الفصل 43 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
19
كلمة
8,416
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

أفترشا الأرض وأسند راسل ظهره للسور، تتصاعد رأسها وتهبط، تزامناً مع صعود وهبوط صدره، وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثة، جراء وقوفه أمامها ليتلقى جسدها بين ذراعيه، ويحول بين سقوطها من على السور.

فإختلال توازنهما سوياً كان ولا شك سيؤدي بحياتهما معاً. فهي بإمكانها سماع دقات قلبه النابضة بخوف شديد، وهي واضعة رأسها على صدره مستكينة وعيناها تتساقط منها الدموع. فكلما تتذكر ما حدث معهما منذ برهة، تعود وتقبض بيديها على كتفيه، كأنها تريد التأكد من أنه مازال هنا وأنهما مازالا على قيد الحياة، بعد ما كادا يسقطان بالحديقة.

فلو كان حدث هذا، كانا سيلقيان حتفهما على الفور، فالمسافة بين الأرض والسطح بعيدة وتقدر بعدة أمتار ليست بالقليلة. سالت دموعها على عنقه وهي دافنة وجهها بتجويفه، فقالت وصوتها مازال يرتعش بخوف: –ليه كده يا راسل، معقولة كنا هنموت إحنا الاتنين دلوقتي؟

فصيحتها المنادية باسمه، لم تكن سوى صرخة خوف وهي ترى ظهره منحنى على السور، تزيد هي من احتمال سقوطه، وهو متشبث بها بين ساعديه. إلا أنها أسرعت بالابتعاد لتخفف من ضغطها على جسده. فالله أنقذهما، إذ كان السور بالارتفاع المناسب، الذي مكن راسل من إنقاذها وإنقاذ نفسه، فاحتمال سقوطه كان وشيكاً نظراً لطوله الفارع. أغمض عينيه بإرهاق قائلاً بخفوت: –الحمد لله أنها عدت على خير.

انتظر ريثما استعادت هدوءها، فحدق بها بتعبير مبهم، وخشيت هي أن تمعن النظر بوجهه، فكيف وصلا إلى تلك الحالة؟ فقال وهو يحل أزرار قميصه الأولى، كأنه يشعر بالاختناق: –يعني فضلتِ تستفزيني يا حياء وتعملي عمايلك دي لحد ما قربتي تجنيني وخللتيني فقدت أعصابي. بس لو بتفكري أن كان ممكن أذيكِ بحاجة زي دي تبقي غلطانة. ردت نظرة له وهي تقول بصوت جاف: –كنت بتحاول تخوفني مش كده؟

عشان تبين لي أنك تقدر تأذيني في الوقت اللي أنت عايزه يا راسل، بس كده كان ممكن تموتني.

قبض على كتفيها وأبعدها عنه بجفاء، فهو ممتعض من نفسه ومنها ومن كل ما يحيط به، فأنفاسه صارت تسبب له الضيق، فما بال رؤيته لنظراتها التي أشبعته اتهاماً بأنه كان قاصداً بث الرعب بنفسها. ولكن ليست تلك الحقيقة، فهو كان يحسب حساباً لكل فعل يصدر منه بحقها، وهو ليس معتوهاً ليجعلها تلقى حتفها هكذا. فإن كان جعلها تظن ذلك، فهو كان على علم ودراية بأنه قادر على إنقاذها قبل أن يمسها سوء. ولكن ربما أخطأ بتقدير طوله وارتفاع السور، لذلك كان من المحتمل أن يسقطا سوياً.

عبس راسل بوجهها وقال بإنفعال: –لو اللي بتفكري فيه ده صح، كنت أنا كمان هقع معاكي يعني مكنتش هتموتي لوحدك، واحتمال كنت مت قبلك. وياريت ده كان حصل، خليني أخلص من حياتي اللي خلاص زهقت منها. ترك مكانه ونفض ثيابه من الأتربة العالقة بها، وتركها جالسة مكانها وهبط الدرج مهرولاً حتى وصل للحديقة. رأى ابنته تركض هنا وهناك خلف هرة صغيرة، ابتاعها لها بعد إلحاحها الشديد.

فجلس أسفل إحدى الشجيرات، وأسند ظهره ورأسه لها، فأغمض عينيه يلعن نفسه مراراً وتكراراً على تفكيره وعلى تلك الحالة من الضعف التي سكنته. فلما يصر على تعذيب نفسه هكذا؟

أفمن أجل قلبه وذلك الشعور النابض به، صار يلتمس لها العذر تلو الآخر، فتارة عصبي وتارة يحاول ممارسة الهدوء، وهي بكلتا الحالتين أفعالها لا تفى بالغرض المطلوب منها، من أن تحاول إعطاءه الجواب الذي يريح قلبه وعقله. ولكنها صارت متمكنة من تعذيبه، بل تجعله يرقص على ألحانها، فما عليها سوى إظهار وداعتها وتذرف بندقيتها الدموع، ويجد قلبه ينشق لنصفين لمجرد بكائها. ولكن إلى متى سيظل ضعيفاً قبالتها؟

فحتماً لو استمرت بأفعالها تلك، سيأتي الوقت ويتهدم كل شيء بينهما، ولن يكون الاكتفاء بجلب زوجة أخرى، بل ربما سيصير الفراق حتمياً. شعر بثقل على ساقيه، ففتح عيناه على الفور، ووجد صغيرته تطالعه بزرقاويتيها الوديعة وهي تبتسم ابتسامة صافية من شأنها أن تنسيه همومه ولو مؤقتاً. رفع كف يده العرض، ووضع خصيلاتها الناعمة المنسدلة حول وجهها خلف أذنها، فقبل وجنتها المكتنزة والمشربة بحمرة خفيفة، تضفي عليها رونقاً خلاباً كقطعة الحلوى.

رفعت سجود يديها ورمقت والدها بحب وناولته تلك الزهرة البيضاء، التي قامت بقطفها من الحديقة، وهي تقول بشغب طفولي محبب لنفسه العاشقة لها: –بابي الوردة دي اسمها سجود. مامتي قالت لي كده. بعد ذكرها لحياء، اختفت ابتسامته التي كانت تزين محياه منبسط الأسارير بعد تلك اللحظات التي كانت أشبه بالمحنة. فعاد وابتسم بدون مرح قائلاً: –آه يا روحي. أنتي أحلى من الوردة، وأنتي وردة بابي ودنيتي كلها. –هي.

بـ"هـي" هاتان الكلمتان الصادرتان من إيلين وصلت لمسامعه وجعلته يحيد بناظريه عن وجه ابنته، ليمنح تلك المتحدثة انتباهه على قولها. فبعد جلوسها بجوارهما، رأت إيلين كيف كان جالساً يضم صغيرته كأنها جوهرة نفيسة أو كنز ثمين. فبتلك المدة القصيرة التي عاشتها هنا، استطاعت معرفة قوة تلك الرابطة بينه وبين صغيرته، ومتعجبة قليلاً من أنه شغوفاً بحب ابنته على الرغم مما حدث من والدتها الحقيقية بحقه، عندما أخبرها بشأن زيجته الأولى.

