الفصل 8 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الثامن 8 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
6,348
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

اليد التي التفت حول رسغه، هي من ألجمت يده وأحجمتها عن صفع وجه حياء. التفت بجانبه فرأى ولاء تنظر له بوجه مشدوه وعينين جاحظتين، مما كان ينوي فعله. فعاد ونظر لتلك التي كأنها علمت بما كان سيفعله، فاتخذت كفيها حصناً أمام وجهها، حتى لا يصل كفه لوجنتها، التي ربما بعد رؤيتها ضخامة كفه، كانت متيقنة من أنه قادر على اقتلاع أسنانها من مكانها إذا تم فعلته و**صفعها**.

انتظرت حياء قليلاً، وبعد أن رأت أنه لم يمسها، أزاحت راحتيها من أمام وجهها، وفتحت عينيها ببطء، كمن تعتاد رؤية الضوء لأول مرة بعد فترة حالكة من الظلام. ابتلعت ريقها لتقول شيئاً، فلم تحسن فعل ذلك، ولكنها امتنّت لتلك الفتاة التي أنقذتها، فظلت واقفة تستمع إليهما، كأن قدميها فقدت الحياة فجأة. سحبت ولاء يدها من حول رسغ راسل، عندما رأت بوادر الغضب تنحسر تدريجياً عن وجهه الوسيم، فعاتبته قائلة بصوت هادئ:

–إيه ده يا أبيه، معقولة أنت كنت هتضربها بجد؟ بعبارتها تلك عاد إلى رشده، فكيف كان سيقدم على فعل ذلك؟ ولكن هي من أثارت شيطانه بالبداية، تلقيه بتهم باطلة من وحي خيالها، فهو لم يكن يتبعها لمكان، فالصدفة هي من لعبت دوراً كبيراً اليوم، عندما أرادت طفلته شراء ثياب جديدة لها، ليأتي ويجدها هنا بنفس التوقيت. ولم تنتهِ الصدفة لهذا الحد، بل المتجر الذي ذهبت هي إليه، ملاصق لمتجر ثياب الأطفال.

عادت عيناه تلقي بنظراتها التي خفت بريقها الغاضب على محيا حياء المصدوم، فتمتم ببرود كعادته دائماً: –بعد كده يا آنسة حياء فكري في الكلام قبل ما تقوليه، أحسن ما في يوم تلاقي نتيجة وعواقب كلامك مش حلوة ومحدش هيندم غيرك. انسحب راسل مبتعداً عن المكان، الذي ظلت حياء وولاء وسجود ينظرن ثلاثتهن لأثره بثلاث تعبيرات مبهمة، فحياء أصابها الخوف والصدمة، وولاء أصابتها الغرابة، وسجود أصابتها الحيرة، لا تفهم شيئاً مما يحدث.

رفعت ولاء يدها تربت على ذراع حياء بلطف: –أنا آسفة بالنيابة عنه، أنا سمعت صوتكم قدام المحل، خرجت أنا وسجود، صحيح أنا معرفش فيه إيه، بس أبيه مبيتعصبش كده إلا لو كان الموضوع كبير. رأت حياء أن عينيها اكتفت من اقتفاء أثره، فحولت بصرها لوجه ولاء قائلة بتساؤل: –هو أنتي أخته؟ أومأت ولاء برأسها رفضاً، بابتسامة تزين ثغرها:

–هو أنا مش أخته شقيقته، بس في مقام أخته. كانت أختي الكبيرة الله يرحمها. أخته في الرضاعة واللي أنتي برضه تبقي شب... كفت ولاء عن إكمال عبارتها، فتلك الفتاة لن يعنيها إذا كانت تشبه شقيقتها أم لا، فيكفي ما رأته من نظراتها الكارهة لراسل، فوجهها الذي تحول للون الأحمر القاني من فرط غضبها وغيظها منه، جعلها تدرك أن ربما صار العداء بينهما بأوج مراحله.

قبضت ولاء على يد سجود، تعتذر مغادرة للحاق به، تراجعت بخطواتها للخلف، فوجدت الجدار ساندًا لجسدها، الذي سرت به رجفة قوية، بدأت بالتأثير على قدميها. فكرت في حالتها إذا انتهى مصيرها بتلقي تلك الصفعة من يده، بعد أن استعادت أنفاسها، عادت لداخل المتجر ثانية، وجدت مديحة ابتاعت لها الكثير من الثياب، فلم تبدِ اعتراضًا على شيء، فهي تريد العودة للمنزل، وبالأخص لغرفتها، فانهيارها الوشيك يهدد خلاياها بين الفينة والأخرى.

حثت والدتها على الإسراع بالعودة إلى البيت، فأثناء ذهابها لمرآب السيارات لمحته يقترب من سيارته، تسير خلفه ولاء وسجود، ولا تعرف لما أخذتها الشفقة على تلك الصغيرة التي أراد الله لها بأن يكون هذا الرجل الفظ الغليظ لها أباً، فهي رأت أنه لا يستحق طفلة مثلها، ربما يقع بعشقها كل من يراها، وخاصة عفويتها وبراءتها بأفعالها. *** بالمساء...

