ظهر فيه وهو يقوم بالاعتداء بالضرب على تلك الفتاة المدعوة ليالي، ربما لا يوجد أحد بمشفاه لم يرَ الفيديو، خاصة العناوين المثيرة التي رافقت الفيديو والتعليقات، تظهر مدى وحشيته في التعامل مع الآخرين، واستهجان الكثير لما فعله، ومحاولة إظهاره بمظهر الطبيب الأكثر همجية وعنفًا في التعامل مع النساء.
ثارت ثائرته أكثر بسماعه أحد الممرضين يتهامس مع رفيقه وهو يظن أنه لا يسمعه أحد، وما ذاك الممرض إلا شابًا يدعى "سعيد"، ويعلم أنه لا يحب الخير لأحد من زملائه، بل أنه افتعل عدة مواقف من قبل دلت على سوء نيته، فعندما حاول راسل اتخاذ إجراء بحقه سابقًا، توسله أحد أقاربه بأن يعفو عنه، معللًا أفعاله من أنها ربما تندرج تحت بند "طيش الشباب"، وأنه شاب يعمل على بناء مستقبله، فهو بلا عائلة وبحاجة أن يعيل نفسه. قال سعيد ساخرًا
مما يحدث: –أنا مش عارف هو ليه لحد دلوقتي محدش من المسئولين اتكلم عن الموضوع ده ولا وقفه عن العمل علشان يحققوا في الموضوع، ولا أن اتخذ إجراء جنائي ضده لتعديه بالضرب على البنت اللي كانت هنا، لازم الموضوع في إن ولا علشان هو يعرف ناس كبار في البلد هيعرف يطلع من الموضوع زي الشعرة من العجين، ناس ليها بخت، طايح في الكل ومحدش بيقوله بتعمل إيه. جذبه راسل من مرفقه قائلًا بخشونة: –بتقول إيه يا سعيد؟
أنت مش هتبطل عادتك دي تتكلم عليا من ورايا؟ لو راجل بجد قول الكلام في وشي مش من ورا ضهري. احتدم سعيد على حديثه، فنفض يده عنه قائلًا بحدة: –أنا مسمحلكش يا دكتور راسل تكلمني بالطريقة دي، مش علشان شغال عندك هيبقى ليك الحق إنك تعمل اللي أنت عايزه، لأ فوق لنفسك. –حاضر هفوق لنفسي.
قالها راسل وهو يجر سعيد معه لغرفة مكتبه، فلم يغلق الباب خلفهما، بل جعل بإمكان كل من بالخارج رؤيته وهو يناول سعيد ورقة خطها بيده مفادها أنه تم استبعاده من العمل بالمشفى بشكل نهائي. تناول سعيد الورقة من يده وجال ببصره فيها، وسرعان ما نظر إليه متسائلًا: –أنت رفدتني من المستشفى؟ جز راسل على أنيابه بغيظ مغمغمًا: –أنت شايف إيه؟ هيكون مثلاً جواب شكر ليك على قلة أدبك؟ وأحمد ربنا إن رفدتك بس، وإلا كنت هتصرف معاك تصرف تاني.
لوى سعيد ثغره وهو يقول بسخرية فجة: –كنت هتعمل إيه يعني؟ أنت آخرك تزعق وخلاص، يا دكتور راسل ماشي بمثل خدوهم بالصوت ليغلبوكم. رفع راسل سبابته يتوعده: –طب شوف مين اللي هيقدر يشغلك في مستشفى أو حتى عيادة، أما خليتك تقعد في بيتكم تتحسر على إنك قليت أدبك عليا مبقاش أنا، هخليك تموت بالبطيء يا سعيد. لم يعير سعيد انتباهًا لقول راسل له، بل أراد إثارة غيظه أكثر، فضحك وقال بصوت عالٍ وهو ينظر للجمع المجتمع أمام باب غرفة المكتب:
–خليكم شاهدين كلكم دكتور راسل هيخليني أنا أموت بالبطيء من اللي هيعمله فيا، الدكتور المحترم مش بس بيضرب ستات، لأ بيهدد اللي شغالين عنده كمان إن يوقف حالهم وميعرفوش يشتغلوا في أي مكان تاني. عاد ونظر لراسل مرة أخرى قائلًا بعدم اكتراث: –اللي عندك اعمله يا دكتور راسل، أعلى ما في خيلك أركبه، أنا بقى اللي مش عايز أشتغل في مستشفى واحد زيك واخد الدنيا عافية ومش لاقي حد يوقفه عند حده.