داعبت وجنة سجود التي ابتسمت لها وسرعان ما أخفت وجهها بصدر أبيها لشعورها بالخجل، فابتسمت إيلين بدورها وهي تقول بصوتها الناعم الرقيق: –عسولة أوي سجود، واللي عنده بنت زيها ما أظنش أنه يفضل زعلان ومكشر ومهموم كده على طول. كفاية أنك تبص في وشها الجميل ده وتنسى كل مشاكلك.

ضم صغيرته إليه أكثر، فهي محقة بشأن كل ما قالته، ولكن قلبه مقسوم لشطرين، أحدهما خاص بصغيرته والآخر خاص بمعشوقته العنيدة، والتي لن تهدأ وتكف عن أفعالها، إلا إذا صارا كندين متواجهان بحرب ضارية وربما تنتهي بنهاية أحدهما. قبلة رقيقة ومحبة وضعها على رأس صغيرته، التي يبدو أنها تتهيأ للنعاس، وعلم ذلك من كونها كفت عن حركتها المفرطة، وأسندت رأسها لصدره بوداعة ولا تثرثر أو تحاول جذب انتباهه مثلما تفعل. فناداها همساً:

–سيجو أنتي هتنامي يا روحي. حركت الصغيرة رأسها بالإيجاب. فقالت إيلين وهي تمد يديها لحملها: –أنا هوديها أوضتها عشان تنام. ما كادت إيلين تضع يديها على الصغيرة، حتى وجدت يدان تمسكان بمعصميها بقوة وحزم، فنظرت إيلين بجانبها وجدت حياء منحنية إليها، تناظرها بعداء سافر، تراه بعينيها لأول مرة منذ مقابلتهما. كزت حياء على أسنانها وقالت بتحذير وتحدي: –متحاوليش تقربي من بنتي تاني مفهوم، كفاية هسيبهولك هو. متبقيش طماعة بزيادة.

نفضت حياء يد إيلين، ومازال راسل ينظر لها بتعجب ودهشة من هجومها غير المبرر إلا تحت بند الغيرة. فإن كانت تغار هكذا فلما تترك الأمور تأخذ ذلك المنحنى الخطير. فأخذ راسل دوره من حدة حديثها، حيث نظرت إليه وكأنه تأنبه على سرعة إيجاده من تأخذ دورها بحياته وحياة صغيرته، فهتفت به بسخرية مبطنة: –أنا لسه موجودة هنا. وطالما أنا موجودة محدش يهتم ببنتي غيري يا دكتور، ماشي؟

حملت الصغيرة من بين ذراعيه، ولفت سجود ذراعيها حول عنق حياء ووضعت رأسها على كتفها، فزادت من ضم الصغيرة لها، كأنها ترسل لهما رسالة بليغة من أنها هي فقط، من رأت بها سجود صورة والدتها التي كانت تنتظرها دوماً. حتى وإن كانت الصغيرة لا تعي كون حياء زوجة أبيها وليست هي من أنجبتها، ولكن يكفي حياء أنها قطعة من زوجها الحبيب، والذي تعلم أنه وصل لأقصى درجات الغضب من أفعالها، ولكنها مجبرة على ما تفعله. فلو كان الأمر سهلاً لكانت أخبرته بكل شيء، ولكن كل شيء سيتهادم إذا علم راسل، خاصة وأنه عصبي المزاج، بل يعاني من عصبية مفرطة قادرة على جعل الأمور أسوأ.

*** لم يكن تلك المرة متشدداً برأيه أن يمكث بالغرفة المنفصلة بالحديقة، بل وافق على عرض خالته، عندما اقترحت عليه أن يقيم بإحدى الغرف بالطابق الثاني من المنزل. فأولاً وأخيراً هي خالته وابنتها مازالت زوجته حتى الآن، لذلك صعد للغرفة بدون أن ينبس ببنت شفة. فولج للداخل ودارت عيناه بأرجاء الغرفة كافة، فمساحتها الفسيحة ربما تعادل مساحة شقته بذاك الحي الفقير، وآثاثها الفاخر ربما لن يستطيع شراءه إلا بعد عمله بكد لمدة سنوات.

فكل تلك الدلائل والظواهر تثبت له مدى الفرق الشاسع بينه وبينها، وكأن ألف جدار بينه وبينها وليس جدار واحد كالذي يفصل بين الغرفتين. طَرقت الخادمة الباب وهي تحمل له الطعام، الذي أوصتها به سيدة المنزل الأولى، ففتح كرم الباب متسائلاً بتهذيب: –إيه ده؟ تبسمت الخادمة وهي تقول باحترام: –حضرتك ده أكل الهانم الكبيرة. قالت لي أجبهولك عشان لو حبيت تتعشى قبل ما تنام.

أراد الرفض بالبداية، إلا أنه شعر بالحرج من رد الخادمة بما تحمله من طيب الأكل، فدعاها للدخول، ووضعت الصينية على المنضدة وخرجت بعد أن سألته إذا كان يريد منها شيئاً آخر قبل ذهابها، وأجابها بأنه لا يريد سوى بعض أقراص الدواء، لعل الصداع الذي ألم برأسه يهدأ قليلاً، فأخبرته أن بأحد الجوارير يمكن أن يجد ما يريده. ضغط على جانبي رأسه قائلاً بألم: –أه يا دماغي، إيه الصداع ده؟ دماغي هتنفجر.

فتش بالمكان المخصص لوضع الأقراص، ووجد ما يريده، فتناول الدواء وولج للمرحاض ووضع رأسه أسفل صنبور الماء. لم يشعر بما يفعل إلا بعدما ابتل رأسه وتساقطت الماء على ثيابه، فتناول منشفة وجفف رأسه وخرج من المرحاض. –يا الله هدومي اتبلت وأنا أساساً مش معايا هدوم. قالها بسخط وهو يخلع عنه قميصه، وألقاه على المقعد حتى يجف.

جلس أمام الصينية ونظر للطعام عدة ثوانٍ، فبدأ بتناوله ببطء وهو يفكر بوضعه الحالي. وعندما شعر بالاكتفاء من الطعام والتفكير خرج للشرفة، بعدما ارتدى قميصه الذي مازال رطباً من الماء، ولكن هذا أفضل من أن يخرج بجسده عارياً وهو ليس بمنزله. أسند ذراعيه على السور وانحنى بجسده العلوي ينظر للأشجار بالحديقة تارة، وينظر للسماء تارة أخرى، إلا أنه استرعى انتباهه صوت حركة بالغرفة المجاورة، فالغرفتان متصلتان بشرفة واحدة.