الطرقات المتتالية على باب الغرفة، الذي حرص على أن يوصده من الداخل، حتى لا يفاجئه أحد بالدخول، جعلته يتأفف بصوت مسموع، فهو يخشى أن يكتشف أحد أمره البغيض، الذي استحله فعله بخلوة صنعها له شيطانه، غافلاً عن أن الله يراه، فوجهه المتعرق خلاف العادة بذلك الطقس البارد، ناتج عن زيادة ارتفاع حرارة جسده من سريان الدم حارًا بعروقه، مما يراه أمامه على شاشة هاتفه، من محرمات، يزدرد لعابه من حين لآخر، تنهش عيناه كل المشاهد التي يراها أمامه.

علا صوته قائلاً بسخط من استمرار القرع على باب الغرفة: –أيوه، فيه إيه؟ جاءه صوت ابنته من خلف الباب وهي تقول بصوتها الناعم: –بابا، كنت عايزة أتكلم معاك شوية. خرج صوته متحشرجاً: –شوية وجاي يا هبة، اصبري.

ابتعدت هبة عن الباب، بينما أغلق هو هاتفه، يسرع بالذهاب للمرحاض، فالحل الأنسب له الآن أن يغتسل بالماء البارد، لعله يتخلص من تلك الحالة التي تعتريه بعد مشاهدة مثل تلك النوعية من الأفلام، التي لم يحجب عيناه عن رؤيتها من وقت لآخر، يتلذذ برؤية ما جمله له الشيطان، معللاً لنفسه، أن زوجته، صارت بدينة أو بهت جمالها.

بعد انتهائه من الاغتسال وخروجه من الغرفة، رأى باب الشقة يفتح، تلج منه قسمت بعد عودتها من الخارج، فهي أخبرته بشأن ذهابها لرؤية صديقة لها أصابها المرض، وستذهب للاطمئنان عليها، فلم يمانع بذهابها، فلو بيده لجعلها تذهب بدون عودة. سحبت قسمت حجابها تلقيه على الأريكة، وجلست لتريح قدميها التي أصابها التشنج من صعود الدرج العالي. فزفرت قائلة بحنق: –السلم يقطع النفس، أووف، إيه ده؟ لوى شكرى فمه قائلاً بمزاح ساخر:

–دا علشان جسمك بس تقل يا قسمت وتخنتى زيادة. كأن من ألقاها بعيار ناري أو سهم مسموم، فانتفضت من مكانها تصيح به، حتى تطاير الرزاز من فمها بوجهه: –هي مين دي اللي تقلّت وتخنت زيادة يا سي شكري؟ أنت هتلم لسانك ده على المسا ولا لأ؟ دا أنا اللي يشوفني يقول عليا أخت هبة مش أمها، ولا إيه؟ مبقتش عجباك.

خرجت هبة وأشقاءها الصغار من الغرفة، على صوت صياح والداتهم الذي اعتادوه منها دائمًا، فربما إذا انقضى يوم بدون صياحها وصراخها، سيعلمون أن ربما أصابها المرض. قبل أن يفهم شكرى بكلمة، أسرعت هبة بالوقوف بالمنتصف، لتمنع مشاجرة جديدة بينهما، مثلما اعتادت أن ترى ذلك منذ صغرها. فحاولت تهدئة والداتها بقولها: –ماما، مالك بس، فيه إيه؟ اهدى يا حبيبتي، مش كدة.

اغتاظت قسمت أكثر، بعد رؤيتها زوجها يجلس على مقعد واضعًا ساقًا على الأخرى، يلقي بذراعيه على طرفي المقعد، يثير غضبها بنقر أصابعه على حافة مقعده. فخرج صوته لامباليًا: –فيه إيه يا قسمت؟ كنت بهزر معاكي، أنتي خلقك ضيق كده ليه؟ فوجه حديثه هذه المرة لابنته قائلاً بتساؤل: –أنتي كنتي عايزاني في إيه يا هبة؟ وزعت هبة نظراتها بين أبويها، تزن الأمور بعقلها، هل تخبره الآن بما تريد؟

أم تنتظر أن تعود أمها لهدوئها، فلو تحدثت معهما بشأن زواجها الآن، ستثور والداتها أكثر مما هي ثائرة بالأساس، ولكنها تريد إنهاء هذا الأمر، فالأيام تمر وتخشى أن يصيب زوجها وحيد السأم من انتظارها، وهي لا تريد خسارته. –كنت عايزة أتكلم معاكم بخصوص قرار أخدته أنا ووحيد وهو أن هروح أعيش معاه في شقتنا طالما أنتوا مش عايزين نكمل الفرح.