تفوه سعيد بكلماته السخيفة، غير مباليًا بأن ما فعله أكثر مما يضمن سلامته بالخروج من المشفى، أو الهروب من غضب راسل. فمحاولته لتنظيم أنفاسه، لكي لا يصدر منه رد فعل أحمق، لم تفِ بالغرض المطلوب، فدار حول مكتبه وجذب سعيد من تلابيب ملابسه، وجره معه حتى وصل لخارج المشفى. فدفعه عنه صارخًا بوجهه: –مش عايز أشوف وشك هنا في المستشفى تاني، وإلا المرة الجاية هقتلك بإيدي، فاهم؟
عاد للداخل ثانية، فهذا أكثر مما تحتمل أعصابه الثائرة، فبعد ظنه أن حياته صارت هادئة وهانئة، توالت الأحداث المؤسفة، التي جعلته يعود كسابق عهده، من حيث عصبيته المفرطة، والتي لن ينجو منها أحد، إذا استمر هذا الحال. فلم تنتهِ أحداث هذا اليوم إلى هذا الحد، إذا وجد إحدى الممرضات تعلمه بشأن مجيء وفد من وزارة الصحة بزيارة مفاجئة وعاجلة.
فهذا ما كان ينقصه، من أن يأتي أحد الآن وتتوالى أسئلته عن نمط سير العمل بالمشفى، إلا أنه حاول زرع الهدوء بنفسه، حتى يمر باقي اليوم بسلام. فخرج من مكتبه مرحبًا بقدوم ذاك الوفد المكون من أربعة أفراد، فرفضوا الجلوس بمكتبه معللين أنهم يريدون المرور بالمشفى للتأكد من جودة الرعاية الطبية، التي يتلقاها المرضى. فبداخل تلك الصيدلية الخاصة بالمشفى، كان أحد الرجال الأربعة، يتفحص العقاقير الطبية المستخدمة من أجل المرضى.
فأخذ إحدى عينات الدواء الخاص بالأطفال ونظر لراسل قائلًا بمهنية: –الدوا ده مش مطابق للمواصفات يا دكتور راسل، إزاي بتتعاملوا بيه في المستشفى؟ عقد راسل حاجبيه قائلًا بغرابة وعدم فهم: –مش مطابق للمواصفات إزاي يعني؟ حضرتك الدوا ده بييجي من أكبر شركات الأدوية، واللي بتعامل معاها من سنين، إزاي دلوقتي الدوا مش مطابق للمواصفات؟ رد الرجل قائلًا وهو مقطب الحاجبين:
–على كده أنت بيحصل عندك تجاوزات في المستشفى، من إنك بتجيب أدوية مش مطابقة للمواصفات، علشان توفر في التكلفة، بس طبعًا ده بيأثر على صحة المرضى، ولازم العينات دي كلها هيتعمل لها اختبار، ولو أثبت إن المادة الفعالة في الدوا ده بتأثر على الأطفال، يبقى أنت وقعت في مشكلة يا دكتور راسل، لأن كان لازم تتأكد من الأدوية الموجودة عندك في المستشفى.
استمع له راسل بذهول، فبما يهذي هذا الرجل، فهو شديد الحرص والعناية على صحة المرضى، من حيث تعاقده مع كبرى الشركات الخاصة بإنتاج العقاقير والأدوات الطبية. فظل يتساءل بحيرة من أين وكيف جاءت تلك العينات الدوائية غير المطابقة للمواصفات؟ بعد أن انتهوا من البحث والتفتيش وتلك الزيارة المفاجئة، رحلوا من المشفى، تاركين راسل شاعرًا بأن ربما ما يحدث معه مزحة ثقيلة وسخيفة، فهو لا يدرك لما تتوالى المصائب على رأسه دفعة واحدة؟
فهو صار على شفير الانهيار الحتمي لكل ما يلاقيه بهذه الأونة الأخيرة من أحداث لا يعلم مدلولها، أو لما تحدث معه هو خاصة بهذا التوقيت؟
خرجت هند من غرفتها تقدم قدمًا وتؤخر أخرى، كأنها تخشى لقاءه، أو أن تخبره بما لديها، ولكنها لن تظل حبيسة غرفتها طوال الوقت، فلتقل ما لديها وتنهي الأمر، ساعدها بأن تأخذ أنفاسها براحة، جلوسه على سجادة الصلاة ممسكًا بيده القرآن الكريم، يتلو منه بصوت منخفض، فربما تستطيع التحدث معه بدون أن يثار شجار بينهما كالمعتاد، فهي سئمت من كونهما سيظلان هكذا كالمتخاصمين. –كرم كنت عايزة أطلب منك طلب.
