الفصل 44 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
19
كلمة
8,547
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

نسيت هى تماماً ذلك الأمر، فهى أتقنت دورها بدقة بالغة، حتى نسيت هويتها الحقيقية، وصار لديها اقتناع تام بأنها هى "إيلين النعماني"، حب طفولة ذاك الرجل الوسيم والجذاب، والذى استطاع تشتيت انتباهها عن مهمتها الأساسية، بأن جعل قلبها يخفق خفقات شاذة عن قواعدها الباردة.

فهى أخذت من المال الكثير من أجل تأدية ذلك الدور، ولم يكن يعنيها بالبداية سوى أن تنهي مهمتها على أكمل وجه، وتأخذ ما تبقى لها من النقود، فهى عملت مع ديفيد من قبل، بل إنها هي من كانت تستطيع تسهيل أمور عمله بصقلية نظراً لجمالها وفتنتها.

ولكن تهدم منطقها بتلك الأيام التي قضتها برفقة راسل بصفتها صديقة طفولته وحبه الأول، وباتت تصدق أنها هي حقاً إيلين وشعرت بما يمكن أن تشعر به إيلين الحقيقية، من عودتها للإسكندرية وتجد حبها الأول قد نسيها تماماً، بل أنه صار عاشقاً لأنثى أخرى. "وإيه اللي هيخلي إيلين النعماني الحقيقية ترجع من روسيا دلوقتي؟ ياريت متبوظش المهمة بجنانك ده." ربت على خدها عدة مرات متتالية، كأنه يصفعها بخفة، وقال بثغر ملتوي: "مبوظش المهمة!

هو أنتي حبتيه ولا إيه يا قطة؟ أزاحت يده عن وجهها، وردت قائلة بضيق: "بطل جنان، حب إيه وبتاع إيه." حاولت أن تزوغ بعينيها عن مرمى بصره، ولكن فشلت بذلك في النهاية، إذ عاد يقبض على ذقنها بإحكام وهو يقول بابتسامة بشعة:

"شكلك فعلاً حبتيه، بس اللي متعرفوش يا حلوة أنه بيحب أختي وهيموت عليها، وهي كمان بتحبه. الصراحة هي كل اللي يعرفها لازم يحبها، ليها سحر على كل اللي حواليا، لدرجة أنها لما سابتني ورجعت لجوزها، رجعت لفكرة الانتقام تاني، بعد ما كنت اكتفيت بوجودها معايا، مقابل أن أسيب جوزها وأهله في حالهم، بس هو اللي دماغه ناشفة، ومقدرش على بعدها وأخدها غصب عن الكل، ومفيش واحد يعمل كده إلا إذا كان بيحب وبيعشق." غلت الدماء بعروقها،

فردت قائلة بغيرة واستياء: "وفيها إيه أختك زيادة عني؟ دا أنا حتى أجمل وأحلى منها، فيها إيه يعني عشان راسل يحبها كده وهيموت عليها بالرغم من اللي بتعمله فيه؟ أجابها بتفاخر: "ما قولتلك ليها سحر خاص، زي عطر الياسمين، اللي بمجرد ريحته ما تنتشر في المكان بيعمل حالة من السعادة والهدوء." رفعت حاجبيها بدهشة من إشادته بشقيقته، فلو كانت لا تعلم خير العلم أن حياء شقيقته، لكانت أيقنت أنها فتاة وقع هو صريع غرامها منذ أن رآها. ضمت

ذراعيها وهى تقول بغرابة: "يا سلام! دا اللي يسمعك بتتكلم كده يقول كأنها واحدة وقعت في حبها مش واحد بيتكلم عن أخته." عبس بوجهها ورفع شفته العليا وقال: "هو حرام إن أحب أختي؟ مش كفاية اتحرمت من بابا وماما واخواتي ومفضلش حد غيره." ردت قائلة بسخرية: "وهو اللي يحب أخته يبقى عايز يخرب بيتها وكمان يخلي جوزها يتجوز عليها وينكد عليها عيشتها؟ حب إيه ده اللي بتتكلم عليه يا ديفيد؟ كسا الحنين صوته على الرغم من عبوس وجهه،

وطفق يقول بحنان:

"أنتي أصلاً متعرفيش حياء كانت إيه بالنسبة لبابا وماما من ساعة ما اتولدت، هم كانوا طايرين من السعادة، لأنها كانت البنت الوحيدة، وكمان متعرفيش أنا كنت بحب بابا وماما قد إيه، علشان كده لما عرفت أنها عايشة، كأن جزء من روحي ودمي رجعوا ليا تاني، وقولت أنها من ريحتهم وهتقدر تعوضني إحساس إني عشت من غير أهلي، وأنا مش عايز أخرب بيتها ولا حاجة، أنا بس عايز أشفي غليلي من عيلة النعماني، بس مش هموت حد فيهم، هو بس هحاول أخربلهم شغلهم، يعني لو في صفقات أضيعها عليهم، لو في أي مشاريع جديدة ليهم أحاول أمنعها."

وضعت شعرها خلف أذنها وهى تقول بريبة: "طب ما كان عمك أدريانو موجود هو وبنته، وهم برضو أهلك، ليه بتقول أنك عشت محروم من أهلك؟ عاد ينظر للأسلحة النارية مرة أخرى وهو يقول كأن الأمر لا يعنيه: "مش هنكر أن عمي أدريانو هو اللي أخد باله مني، بس ده كله عشان مصلحته في الآخر، عشان يلاقي وريث لزعامة المافيا بعد منه." عقدت حاجبيها وتساءلت: "طب عمك متجوزش ليه تاني بعد مراته وخلف وريث له بدل ما تبقى أنت وريثه؟

حاجة غريبة يعني أن واحد زيه ومفكرش يعمل كده، أكيد في سر في الموضوع." حمحم ديفيد يحاول أن يجلي صوته، أو أن حنجرته بها شئ عالق يريد إزالته ليستطيع أن يتكلم، فهتف بها بما يشبه الأمر: "متسأليش في اللي ملكيش فيه وخليكي في حالك وتنفذي اللي بقولك عليه وبس يا حبيبتي عشان مزعلش منك وزعلي وحش." رفع وجهها وردت قائلة بهدوء: "أوامرك، عايز مني إيه تاني؟ عايزني أعمل إيه الخطوة الجاية؟

اقترب من منضدة أخرى تراص عليها زجاجات الخمر، فسَكَب بكأسه مشروب النبيذ الأحمر المفضل لديه ولدى عمه، بل أن أدريانو يملك مصنع لصنع ذلك النبيذ الفاخر. دفع السائل بجوفه دفعة واحدة، ثم عاد ينظر لها قائلاً: "خليكي ماشية على الخطة اللي رسمتهالك، لا تزودي ولا تجودي من عندك، وأحسنلك تشيلي فكرة حبك لراسل دي من دماغك، ماشي؟ عشان الحب لما بيدخل في موضوع، مبيبقاش في عقل نفكر بيه، فهمتيني يا حبيبتي؟ أنا بس خايف عليكي."