قالت هبة فجأة، لتنال صفعة مدوية من يد قسمت، شعرت هبة على أثرها بأن لحم وجهها كادت تزيله أمها من شدة اللطمة على وجهها الرقيق. لم تتحمل الفتاة قسوة الصفعة التي باغتتها بها أمها، ليختل توازنها فجأة وتسقط أرضًا وهي تشهق بصوت عالٍ. فأسرع شكرى في الاقتراب من ابنته التي اصطدم جسدها بالأرض الصلبة. فرفع وجهه لزوجته يكاد يحرقها حية بنظراته وهو يساعد ابنته في الاعتدال: –أنتي اتجننتي يا قسمت؟ بتمدي إيدك عليها؟

دا أنا هكسرلك إيدك دي. –كسر رقبتك أنت وهي؟ أنت نسيت نفسك ولا إيه يا شكرى؟ قالت قسمت عبارتها ببرود، وهي تعود لتجلس أمامهما على الأريكة، بينما مازالت هبة جالسة على الأرض تبكي واضعة يدها على وجنتها، وشكرى يربت على كتفيها يضمها إليه.

بعد سماع عبارتها، ترك ابنته واقترب منها، وما كاد يرفع كفه ليصفعها، وجدها تحدجه بنظرة قوية تحمل بطياتها تهديدًا خفيًا مما سيؤول إليه أمره إذا صفعها حقًا، فتراجع عن فعلته، بعدما علم مدلول نظرتها له. فتبسمت قسمت باتساع بعد رؤيتها له يطرق برأسه أرضًا: –شاطر يا شكرى، وخليك حاطط في بالك أنك متفكرش تعملها تاني، وأن كان على قلة الأدب دي، أنا هربيها من أول وجديد.

المشهد المخزي لأبيها أمام والداتها، جعلها أكثر تصميمًا على رأيها الذي اتخذته بعد مقابلتها الأخيرة بوحيد، فهي فعلت ما أملأه عليها ضميرها وتربيتها وخوفها من غضب والديها، ولكن الآن هي ستلتجأ لحماية زوجها، فهي لن تساهم في تخريب زيجتها مثلما تريد أمها، فهي تريد زوجها، ولكن والداتها طمست على قلبها فلم تعد ترى سوى ما يحقق لها مصلحتها الخاصة، دون مراعاة لمشاعر من حولها، حتى وإن كانت ابنتها، التي كانت أحق بالتفكير بسعادتها وليس هدم حياتها من أجل أهواء وأطماع شخصية.

*** بمنزل "عرفان الطيب" تراصت على المائدة الكبيرة، أطباق الطعام الشهي، الذي أعدته الخادمة خصيصًا من أجل مجيء نادر لتناول العشاء معهم، فمديحة أوصتها بعمل عدة أصناف من الطعام، التي تم وضعها على المائدة تساهم سيدة المنزل في تنسيقها. فتبسمت مديحة برضا: –تمام كده، كل حاجة جاهزة وفاضل 10 دقايق ونادر ييجي. هي فين حياء يا صالحة؟ وضعت صالحة طبق الحساء من يدها وهي ترد باسمة:

–في أوضتها، شكلها لسه مخلصتش لبس، عقبال ما تفرحي بيها يوم فرحها يارب. –يارب يا صالحة، يارب. أمنت مديحة على دعوتها، فتوجهت صوب غرفة ابنتها، بعد طرق خفيف، أدارت مقبض الباب، تلج للداخل باحثة عنها بعينيها، فوجدتها جالسة على طرف الفراش واضعة وجهها بين كفيها، تنحني قليلاً للأمام، كأنها على وشك السقوط. فقطبت حاجبيها قائلة بتساؤل: –حياء، مالك، فيه إيه، وقاعدة كده ليه؟ أزاحت كفيها عن وجهها ورفعت رأسها ترمق

والداتها بابتسامة باهتة: –أبداً يا ماما، مفيش حاجة، بس دماغي كانت مصدعة شوية. هو نادر جه ولا إيه؟ –لأ، لسه مجاش، زمانه على وصول. جلست مديحة بجانبها على الفراش، فأخذت يدها بين كفيها، تشعر بوجود خطب ما بها، فعادت معقبة: –حياء، فيه إيه؟ حاسة إنك مخبية عليا حاجة. أنا بعرفك على طول لما بيكون فيه حاجة مضايقاكي. –أبداً، مفيش حاجة. يلا بينا، جرس الباب بيرن، شكل نادر وصل.

أرادت صرف تفكير والداتها عن التفكير فيما يقلقها، فهي لا تعرف ما اعتراها منذ ما حدث صباحًا بالمول التجاري، لا ينفك عقلها عن التفكير في سخافة فعلتها، يلهبها ضميرها بسياط الشعور بالغباء على أنها هي من أسرعت هذه المرة في بدأ المشادة الكلامية بينهما، فهي كان لا يحق لها بأن تفعل ذلك وتكتفي بتجاهل الأمر برمته، ولكن وجدت قدميها تسوقها إليه لتنفث به جام غضبها.

خرجتا من الحجرة، فتبسمت بعد رؤية مجيء نادر واستقبال عرفان له بعد خروجه من غرفته هو الآخر، فجلسوا جميعهم على المائدة، يتناولون طعامهم بجو هادئ، تدور الأحاديث بينهم ودية، يتناقشون بأمور الزفاف والأثاث وخلاف ذلك، وبعد الانتهاء، أرادت حياء الخروج لحديقة المنزل، فهي تشعر بشيء يجثم على صدرها، لعل الهواء بالخارج يصرف عنها ضيقها الذي لا تعلم له سببًا آخر.