قالتها هند وهي تبتلع لعابها، فجلست على المقعد المقابل له وهو جالسًا على الأرض. فأنتهى من تلاوة القرآن وأغلق المصحف، فرفع وجهه لها قائلًا باستياء طفيف: –خير، عايزة إيه؟ قالت وهى تحاول الابتسام قدر استطاعتها: –كنت عايزة أروح فرح واحدة صاحبتي النهاردة، كانت كلمتني وعزمتني على الفرح وكنت عايزك تيجي معايا علشان هما عرفوا إننا اتجوزنا، فمش هتبقى حلوة لما أروح الفرح لوحدي من غير جوزي.
ضحك كرم ضحكة صاخبة، ولم تعلم هي ما الداعي لها الآن، فهي لم تخبره مزحة أو نكتة، تستدعي ضحكه، فانتظرت حتى انتهى. فقال ساخرًا من قولها: –جوزك! ضحكتيني يا هند دلوقتي بقيت جوزك وعايزاني أخرج معاكي؟ دا انتي كنتي بتستعرى من إنك تقولي إن أنا ابن خالتك، دلوقتي عايزانا نروح الفرح وإيدنا في إيد بعض وتقوليلهم ده جوزي، سبحان مغير الأحوال.
لن يكف عن تذكيرها بأفعالها الماضية والسخيفة بحقه، ولكن كان هذا ماضيًا، فهي لم تعد كما كانت بالسابق. تركت مكانها وخرت راكعة على ركبتيها أمامه، تتوسله أن يترك تفكيره السابق بشأنها جانبًا: –كرم صدقني أنا مبقتش هند اللي كنت تعرفها، عارفة إن وجعتك كتير ولك حق تكرهني، بس دا ربنا غفور رحيم، ليه أنت مش عايز تسامح وتغفر؟ رد كرم قائلًا وهو يستقيم بوقفته:
–علشان أنا بني آدم مش ملاك علشان أسامحك على أغلاطك، عمرنا ما هنتفق أبداً يا هند. –ليه بس يا حبيبي؟ غمغمت بها هند وهي ممسكة بكفيه تنظر له من مكانها وهي ما زالت راكعة أمامه، لا تعرف كيف خرجت تلك الكلمة من بين شفتيها؟ ولكن أصدرت صدى صوت حسن بأذنيها، فلم يكن يحق لأحد غيره أن يكون حبيبها، ولكن هي من غفلت عن رؤيته، عصت عيناها عن رؤية كل ما يمكن أن تريده فتاة بزوجها من حسن الخلق وطابع الرجولة والشهامة.
قال كرم وهو مقطب الحاجبين: –حبيبك! لحقتي تكتشفي إنك بتحبيني بالسرعة دي؟ ولا بتقولي كده علشان عرفتي إن كنت بحبك ومفكرة إن ممكن لما تقوليها هصدقك؟ استخدامه صيغة الماضي للتعبير عن حبه، جعلتها تشعر باستحالة مهمتها لأن تجعله يصدقها، فقبل أن تفه بكلمة أخرى، عاد مكملاً لحديثه بجدية:
–ممكن تقومي تجهزي علشان تروحي فرح صاحبتك وأنا هروح معاكي، لأن كلها كام يوم وهارجعك بيت باباكِ تاني وكل واحد فينا يروح لحاله، لأن خلاص نويت أسيب إسكندرية خالص ومسافر. شابتها ارتجافة خفيفة من قوله، فقالت متسائلة: –مسافر على فين؟ هتروح فين يا كرم؟ تركها واتجه صوب غرفته قائلًا بدون أن يلتفت إليها: –مش مهم تعرفي يا هند، ويلا لو كنتي عايزة تخرجي ولا غيرتي رأيك.