عندما عاد يسكب النبيذ في كأسه مرة أخرى، أخذته هي تلك المرة، فحركت السائل داخل الكأس وهى تبتسم وتقول بخبث: "أنت مش عايز تنتقم من العيلة دي وكمان عايز أختك تفضل معاك، خلاص خليني أنا آخد راسل وتبقى واحدة قصاد واحدة، وبكده هبعده عن حياء، وهي مش هتستحمل أنه يتجوز عليها وهتلاقيها راجعة تعيطلك وتقولك خلاص مش عايزاه." قهقه ديفيد بصوت مسموع، مما أثار تعجبها، فرد قائلاً بثقة:

"هو أنتي مفكرة أن حياء هتسيبهولك كده بسهولة، أو أنها خلاص هتشوفه بيتجوز عليها وتسكت؟ يبقى لسه معرفتهاش. أنا بالرغم من المدة القصيرة اللي كانت موجودة فيها معايا قدرت أعرف جوزها إيه بالنسبة لها، وزي ما قالتهالي مرة أنه راسل بالنسبة ليها زي الهوا اللي بتتنفسه."

ألقت الكأس من يدها على الأرضية الرخامية، فتحطم شر تحطيم، وسال النبيذ الأحمر على الأرض، أشبه ببقعة الدماء الكبيرة، فهي لا تريد سماع أي كلمة أخرى منه، خاصة وأنه محق بشأن حياء من كونها لن تتركها تنعم بالحصول على راسل، حتى وإن قالتها مرة من منطلق غيظها، بأنها ستتركه لها، ولكن حالة العداء والتحدي الذي أعلنتها حياء عليها، جعلتها تدرك أنها لم تكن تعني ما تقصده، خاصة وأنها الآن بدأت الأمر بحرمانها من أن تقترب من الصغيرة، والتي تعلم هي أنها مفتاح قلب أبيها.

عندما أصاب ديفيد السأم منها ومنما فعلته، عاد ثانية يشدد أوامره بأن تقلع عن التفكير في الحب أو محاولتها أخذ دور آخر لم يكن ينتوي أن يتركها تأديه: "مش هقولهالك تاني لأن قربت أزهق من كتر التكرار، قولتلك أن مهمتك تنحصر في أنك تجبلي أخبار عن اللي ساكنين في قصر النعماني، وكل صغيرة وكبيرة تعرفيها يكون عندي علم بيها، فاهمة؟

لأن أول ما مهمتك تخلص أنتي هتختفي من حياتهم زي ما دخلتي، وأنتي أكتر واحدة عارفة عملنا إيه عشان تقدري تدخلي البيت."

فهو فعل المستحيل من أجل أن تلج ذلك القصر، معتمداً على أن إيلين الحقيقية، انقطعت أواصر العلاقة بينها وبين العائلة بالإسكندرية، منذ أن سافرت لروسيا، نتاج زحام الحياة، وأنها لم تعود لموطنها منذ أن كانت بالسابعة من عمرها تقريباً، فكل الأوراق بحوزتها تثبت أنها هي "إيلين النعماني"، فالأمر كلفه الكثير من التفكير والجهد.

بعد خروجها، أخذ مفتاح سيارته وخرج من الشقة، كان بنيته العودة لمنزل عمه، ولكنه انحرف بمسار السيارة وقادها حتى وصل لوجهته، التي حاول مراراً أن ينفض عن عقله أمر الذهاب إليها، فظل قابعاً بسيارته وقت لا بأس به، ينتظر خروجها بالشرفة، أو رؤيتها بالشارع. فأطلق نهته عميقة وهو يتمتم بهمس: "أنتي فين يا ملاكي؟

ما كاد يختم عبارته، حتى رأها تخرج للشرفة واقتربت من القفص المعدني الموضوع به عصفوران صغيران، فظلت تضحك وهي تداعبهما كأنهما صديقاها، بل وأنها تتحدث معهما كأنهما سيجيبان على ما تقوله. إنه لضرب من الجنون بل من المستحيل، أن ذلك العشق الذي حاول تحريمه على شقيقته، وجد نفسه غارقاً به. لمن؟

لفتاة مسلمة ومحجبة، لم تكن من عقيدته ولا ديانته، ولا يمكن أن يلتقي طريقهما سوياً، ولكن منذ أن رآها أول مرة صدفة وهى تطعم العصافير بالشرفة، وهو طار صوابه لرؤيتها، وكلما حاول إقناع نفسه بأنه يتوهم هذا الحب، وأنه لابد من أن يقلع عن التفكير بالأمر، يجد نفسه كل ليلة يأتي لهنا حتى يراها صدفة، فهو حتى لا يعرف من تكون سوى أن اسمها "ياسمين"، كأنه أراد أن يجعل كل شئ خاص بها مجهولاً بالنسبة له، حتى لا يزداد تعلقه بها.

فكيف حدث كل هذا؟ ظل يسأل نفسه بإلحاح، فهو لم يترك معصية إلا وفعلها، فهو عابث وفاسق وماجن، لم يرى رادع له، سوى بعض النصائح من شقيقته حياء، ولكن أن ينبض قلبه لفتاة مثلها، وهو يتبع ديانة أخرى غير ديانتها، ويعلم أنه من المحال اجتماعهما سوياً، لهو بالأمر العجيب، بل سيكون وقعه أشد غرابة إذا سمعه أحد يقول أنه وقع بعشق فتاة مسلمة يجهل من تكون؟

أو أنه هو من أراد جعل الأمر مجهولاً له، فربما يستطيع قمع ذلك الحب، قبل أن يتمكن منه أكثر، ويجد أنه من المحال الإقلاع عنه.

فعندما كان يشيد بأخلاق حياء كانت صورة تلك الفتاة ترافقها، فهما تشبهان بعضهما البعض من حيث البراءة وارتداء الثياب المحتشمة والحجاب الذي يزيد من بهاء وجهيهما، ومن حيث تأثيرهما على الوجدان، ولكن لم يكن سيصرح بأن من خصها بأنها تشبه عطر الياسمين هي تلك الفتاة، وستكون هي ذنب آخر يضاف لقائمة ذنوبه التي لا حصر لها، ولكنها ما أجمله من ذنب! أن تكون تلك الفتاة هي ذنبه الذي لن يغفر له أبداً. ***

زرعت غرفتها ذهاباً وإياباً وهي تفكر في وضعها الحالي، فلا شك فيه أن ربما راسل سيأتي لغرفتها الآن، فميس عادت مع زوجها، وانتهت الجلسة، وهو قد أخبرها بشأن مبيته لديها الليلة، ولكن كان عرضه أشبه بعرض السلطان، الذي يخبر إحدى جواريه بأنها ستكون الليلة من نصيبه، فعندما تقنع عقلها بمسايرته بمطلبه حتى تنتهي تلك الليلة، يعود عقلها وكبرياؤها يصفها بالسخافة بأنها سترضخ له بالأخير، وربما سيمارس عليها إحدى خدعه وبعد أن تبدي موافقتها له، سيتركها مثلما فعل قبل ذلك عدة مرات، فهو صار متمكناً من أن يصل بها لأقصى درجات الأحلام والأمنيات، ويتركها تسقط ببئر اليأس بالأخير.