ضمت بيديها وشاحًا ثقيلاً وضعته على كتفيها، ليقيها لسعات الهواء الباردة، رفعت وجهها للسماء فوجدت سحبًا رمادية كأنها تنذر بهطول مطر غزير، فالسحب حجبت ضوء القمر، فكأن الليلة كل شيء يتحالف مع مزاجها الكئيب، الذي تحاول هي الظهور بمظهر عادي مكتفية بالابتسام على أي شيء يقوله نادر. جلست على أحد مقاعد تلك الطاولة الموضوعة بالحديقة، وجلس نادر بالمقعد المقابل لها، فاستند بذراعيه على الطاولة ينحني قليلاً قائلاً بهمس:

–تعرفي إن أنا بعد الأيام اللي فاضلة دي عشان ييجي فرحنا ومش مصدق إن خلاص كتب كتابنا آخر الأسبوع ده يا حياء. لم تنتبه إلا على لفظه اسمها، فعقدت حاجبيها قائلة بعدم فهم: –كنت بتقول إيه يا نادر؟ صدق حدسه وهو أنه يشعر بأنها ليست على طبيعتها هذا المساء، كأن عقلها بمكان آخر، توهم من حولها بأن كل شيء على ما يرام، كأنها ليست حياء التي يعرفها.

فقبل أن يعيد على مسامعها ما قاله، سمعت صوت صالحة يناديها بشأن أمر هام، فتركت مكانها لترى ماذا تريد منها. بعد ابتعادها وعودتها لداخل المنزل، سمع نادر صوت هاتفه، فأخرجه من جيبه، رأى ذلك الاسم الذي ينير الشاشة، فالتفتت عيناه تلقائيًا تجاه ذلك الباب الفاصل بين البيت والحديقة، ليتأكد من عدم مجيء أحد. فتح الهاتف وازداد لعابه قائلاً بصوت هامس: –أيوه، فيه إيه؟ جاءه صوت على الطرف الآخر: –أنت فين دلوقتي؟ لازم نتقابل ضروري.

مسح نادر جبهته كأنها أصبحت متعرقّة فجأة فغمغم قائلاً بصوت مرتجف: –مش هينفع دلوقتي، أنا في بيت خطيبتي ومش هينفع أعتذر وأمشي. نتقابل بكرة، ماشي؟ –ماشي، ميعادنا الساعة 6، لو اتأخرت دقيقة مش هتعرف اللي هيجرالك يا نادر. بعد تلك العبارة سمع صوت انتهاء المكالمة، فزفر براحة بأن الأمور سارت على ما يرام، ولكنه عاد يفكر في تلك المقابلة بالغد، التي من المفترض أن يكون طرفًا بها.

بعد أن دلفت حياء لداخل البيت، وجدت صندوقًا كرتونيًا بالحجم المتوسط، مغلفًا بورق لامع باللون الأحمر، ملصقًا به ورقة بيضاء صغيرة قرأت ما خط عليها بحبر أسود: "خاص للآنسة حياء" أسرعت في فض تلك العلبة الكرتونية بفضول، فوجدت بطاقة أخرى قرأت ما كتب عليها بخط عريض هذه المرة: "هيبقى أحلى عليكي من اللي اشتريتيهم"

لا تعلم لما أنبأها حدسها بأن ما ستراه سيصعقها، وهذا ما كان، فرفعت ذلك الثوب القابع بالعلبة بأصابع أصابتها الرجفة، فها هو ذلك الثوب الذي امتنعت عن شراءه، فألقته من يدها ترتد بخطواتها، كأن جمرات حارقة أصابت أصابع يدها التي كانت ترفع بها الثوب أمام وجهها. رجفة قوية احتلت جسدها بالكامل وهي مازالت تحدق بالثوب الملقى على الأرض، فتعالت وتيرة أنفاسها، فوضعت يدها على صدرها تستشعر صوت دقات قلبها التي تخبطت بين أضلعها.

–مين اللي بعته ده ويقصد إيه؟ هذا أول سؤال تبادر إلى ذهنها لتطرحه على ذاتها، لتجد إجابة، فعينيها تجمعت بها العبرات، تشعر بالخوف يكاد يشل أطرافها، لم تخرج من تلك الحالة إلا باقتراب مديحة منها، فسألتها وهي تجيل ببصرها بالعلبة والثوب الملقى على الأرض: –إيه ده يا حياء؟ انحنت مديحة والتقطت الثوب ترفعه أمام وجهها لتراه، فاتسعت حدقتاها وهي تعقب: –هو مش ده اللي مرضيتيش تشتريه؟ إيه اللي جابه هنا ومين اللي بعته؟