من أين سيأتيها الابتهاج لخروجها من الشقة، بعدما سمعت ما تفوه به بشأن رحيله من الإسكندرية وإعادتها لمنزل والدها ثانية، فهو سد بوجهها كل السبل، التي أرادت اتباعها من أجل أن يمنحها الغفران وأن تجعله يصدقها بشأن تلك العاطفة التي بدأت تشعر بها تجاهه.
نهضت من مكانها واستقامت بوقفتها، وذهبت لغرفتها تشعر بحماقة وسذاجة تفكيرها، فتحت خزانة الثياب، وأخذت ثوبًا لترتديه، وبعد أن انتهت خرجت من الغرفة، وجدته ينتظرها، فخرجا سويًا من الشقة وذهبا لحفل الزفاف، الذي حاولت هند أن تظهر به سعادتها من أجل صديقتها، ولكن قلبها يئن بين ضلوعها، فما زرعته ماضيًا، ستحصده حسرة وندمًا بوقتها الحالي وبمستقبلها أيضًا.
رأى رياض أنه من الأفضل، أن تبتعد ميس عن تلك الجلسة، فهو لا يريدها أن تستمع لما يريد التحدث بشأنه مع زوجها، فمثلما كانت جاهلة بشأن العداوة بين العائلتين، فل تظل بجهلها حتى لا تظن أنها ذهبت فداء لانتهاء تلك الخصومة بينهم، فهو خير من يعلم تفكير حفيدته، فإذا علمت بالأمر، فمما لا شك فيه، أنها لن تتحدث مع أحد منهم أبدًا، وستعلن راية الخصام، فإن كانت هي الآن شابة وطبيبة أيضًا، وعلى قدر كافٍ من الوعي والثقافة، إلا أن ما زالت بعض الأحيان تحكمها عاطفتها بوزن الأمور.
–سوزانا خدي ميس واطمني عليها براحتك فوق في أوضتها. هتف رياض بعبارته وهو يشير لسوزانا بضرورة الاستماع لما قاله. فأماءت سوزانا بهدوء وسحبت مرفق ميس وجعلتها تنهض من مكانها وصعدتا الدرج سويًا، تتجاذب معها الحديث، كأم تريد الاطمئنان على أحوال ابنتها حديثة العهد بالزواج والحياة الزوجية. فبعد أن اختفيتا بأعلى الدرج، نظر رياض لعمران وغزل قائلًا بهدوء ورصانة:
–بصي يا بنتي وأنت كمان يا عمران، أنا وصلني كلام إنكم فاكرين إن أنا وعاصم اللي قتلنا أهلكم، وأنا مش حابب تفضلوا على تفكيركم ده وتحصل مشاكل أكبر، دلوقتي حفيدتي في بيتكم، وكمان انتي يا غزل لسه على ذمة عاصم، والنسب مش حاجة هينة ولا علاقات بتبني علشان الانتقام، فاهمني يا عمران؟ رفع عمران حاجبه الأيسر قائلًا بسخرية: –طالما مش أنتوا اللي عملتوها يا رياض باشا مين اللي من مصلحته يعمل كده؟ محدش كان معادي أهلي غيركم.
نقر رياض الأرض بعصاه نقرات خفيفة، فما لبث أن قال بروية:
–بص يا عمران أنا عمري في حياتي ما حاولت أبرر كلامي لحد، أو إن أقول الكلمة وحد يكذبني أو يراجعني فيها، فعايز تصدق كلامي يا مرحب وهنساعدك تلاقي اللي قتل عيلتك واللي حرمني من ابني وجدي، مش عايز تصدق وهتفضل بتفكيرك ده أنا هاخد ميس معايا دلوقتي حالًا وورقتها تحصلها، لأن مش هسيب حفيدتي معاك وانت بتفكيرك ده، لأن اللي شايفه في وشك وعلى رقبتك، بين لي إنك حاولت تتغابى مع ميس صح ولا أنا غلطان يا عمران؟
بديهيًا وضع عمران يده على موضع جروحه، فتلك الثقة التي يتحدث بها، جعلته متيقنًا من أنه قادر على وضع كل ما قاله محل التنفيذ، وخاصة ذلك الجزء المتعلق بأخذ ميس من هنا والآن. هنا خرجت غزل عن صمتها، فنظرت لعمران قائلًا بلين:
–عمران إحنا لازم ندي نفسنا فرصة تانية للتفكير في اللي حصل، لأن الظاهر كده إن فعلاً اتلعب بينا، وإلا مكنش عمي رياض جوزك حفيدته واللي هي أكيد غالية عنده ومش بالساهل يفرط فيها لحد هيبقى عارف ومتأكد إنه ممكن يأذيها، بلاش غضبنا يعمينا أكتر من كده.