ولكن هي من بدأت هذا الأمر معه من البداية، ولكن لم يكن بتلك الطريقة التي تؤذي المشاعر وليدة اللحظة العاطفية بينهما. فحكت ذقنها وقالت بتفكير: "طب أعمل إيه أنا دلوقتي؟

لم يدم تفكيرها طويلاً، إذ وجدت باب غرفتها يفتح ويلج منه راسل بثياب تشبه تلك الثياب التي يمكن أن يرتديها وهو يتنزه أو يتسكع على الشاطئ، والتي اقتصرت على سروال قصير يصل لركبتيه وقميص خفيف قام بثني أكمامه أعلى مرفقيه، وترك الأزرار الأولى مفتوحة، ربما بشكل سافر وزائد عن اللزوم، فهو ربما لم يغلق سوى زرارين أو ثلاثة فقط من قميصه. فتحت فمها بدهشة وعيناها تقيمه من رأسه لأخمص قدميه، فهل رآه أحد وهو يسير هكذا بالمنزل؟

فهو كاشفاً عن عضلات صدره الصلب، كأنه لاعب من لاعبي المصارعة. فقالت وعيناها مازالت تتفرس به: "أنت ماشي ليه كده فاتح قميصك بالمنظر ده وهو في حد شافك وأنت كده؟ أراد زيادة دهشتها أكثر، ففتح ما تبقى من أزرار قميصه وهو يقول بعدم اكتراث: "تقريباً كل اللي في البيت ناموا، وأنتي مش غريبة يا روحي عشان تشوفيني كده، أنتي مراتي ولا تكونيش نسيتي الموضوع ده؟ رمقته وهى تقول بابتسامة سخيفة:

"راسل يا حبيبي، أنت جايب البرود بتاعك ده منين؟ وضع يديه بجيب سرواله ورد قائلاً بابتسامة أشد سخافة: "من عند بتاع البرود يا أم دم خفيف، تحبى أجبلك شوية؟ خطت بخطواتها تجاهه ورفعت سبابتها تمررها على وجنته وهى تقول بمشاغبة: "كفاية أنت عليا يا حبيبي، برودك مكفي وزيادة شوية كمان."

أخرج يديه من جيبه وطوقها بهما ليقربها منه أكثر، فأراد زيادة توترها الذي بدا جلياً على وجهها الذي اصطبغ بحمرة قانية، كأن تلك هي المرة الأولى التي يضمها بها، وهذا ما يجعله مفتون بها، فكل وصال بينهما كأنه الأول. مرر أنفاسه على وجهها وهو يقول بصوت خافت: "حابب نقضي وقتنا على البحر، الجو النهاردة جميل، وتخيلي أنا وأنتي والقمر والبحر، أظن مفيش أحلى من كده رومانسية." تلاحمت حاجبيها قائلة بتساؤل وغرابة: "نروح البحر دلوقتي؟

سارت أنامله من منبت شعرها حتى وصلت لأطرافه وهو يقول بحالة أقرب للإنتشاء: "أيوة عشان أنا مسافر بكرة آخر النهار إن شاء الله وعايز آخر حاجة أكون فاكرها هو الوقت اللي قضيته معاكي." أجفلت قليلاً بعد سماعها بشأن سفره، فهي ليس لديها علم بهذا الأمر، فرفعت وجهها تنظر له بتمعن متسائلة: "مسافر! مسافر فين؟ وليه أنا معرفش أنك مسافر إلا دلوقتي؟ أرادت أن تنسل من بين ذراعيه وتهرب من حصاره لها، إلا أنه أحبط محاولاتها بالابتعاد،

فأجابها بهدوء: "مسافر عشان عندي مؤتمر طبي مهم." "مؤتمر طبي! إزاي وأنت موقوف عن العمل؟ قالت حياء عبارتها وأنتظرته يجيبها على ما سألته إياه. فابتسم لها ابتسامة ذات مغزى وهو يقول بجدية: "ماهو ده أحد فوايد اسم النعماني واللي ممكن يعمله، خلاص قرار وقوفي عن مزاولة مهنتي اتلغى والمستشفى كمان رجعت، أنا بس اللي مش حابب حاجة تشغلني عنك يا روحي."

ختم حديثه بهجومه المفاجئ لعناقها، فهو أصبح لديه قدرة عجيبة على تغيير دفة الحديث ومسار الأمر بينهما، وتلك النزهة التي اقترحها عليها منذ دقائق، جعلتها تعلن موافقتها بدون تردد أو اعتراض.

أخذها من يدها وخرج من الغرفة وهبطا الدرج، فوجدته يتركها وذهب لجلب سلة طعام وسجادة صغيرة، وعاد إليها ثانية، فهي تسير معه كالمنومة مغناطيسياً لا تفعل شيئاً سوى ما يخبرها به، فطمأنها أنهما سينعمان بخلوة خاصة بهما على الشاطئ الخاص خلف القصر، ولا يمكن أن يتلصص أحد عليهما بذلك الوقت، فهو شدد أوامره لرجال أبيه، بعدم الاقتراب من المكان الذي سيقضيانه به وقتهما. "إحنا كده وصلنا صح؟

قالتها حياء وأحست بارتياح شديد عندما بلغا الشاطئ وأخذا يسيران معاً فوق الرمال، فالليل رائع البهاء والجمال، وأمواج البحر العاتية تندفع نحو الشاطئ لتغمره بزبدها الأبيض، وبدت أشبه بشرائط فضية على امتداد الرمال والصخور الصغيرة التي غرقت في ضوء القمر الساطع. أجابها راسل وهو يحرك رأسه بالإيجاب: "أيوة خلاص وصلنا. إيه رأيك في المكان؟

بسطا السجادة الصغيرة وسلة الطعام، وجلست حياء على الطرف مقابل له، أحست أنها أشبه بزهرة تفتحت وازدادت نضجاً وجمالاً، فمعه هو لا تعلم سر ذلك الشعور الذي يسيطر على حواسها كافة بأنها أجمل النساء، فربما ذلك عائد لإطرائه الدائم لها ولجمالها حتى وإن كانت لم تكن بفتنة وجمال نساء أخريات، كتلك التي تسمى خطيبته الآن. عندما أحست بأن مزاجها سيتعكر صفوه لتذكرها إيلين، ردت قائلة بإلحاح: "جميل أوي لدرجة أن عايزة أعوم دلوقتي بس...

تذكرت أنها لم تجلب معها ثوب للسباحة، فوجدته يخرج أحدهما من حقيبة جلبها مع سلة الطعام، فناوله لها وهو يقول بمكر: "أكيد هيبقى تحفة عليكي وأنتي عارفة ذوقي." أخذت منه الحقيبة ونظرت بداخلها فوجدت ثوب سباحة باللون الوردي، وأشار إليها بأن تذهب لارتداءه بذلك المكان الذي يشبه المقصورة، والذي تم بناؤه من أجل من يرتاد الشاطئ، لأخذ حريته بتبديل ثيابه.