اقتربت حياء من البطاقات فناولتها لها، فقرأت مديحة فحواهما، فلم تفقه شيئًا، فمن أتته الجرأة لفعل ذلك؟ لم يكن سوى شخص واحد هو من ارتسمت صورته بعقلها، وأنه ربما هو من فعل ذلك من أجل رد إهانتها له، فلو نهر من الماء لن يكون كافيًا ليطفئ ذلك اللهيب من الغضب الذي جعل سريان الدم بخلايا جسدها يشتد حرارة كفوهة بركان على وشك أن يثور، يغرق ما حوله بحممه البركانية. فراحت تدمدم بغضب وغيظ بصوت هامس:

–أكيد مفيش غيره دكتور راسل، مفيش حد وقح غيره ممكن يعمل كده. لم تستمع مديحة لما تتمتم به حياء لنفسها، فوجدتها تقترب تأخذ الثوب منها تضعه بالعلبة مرة أخرى، وذهبت إلى المطبخ، وأخذت علبة ثقاب، وخرجت للحديقة ثانية تتبعها مديحة لمعرفة ماذا ستفعل، فوجدتها تلقي العلبة على الأرض، وتشعل عود ثقاب تلقي به على العلبة الكرتونية، التي اشتعلت بملامسة اللهيب لأوراقها، فظلت تحدق بالنيران التي سرعان ما التهمت العلبة والثوب.

رأى نادر ذلك ترك مكانه وركض إليها يسألها باهتمام: –إيه ده يا حياء اللي بتولعي فيه؟ –دي حاجة ملهاش لازمة، فحبيت أولع فيها وأخلص منه. تراقصت ألسنة اللهب التي انعكس ضوءها بمقلتيها، وهي تتمنى بداخلها أن يكون راسل حاضرًا ليحترق مثل الثوب، فماذا تفعل معه لتجعله يكف عن إزعاجها؟ ذلك الطبيب المتعجرف، الذي غرس بنفسها نبتة الكراهية، يسقيها بأفعاله المزعجة، حتى باتت تكره وقع اسمه على أذنيها. ***

وكزت إحدى الممرضات كتف رفيقتها، لتجعلها تنتبه، على مجيء تلك الشقراء، التي كانت تسير بأروقة المشفى، توزع ابتسامتها الخلابة، على كل من تراه بطريقها، يتفحصان مشيتها المدللة وثيابها الأنيقة، التي لا يرتديها سوى فتاة مدللة ثرية، فوضعت تلك الممرضة العقاقير الطبية التي تحملها على السطح الرخامي بردهة الاستقبال. لتضع بعد ذلك يدها على وجنتها ترمق ميس بإعجاب ظاهر وهي تقول: –هي البت دي بتاكل إيه عشان تبقى حلوة كده؟

ولا هدومها دي بتجيبها منين دي؟ ولا البرنسيسات يا أختي. لوت الممرضة الأخرى شفتيها يمينًا ويسارًا وهي تقول بتهكم واضح: –ماهي فعلاً برنسيسة، أنتي متعرفيش هي تبقى حفيدة مين؟ حركت الأخرى رأسها سلبًا قائلة بفضول: –حفيدة مين ها؟ وعرفتيها منين؟ ما تقولي بقى. –تبقى حفيدة رياض النعماني، بنت ابنه الوحيد اللي مات، واسمها بالكامل "ميس وجدي رياض النعماني"، وأكيد يعني أنتي عارفة مين رياض النعماني؟

ولا أنتي مش عايشة في البلد دي. وجبت كل حاجة من صفحتها على الفيس بوك. بعد أن قالت ما لديها، عادت لتحدق بتلك التقارير الطبية التي بين يديها. فأجابت الأخرى قائلة بذهول: –رياض النعماني! طب جاية تتدرب هنا ليه؟ دا جدها يشتريلها بدل المستشفى عشرة. تبسمت الأخرى قائلة بمكر: –أصل هو المستشفى هنا عاجبها يا ستي، هواها يرد الروح زي ما أنتي عارفة. تبسمت الأخرى كالبلهاء:

–آه، قصدك على دكتور راسل، كان غيرها أشطر، دا هند الصاوي مش قادرة عليه، بمعنى أصح مفيش واحدة قادرة على لوح التلج اللي بنشتغل عنده ده، بس... قبل أن تفهم بكلمة أخرى وكزتها صديقتها لتكف عن الكلام، بعدما رأت راسل يقترب منهما، فألجمت لسانها سريعًا، فوقفتا الاثنتان باحترام حتى مر راسل ذاهبًا لغرفة مكتبه. فتنفستا الصعداء، وأسرعت كل منهما لتباشر عملها، خشية أن ينتبه أحد على ذلك الهراء الذي تفوهتا به.