فسار بخطوات وئيدة حتى وصل لباب الشرفة الآخر المفتوح على مصراعيه، ولم يكن يعلم أن تلك الغرفة تخص هند، فوقف بجانب أحد شقي الباب الزجاجي ونظر بداخل الغرفة، وجد زوجته تخرج من غرفة الثياب ترتدي ثياب النوم خاصتها والتي لم تكن سوى ثوب أسود قصير ورداء من اللون نفسه.

فإن كان سبق ورآها بثياب مماثلة، إلا أن تلك المرة كأنها تختلف عن سابقيها، ولا يعلم مصدر تلك الحرارة التي غزت وجهه فجأة، فرفع يده ومسح وجهه وكأن جبينه صار متعرقاً بغزارة. ارتطمت يده بزجاج الباب، فأنتبهت هي على الصوت قبل أن تستلقي على الفراش، فاستدارت للخلف وحدقت به وهي تضم حاجبيها بتعبير الدهشة، عما يفعل هنا بهذا الوقت؟ بادرت هي بسؤاله عن سبب وقوفه هكذا، وهي تقترب منه: –في إيه واقف هنا ليه كده؟ في حاجة؟

حرك رأسه بعنف نافياً أنه يريد منها شيئاً، وربما لم يفعل ذلك إلا لينفض عن رأسه تلك الأفكار التي تراود عقله، بأن يراودها هي عن نفسها. –لأ مش عايز حاجة يا هند. أنا سمعت صوت ومكنتش أعرف أن دي أوضتك، فافتكرت أن في حاجة. ردت قائلة وهي تشير بيدها لمدخل غرفة الثياب: –آه دا في مراية انكسرت في الدريسنج روم. وجايز هو ده الصوت اللي وصلك. سوري لو كنت قلقتك من النوم.

تباً له ولكل ما اعتراه بتلك اللحظة، فهل هو مراهقاً رأى صورة لممثلة جذابة، فأراد الحصول عليها؟ ولكنه ليس مراهق، بل هو رجل بالغ وبإمكانه تفسير تلك العواطف التي عادت تزوره ثانية بشأنه. مسد بيده على خصيلاته الرطبة وهو يغمض عينيه: –لأ مكنتش نمت. كان عندي شوية صداع. اقتربت منه أكثر وسألته باهتمام: –عندك صداع؟ ثواني هجبلك برشام مسكن. قبل أن تبتعد، تحدث قائلاً برفض:

–لأ أنا أخدت من شوية مسكن وشوية كده والصداع هيروح، متقلقيش نفسك أنتي. ابتعد عن الباب وظن أنها ستعود لغرفتها، ولكن وجدها تقطع المسافة الفاصلة بينهما، ووقفت بجانبه عندما عاد مستنداً بكفيه على السور، فأربكته برائحة عطرها ونعومة صوتها وهي تسأله بتوتر: –هو أنت خلاص كلمت البنت اللي قولت أنك جاي عشان تخطبها؟ أصل من ساعتها مشوفتكش ومعرفش حتى موضوع طلاقنا عملت فيه إيه. أومأ برأسه دون محاولة منه أن يقول شيئاً. فأزدردت

لعابها وقالت بتوجس: –وكان رأيها إيه؟ أكيد وافقت عشان اللي تعرفك يا كرم تبقى محظوظة لو هي بقت مراتك. نظر إليها رافعاً حاجبه قائلاً بدهشة وسخرية: –يا سلام ليه يعني؟ دا على أساس أن واحد محصلتش يعني ولا في مني اتنين في البلد. بس هي موافقتش بيا ولا حاجة وخصوصاً لما عرفت أن أنا متجوز. –على الأقل في عيني أنا، أنت فعلاً مفيش منك اتنين يا كرم.

قالت هند بصوت متهدج، وانتفض قلبها بصدرها، أشبه بطائر تم ذبحه وتُرك يرفرف بجناحيه حتى الرمق الأخير. حط بكفه العريض على يدها، التي وضعتها على السور، فشعرت كأنه تم سحب الهواء من رئتيها، وفتحت فمها الصغير لتطلق تلك النهتات الحارة العالقة بصدرها من بين شفتيها، اللتان كانت تشعر بأنهما ستنزفان دمًا من قضمها لهما بعدما قالت عبارتها. –معقولة للدرجة دي حبيتيني يا هند؟

قال كرم متسائلاً ومتلهفاً لسماعها منه ثانية، فالمرة الأولى لم يمهل نفسه الوقت الكافي ليستشعر صدق قولها، ولكن تلك المرة سيتتمعن بتفكيره في الأمر، فهو لن يستطيع أن يعاند قلبه أكثر من هذا، وإن كانت حقاً تحبه وهو مازال مغرمًا بها، فسيحاول إعطاءها فرصة ثانية. أطرقت هند برأسها أرضاً وهي تقول بخفوت:

–أوي أوي يا كرم، أنا كنت عمية عن أن أشوف معدنك الحقيقي وأنك أفضل مليون مرة من أي واحد من الوسط اللي أنا عايشة فيه، بس الفترة اللي قعدتها معاك عرفت قد إيه أنت راجل بمعنى الكلمة، على الرغم من الخناقات اللي كانت بتحصل بنا وكنا…. كادت تشعر بذوبان عظامها من شدة ذلك الشعور بالخجل، والذي لا تعلم من أين جاءها بتلك اللحظة؟ ولكن استطاعت تفسير ذلك، بتذكرها لتلك المشادات الكلامية بينهما والتي كانت تنتهي بعناق عاصف من جانبه.

ابتعد عن السور وأخذ يديها بين كفيه قائلاً بحذر: –لو أنتي فعلاً بتحبيني وهتكوني راضية تعيشي معايا في المستوى اللي أنا عايش فيه، وتستحملي ظروفي، أنا حابب نكمل حياتنا مع بعض، لكن لو حاسة أن ده مجرد زهوة أو نزوة وبعد كده ممكن تفوقي منها، فلازم تاخدي وقتك وتفكري عشان حتى أنتي متتعبيش في حياتك معايا. اتسعت عيناها قليلاً وقالت بعدم استيعاب: –يعني أنت سامحتني حتى على الغلطة اللي حصلت يا كرم؟

أرادت معرفة صدق مسامحته لها، فهي حتى الآن لم تخبره بشأن أنها مازالت فتاة عذراء، وأن الأمر برمته تم بتدبير شيطاني وتم إيقاعها بفخ دنيء، ولكنها وجدته يبادر بشأن مسامحتها على الرغم من جهله بحقيقة الأمر. استنشق القدر الكافي من الهواء وعاد يزفره ببطء، للتخلص من توتره، فإن شق عليه أن يقول ما لديه، فلابد من أن يجعلها تفهم حقيقة وضعه وتفكيره بهذا الشأن خاصة. فأجابها بهدوء وروية:

–صدقيني يا هند مش من السهل أن أنسى الموضوع، وخصوصاً أن لما تكون البنت اللي فضلت عمري كله أحبها وأتمنتها، يكون في حد قبلي لمسها وبالطريقة دي، فالحرب بين قلبي وعقلي مش هتهدى إلا لما أحاول أوزن الأمور كويس، حتى لما رجعت وقولت هخطب واحدة تانية كنت عايز أهرب من كتر التفكير وبين رغبتي في أن أسامحك أو أبعد عنك، بس حتى دي فشلت فيها لما لقيت البنت فهمت أن أنا لسه بحبك وواجهتني بحقيقة الوضع اللي كنا هنبقى فيه لو الموضوع تم، فعلشان كده هحاول أدي حياتنا مع بعض فرصة تانية، ويمكن الأيام تقدر تنسينا المر اللي فات، فهل أنتي موافقة على كلامي؟

ولو موافقة هنستنى باباكي يخرج من المستشفى بالسلامة وهطلب منه أنك تسافري معايا الأقصر وتكوني برضه أخدتي وقتك في التفكير. سكتت هند لهنية قبل أن تهز رأسها بدليل الموافقة، فإن كان راغباً في إكمال حياتهما الزوجية سوياً بدون علمه بحقيقة أمرها، فهي ستجعله يكتشف الأمر بنفسه، فابتسمت لا إراديًا عندما طاف بمخيلتها كيف ستكون ردة فعله حينها؟

وجدها تشد بأناملها على يديه التي تحتضن كفيها، ووجد ابتسامة هادئة تزين محياها، ولا يعلم علام هي تبتسم؟

فأرادت زيادة حيرته وأن تربكه أكثر، بأن سحبت يديها من بين كفيه ووضعتهما على كتفيه، كأنها شعلة من نار كادت تحرق جلده من أسفل قميصه بدون رحمة، فقبل أن يطاوع وساوسه بأن يعانقها فر هارباً لغرفته، ورأى أنه من الأفضل أن ينتظر حتى تكون معه وبمكانهما الخاص، وليس أن يتمم زواجه منها هنا ببيت أبيها فالوقت والمكان ليسا ملائمين حسب معتقده. ***

بحثت عن الصغيرة بغرفتها وبكل الغرف، التي يمكن أن تتواجد بها، ولكنها لم تعثر لها على أثر، فكرت بالذهاب لغرفة راسل فربما هي هناك الآن، فخرجت من غرفتها وسارت بالممر المؤدي لتلك الغرفة الفارهة التي يقيم بها راسل، ولكن بوصولها أمام الباب خشيت أن تطرقه وتراه يخرج إليها. كلما رفعت يدها وتقترب بها من الباب تعود وتسحبها سريعاً، ففكرت أن تعيد أدراجها لغرفتها وأن الصغيرة لابد لها من أن تعود إليها. –لأ يا راسل بس بقى.

اخترقت تلك الجملة مسامعها مع صوت ضحكات عالية، فذلك الصوت هو صوت إيلين. قبل أن تبتعد خطوة، انفتح باب غرفة راسل ورأت إيلين تخرج راكضة وهي تضحك، فأصطدمت بها وكادت تسقطها أرضًا لولا حفاظها على توازنها بأن تشبثت بجانب الدرج. ابتعدت عنها إيلين وهي تعتذر بصوتها الناعم: –أوه سوري آسفة مشوفتكيش. –أنتوا كنتوا بتعملوا إيه جوا؟ وإيه اللي دخلك أوضة راسل أساساً؟

تساءلت حياء وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، كأنها تحكم سيطرتها عليهما قبل أن تعمل على جذب شعر إيلين، وعيناها تبحث عنه، فهو لم يكلف نفسه عناء أن يخرج إليهما ويعلم ما يدور بينهما أمام غرفته. ردت إيلين وهي تطوف بعينيها على محيا حياء: –والله أنا حرة، ثم دي هتبقى أوضتي أنا وراسل يعني أدخل أخرج ملكيش فيه. فكت حياء عقدة ذراعيها وقبضت على ذراعي إيلين بقسوة وهي تصيح بوجهها: –هو إيه اللي مليش فيه، ده جوزي فاهمة يعني إيه جوزي.

دفعتها إيلين عنها فذراعيها بدأتا تؤلمانها من غرز حياء لأظافرها بلحمها فصرخت بوجهها هي الأخرى: –وهيبقى جوزي أنا كمان، ومتنسيش أن أنا أصلاً أول حب في حياته. مسمعتيش عن جملة "وما الحب إلا للحبيب الأول". تبسمت حياء قائلة بسخرية: –بس مش هتقدري تخليه يحبك زي ما بيحبني، انسى يا إيلين. التوى ثغر إيلين بابتسامة جانبية فأحنت رأسها وأقتربت من أذن حياء قائلة بهمس: –ولما هو بيحبك أوي كده رافض يقرب منك ليه؟

متفتكريش أن معرفتش أنك روحتيله أوضته وحاولتي تخليه يسامحك وفشلتي وخرجتي زي ما دخلتي. خرج راسل من الغرفة قبل أن تهم حياء بالرد عليها، فناولها هاتفها وهو يقول باسمًا: –نسيتي تليفونك يا مجنونة جوا. وفي حد بيرن عليكي. ضحكت إيلين وهي تقول برقة: –ميرسي يا حبيبي. هنزل بقى أجيبلك القهوة بتاعتك.

أخذت الهاتف ووضعته بجيب بنطالها وهبطت الدرج، تابعها بابتسامة وهي تهبط الدرج، فتعمد ألا ينظر لحياء، ولكن عندما أراد العودة لغرفته، قبضت حياء على مرفقه وجعلته يقف مكانه. فنظر ليدها الممسكة بذراعه وسرعان ما حدق بوجهه وأنتظر أن تقول ما لديها، فأختلج صوتها وهي تقول بصعوبة: –انتوا خلاص هتتجوزوا الأسبوع الجاي؟ أومأ راسل برأسه قائلاً ببرود: –أظن أنك عرفتي ميعاد الفرح، مش أنتي اللي هتنظمي حفلة الجواز زي ما عملتي حفلة الخطوبة؟

أشارت حياء لنفسها وهي تقول بصدمة: –أنا! عايزني كمان أنظم لكم حفلة الجواز؟ وضع يديه بجيب سرواله البيتي وهو يقول بتهكم: –وفيها إيه مش هتاخدي فلوس قصاد كده؟

ومتخافيش المرة دي هديكي فلوس أكتر من اللي أخدتيها المرة اللي فاتت، دلوقتي بقى عندي فلوس متتعدش، وأكيد مش هبخل على حفل جوازي اللي أكيد هيكون أسطوري، طالما العريس والعروسة من عيلة النعماني، يعني كمان هحقق أمنية والدي اللي كان دايماً في كل مرة أتزوج فيها يقول لي إزاي تتجوز واحدة مش من عيلتك، فأكيد المرة دي هيكون مبسوط. وزي ما بيقولوا "التالتة ثابتة".

