الفصل 7 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل السابع 7 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
7,742
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

أسدل عاصم جفنيه بيأس، بعد سماع صوت صياحه الذي لم يكف عنه منذ رؤية وجهه. فلابد أن يتحلى بالصبر والحلم، حتى يفرغ من سبابه اللاذع، الذي نال منه ومن رجاله. فبعد رؤيته له وتهديده له بالقتل، راح يقذفه بالسباب ويلعنه على أنه قطع عليه الطريق. ولكن يعلم أنها ليست مهمة سهلة أن يتحدثان كراشدين، فراسل دائمًا ما يسبقه لسانه في إبداء غضبه ونزقه من رؤية أحد يحمل اسم "النعماني". فالوحيدة التي يستثنيها هي "ميس" فقط. فالعداء والكره الذي غرس به منذ صغره، لن يستطيع التخلص منه الآن.

زفر عاصم قائلاً بهدوء: –خلاص خلصت شتيمة وقلة أدب، نتكلم بقى يا دكتور راسل. رمقه راسل بضيق، وأنفاسه مازالت تعلو غاضبة، تحمل على أجنحتها استياء عارم، كمن أثار حفيظة وحش ثائر. لم يكن يرغب أن يزعجه أحد بتلك اللحظة، وخاصة أنه عائد من بحر ذكرياته المرة. وضع سلاحه الناري بخصره، يضم كفيه قائلاً بنفاد صبر: –خير، إيه لازمة اللي عملته ده وشغل قطاع الطرق اللي رجالتك عملوه؟

اقترب منه عاصم، فقبض على ذراعه، يسحبه من مرفقه، ليبتعدا قليلاً عن السيارة وعن الرجال الواقفين. يرى على وجوههم نظرات كاره، يودون لو يفتكون بذلك الذي لم يمهلهم فرصة، بل بدأ العراك كمن كان بانتظاره. سحب راسل ذراعه من يد عاصم بعنف معقباً: –سيب دراعي وماتمسكنيش كده تاني، مفهوم؟ مبحبش حد يلمسني، وخصوصًا لو كان من عيلة النعماني. رفع عاصم كفيه باستسلام، يحاول أن يهدأ من ثورته وغضبه:

–تمام يا راسل، شيلت إيدي. ممكن تهدى شوية علشان نعرف نتكلم بقى؟ وإن كان على اللي حصل، فأنا بعتذرلك عن الطريقة دي، بس مكنش قدامي حل. علشان عارف إنك أول ما تشوفني، سواء في المستشفى أو البيت، هتعمل كده. وأنت عارف إن كنت بسيبك تتكلم وتزعق براحتك. فطبعًا مش حابب حد يتفرج علينا. أنا برضه عاصم النعماني اللي بيتعمله ألف حساب من الكبير قبل الصغير. رفع راسل حاجبه الأيسر يبتسم بسخرية فجة:

–عمر عيلة النعماني ما هتبطل الغرور اللي فيها أبدًا، وأولهم عمك الإمبراطور رياض النعماني. بس أنا بقى لا بخاف منك ولا منه. بمعنى أصح، الخوف بقى ممسوح من قاموسي، زي ما اتمسح منه كل معاني الذوق والأدب يا عاصم بيه.

فهذا واضح للعيان، ولا حاجة به لذكره. فيكفي تلك المرات القليلة التي تقابلا بها بالسنوات الأخيرة، وتنتهي نهاية مخزية من جانب ذلك الشاب، الذي لا يضع للفوارق العمرية حسابًا لديه، فيسبقه لسانه في الحط من شأنه كونه من عائلة النعماني. فغرز عاصم يده بشعره مغمغمًا بإرهاق: –عارف يا راسل، وأنا مجتش النهاردة إلا علشان عمي رياض وعلشانه أنا مستعد أستحمل حتى سخافة ردودك وأفعالك وطولة لسانك.

حول راسل بصره عن وجه عاصم، بعد رؤيته سيارة تمر من أمامهما. فرفع يده ينظر لساعة معصمه، فهتف به قائلاً ببرود: –وهو عمك عايز مني إيه؟ ياريت تقول بسرعة علشان عايز أروح. ورايا بكرة عمليات كتير ومش مستعد أضيع الليل كله وأنا واقف أسمعك.

أشار عاصم لأحد رجاله، الذي تقدم منه، فهمس بأذنه بما يريد منه أن يفعله. فقبض راسل حاجبيه بغرابة، كأن يحاك له شيئًا بالخفاء، فهو أصبح لا يثق بأحد. ولكن وجد الحارس يبتعد، يقترب من السيارة الخاصة بعاصم، فأخرج منها حقيبة جلدية، أخذها وعاد إليهما وناولها لعاصم. أخذها منه عاصم يقربها من راسل وهو يقول: –الشنطة فيها حوالي مليون جنيه، ودول بعتهم عمي ليك. زوى راسل ما بين حاجبيه قائلاً بتساؤل: –مليون جنيه!