ولج راسل لمكتبه، يغلق الباب خلفه، فخلع سترته ليرتدي ردائه الطبي أمام تلك المرآة الموضوعة بأحد أركان غرفة مكتبه، فرأى انعكاس صورتها أمامه، فلم يشأ أن يفسد عليها مزحتها، مثلما يفعل معها كل مرة. فأقتربت منه تصيح به لتفزعه، لكن خاب أملها عندما رأته ثابتًا بوقفته، بل أنه يعمل على تنسيق خصلات شعره، فهتف بها بهدوء: –مش هتبطلي شغل العيال بتاعك ده يا ميس؟ نفخت ميس بضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:

–مفيش مرة تسيبني أخضك وأرعبك، دايما تحبطني كده. قرص وجنتها ممازحًا على غير العادة: –هو أنتي عايزة بعد اللي شفته أتأثر بالخضة؟ دا تقريبًا مشاعري كلها ماتت، بس أوعدك المرة الجاية هعمل نفسي مخضوض. –وهتعملها إزاي دي بقى؟ قالتها ميس وهي تتفرس بوجهه في انتظار أن يجيبها. –هقول هاااا كده يعني.

ضحكت ميس على قوله، وخاصة تمثيله صوت شهقة الخوف، فعندما حاول مد يده لثني ياقة قميصه، بادرت هي بفعله ذلك، وبعد أن انتهت مسحت على كتفيه، كأن شيئًا كان عالقًا بهما وأزاحته. رمقته بتقييم وهي تمط شفتيها:

–أممم، تمام كده. أنت محتاج تشتري قمصان ألوانها فاتحة شوية، الألوان الغامقة دي متناسبش دكتور حليوة زيك كده. ما تيجي أعملك شوبينج ونروح لحلاق أحلق دقنك دي وأخليك واحد تاني خالص، خسارة الحلاوة اللي أنت مداريها ورا الألوان الغامقة دي وورا دقنك دي، مع أنها مخلياك قمر موت. أدارها بين ذراعيه يدفعها برفق لتتقدمه بالمسير: –يلا بينا عشان ورانا عملية دلوقتي وبطلي كلامك الفاضي ده يا ميس. التفتت له ميس ثانية تحاول إقناعه:

–اسمع بس كلامي المرة دي مش هتندم. دا انت يعني لسه في عز شبابك، ولا عشان عندك 35 سنة يبقى كده مفكر إنك خلاص هتعجز؟ أجابها قائلاً بنبرة آمرة: –أنتي هتمشي قدامي ولا تروحي بيتكم أحسن، مش فاضي لدلعك ده دلوقتي. أخذت الرداء الأبيض خاصتها لترتديه، وهي تدمدم بشفتيها بغيظ، حريصة على ألا يسمعها، ولكن حركة شفتيها جعلته يتيقن من أنها ربما تعبر عن استيائها منه. –بطلي برطمة عشان سامعك.

وضعت ميس يدها على فمها، دليلاً على اتباعها الصمت تنفيذًا لأمره. فبعد انقضاء يوم العمل المرهق، عاد لبيته وجد طفلته تجلس على ساق وفاء، وولاء تفترش الأرض، أمامها العديد من الصور الفوتوغرافية القديمة، تشاهد الصورة تلو الأخرى، تضحك على بعض المواقف الكوميدية التي تخبرها بها وفاء وقت التقاط الصورة. فألقى عليهن التحية، وجلس بجانب والداته. فتركت الصغيرة مجلسها، لتجلس على ساق أبيها. مدت ولاء يدها بصورة لوفاء وهي تقول:

–إيه الصورة دي يا طنط وفاء؟ تعالت ضحكة قوية صادرة من وفاء وهي ترد قائلة: –دي كانت يوم شم النسيم، وراسل كان عنده 15 سنة. في اليوم ده أخدنا مركب في البحر، وراسل وقع في الماية وهو بيبص على بنت كانت قاعدة في مركب تانية. تبسم راسل على تلك الذكرى، فمد يده يأخذ صورة أخرى خاصة بزفافها، فناولها الصورة وهي يمازحها: –دا أنتي كنتي يوم الفرح قمر منور يا ماما أنتي وبابا. أخذت الصورة من يده تطالعها بحنين، وانزلقت دمعة من إحدى

عينيها فتبسمت وهي تقول: –الله يرحمه. كان دكان العطارة بتاعهم القديم قصاد البيت بتاعنا، وكانت كل بنات الشارع عينها منه. كنت عيلة بنت 17 سنة، وكنت كل شوية أنزل أشتري منه حاجة، لحد أبوه الحاج "محمود" الله يرحمهم جميعًا ما

قفشني مرة وناداني وقالي: "أنتي يا بنت الحاج عوض، قولي لأبوكي إن إحنا جايين نزوركم بكرة عشان نخطبك لابني صفي الدين بدل ما كل شوية تنسي حاجة". وساعتها ضحك جامد، وأنا كنت في نص هدومي من الكسوف، ومن حظي الحلو جدك عوض الله يرحمه، كان واقف ورايا وسمع الكلام، وعينك ما تشوف إلا النور. سألتها ولاء بفضول وحماس: –حصل إيه يا طنط وفاء بعد كده؟ أهتز جسد وفاء من ضحكاتها التي لم تفلح في كبتها:

–أبويا في اليوم ده خلاني دخلت البيت من هنا وضربني علقة محترمة، وتاني يوم لما جه الحاج محمود وابنه دخلت قدمت الشربات وأنا مدارية عيني الوارمة وباصة في الأرض، خفت يخاف ويطفش وأنا مصدقت إنه جه.