ولجت حياء لداخل المقصورة، وجدتها كإحدى غرف القصر، من حيث الأثاث والمفروشات الفاخرة، فراسل يبدو عليه أنه لم يغفل عن شئ لقضاء ليلته برفقتها.

انتهت من ارتداء ثوب السباحة وخرجت إليه، فنهض من مكانه وأمسكها من يدها ثم انطلقا معاً إلى البحر، حيث يلهوان ويسبحان في الماء البارد حتى ابتعدا قليلاً عن الشاطئ وسط السكون الشامل الذي يملأ جنبات الليل، لا تسمع شيئاً سوى أنفاسهما، وهما يحاولان التقاطها، بعد جولة من السباحة، فتركته يحملها بين ذراعيه ووضعت يديها حول عنقه وهو يدور بها في الماء، فتعالت أصوات ضحكتها وتجلت سعادتها على وجهها، كأنها نسيت كل شيء فجأة، وعادت مرة أخرى من غير هموم وعادت الزوجة العاشقة لزوجها الطبيب الوسيم، فبعد انتهاء لهوهما خرجا من البحر ووصلا لمكان جلوسهما.

أخرجت الطعام الموجود بالسلة وظلت تلتهمه بشراهة، فقالت وفمها مملوء: "لأ بجد دا أحلى يوم في عمري." أزاح خصلة رطبة من شعرها عن جبهتها وهو يقول بدهاء: "النهاردة بس اللي أحلى يوم في عمرك؟ حركت رأسها نافية وهى تقول بحب: "لأ الصراحة كل يوم عدى عليا وأنا مراتك كان أحلى يوم في عمري، ما عدا طبعاً الأيام اللي من ساعة ما جيت هنا القصر وأنت عمال تحرق في دمي."

وجدتها فرصة سانحة للتحدث معه بشأن فض تلك الزيجة، التي لن تتركه يكمل بها سواء كان ذلك بموافقته أو رفضه، ولكنها فضلت اللين حتى لا يتشدد برأيه. ناشدته بصوتها الناعم وهي مستطردة: "راسل أرجوك بلاش الجوازة دي، أنا مش هستحمل أنك تتجوز عليا." حدق بوجهها قائلاً بتحدي: "مش عايزاني أتجوز عليكي؟ تقوليلي كل اللي أنتي مخبياه عني وتحكيلي كل اللي حصل بالتفصيل من ساعة ما حبيتي تمثلي عليا أنك خلاص مش عايزة تعيشي معايا."

فهو يخيرها بين أمرين، إما زواجه أو أن تخبره بما تخفيه عنه، ولكنها أرادت كسب المزيد من الوقت إذ قالت برجاء: "طب أجل موضوع الجواز ده شوية بس، وساعتها هقولك على كل حاجة." حرك رأسه بعنف رافضاً مطلبها، فحول بصره عنها وهو يقول كمالك زمام الأمور:

"مش هستنى يا حياء، ولحد بقى ما تقرري تقولي اللي عندك هتجوز إيلين، ومتخافيش هعدل بينكم، أنتي 3 أيام وهي 3 أيام، واليوم السابع هريح دماغي منكم انتوا الاتنين، ماهو لازم برضو آخد أجازة."

فاضت عيناها بالدموع وقفزت على قدميها لتنطلق تعدو نحو البحر ثانية، يدفعها شعور التعاسة الذي غمر قلبها، هناك في البحر سوف تدفن آلامها ويأسها من إقناع راسل بالتخلي عن تلك الزيجة، ولكن كان متيقظاً تماماً حتى أنه حدس ما كان يدور في ذهنها، فمد يده وامسك كاحلها، فسقطت على الرمال منبطحة على وجهها، طرحها على ظهرها، ليتسنى له النظر في وجهها بتمعن، ولكن شعرت بالنفور منه فجأة، وأرادت الفرار من حصاره، فرفعت ساقها وضربته بمنتصف معدته، فتأوه وأرخى يده عنها.

تتابعت أنفاسها وهى تقول بشماتة: "أحسن تستاهل، عايز تتجوز عليا يا خاين." بلمح البصر نهضت وفرت هاربة تجاه المقصورة، فركض خلفها وهو يتوعدها أشد الوعيد على فعلتها: "صبرك عليا يا حياء، أما أوريك جنانك ده." وصلت للمقصورة وولجت للداخل، وكادت تغلق بابها، فوجدته يضع يده بشق الباب، فظلت تدفعه بكل ما أوتيت من قوة. فصرخ بها بحنق: "افتحي الباب يا حياء، أحسن ليلتك مش هتعدي النهاردة."

لم تستمع لقوله، بل اقتربت بفمها من ظاهر يده وقضمته بغيظ، فكأنها أيقظت قوة وحش ثائر، إذ ركل راسل الباب بقدمه وكاد يحطمه. فرت هي هاربة لأقصى طرف بالمقصورة، فهتف بها من بين أسنانه: "إيه اللي عملتيه ده كله والجنان بتاعك ده؟ "هو أنت لسه شفت جنان؟ صبرك عليا."

قالتها وهى تلتفت يميناً ويساراً وكلما وجدت شيئاً بجوارها تقذفه به، فغضبها واستياؤها وصل لذروته ولم تعد تدري ما تفعل، ولكن مع التقاطها لإحدى المزهريات، كان قابضاً على يدها بين كفه يكاد يسحق عظامها. فصاحت به بشعور قوي بالألم: "إيدي هتتكسر، سيب إيدي." أفلت يدها ولكن قبض على مؤخرة عنقها، فقال من بين أسنانه بغيظ: "أنتي هتتعاقبي على كل اللي عملتيه ده يا روحي."

أدناها منه، حتى صارت ملتصقة به، فبدأ وصالها وهى تحاربه بكل ما لديها من قوة، ولكن استطاع السيطرة على لبط قدميها، ولكن يداها محرتان تدفعه بهما كيفما تشاء، ولكن كأنها تحاول إزاحة أو زعزعة جبل من مكانه، فوجدت أن الأنسب والأسلم لها حتى لا ينتهي الأمر بالمزيد من إيذائها، أن تهدأ وتكف عن دفاعها المستميت.

فصارت بين يديه كقطعة من الثلج، أو تمثال من الشمع لا حياة به، تنظر له كأنها تراه من مكان بعيد يحاول أن يقضي وقتاً ممتعاً مع شبح يشبهها كثيراً. "حياء بلاش طريقتك دي، فاهمة؟ صرخ بوجهها وهو يراها بين يديه أشبه بالجثة، تتركه يفعل ما يفعله ولا تبدي رفضاً أو قبولاً، كأنها صارت دمية فجأة. ردت قائلة بصوت بارد خافت، كأن لم يعد لديها القدرة على الكلام: "مش أنت عايز كده؟

أنا قدامك أهو أعمل اللي أنت عايزه يا راسل، ومش همنعك ده حقك، بس متطلبش مني أن أكون حابة اللي بيحصل ده، فكمل اللي عايز تعمله." أغمضت عينيها وسالت دموعها على جانبي وجهها، فبأسوأ مواقفهما سوياً لم يحدث بينهما شئ كهذا، أن يأخذها عنوة فارضاً هيمنته دون مراعاة مشاعرها كأنثى لا تريد سوى الحنان والدفء والعطاء المتبادل بالعلاقة الزوجية القائمة بينها وبين زوجه.