حدق بها عمران مطولًا، ولم يخلو تحديقه بها من التعجب، لما سمعه منها، فهي كانت أكثرهم تصميمًا على الانتقام قبل عودتها للإسكندرية، ولكن يبدو سحر الحب، بدأ يسري مفعوله بعقلها، وإلا لما وافقت على رفع راية السلام هكذا بوقت مبكر.
فحك لحيته بتفكير، يزن الأمور بميزان العقل والذكاء، فهو لو صمم على عدم اقتناعه بما قاله جد زوجته، فستكون الخسائر فادحة، فهو يعلم خير العلم أن رياض النعماني حتى وإن نال منه الكبر، إلا أنه ما زال قادرًا على إلحاق أضرار جسيمة بمن ينتوي التسبب له بضرر أو سوء، سواء كان ذلك متعلقًا بسوق العمل أو غيره، دون جهد يذكر. فتشابكت أصابعه ببعضها البعض مدمدمًا:
–تمام وأنا هصدق كلامكم إن عيلة النعماني إيدها متلوشتش بدم عيلة الزناتي، ممكن تقولولي مين اللي ليه مصلحة في كده؟ شاكين في مين؟ رد رياض بثقة:
–أكيد هيظهر وخصوصًا لو العيلتين رجعوا اتحدوا تاني، دايما المجرم بيحب يرجع لمسرح الجريمة علشان يخفي الأدلة اللي ممكن تدينه، فلو عرف إن إحنا رجعنا زي زمان أكيد هيحاول يكمل اللي عمله وساعتها بس هنعرفه، وكانت أول خطوة جوازك من حفيدتي، وكمان غزل لازم تيجي قصر النعماني بحكم إنها مرات عاصم. –صح كلامك يا عمي.
صاح بها عاصم فجأة، فتلون وجه غزل، خاصة بعد أن قال عبارته بحماس شديد، وهو من كان يجلس بصمت احترامًا لعمه، تاركًا له مهمة إقناع عمران وإقناعها. تنقل عمران ببصره بين غزل وعاصم، وهو مشدوه بعض الشيء، ولكنه لم يرد كلمة رياض، فصمت برهة ثم أطلق زفرة عميقة مغمغمًا: –ماشي موافق إن غزل تروح عندكم، بس أدوني مهلة كام يوم علشان غزل تخرج من هنا بالطريقة اللي تليق بيها لأنها مش أي حد بالنسبة ليا وكمان معتصم لازم يكون موجود.
تبسمت له غزل لإظهاره لطفه ولينه تجاهها، خاصة أن الأيام الفائتة، كانت الأمور بينهما ليست على ما يرام، فإن كانا يتحدثان بالمطلق العام، إلا أن دلاله لها مثلما كان يدللها سابقًا، لم يعد موجودًا، منذ أن صفعته على وجهه، فعمران لا ينسى الإساءة بسهولة، على الرغم من محاولاتها الكثيرة، لتقديم اعتذارها بشكل أو بآخر، إلا أنه كان يظهر لها قناعته الظاهرية بأسفها، ومن باطنه ما زال مستاءً من فعلتها، فدائمًا ما كانت تنعته بأنه صعب المراس.
انتهت جلستهم بقدوم سوزانا وميس، فأخبر رياض أبناء شقيقته بضرورة العودة للمنزل، فلم ينسَ توصية عمران بأن يتبع الرفق واللين مع ميس، فيكفي ما رآه بعينيها من كونها ستنطق بين الثانية والأخرى أن يأخذوها معهم ولا يتركوها برفقة زوجها، فهو كان قد أوصى سوزانا هي الأخرى، بأن تجلس مع ميس وتجعلها تعي أنها صارت الآن زوجة، ويجب عليها التروي بتصرفاتها، وأن تحد من أفعالها الهوجاء.