تعالت الضحكات على سرد وفاء مواقف الغرام خاصتها هي وزوجها الراحل، حتى انتبه راسل على تلك الصورة التي لا يعلم كيف جاءت لهنا، فابتسامته التي كانت تزين ثغره اختفت فجأة، وصارت سوداويتان مظلمتان وأكفهرت ملامح وجهه، عندما وقع بصره على صورة زفافه هو وصوفيا.

أمعن النظر بتلك الصورة، وهو مازال جالسًا مكانه، كأنه يخشى أن يمد يده ليلتقطها، ويرى بوضوح سيمات الغرام التي كانت مرتسمة على وجهه، وهو يحتضن قوامها الرشيق بذراع صلب، كأنه كان يخشى عليها أن يمسها الهواء بسوء، وهي واضعة رأسها على كتفه ويدها على صدره، يتذكر ملمسها الذي يشبه ملمس الحرير الناعم، فتبسم بحزن على ظنه بذلك الوقت أنه ربح ورقة اليانصيب، وأن تلك المرأة هي من ملكت قلبه دون نساء حواء.

صيحة سجود الضاحكة، هي من جعلته يكف عن التحديق بتلك الصورة، فكأن الصغيرة انتبهت هي الأخرى عليها، فتركت ساقه وألتقطتها من على الأرض بعد رؤيتها أبيها يتصدر تلك الصورة. فلوحت بها أمام وجهه وهي تقول: –بابي، أنت أهو، ودي عروسة مين دي يا بابي؟ وسجود فين؟ ساد الصمت على الجالسين، وخاصة بعدما عادت تلح سجود على أن تعلم من تكون تلك المرأة التي شبهتها بلفظ "العروسة"، يكتنف سؤالها الطفولي سؤالها اللطيف عن سبب عدم وجودها بالصورة.

فأدركت وفاء غلطتها في أنها مازالت تحتفظ بصور زفافه، وهو من حرص على أن لا يرى شيئًا يذكره بزوجته. فألتفطت الصورة من يد الصغيرة وهي تقول بتوتر: –سجود حبيبتي، يلا تعالي عشان عملتلك الأكل اللي بتحبيه أنتي وبابا، وهجبلك الصور بتاعتك أنتي نتفرج عليها. أخذت وفاء سجود، تضع الصورة بجيب ردائها البيتي، ذاهبة للمطبخ لتنبيه الخادمة بشأن تحضير العشاء.

وضع راسل رأسه بين يديه، ولكن ربما أصابته الغرابة قليلاً من عدم ثورته من رؤية شيء يخص صوفيا، كأن شيئًا بداخله رفض تلك الثورة التي سرعان ما تندلع تعبر عن غضبه. ولكن لفت انتباهه تفتيش ولاء بالصور كأنها تبحث عن شيء بعينه، فسألها متعجبًا: –أنتي بتدوري على إيه يا ولاء؟ عمالة تقلبي في الصور كلها زي ما تكوني بتدوري على حاجة معينة. رفعت ولاء رأسها تجيبه بغرابة:

–عمالة أدور على صورة لماما وهي صغيرة في الصور دي مش لاقية، مع إن بحكم صداقة ماما وطنط وفاء من صغرهم أكيد يعني كانت معاها وحاضرة فرحها أو ليهم صورة وهم صغيرين، بس مش لاقية حاجة. الصور الوحيدة اللي لقيتها صورتها ومعاها أشجان أختي وأنت كنت معاهم في الصورة. حركة بؤبؤ عينيه غير المستقر، جعل القلق يتسرب إليها، كأنه يبحث عن شيء ضائع، إلا أنها وجدته يبتسم لها قائلاً بهدوء:

–جايز يكون ليها صورة تانية وماما عيناها أو ممكن تكون ضاعت. أنا هطلع أغير هدومي عشان نتعشى.

تركها راسل يصعد الدرج، وعلى الرغم من أن إجابته لم تحمل لها ذلك الشك الذي استشعرته من قول وفاء ذلك اليوم بالمتجر، إلا أن قلقها ربما تضاعف الآن، وعقلها أصابه الحيرة، فحتى بالأيام الفائتة حاولت أن تعلم شيئًا من أمها عن ماضيها، مستخدمة حنكتها في أن تضفي على أسئلتها لها طابع التندر والفكاهة بأن تقص عليها نوادرها مع وفاء بصغرهما، فلم تخبرها بشيء جديد لا تعلمه، فكل ما قالته تعلمه هي منذ صغرها، بأن وفاء رفيقة طفولتها وأيام صغرها وصباها وحتى الآن.

*** في إحدى البنايات السكنية بأحد أحياء الإسكندرية، وبشقة بالطابق الثالث، تصدر أصوات موسيقى عالية، كأن حفل صاخب يقام بالداخل، فالسيدة التي تقطن بتلك الشقة، من المفترض أنها تحتفل بيوم مولدها، الذي ربما تحتفل به مرتين بالإسبوع، وتفعل ذلك حتى لا تثار الشكوك حول مجيء كل هؤلاء الرجال والنسوة لشقتها.