مد يده ورفع تلك القلادة الموضوعة حول عنقها، فهو لم يراها من قبل، فالقلادة تحمل صورته وصورة صغيرته، فتحت هي عينيها عندما شعرت بسكونه، فوجدته يحدق بالقلادة. سحبتها من بين يده وقبضت عليها بكفها وهى تقول بقهر: "سيبلي صورة حبيبي اللي مفكرش مرة أنه يأذي مشاعري بالشكل ده." استطاعت لمس مشاعره بهمسها المقهور، فأدنى بوجهه منها هامساً بإحدى أذنيها: "حبيبك لسه هنا وأنتي اللي مصرة تضيعه وتخسريه."

أراد الابتعاد عنها، ولكن أبدى اعتذاره بقبلة وضعها على جبينها، قبل أن يتركها بصورة نهائية، ترك مكانه ووقف أمام النافذة الصغيرة يحاول التقاط أنفاسه، يفكر فيما حدث بينهما منذ لحظات، فهو في حياته بأسرها لم يرغم أنثى على أن تتقبل وجوده بحياتها، بل كان دائماً ما يحكم سيطرته على مشاعره حتى وإن ثارت للود كما حدث له منذ قليل، رفع أصابعه يتحسس تلك الخدوش التي أحدثتها أظافرها على صدره وهي تحاول أنه يجعله يطلق سراحها.

فكيف وصلا إلى هذا الحال؟ يريدها وهي ترفضه، يقدم على وصالها وهي تحاربه، صارت حياتهما سوياً محصورة بين إقدام من جانبه وإحجام من جانبها، فلما معها تتهدم كل معاييره، فلو كانت أنثى غيرها، لم يكن سيشكل ذلك فارقاً معه، فأي سحر تملكه وسلطته عليه حتى تجعله وهو الذي كان يطلق عليه الجميع "البارد ذو المشاعر المتبلدة" بأن يتلهف لقربها بل يشعر أحياناً بأن حنينه إليها سيقتله بوقت من الأوقات.

شعر بدفء فجأة وهو يراها تقف خلفه وتلف ذراعيها حوله وتضع رأسها على ظهره، فسمع نشيج صوتها وهي تقول بصوت متحشرج: "أنا آسفة على كل حاجة وجعتك، عارفة أن عمايلك دي من يأسك من تصرفاتي معاك، بس آه لو تعرف أنا بحبك قد إيه يا حبيبي وبخاف عليك." توقة هي لأن تبكي على صدره، فالضغط أصبح لا يطاق، مشتتة بين واجبها وعشقها، فلو أخلت بأحدهما ستهدم الآخر، ولكنها تلتمس له العذر على أفعاله اليائسة حد الموت من أفعالها.

استدار إليها فتركها تفعل ما تفعله دون محاولة منه أن يصدها أو أن يمارس معها ألاعيبه الباردة، فسالت دموعها على صدره وهي واضعة رأسها موضع قلبه الخافق برتابة، وبعد اكتفائها من البكاء وربت عليها ليجعلها تهدأ، أخذت يده تقبل باطنها بعشق جارف، ومررتها على وجنتها، تتلمس منه الحنان والعطف.

فهي تعود من جديد، تلقي بشباكها وما عليه سوى ابتلاع الطعم كالعادة، كأنه حقاً يمتلك ذاكرة تشبه ذاكرة السمك، التي وإن فر هارباً من شباك الصيد، ينسى الأمر سريعاً ويعود لما كان عليه، ويلقي بنفسه بالهلاك.

ولكن أن يهلك هكذا وينغمسا سوياً بأنهار من الحب والغرام، لهو هلاك وعذاب محبب للنفس العاشقة، فما كان من أمرها منذ دقائق من محاربة وقتال ونفور، صار الأمر كأنه عزف نغمة هادئة تأسر الحواس، ليلة ملحمية أخرى تضاف لمصاف ليالي الغرام خاصتهما، ليلة امتزج بها البحر والقمر والعشق بعروقهما، وليلة أسر بها الفارس المغوار صبيته الحسناء. ***

ضمت ساقيها ولفت ذراعيها حولهما، وهي تنظر لصديقتها بتيه كأنها أصابها الخرس فجأة، فعادتها للمنزل بعد غياب دام عدة أيام، لم يكن والدها يمررها لها بتلك السهولة، خاصة وأنه بعد غيابها ذهب لقسم الشرطة وأبلغ عن فقدان نجلته الكبرى بعد خروجها من المنزل، فعندما رآها أمام باب الشقة، لم تكن قدماه تسعفه بالوقوف، إذا ارتجفتا فجأة كأنهما رخويتان، فأسرعت هي وزوجته بإسناده قبل أن يسقط أرضاً، وبعد مرور تلك اللحظة الصادمة برؤيته لها ثانية، أمعن بها النظر جيداً، فتلك ليست ثيابها، ويبدو عليها كأنها كانت بنزهة وعادت لتوها، وكان ذلك أدعى بأن يوسوس له الشيطان، من كون أن ابنته ربما فرت من المنزل بإرادتها الحرة، وربما فرت أيضاً من أجل شاب كان يريد إغواءها.

بدأ الحديث معها بلين في البداية، وسرعان ما أنهال عليها ضرباً حتى كادت تعود لتلك الحالة الصحية المزرية التي كانت عليها عندما تم إنقاذها، فمن أنقذها من يده بصعوبة هي زوجة أبيها، فأمر بحبسها داخل غرفتها لحين إفشائها باسم من حرضها على الهرب مثلما وضع باعتقاده. سحبت صديقها يدها لتحاول جذب انتباهها وتطرد عنها تلك الحالة من الشرود، فهتفت بها بلطف: "سهى اتكلمي بقى وقولي إيه اللي حصل، بقالي ربع ساعة قاعدة ومنطقتيش بكلمة."

شهقت سهى ببكاء وهي تقول بحزن: "عايزاني أقول إيه؟ ليه محدش مصدقني أن كنت فعلاً مخطوفة وواحد أنقذني؟ والله العظيم هي دي الحقيقة، أنا معملتش حاجة غلط زي ما بابا مفكر، والله ما عملت حاجة غلط." جذبتها صديقتها وطوقتها بذراعيها وقالت في محاولة منها لتخفيف شعورها بالألم النفسي: "حبيبتي أنا والله مصدقاكي، بس احكيلي على اللي حصل بالظبط."