وهو بعتهملي ليه إن شاء الله؟ أعمل بيهم إيه يعني؟ أجابه عاصم بدون اكتراث: –معرفش، هو قال لي أديهم لراسل فجبتهملك. تعملي بيهم إيه معرفش، إن شاء الله حتى تجيب بيهم ترمس. هو اداني أمانة وجبتهالك وكده تبقى مهمتي خلصت. وضع عاصم الحقيبة بين ذراعي راسل، بشيء من الخشونة، فهو تحمل الليلة ما زاد عن طاقته من الصبر، في الاستماع لتلك الترهات من راسل حسب معتقده. ولكن قبل أن يبتعد، رد إليه راسل الحقيبة قائلاً بجفاء:

–خد شنطتك معاك وقل لعمك، هو مش عايز منك حاجة. ولو ملا البحر فلوس، برضه مش هنسى اللي حصلي. وقول له كده، راسل مش هيسامح.

عاد راسل لسيارته، بينما ظل عاصم واقفًا مكانه، يفكر فيما سيخبر به عمه، عندما يعود ويخبره بفشله في تنفيذ مطلبه. وتلك هي المرة الأولى التي يخفق فيها في فعل شيء كان يريده منه. ألقى عليه راسل نظرة أخيرة من نافذة سيارته، وهو يمر من جانبه، يقودها بسرعة. فصغيرته بدأت تفيق من نعاسها. فاليوم خرج من المنزل لينهي أمرًا مستعصيًا، وليضع له حدًا، ليعود بمزاج ثائر وساخط. فلا شيء أراد فعله اليوم سار على ما يرام، فالنتائج جميعها كانت مخيبة لآماله.

بوصوله للبيت، وضع سجود بين ذراعي وفاء. يصعد الدرج بخطوات سريعة تشبه القفز، حتى وصل لحجرته، فأغلق الباب خلفه، وبدأ بخلع ثيابه يلقي بها على الأرض، وأرتمى على فراشه يحلق بسقف الغرفة، كأنه يرى ذلك الولد الصغير، الجالس بالظلام، يضم جسده الهزيل بذراعيه، يرتجف إذا استمع لصوت بالخارج، كأن الأصوات كالسياط التي تنذره بعقاب عسير.

مزهرية صغيرة على الكومود بجوار الفراش، كان مصيرها ارتطامها بالأرض لتتحطم شر تحطيم. فهو الآن بأوج غضبه، ولابد من شيء ينفث به ذلك الغضب. *** في اليوم التالي...

عادت ولاء لمتجر والدتها، بعد انتهاء دوام عملها بالمصرف. فتبسمت لها إسعاد، تخبرها بأنها جاءت بالوقت المناسب، فهي ستذهب الآن لإحدى شركات العطور من أجل الحصول على عطر رائج لدى تلك الشركة، وسؤال العديد من الزبائن عنه. فقررت هي الذهاب بنفسها لهناك. بالرغم من أن ولاء أبدت اقتراحها بمهاتفة أحد المندوبين لدى تلك الشركة ويأتي لها بما تريد، ولكن قابلت إسعاد اقتراحها بالرفض، فهي دائمًا ما تعقد الاتفاق بينها وبين صاحب الشركة.

فاخذت إسعاد حقيبتها وهي تقول: –أنا مش هتأخر، بس خدي بالك من نفسك والمحل، وبلاش خناق مع الزباين الرجالة يا ولاء. حاولت ولاء كتم ضحكتها من ملاحظة والدتها، ولكن لم تفلح في ذلك، فتعالت ضحكتها قائلة: –ربنا يستر يا ماما، ما هما اللي مستفزين ورخمين.

هزت إسعاد رأسها بقلة حيلة وهي باسمة. سرعان ما تهدلت ملامحها بحزن، فهي تعلم أن ابنتها لا تفعل كل هذا، إلا بسبب القسوة التي تجرعتها من والديها. فأحيانًا تشعر أن عينيها تحمل لها اتهامًا صريحًا، بأنها هي السبب بكل هذا. ولكنها محقة، فهي من جلبت هذا لنفسها منذ البداية.

خرجت إسعاد من شرودها وتفكيرها، بعد رؤية إحدى النساء تلج المتجر. وبدأت ولاء في عرض العطور التي تريدها، فأخذت المرأة ما أرادته، بعدما نالت ولاء النقود التي طلبتها ثمنًا لها. بعد خروج المرأة من المتجر، جلست ولاء على المقعد، تتصفح مجلة خاصة بالعطور. فسمعت صوت أقدام قادمة. فرفعت رأسها لترى من القادم. فألقت المجلة من يدها بغضب بعد رؤية ذلك الرجل المدعو فؤاد. فقبل أن ينبث ببنت شفة، كانت هي تسبقه في الإعراب عن مقتها لرؤيته.