عادت تعقد ذراعيها بإحكام كحركة دفاعية، حتى لا تجد نفسها تقبض بيديها على عنقه، فهي تعلم أن كل ما يفعله ويقوله، لا يريد به سوى أن يزيد من نيران غيرتها والشعور بفداحة أفعالها. فابتسمت قائلة بسخافة: –يا سلام. حسيت فجأة كده بأنك الابن البار واللي عايز ينفذ رغبة باباه، قلبك حنين أوي يا دكتور، دا على أساس أن أنا معرفش اللي فيها وأن ده…. رفعت يدها تشير لكتفها الأيمن وعادت تكمل حديثها:

–ياما حطيت راسك عليه وأنت بتشكلي من وجعك واللي حصلك، وإن علاقتك أنت وبابا أنا عارفة حقيقتها. شوف واحدة تانية تضحك عليها بكلامك ده يا راسل، لأن زي ما قولتلك أنا الوحيدة اللي كنت قدامها زي الكتاب المفتوح، كنت بتبقى زي البيبي اللي في حضن مامته وبيحكيلها عن كل اللي مضايقه وواجعُه وميرتاحش إلا لما هي تهديه وتطمنه أنها جنبه. استند بكتفه على إطار الباب ورمقها بنظرة باردة وهو يقول بسخرية:

–ماهو أنا لقيت دلوقتي واحدة تانية يا روحي وهحط راسي على كتفها وأشكيلها همي، وهي مش هتقصر في واجبها بأنها تهون عليا، وأديكي شايفة من ساعة إيلين ما رجعت وأنا أحوالي اتغيرت، وواحدة بجمالها أظن مش هتلاقي عقبة في أنها تنسى جوزها نفسه مش بس همومه.

نظرت إليه ملياً، فهي لم تكن عمياء حتى لا تلاحظ التغيير الجذري الذي حدث بمظهره، من طلة جذابة أكثر شبابية عن ذي قبل، ولم يقتصر التغيير على مظهره فقط، بل وأنه يحاول الآن جعل إيلين البديلة لها، فكل غدوة وروحة تكون هي برفقته، بل وأنه يبدو عليه أنه أكثر استمتاعًا بممارسة الرياضة وتمارين الاسترخاء، التي ربما ساهمت بأن يعود لما كان عليه من صفات البرود واللامبالاة مثلما كان أول مرة قابلته بها، كأنه عاد راسل القديم، ذو الشخصية الباردة والغير مكترثة.

فبإتيانه على ذكر حُسن وجمال إيلين، أيقنت أن أبواب الجحيم على وشك أن تفتح بوجهها، فلم ترد جوابًا على ما قاله، بل جل ما فعلته أنها دبت الأرض بغيظ وعادت لغرفتها. ولجت الغرفة وسمعت رنين هاتفها، ففتحت الهاتف وهي تصرخ دون أن تعي قولها: –سيبوووني في حالي بقى أنا حياتي باظت هيحصل إيه تااااني.

لم تمنح المتصل فرصة للرد، إذ أغلقت الهاتف وألقته من يدها، فخرجت من غرفتها لتبحث عن والد زوجها، حتى وجدته بغرفة المعيشة يتحدث مع أحد رجاله، فبرؤيته لها صرف الحارس وجعله يغلق الباب خلفه. وما كاد الباب يغلق حتى وجدت حياء تدور حول نفسها بجنون وهي تبكي وتصرخ بأن واحد: –إحنا لازم نشوف حل لللي بيحصل ده أنا خلاص أعصابي مش مستحملة أكتر من كده، دا هيتجوز عليا الأسبوع الجاي. نقر رياض الأرض بعصاه، فرد قائلاً بهدوء ورصانة:

–اهدى يا حياء، راسل لا هيتجوز الأسبوع الجاي ولا هيتجوز عليكي. ارتمت على أحد المقاعد ووضعت وجهها بين كفيها وصوت شهقاتها يعلو أكثر فأكثر، فقالت بنحيب: –دا مصمم وكمان عايزني أحضر له حفلة الجواز، دا عايز يموتني بالبطيء، أنا مش قادرة أستمر في اللعبة دي أكتر من كده. –تحبي نقول له ونعرفه كل حاجة؟ قالها رياض بصوته الرصين، وأنتظر إجابتها على اقتراحه. فرفعت وجهها عن يديها وقالت بفزع:

–لأ لأ راسل لو عرف مش هيسكت وراسل عصبي يعني كل حاجة هتتهد، أنا لما حكيتلك على كل حاجة وعرفتك حقيقة وضعي، كنت مطمنة أنك أنت هتتصرف بحكمة وهتقدر تسيطر على الوضع لحد ما نخلص من الكابوس ده، بس أن راسل يعرف باللي حصله واللي كان هيحصله وخصوصاً لسجود، فده مش يخليه عصبي دا يخليه يتجنن. زفر رياض بخفوت فقال وهو يدير عصاه بين يده:

–عارف وحاسس بخوفك وأن فعلاً ممكن عصبية راسل تبوظ الدنيا، بس عايزك تطمنيني مش هخليه يتجوز عليكي لا دلوقتي ولا بعدين. تركت مكانها وجلست على مقربة من والد زوجها، فأطرقت برأسها أرضاً وهي تقول بأسف واعتذار:

–أنا عارفة أنه مكنش سهل عليك أنك تعرف أن أهلي الحقيقيين هم اللي سببوا لك الأذى وأنك خسرت ابنك الكبير وكمان ابنك الثاني اتأذى وكان ممكن يروح فيها، أنت لو واحد تاني ما كنتش رضيت أدخل بيتك ولا تبص في وشي، وخصوصاً لما كل ما هتشوفني هتفتكر اللي حصل. منحها ابتسامة هادئة، على الرغم مما يكتنفه من حزن وهم خاصة بعدما هي أخبرته بحقيقة الأمر منذ أول يوم وطأت بقدميها المنزل. فرد قائلاً بهدوئه وحكمته المعتادة:

–لما جيتي وحكيت لي على كل حاجة يا حياء مش هقولك أن الموضوع كان سهل عليا، بس برضه أنتي ملكيش ذنب في اللي حصل، أنتي لا كنتي تعرفي مين أهلك ولا كان ذنبك أنك تلاقيهم هم اللي أذوا جوزك وأهله، فأنا مش هاخدك بذنبهم وكفاية أنك بتحبي ابني وخايفة علينا كلنا لدرجة أنك كنتي هتضحي بحبك ونفسك عشان تنقذيه. تغشى الحب عينيها وتهدج صوتها وهي تقول بصدق: –أنا أفديه بروحي وأشوفه هو وسجود كويسين وبخير. ولكن عادت مستطردة بغيظ:

–بس أنه يتجوز عليا ويعمل عمايله دي، يبقى أقتله أحسن وما فيش واحدة تانية تاخده مني.