ابتعدت سهى عنها قليلاً، وبدأت بسرد القصة كاملة منذ بداية خطفها حتى تلك اللحظة التي تعيشها، فتعبير وجه صديقتها المصدوم، لم يكن بأقل من صدمة أبيها وزوجته، عندما قصت لهما ما حدث لها، فظن أبوها أنها تسرد له قصة أحد الأفلام الأجنبية المغرمة هي بمشاهدتها. فختمت حديثها: "مش مصدقاني أنت كمان صح؟ وشك بيقول كده، هتعملي زي بابا وتفتكري أن بحكيلك قصة فيلم أكشن؟

هزت صديقتها رأسها بعنف، لتنفض عنها تلك الحالة من البلاهة والبلادة التي تلبستها فجأة، فقالت وهي تحاول أن تبتسم: "لأ أبداً والله مصدقاكي، بس دي حكاية ولا في الخيال، وكمان اللي أنقذك هو الشاب اللي كسرتيله إزاز عربيته وكمان حكتيلي أنك قابلتيه في مستشفى وشتمتيه، باين عليه شهم." "دا قليل الذوق وكمان مدمن مخدرات."

قالتها سهى بامتعاض وهي تتذكر آخر مرة رأته بها، عندما قام بجعلها تترك منزله بحالة أشبه بالطرد، كأنه كان يعتني بقطة شريدة وسأم منها فقام بطردها، كأنه نسي فجأة لما أتى بها لبيته. وضعت صديقتها يدها على فمها وهي تردد بصدمة: "مدمن مخدرات؟ يالهوي! سهى أوعي يكون عمل فيكي حاجة، قولولي أنا صاحبتك وأختك وحبيبتك." تركت سهى الفراش وهي تتمتم بغيظ: "معملش حاجة والله العظيم، أنا زي الفل."

سئمت من تكرار هذا الكلام، ولكنها تلتمس لهم العذر، فأي أحد ربما سيتهمها بتأليف تلك القصة، خاصة بعد عودتها بسيارة فارهة وثياب أنيقة. سمعا صوت طرق على الباب، فقالت سهى وهي تنظر من النافذة: "ادخل." انفتح الباب وظنت أن القادم زوجة أبيها، ولكنها كانت مخطئة بظنها، إذ سمعت صوت والدها يهتف بها بخشونة: "سهى تعالي عمك وابنه جم من البلد برا وعايزين يشوفوكي."

أجفلت سهى من قول أبيها، فدارت على عقبيها ونظرت له بعينان متسعتان، تخشى أن ينفذ أبوها تهديده السابق، من أن يجعلها تترك دراستها بل والأدهى من ذلك وأمر، هو تخطيطه لزواجها من ابن عمها. تهدل ذراعيها بجانبها وقالت بريبة وشك: "وهو عمي وابنه إيه اللي جابهم دلوقتي يا بابا؟ خير مش عوايدهم يعني يزورونا، إحنا مش بنشوف حد منهم إلا كل سنة مرة."

ربما يجب عليه أن يكن أكثر حكمة بهذا الوقت، خاصة أن ابنته ليست بمفردها ولكن صديقتها تجلس معها، فرد قائلاً بهدوء: "وفيها إيه يعني لما أخويا وابني يجوا يزوروني؟ إلبسي هدومك وحصليني على بره." خرج والدها وأغلق الباب خلفها، فحدقت بصديقتها، بل ولطمت خديها أيضاً وهي تقول بخوف:

"شوفتي، أكيد عمي وابنه جايين عشان حاجة، مصيبة ليكون بابا ناوي ينفذ تهديده ويخليني أتجوز ابن عمي ومكملش دراستي بعد اللي حصل، أعمل إيه ردي عليا أعمل إيه؟ وقفت صديقتها أمامها واحتضنتها تحاول أن تهدأ من روعها، ولكن كأن فيضاناً اكتسح عينيها، فظلت تبكي حتى جاءتها زوجة أبيها لتحثها على الخروج، فبعد رحيل صديقتها ارتدت ثياب ملائمة وخرجت من الغرفة حتى وصلت لغرفة المعيشة.

ألقت عليهم التحية وجلست بجانب زوجة أبيها، التي مدت يدها وربتت على ساقها كدعم لها، رفعت سهى رأسها بعد قضاءها لحظات تنظر بالأرض، فنظرت بداية لعمها الذي يكبر أبيها بعدة أعوام يشبهه بالملامح ولكن كان والدها مليح الوجه عنه، وابن عمها الذي ألقى عليها نظرة خاطفة وعاد ينظر لأبيه، لا تنكر أنه شاب جيد من حيث تكوينه الجسدي وملامح وجهه، وحصوله على شهادة بكالوريوس الزراعة، وجاء ذلك طبقاً لرغبة والده ليرعى فيما بعد تلك الأراضي الموروثة لهما من جدها الراحل.

وضع عمها كوب المشروب من يده ونظر لأبيها وهو يقول بابتسامة بشوشة: "سهى كبرت وحلوت بقت عروسة ما شاء الله عليها، وإحنا جينا أنا وابني عشان نفكرك بوعدنا القديم من أن سهى تتجوز ابني، فقولت إيه يا أخويا؟ ومهرها عندي وأتقلتهالك بالدهب." صعقت سهى مما سمعته من عمها، فردت بسرعة: "جواز إيه؟ أنا لسه بتعلم حتى لسه مدخلتش الجامعة." ابن عمها وهو يقول بهدوء:

"أنا مش هحرمك من التعليم، هتكملي تعليمك عادي وتدخلي الكلية اللي تعجبك متقلقيش من الموضوع ده."

فعن أي قلق يتحدث هو، فهي تشعر بالرعب والذعر، نظرت لأبيها تستعطفه بنظراتها من أن يقول شيئاً ويحول بين ذلك الأمر، ولكن يبدو عليه أنه لن يهب لنجدتها، بل أيقنت أنه هو من أراد إتمام تلك الزيجة بالمقام الأول، فكانت الطامة الكبرى عندما سمعت عمها يحثهم على قراءة الفاتحة، على أن يعود للبلدة ويجلب باقي العائلة من أجل إتمام الأمر بصورة فعلية.

تركت مكانها وفرت هاربة لغرفتها، فعَلّل أبوها فعلتها بأنها تشعر بالخجل كباقي الفتيات بموقف كهذا، ولكن العريس المنتظر لم يكن يظن أن ما قاله عمه هو الحقيقة، فبالأمر شئ مبهم ولابد له من معرفته، ولكن تفكيره لم يكن يشغله عن إقراره بحقيقة أن ابنة عمه وعروسة المنتظرة صارت فتاة يافعة كالورود الندية، وستكون زهرة صغيرة تزين منزله. ***

لم يكن ينقصه سوى نصب الفخ لزوج والدته بإحكام، فهو لا يريد أن يتورط بالأمر أمام الشرطة، ولكن عليه أن يتحلى بالذكاء والدهاء حتى ينتهي من الأمر برمته، فلم يكن أسهل من أن يأمر رجاله بالتخلص منه، ولكن ذلك لن يكون كافياً لإطفاء تلك النيران التي نشبت بصدره منذ أن كان صغيراً، ويراه يفعل به تلك الأفاعيل التي لا تمت بصلة لإنسان يتحلى بالآدمية والإنسانية، فهو كأنه كان بيده كأداة لتفريغ كل أهوائه المقززة والقذرة، ولم يكن يكفيه أن الله أحل له بأن يكون له زوجة، ويحيا حياة طبيعية، ولكن أراد ممارسة الرذائل المحرمة مع طفل لم يكن تخطى من عمره سوى سنوات قليلة، ولم يكن يعي بالبداية ما مغزى تلك الأفعال المشينة والواقعة عليه من زوج والدته.