حدقت حياء بصورة زوجها المعلقة على الجدار، لتعاود وتنظر لشاشة الهاتف، تشخص ببصرها لمقطع الفيديو، وهي لا تصدق ما تراه أمام عينيها، فها هو يصفع تلك الفتاة، التي تبدو بثيابها كأحد الغواني، ورأت كيف أن قميصه كان مفتوحًا وطلاء الشفاه على وجهه، وليس مثل ما رأته على ياقة قميصه فقط. فغرّت فاها مما رأته، فهي لم تكن تظن أن الأمر أخذ منحنى السوء لهذا الحد، ولكن صوت إدارة مقبض الباب، هو من جعلها تترك الهاتف من يدها.
ولج راسل الغرفة، يجر خلفه غضبه، فاليوم كان كارثة بكل المقاييس، بدءًا من شجاره مع الممرض، مرورًا بحضور وفد الصحة، وربما هناك كارثة أخرى تلوح له بالأفق. وضع يديه بخصره، وصدره يعلو ويهبط كأنه خارج من أحد السباقات، وعيناه داميتان تطلق شرارًا، فأنتبه على تحديقها الصامت به. فخرج هو عن صمته قائلًا بغرابة: –مالك بتبصيلي كده ليه؟ اقتربت منه ووضعت الهاتف بيده وهي تقول بغيظ: –اتفرج على الفيديو ده وأنت هتعرف يا دكتور راسل.
لم يكن بحاجة لمشاهدة الفيديو، فهو رآه من قبل، فبدون أن ينظر إليه، ألقى الهاتف من يده، فأخطأ الرمي وسقط على الأرض وتهشمت شاشته. فرد قائلًا ببرود: –شفته ومش محتاج أشوفه تاني يا حياء. جزت حياء على أسنانها، تكافح تساقط دموعها: –أنت قلت إنها اتهاجمت عليك، قميصك في الفيديو كان مفتوح ولما رجعت زراير القميص مكنتش مقطوعة، علشان أقول إنها فعلًا هي شدته قطعته، معنى كده إنها فتحتلك قميصك برضاك مش كده؟
ماهو ملهاش تفسير تاني غير كده. رفع شفته العليا وحرك رأسه قائلًا باستنكار: –تقصدي إيه يا حياء بكلامك ده؟ –اسأل نفسك يا دكتور راسل. قالتها حياء واقتربت منه فجأة ودفعته بصدره، فهي جن جنونها من تفكيرها فقط بأن ربما خضع لها ولو وهلة وتركها تغويه، قبل أن يعود إليه رشده ويردها عنه. أمسك كفيها لتكف عن فعلتها فصاح بوجهها: –باااااس اسكتي بتعملي إيه؟ أنا اللي فيا مكفيني مش عايز أسمع صوت مفهوووووم.
صرخه بوجهها ألجم لسانها، فلم يكتفِ بالصراخ فقط، بل نفض يديها بحركة غاضبة، وتركها وغادر الغرفة بأكملها، فجلست مكانها وظلت تبكي. فلما تركت الغيرة تعمي قلبها وبصرها؟ ولكنها أنثى وتعشق زوجها، فهي غارت من كونه كان متزوجًا من قبل، فكيف سيكون حالها إذا رأته هكذا وعلمت أن امرأة أخرى استحلت لمس ما يخصها هي بالأساس.
بعد مرور عدة ساعات، كان كل منهما راقدًا على الفراش على أحد جانبيه ويولي ظهره للآخر، فكل منهما بعالم آخر، يفكر بما لقاه وما حدث له باليومين الماضيين، فتذكرت هي تلك المشادة الكلامية بينهما، فهي لم تستطع كبح جماح نفسها من إبداء غضبها واستيائها من بروده وهو يخبرها بما حدث، فعلى الرغم من عدم نكرانه لقوله الحقيقة، إلا أنها لم تكن تريد أن تسمع أن أنثى أخرى استحلت التقرب منه بتلك الفظاظة.