على الرغم مما يحدث بتلك الأونة من أحداث مؤسفة وأخرها عودة ميس من منزل زوجها، إلا أنه لم يمنع ضحكته على قول زوجة ولده، التي يبدو عليها أنها مهووسة بحب زوجها، تكاد غيرتها تقتلها، فهو يراقب أفعال كل قاطني القصر، ويفرض حمايته على كل من حوله، وتلك المرة التي خرجت بها حياء من المنزل، كان هو الذي مهد لها الطريق للخروج والعودة، فهي لا تتحرك خطوة واحدة إلا بعد علمه.

فإن كانت علاقته براسل أخذت بالتحسن عن ذي قبل، فبعد أن يعلم بشأن الاتفاق بينه وبين حياء على إخفاء الأمر عليه، فربما سيعود الوضع بينهما لما كان عليه سابقاً، وربما يعودان لنقطة الصفر من جديد، ولكن الإبقاء عليه هو وعائلته بخير، أفضل من أن يخسرهم جميعاً دفعة واحدة، وبالأخص تلك الصغيرة "سجود" والتي باتت تعني له الكثير، فإن كان مقصراً بدلال أبيها وهو صغير، فسيحاول تعويض ذلك بها، بأن يمنحها كل الحب والدلال. ***

طرق معتصم باب غرفة شقيقه، فمنذ آخر محاولة لعمران بأن يجعل ميس تفهم حقيقة الوضع وتعود معه للمنزل وهو حبيس غرفته، ولكن اليوم سيذهبان لقصر النعماني بأمر من مالكه بأن يأتياه من أجل البحث عن حل لتصليح الأمور بين الزوجين المتخاصمين. فتح عمران الباب وهو على أهبة الاستعداد للذهاب، فربت معتصم على كتفه محاولاً أن يبث به الأمل على أنهما سيعودان اليوم وقد تم حل الأمور كافة. ولكن ما كاد معتصم يفتح فمه، حتى سبقه عمران القول:

–يلا بينا يا معتصم. عارف أنت عايز تقول إيه. حاول معتصم الابتسام كعادته وهو يقول بهدوء: –إن شاء الله خير يا عمران ومراتك هترجع معاك وكل حاجة هتنتهي على خير. –إن شاء الله.

لم يزد عمران كلمة أخرى، فهبطا الدرج سوياً، ووصلا لمرآب السيارات وأخذ عمران سيارته يجاوره شقيقه، فقادها بهدوء خلافاً لذلك الخوف الذي سكنه من إصرار ميس على رفضها لرؤيته أو عودتها معه، فعنادها وتصميمها بعدم عودتها لمنزله، كان بمقدار شغفها بوجودها قريبة منه.

لم ينتبه على حاله إلا عندما وجد نفسه أمام قصر النعماني، فولج بسيارته حتى الباب الداخلي وترجل منها هو ومعتصم، ودلفا سوياً لغرفة الصالون ووجدا رياض وعاصم بانتظارهما، وانتظروا مجيء راسل لبدء الجلسة، التي كانت أشبه بالجلسات العرفية، التي يتم عقدها من أجل التصالح والتسامح بين المتخاصمين.

فبالطابق الثاني، كان راسل يتهيأ للنزول إليهم، رابطة عنق أنيقة، تتماشى مع حلته الرمادية، مثالاً للرجولة والوسامة والهيبة هكذا كانت هيئته للناظرين، مشط خصيلاته الرطبة، ووضع عطره الثمين، وخرج من غرفته، وجد باب غرفتها موارباً تطل برأسها من فتحته الضيقة، لعلها تراه أثناء هبوطه الدرج. ولكن اصطدمت عيناها بساقيه، بعد وقوفه أمامها واضعاً يده بجيب بنطاله، فرفعت عيناها ورأته يطل عليها بابتسامة من فعلتها.

فخرج صوته هادئاً وهو متسائلاً: –أنتي بتعملي إيه يا إيلين؟ حمحمت إيلين واعتدلت بوقفتها وفتحت الباب على مصراعيه وهي تقول بابتسامة وحماس: –كان نفسي أشوفك وأنت نازل تقعد مع جدو رياض عشان الجلسات العرفية اللي بتعملوها دي. رفع حاجبه الأيسر قائلاً بحزم: –طب يلا ادخلي أوضتك وحسَك عينك تعملي عمايلك دي وألاقيكِ داخلة علينا الصالون عشان تقعدي معانا. قهقهت إيلين من تحذيره لها، فوضعت يدها على فمها وقالت:

–بموت في بتقولوا إيه أه حمشنتك. لاء متخافش يا حبيبي مش هاجي، مع أن هموت وأشوف خطيبي حبيبي والكل عامله ألف حساب في القاعدة. تبسم وحرك رأسه بيأس من أفعالها، فجعلها تغلق الباب وتستمع لأمره، فأكمل سيره ولكن توقفت قدماه فجأة أمام تلك الغرفة الثانية، فعلى حين غرة فتحت حياء الباب، فظل كل منهما ينظر للآخر بصمت. أراد إكمال سيره ولكنها استوقفته بقولها: –كانت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم. استدار برأسه قائلاً

ببرود من خلف منكبه العريض: –خير. كنت عايزني في إيه؟ مظنش في مواضيع مهمة بينا يا حياء. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت ببرود يماثل بروده: –كنت عايزة أقولك أن هنزل الشغل من بكرة لأن مش هفضل قاعدة في القصر ده وأنا شايفاك أنت وهي قدام عيني وكمان هي مش مقصرة في الدلع عليك خلاص معدتي بقتي بتقلب من شوفتكم مع بعض. استدار لها بكامل جسده وخطى خطوتين تجاهها، ففضلت الابتعاد عن مرماه، ولكن حظها السيئ جعلها تصطدم بالجدار خلفها.

حاصرها بالزاوية وأدنى رأسه منها وهو يقول بهمس: –موجوعة يا حياء، حاسة أن قلبك بيوجع أوي ومفكرتيش في اللحظة دي ليه وإحنا الاتنين بقينا قصاد بعض كل واحد عايز يجرح التاني، أنا قولتهالك قبل كده لو قلبي اتكسر هيموت يا حياء وأنتي كسرتيني في عز وجعي وشدتي يبقى ملكيش حق تلوميني على اللي بعمله.