فكلما أغمض عينيه يمر بعقله إحدى المشاهد المقززة، ومازال يتذكر ابتسامته البشعة وهو بين يديه لا حول له ولا قوة سوى بكائه، فهو حتى كان يحرمه حق الصراخ للتعبير عن رفضه لما يحدث، إذا كان يكمم فمه، حتى تنتهي إحدى نوبات اعتداءه المتكرر. انتفض عمرو صارخاً فجأة، كأنه مازال يشعر بطعم عبراته النازفة عندما كان يبكي: "آآآآآآآآآه!

انفتح باب غرفته وولجت والدته بخطوات مهرولة، لتعلم سبب صراخه، فأقتربت من فراشه الجالس عليه، وجلست بجانبه وحاولت أن تضمه إليها وهي تقول بقلق: "مالك يا حبيبي في إيه بتصرخ ليه كده؟ أنت لسه بتجيلك الكوابيس دي؟ دفعها عنه بجفاء وترك الفراش، فدمعت عيناه وهو يصرخ بها: "اطلعى برا وسبيني يلااااااا، مش عايز أشوف حد."

امتعضت والدته من سلوكه السيء والجاف معها، ولم يقتصر الأمر على تلك المرة فقط، ولكن منذ أن بلغ أشده، والعلاقة بينهما صارت ضحلة، وتقتصر على سؤالها عنه بسؤال عابر ليرد هو باقتضاب. تركت الفراش الجالسة عليه، وعقدت ذراعيها وهى تقول باستياء: "أنت مش ناوي تغير أسلوبك وطريقتك دي يا عمرو؟ أنت ناسي أن أنا أمك." ابتسم عمرو قائلاً بسخرية: "أمي! ومن أمتى كنت لي أم زي باقي الأمهات؟

كان كل اللي في دماغك بس إزاي ترضي الراجل القذر اللي أنتِ متجوزاه لدرجة أنك نسيتي أن عندك ابن." احتقن وجهها بدماء الغضب وتساءلت: "قصدك إيه بكلامك ده يا عمرو؟ وليه مصر على أن يكون في خلاف بينك وبين جوزي؟ دا كله عشان اللي رباك جوز أمك مش أبوك." "قصدك اللي رباني الشيطان دا! حتى الشيطان يقوله يا عمي." قال عمرو بصوت حثيث مرعب، كأنه يهمس بأذنها في إحدى كوابيسها. فأشاحت بوجهها عنه وقالت:

"هترجع لأفكارك الغريبة وتفكيرك العجيب ده تاني يا عمرو؟ فعلاً كان لازم تروح دكتور نفسي." أطاح بمزهرية كانت موضوعة قريباً منه، فصاح بغضب: "هو اللي كان لازم يروح دكتور نفسي؟ جوزك اللي نفسيته مريضة وإنسان بشع بمعنى الكلمة، عمل معايا كل شئ تتخيله، أقولك على حاجة كمان، كان دايماً يجبرني أن أنا أتفرج عليكم وأنتم مع بعض في أوضة نومكم، أنا اتربيت على القرف فاهمة يعني إيه؟

لم يكن زوج والدته يكتفي بأفعاله المشينة معه، بل كثيراً من الأحيان كان يجعله يشاهد كل ما يدور بينه وبين والدته بأوقاتهما الخاصة، ويجعله يرى كيف أن أمه كانت تستجيب لأهوائه المريضة ورغباته السادية، فتلك الصورة النقية التي كان يحتفظ بها لوالدته تحطمت مع رؤيته المتكررة لخضوعها وخنوعها وحبها لأساليب زوجها السادية والشاذة.

فروحه صارت خراب ودمار، وعقله منذ صغره بات معبأ ومملوء بأبشع المشاهد وأقذرها، كأن لم يعد ينعق بخراب روحه سوى غربان سود تنذره بأن حياته ستظل ظلام دامس، ولن يستطيع إنقاذ نفسه التي غرقت بالأوحال. شعرت بتدفق العرق على وجهها، من تخيلها فقط رؤيته لها بتلك المواضع المخلة حتى وإن كانت برفقة زوجها، فجف حلقها وقالت بصوت مبحوح: "عمرو أنت بتقول إيه؟

التوى ثغره لعلمه بأنها ستحاول نفي ما قاله، فلم يعد لديه مزيد من الطاقة لمجادلتها، فأنهى الحوار بينهما وهو يقول بإرهاق: "مبقولش يا ماما، روحي نامي وارتاحي."

رفع يده يشير لها بالخروج من الغرفة، فلم تنتظر دقيقة أخرى إذ خرجت مهرولة، فأغمض عينيه كأنها يعتصرها، وكز على أنيابه طاحناً إياهما ببعضهما البعض، فهو متيقن من أنها ستذهب لزوجها وتخبره بما قاله وسينجح في جعلها أن تتيقن من أن ما قاله ولدها ماهو إلا حديث من وحي خياله، وأنه لابد له من الذهاب لطبيب نفسي للتخلص من تلك الأوهام.

ولكن تلك المرة لن تكون كسابقيتها، فهو الآن بملعبه وعلى أرضه، فأخذ هاتفه وتحدث مع أحد رجاله، وأمره بأن ينفذ ما أخبره به بدقة، فبعد أن أنهى مكالمته، ابتسم بشر وربما تلك هي المرة الأولى التي تكون ابتسامة شر بمحلها. ***

تدور بالمطبخ كالفراشة وهي تعمل على تحضير قدح القهوة الخاص به، فهي صارت تعلم بأي وقت يحب احتساء قهوته اللذيذة ذو الرائحة النفاذة والتي يبدو عليه أنه مدمناً عليها، لم تكن ذات خبرة واسعة في أعمال وشؤون المطبخ، ولكن يظل إعدادها للقهوة سراً خاصاً بها، فبعد فراغها من صب القهوة بالفنجان، وضعته على صينية فضية ووضعت كوب الماء ومزهرية صغيرة بها ورود صغيرة، كنوع من التناسق وبعث الراحة بنفس راسل، فهو كان غائباً عن المنزل بالأيام الماضية، ولكن ها هو قد عاد ثانية، جاعلاً كل عصب بها وخلية تهتف باشتياقها إليه.