فعلى الرغم من يقينها بصدقه، فلا تستطيع إنكار شعورها الطاغي بالغيرة، دل على ذلك الآن أصابعها القابضة على ملاءة السرير، تود لو تمزقها، لعل ذلك الشعور المتقد بقلبها يزول. فلما صارت هكذا زوجة غيورة؟
سئمت من وضعهما الصامت، فتركت الفراش وخرجت للشرفة، مدت يدها تزيل تلك العبرات، التي تساقطت على وجنتيها، لا تعي كيف مرت تلك الساعات وهما لا يتحدثان سويًا بأي شأن من شؤونهما الخاصة، سوى ما تقتضيه الظروف من تبادل الحديث أثناء وجودهما برفقة وفاء أو الصغيرة، أما عندما اختليا بنفسيهما، لم يبدُ أحد منهما بكلمة، كأنه لا يراها أو أنها تتقاسم الفراش معه. –أنتي واقفة هنا ليه كده؟
قالها راسل وهو يقف على مقربة منها، عاقدًا ذراعيه كأنه يحكم سيطرته عليهما، حتى لا يجد نفسه يضمها بين يديه، ولكن لم يكد يمر دقيقتين، حتى خطا بضع خطوات نحوها، فراحت ترتجف عندما وضع ذراعيه حولها، فهو لم يستطع الاستمرار بصموده أمامها. جعلها تستدير بين يديه، ثم رفع رأسها ليحدق بعينيها، راحت أنامله تداعب خصلات شعرها المسترسلة على كتفيها وتلمس أطراف جفنيها، التي بدت وكأن تلك العبرات التي علقت بأهدابها تخبره بمدى شوقها إليه.
–حلو يعني اللي حصل منك ده، حتى مفكرتيش تسألي إيه اللي حصل ليا النهاردة؟ هتف بها هامسًا بعتاب، وأنامله تداعب وجنتها، فلم ينتظر سماع ردها، إذ انحنى برأسه إليها معانقًا إياها بشغف كبير، كانت تذوب من الرقة، وتشعر أنها عاجزة عن المقاومة أو الرد. أحنت رأسها على كتفه وقالت باهتمام وتساؤل: –هو إيه اللي حصل غير موضوع الفيديو؟
فكرت هي الأخرى أن تخبره بما حدث معها، فلعله يسامحها بشأن مقابلتها لوالده، فقبل أن يجيبها أسرعت هي بوضع يدها على شفتيه مستطردة: –راسل في حاجة عايزة أقولك عليها أنا كمان، أنا…. قبل أن تفه بحرف آخر، سمعا صوت وفاء تنادي راسل بإلحاح، كأن العالم أوشك على الانتهاء، فجفت دماءهما، وخرج راسل من الغرفة راكضًا للطابق الأرضي، وجد وفاء برفقة رجال لا يعلم من يكونون، ولكن اثنان منهما يرتديان زي الشرطة. فأقترب من وفاء متسائلًا:
–هو في إيه يا ماما؟ أقترب أحد الضباط منه قائلًا بنبرة جافة وخشنة: –أنت الدكتور راسل رياض النعماني الشهير براسل صفى الدين؟ قطب راسل حاجبيه وهو يجيبه: –أيوه أنا، خير وأنت مين وعايزين مني إيه؟ وقفت حياء بالأعلى بعد رؤيتها رجال غرباء بالأسفل، فذهبت للغرفة لتضع عليها ثوبًا ملائمًا، وخرجت من الغرفة تهبط الدرج بخطوات سريعة. فوجدت ذاك الضابط الذي يحدث زوجها، يقبض على مرفق راسل قائلًا بأمر:
–اتفضل حضرتك غير هدومك وتعالى معانا. نفض راسل يده وهو يقول باستنكار: –نزل إيدك عني، أنت عايزني أغير هدومي وأروح معاكم على فين؟ أنا عايز أفهم في إيه بالظبط؟ رد الضابط قائلًا بما يشبه السخرية: –هتتفضل تأنسنا شوية في القسم لأن أنت مقبوض عليك بتهمة قتل الممرض سعيد اللي كان شغال عندك في المستشفى ولقينا جثته في مخزن الأدوية في المستشفى. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!