فعلى مائدة مستديرة خاصة بلعبة الميسر "القمار"، يلتف حولها عدة رجال ونساء، تتعالى أصوات الضحكات الخليعة، والهواء معبأ بدخان السجائر التي تحوي مواد مخدرة، ومائدة مجهزة بالكامل بأطباق الحلوى وقوالب الكيك، تحسبًا لمجيء أحد من رجال الشرطة. ألقى حسان الورق من يده وهو يبتسم قائلاً بزهو: –فور آس، أكسب يا حلوين. تعالت الصيحات المحتجة من فوزه الدائم منذ بداية اللعب الليلة، فصاح رجل آخر به:

–أنت شكلك بتسرقنا يا حسان، دي تالت مرة تكسب فيها، أنت شكلك بتغش في اللعب. نفث حسان دخان سيجارته بعدم اكتراث قائلاً ببرود: –هو لما تخسروا تقولوا إن أنا بغشكم؟ ثم اللي مش قد اللعب مع حسان ميلعبش يا حلوين، والصراحة بقى زهقت منكم النهارده ومش مكمل لعب. ترك حسان المائدة، بعدما لملم النقود يضعها بجيبه، واقترب من قنينة خمر، يحتسي منها مباشرة، فأقتربت منه تلك المرأة تضع يدها على كتفه، فاستدار إليها قائلاً بامتعاض:

–ما تنقي الزباين اللي بتيجي هنا يا سونيا، بلاش العرر دول. وضعت سونيا السيجارة التي تحملها بين فم حسان وهي تقول: –ما هم دول اللي هتعرف تضحك عليهم يا حسان وتعرف تقلبهم في القرشين اللي بييجوا يلعبوا بيهم، بس متنساش يا روحي، كله بالنص يا عنيا. نفث حسان الدخان هذه المرة بوجهها، يلوى فمه هازئاً:

–ما أنتي يا روحي مقلباني أول بأول وبخرج من هنا أبيض يا ورد وبضطر أروح لإسعاد عشان أجيب منها قرشين أمشي حالي بيهم. تصدقي فكرتيني، عايز أروح أجيب منها فلوس الشهر ده، سلام. خرج حسان من الشقة، عازمًا على الذهاب لزوجته إسعاد، فأشار لعربة أجرة توقفت بجانبه، فأستقلها يخبر السائق بالعنوان الذي يريد منه إيصاله إليه.

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً، ليصل حسان للمنزل، فوضع سبابته على جرس الباب، حتى فتحت إسعاد الباب، فتبسم لها يميل إليها قائلاً بسماجة: –مساء الخيرات على الست إسعاد. تنحت إسعاد بجسدها قليلاً للخلف، مشمئزة من تلك الروائح التي تفوح منه تثير الغثيان، فولج حسان يغلق الباب خلفه. فتلفت يمينًا ويسارًا وهو يقول: –هي البت ولاء هنا ولا فين؟ أجابته إسعاد بجفاء: –ولاء عند صاحبتي وفاء، لسه مجاتش، عايز منها إيه؟

كأنه تذكر فجأة أنه والدها، فحاول أن يتحدث بصرامة وهو يصيح: –وليه تفضل عندها لدلوقتي؟ أنتي ناسيه إن وفاء عندها راجل وعيب كده تفضل هنا. لم تفلح إسعاد في كتم ضحكة السخرية الحزينة فقالت: –غريبة، أنت اللي بتتكلم عن العيب يا حسان؟ ثم أنت مش عارف إن بنتك أصلاً مشلولة ليه؟ وهو بيعاملها زي أخته، ولولا لطف ربنا بينا ثم وقفة وفاء وراسل معانا كان زماني أنا وبنتي ضايعين دلوقتي. فزفرت بضيق معقبة:

–وسيبك من ولاء يا حسان وأبعد عنها، كفاية اللي راحت. أبوس إيدك أبعد عن دي مش عايزها تحصل أختها وأقعد بحسرتي عليهم هم الاثنين. –بكام؟ قالها حسان، وهو يجلس على المقعد بأريحية، يرمقها بتعبير الشر المحتدم على وجهه. لطمت خديها من يأسها وهي تجيبه بصوت عالٍ: –حرام عليك بقى، أنت واخد فلوسي أول بأول، أعمل إيه تاني؟ أرحمني بقى يا أخي، ربنا يرحمك منك لله، منك لله.

انتفض حسان من مقعده، بعد رؤيته أنها هذه المرة تجرأت عليه بالقول، وهي من كانت خاضعة وخانعة له دائمًا، فأقترب منها يقبض على ذراعها تكاد تنفذ أصابعه لعظامها. فهز جسدها بعنف وهو يزمجر بشر: –الله الله، وطلع لك صوت يا إسعاد وبقيتي بتبجحي فيا كمان؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ دا أنا أوديكِ في ستين داهية وأوصلك لحبل المشنقة، ولا نسيتي القتيل يا إسعاد؟ ولا أقول يا نبيلة...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...