أثناء خروجها من المطبخ، قابلت وفاء والتي يبدو عليها أنها جاءت للمطبخ من أجل أمر ما، فألقت عليها التحية بتهذيب كعادتها مع أهل البيت: "أهلا يا طنط وفاء." ردت وفاء بابتسامة هادئة: "أهلا بيكي يا حبيبتي، قهوة مين دي؟ رفعت إيلين الصينية قليلاً، كأنها تدعوها لأن تلقي نظرة على ما أعدته، فقالت بصوت خافت: "دي القهوة بتاعة راسل اللي بيحب يشربها، عملتهاله بنفسي."

أومأت وفاء برأسها، وتركتها ودلفت للمطبخ، بينما صعدت هي الدرج لتصل لغرفة راسل، فهي تعلم بشأن أنه حالياً بغرفته، وصلت أمام الغرفة وأدارت المقبض بدون أن تطرق الباب، أرادت أن تفاجئه بمجيئها، ولكن تجمدت بمكانها وهي ترى ذلك المشهد الغرامي والحميمي بين راسل وزوجته حياء.

إذ كان ممدداً على الفراش واضعاً رأسه على ساق حياء وهي تستند بظهرها للسرير، وتميل برأسها إليه ويبدو أنهما منهمكان بحديثهما وهو يتخلل خصيلاتها الناعمة بأصابعه، وهي تداعب وجهه ولحيته وتضحك وتبتسم بدلال، بل لم يقتصر الأمر على ذلك إذ سمعته يهتف بزوجته بجنون العاشق: "وحشتيني أوي." لتجيبه حياء بدفء صوتها الناعم: "أنت أكتر يا روح قلبي."

ظلت هي تتابع المشهد والحديث الغرامي بينهما، فوجدتهما بصدد إكمال ليلتهما كأي زوجان عاشقان، خاصة بعد أن انفلت عقالهما سوياً وصار العناق بينهما محموم، يتحدث كل منهما بلوعة عشقه للآخر، كأنهما مصابان بالهذيان الناتج عن الإصابة بحمى شديدة. ولكن ما كادت ترى راسل يقترب من زوجته، حتى سقطت الصينية من يدها تحدث صوت جلبة قوية أنتبه عليها العاشقان، فبسرعة البرق ابتعد راسل عن حياء، التي تركت مكانها وهي تعمل على ترتيب شعرها المشعث.

صاحت بها بغضب: "إيه ده؟ مش في حاجة اسمها استئذان؟ إزاي تدخلي علينا كده؟ أجابتها ببرود: "مكنتش أعرف أنك هنا معاه يا حياء." وضعت حياء شعرها خلف أذنيها وهي تقول ببرود مماثل: "وأديكي عرفتي. اتفضلي بقى اخرجى عشان الصراحة مش عايزة مزاجي يتعكر وعشان جوزي واحشني بعد الكام يوم اللي كان مسافرهم."

اقتربت منه ووضعت ذراعيها حوله ورأسها على صدره، كأنها تريد أن تجعلها تعي حقيقة الوضع بينهما، فهي ستظل آسرة بحبال عشقها وودها، حتى وإن كانت تأمل هي في الحصول عليه، وهو حلم مستحيل المنال.

حولت بصرها عن وجه حياء ونظرت إليه، وجدت أنه يرمق زوجته بعينان متألقان بوهج عاطفي، من شأنه أن يجعل حياء تبلغ ذروة سعادتها، بأن رجل مثله يهيم بها عشقاً، وكأن كل ما حدث منها سابقاً قد غفره لها بلمح البصر ولم يعد يتذكر منه شيئاً، فهي تكاد تصاب بالجنون لتحصل على إجابة واحدة لذلك السؤال الذي ضج بعقلها، وهو ماذا تملك حياء عن باقي النساء لتجعل رجل مثله مغرماً بها حد النخاع؟

بل لم يقتصر الأمر عليه فقط، فشقيقها أيضاً يشيد بها وبأخلاقها، ولم تنس تحذيره لها بأن لا تمسها بسوء وإلا سيقتلها على الفور. تمايلت قليلاً بخصرها وهى واضعة كفيها على جانبيه وقالت: "ماهو كمان خطيبي وواحشني أنا كمان." تركت حياء راسل وخطت تجاهها، فأدنت بوجهها منها وهى تقول بصوت منخفض: "خطيبي مين يا حبيبتي؟ أنتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ اصحي لنفسك أحسن مش هيحصلي طيب، ومتبقيش زي إبليس كده هادمة لذات ومفرقة جماعات."

فتحت فمها لتهم بالرد عليها، فقطع رنين هاتف حياء عليها الفرصة، إذ اقتربت حياء من الهاتف الموضوع على الكومود، فوجدت اسم شقيقها ديفيد، فخرجت للشرفة لتعلم ماذا يريد منها بهذا الوقت؟ كأن تلك الليلة لن تنتهي ويتركوها تنعم باشتياق وحنين زوجها لها. رآتها تلج للشرفة، فنظرت لراسل مطولاً حتى أثارت دهشته، فنظر إليها متسائلاً: "مالك بتبصيلي أوي كده ليه يا إيلين؟ قالت وهى تبتسم بسخرية: "أصل شايفاك أنت وحياء رجعتوا لبعض."

أطالت النظر بفتحة قميصه، فكأنه انتبه على تحديقها به، فعمل على إغلاق أزراره التي سبق وعملت يد حياء على حلها بنوبة عناقهم. لم يتاح له الوقت الكافي للرد على قولها، إذ خرجت حياء من الشرفة، فبعودتها خرجت إيلين من الغرفة حتى لا تتشاجرا ثانية، ولكن كأنها أشعلت النيران بقلبها، تلتهم عقلها وقلبها وكل منطق سليم يمكن أن يمنحها التفكير في رعونة تصرفاتها التي حذرها منها ديفيد سابقاً.

وقفت حياء أمام راسل وهي تبحث عن حجة مناسبة لتحصل على موافقته للذهاب لمنزل أدريانو، فمن الراجح أنه سيرفض خروجها وذهابها، إلا أنها لم تجد ضرراً من المحاولة. فابتسمت بوجهه ورفعت يديها ووضعتها على صدره؛ لتجلب عطفه، فقالت بعد أن أزدردت لعابها: "حبيبي لازم أروح بين عمي أدريانو عشان بنته بيرى تعبانة أوي ومحتاجة تشوفني، فممكن أروح يومين وأرجع تاني."

تجمدت يده التي كانت تمسد على رأسها، فرمقها بنظرة شك، إلا أنه لم يخيب رجاءها به، فقال باسم وهو يجيب مطلبها: "ماشي يا روحي موافق أنك تروحي لها." ازدادت ابتسامتها اتساعاً وبغمرة سعادتها قبلته على وجنته عدة مرات، ولكن كفت عما تفعله عندما سمعته مستطرداً بنبرة صوت مبهمة: "بس مش هتروحي لوحدك يا روحي، رجلي على رجلك يا حياء حتى كمان أشوف أهل مراتي وأتعرف على نسايبي، وأكيد أنا وأخوكي هنبقى أصحاب أوي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...