لا حساب للزمن ولا للمكان، كأن العالم أصبح خاليًا فجأة إلا من وجوده قريبًا منها، عيناها تكاد تلتهم وجهه من نظراتها المشتاقة إليه، ولكن لا، فلتنتهِ أنفاسها خيرًا من أن يعلم أنها تشتاقه. فابتعد عنها ليهبط الدرج، ولكنه عاد ينظر إليها من جديد قائلاً بما يشبه الأمر:

–آه نسيت أقولك أن النهاردة هبات في أوضتك، أصل الصراحة مليش مزاج أنام في أوضتي لوحدي. فعلى ما أخلص القاعدة تحت أرجع ألاقيكي جاهزة يا مراتي يا حرم راسل النعماني، قصدي يا مدام حياء، أحسن تكون كلمة حرم راسل النعماني مضيقاكي. لا تشعر هي بهويتها إلا إذا صرح هو بترافق كنيته مع اسمها، حتى وإن كان يتلفظ بها من أجل إغاظتها وأن يمارس معها إحدى ألاعيبه اللفظية المنهكة للأعصاب. فمارست كيد حواء وهي تجيبه:

–وأنا إيه اللي يضايقني يا حبيبي في كده، متعرفش فايدة اسم النعماني إيه، ساعات بيفتح لك الأبواب المقفولة. رفع ذقنها بطرف سبابته قائلاً بدهاء هو الآخر: –طب طالما حابة وجود اسم النعماني مع اسمك، فحاولي بقى تبقي مطيعة وتسمعي الكلام، لأن مش حابب الليلة دي إن إحنا نتخانق، لاء عايزها ليلة محصلتش يا روحي.

تركها وهبط الدرج ببطء، ويعود وينظر لها من وقت لآخر وهو يبتسم تلك الابتسامة التي إن لم تكن سمجة، فهي ابتسامة من ينتظر لقاءها على أحر من الجمر. ولكن قبل أن تعود لغرفتها، رأت إيلين تخرج من غرفتها ويبدو عليها أنها بطريقها للخروج من المنزل، وهذا ما كان إذ نادت راسل قبل دخوله غرفة الصالون وأخبرته أنها خارجة من القصر لأجل قضاء أمر هام خاص بزفافهما الوشيك، فمنحها موافقته وإصطحب ميس، التي وافته عند الباب بأمر من جده.

دلفا غرفة المعيشة سوياً وميس تتأبط ذراعه، فألقى راسل التحية، بينما اكتفت ميس بعدم النظر لزوجها، وجلست بجانب عمها بهدوء. بدأ رياض الحديث وهو يقول بحكمته المعتادة: –دلوقتي إحنا سمعنا منك يا ميس ودلوقتي دورك يا عمران تبرر كلامك، وهنعتبر كأننا أول مرة نتكلم في الموضوع. اهتاجت ميس وقبل أن يفهم زوجها بكلمة سبقته وهي تقول بإنفعال:

–هيقول إيه يا جدو، هيقول أنه كان حابب ياخد حق أهله مني بكسرتي وكسرة قلبي وفرحتي، فين بقى الرجولة في اللي هو عمله أو كان بيفكر فيه ده؟ دي تبقى…. –ميس. صاح عمران باسمها قبل أن تكمل حديثها وتحاول الانتقاص من رجولته لفظيًا، فإن كان هو فعل ذلك بالبداية، لم يكن هذا عجزًا من قدرته على إيذاء تلك العائلة، ولكن رغبته بأن تكون زوجته والتي كانت دفينة حقده، هي من كانت تحركه، وحاول هو تبرير أفعاله وزواجه منها بمنطق الانتقام.

شد راسل على يد ميس، ومال برأسه إليها يهمس برفق: –متحاوليش تقللي من جوزك قدام حد عشان لو رجعتوا لبعض مش هينسالهالك وهتفضل تحز في نفسه، فخليكي عاقلة يا حبيبتي في كلامك. رفرفت بأهدابها كأنها تقدم اعتذارًا مسبقًا قبل اعتذارها اللفظي، فهي لا تريد الحط من شأن زوجها قدر ما تريد إظهار غضبها مما سمعته منه، فهي حتى الآن لا تريد النظر بوجهه، حتى لا يخذلها قلبها، أو أن تعيث عيناه الاضطراب بأنفاسها، فهي مستاءة منه أشد الاستياء.

ضم رياض كفيه على عصاه وهو يقول بإرهاق: –أظن إحنا قاعدين عشان نتكلم بالعقل، لكن لو هتبتدوا تغلطوا في بعض هحكم في القاعدة من غير ما أسمع حد فيكم لأن أنا الصراحة تعبان ومش مستحمل وجع قلب. تركت ميس مكانها على الفور وجلست بجانب جدها، وقبلت يده وهي تقول باهتمام: –جدو لو تعبان بلاش ترهق نفسك أكتر، صحتك أهم من اللي بيحصل ده.

ضمها إليه بحنان وقبل رأسها، ونظر لعمران الذي قرأ بعينيه تلهفه لعودتها معه فأشار إليه بأن يقول ما لديه، فزفر عمران بقوة قبل أن يقول: –أنا عارف أن ليها حق تزعل من اللي هي سمعته، بس هي سمعت آخر كلامي يعني لو كانت سمعت الكلام اللي قبل كده كانت سمعتني وأنا بقول لغزل أن أنا بحبها وأن لا بفكر أنتقم ولا أعمل فيها أي حاجة وحشة، وكل خوفي أنها كانت تعرف بدافع جوازي منها في الأول عشان متزعلش. رفعت ميس رأسها عن صدر جدها وهي

تناظره بغيظ وقالت بامتعاض: –يعني أنت مش بتنكر أن ده اللي كنت بتفكر فيه أول ما اتجوزتني، وتنتقم من عيلتي ليه أصلاً؟ وأنت قولتلي أن عيلتك وعيلتي أصحاب من زمان، إيه بقى اللي حصل عايزة أفهمه. تنف بها عمران بثقة: –لأ مش هنكر بس جايز كان كل ده ستار على السبب الحقيقي وهو أنك كنتي حبي من أيام طفولتي، وموضوع الخلاف بين العيلتين كان سوء تفاهم وراح لحاله وبلاش نفتح في مواضيع توجع دماغنا كلنا.

استمر النقاش بينهم وقتًا طويلاً، فشعور رياض بالإرهاق يتزايد من كثرة تلك العقبات والعراقيل، التي تعترض طريقهم بتلك الأونة، ولكن استطاع فض الجلسة بقرار عودة ميس مع زوجها لمنزله، وأن يحاول عمران جعلها تسامحه، فإن كانت ميس قبلت بقرار جدها دون مناقشة، فهي من داخلها لم تكن تريد العودة معه بهذا الوقت، خاصة وأنها تشعر كأنها كالجدباء لا تفهم شيئًا من تلك الأسرار التي يحاولون التستر عليها ولا يجعلونها تعلم حقيقة الأمر بين العائلتين.

أخذت حقيبتها ووضعها زوجها بالسيارة وما كادت يده تلمس يدها، حتى نفضتها هي بجفاء، فيبدو أن مهمته بإقناعها ستكون شاقة، فلولا وجود معتصم معهم بسيارة واحدة، لكان تصرفه معها سيكون غير ذلك الهدوء، الذي يحاول أن يمارسه معها حتى لا تتفاقم الأمور أكثر. وصلوا ثلاثتهم للمنزل، فولجت ميس بتؤدة وقابلت ولاء التي رحبت بعودتها بحرارة على الرغم من عدم غيابها سوى بضعة أيام: –ميس الحمد لله أنك رجعتي معاهم، البيت ملوش طعم من غيرك. ابتسمت

لها ميس وردت قائلة بهدوء: –تسلمي يا ولاء، أخبارك إيه وأخبار النونو إيه؟ مسحت ولاء على بطنها بحركة دائرية وهي تقول بتفكه: –زي الفل يا حبيبتي وبيسلم عليكم نفر نفر.

ابتسمت ميس على قول ولاء الممازح لها، فبرؤية عمران لابتسامتها اطمأن قليلاً لحسن مزاجها، ولكن ما أن كادا معتصم وولاء يخرجان للحديقة، وصعدا هما الدرج حتى وصلا غرفتها، حتى ولجت ميس الغرفة وأغلقت الباب خلفها ومنعت دخوله، بل أنها هتفت به من خلف الباب، أن يبحث عن مكان آخر يقيم به، فهي وإن كانت عادت معه، فهي لن تسمح له بالاقتراب منها أو أن يقيمًا سوياً بغرفة واحدة، فألح بطرق الباب ومناداتها، إلا أنها لم تعره انتباهها، بل قامت بتشغيل الموسيقى بصوت عالٍ، حتى لا تستمع لصوته وتجد نفسها تخرج إليه وتراه يفرض هيمنته وسيطرته عليها.

*** أراد رؤيتها على وجه السرعة، فهاتفها بأن تقابله بتلك الشقة التي اعتادا أن يتقابلا بها، والتي يبدو كأنها وكر للخطط الشيطانية، فهو يمارس بها كل ما يمكن أن يفعله بشري من أمور الفساد والفسق، فهو جاحد بكل منطق، ولا يرى ما يردعه عن أفعاله.

فهي واحدة فقط استطاعت تقويم سلوكه قليلاً بتلك الأيام التي عاشتها بكنفه ألا وهي شقيقته الصغرى "حياء"، فبعد عودتها لزوجها وكأن تلك الطباع اللينة واللطيفة التي كان يظهرها لها، لم يعد لها وجود، وعاد لما كان عليه من أمور الفسق والفجور.

لم يطل المكوث ببيت عمه أدريانو، خاصة بعد علمه بما حدث بينه وبين ابنته بيرى، التي أطلقت عليه رصاصة بإحدى نوبات جنونها المفاجئ، فهو اطمأن أن أموره صارت بخير، ولا يحتاج سوى الراحة بفراشه عدة أيام ليلتئم جرحه، ويعود ثانية زعيم المافيا الدامي، والذي زرع به حب الانتقام، وجعله يفعل ما بوسعه للانتقام من تلك العائلة، التي يرى أنها هدمت حياته وحرمته من والديه وأشقاءه، وقضى حياته بأسرها يسمع بأمور القتل والدماء من عمه، ولم يحيا حياة طبيعية خارج نطاق دائرة الانتقام.

فأراد الاطمئنان عليه ثانية عبر الهاتف، إذ أخذ هاتفه الجوال من جيب بنطاله، وانتظر حتى جاءه الرد من عمه وهو يقول بصوت خشن: –أنت فين دلوقتي يا ديفيد؟ أجابه ديفيد وهو ينظر لانعكاس صورته بإحدى المرايا: –عندي مشوار مهم وهخلصه وهرجع على البيت. أنا اتصلت أطمن عليك وأخبار بيرى إيه دلوقتي؟ قال أدريانو بما يشبه الأمر:

–لسه زي ماهي وعايزك ترجع البيت وكمان تكلم حياء تيجي تشوفها، أظن هي هتسمع ليها وتخرج من الحالة اللي فيها، فاهمني يا ديفيد؟ نفخ ديفيد بملل ورد قائلاً باستياء: –هي حياء شغالة دكتورة نفسية يا عمي، بيرى لازم تتعالج نفسياً ودكتور نفسي يتابع حالتها أحسن ما تتجنن وتعمل في نفسها حاجة ولا تموت نفسها. رد أدريانو عليه لم يكن سوى صراخ: –اخرررس خاااالص ومش عايز أسمع منك كلمة تانية وتنفذ اللي قولتلك عليه فاهم.

انتهت المكالمة بعد صراخ عمه بوجهه، فإن كان مدين لعمه بأنه اعتنى به بعد موت والديه، فأوقات كثيرة يشعر بالضيق والاستياء منه، كأنه يدق بيده يريد تحريكه يمينًا ويسارًا، دون أن يملك الحق بالقبول أو الرفض. مرر يده على تلك المنضدة التي تراصت عليها كافة أنواع الأسلحة النارية، وأخذ سلاح متوسط الحجم، ورفعه بوضع الاستعداد كأنه بصدد إطلاق الرصاص منه.

وجد باب الشقة يفتح وتلج هي منه، فأول ما قابلها هو وقفته المتأهبة كأنه بانتظارها ليقتلها، فأزدردت لعابها بخوف: –إيه ده؟ أنت بتعمل إيه؟ ناوي تموتني ولا إيه؟ قهقه ديفيد على قولها، فخفض يديه وهو يقول بدهاء: –أقتلك إزاي بس يا حبيبتي، دا أنا كنت بتمرن بس، إن لو أنتي حبيتي تضحكي عليا أموتك بأي مسدس. أغلقت الباب خلفها بحدة، وخطت بخطواتها للداخل ووقفت أمامه، دفعته بصدره بقوة وهي تصيح به:

–وتقتلني ليه أنا بنفذ اللي بتقول لي عليه بالحرف الواحد عايزني أعمل إيه أكتر من كده؟ جذبها من شعرها وهو يكز على أسنانه بغضب: –فين اللي نفذتيه ده؟ مش شايف أي فايدة من وجودك في قصر النعماني لدلوقتي. خلصت شعرها من يده وارتدت بخطواتها قليلاً للخلف وهي تقول بامتعاض: –يعني كل الأخبار اللي بجبهالك عنهم دي مش كفاية؟

أنا خلاص قربت أبقى مرات راسل النعماني وهيبقى لي وضعي في القصر، مع أنه صعبان عليا لأن هو ما يستاهلش أي حاجة وحشة دا راجل بجد مفيش منه، وكفاية أنه منسيش أيام الطفولة وبيتعامل بكل أدب وذوق. لم يتركها تعدد مناقب راسل، إذا قبض على ذقنها بطريقة مؤلمة، فسكنت ابتسامة هازئة شفتيه وهو يقول بثغر ملتوي ساخر:

–أنتي مبسوطة أنه بيتعامل معاكي زي أيام الطفولة وبيتعامل بذوق، وياترى معاملته ليكي هتبقى إزاي لو عرف أنك مش "إيلين النعماني" أصلاً، وأن "إيلين النعماني" الحقيقية لسه عايشة في روسيا ومتجوزة وعندها أطفال. يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...