فصاحت به بصوت عالٍ: –أنت إيه اللي جابك هنا وعايز إيه؟ رفع فؤاد نظارته السوداء يضعها في منتصف رأسه، يجيل ببصره بالرفوف المحمولة بقنينات العطور، فأجابها هازئاً: –هو مش المحل بتاع برفانات برضه؟ جاى أشترى زبون يعني. عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة من بين صفي أسنانها المتراصان كحبات لؤلؤ من شدة عنايتها بهما: –وماله ميضرش، خير حضرتك عايز أي نوع برفيوم؟ رفع يده يشير لقنينة عطر قائلاً بتفكير:

–وريني دي ودي كمان، واللي هناك دي، واللي على الرف اللي فوق، واللي محطوطة تحت خالص دي. وعايز كل أنواع البريفيوم الرجالي اللي عندك، وكمان الحريمي. أصل بحب ريحة البريفيوم الحريمي أوي. هو أنتي بتستعملي بريفيوم من ماركة إيه؟ التفتت إليه ولاء، بعدما كانت توليه ظهرها لتأتي له بما أشار إليه، فهي تعلم أنه قادم فقط من أجل إغاظتها، وليس من أجل شراء العطور. فزفرت بخفوت قائلة بسماجة: –ماركة هوينا، أحسن نجيب ونحط عليك. عارفها؟

–أول مرة أسمع عنها، بس أكيد تناسب واحدة لسانها طويل زيك. قالها فؤاد ببرود، وهو يقلب قنينة عطر بين يديه، يرى الشعار الذي تحمله، يتغاضى عن النظر لوجه تلك الفتاة بعدما ألقى بملاحظته السخيفة بوجهها. فوضعت ولاء ما تحمله، وهي تحاول استدعاء هدوئها الذي تفتقر إليه عندما ترى رجل، وخاصة إذا أسرع في مضايقتها، وخروجها عن طورها. فأجابته قائلة تحاول أن يخرج صوتها هادئاً: –بقولك إيه؟

أنت هتمشي من هنا بهدوء، ولا أكسر ازايز البريفيوم دي كلها على دماغك وأبيتك النهاردة في القسم؟ بانحنائه إليها، يستند على الزجاج الفاصل بينهما، جعلها ترتد بجسدها قليلاً للخلف، فعاد وابتسم تلك الابتسامة الكارهة، التي تجعلها تنفر منه أكثر فأكثر. –طب أهون عليكي تعملي كده؟ أنا مش عارف دماغك ناشفة ليه كده؟ دا أنا اللي تصاحبني أو تعرفني، بعيشها في عز وهنا. –دا على أساس إنك من بقية أهلي يا أخويا؟

ما في ستين داهية تاخدك، وأنت فعلًا واحد قليل الأدب وزبالة. نطقت ولاء بعبارتها، وهي تخرج من مكانها خلف المكتب، فرفعت ذراعها معقبة: –يلا أمشي، غور من هنا. داهية تاخدك أنت وأمثالك. صوتها العالي ربما سمعه المارة بالشارع، فهي عندما تبدأ بالصياح ربما سيسمع صوتها من يبعد عنها بعد عدة أمتار. فهرولت وفاء إلى المتجر المجاور لها، بعد سماع صوت صياحها العالي، فولجت للداخل قائلة باضطراب: –ولاء، في إيه؟ بتزعقي ليه كده؟ خضتيني.

التقطت ولاء أنفاسها، التي سلبها سماجة ذلك الرجل وحنقها منه ومن عرضه المقزز، فأقتربت من وفاء تربت على ذراعها تطمئنها: –مفيش يا طنط وفاء، دا زبون بس رخيم وهيمشي دلوقتي، وإلا هطلبه البوليس ييجي ياخده.

بكل مشادة كلامية بينهما، تخرج تلك الفتاة ظافرة، ويزداد حنقه منها وغضبه من ذلك الكبرياء المتملك منها. فإن أخذ الأمر بالبداية على أنه ربما يكون دلال منها ليركض خلفها، فصار الأمر الآن كمن لديه ثأر لديها، ولن يهدأ قبل أن يأخذ حقه منها كاملاً على كل كلمة أسدعتها إياه. وضع النظارة على عينيه يدمدم وهو خارجاً: –أنا وأنتي والزمن طويل يا ولاء، ومش هسيبك. صبرك عليا.

لم تعر تهديده لها أهمية، فإن أصر على أن يتجاوز الأمر معها، فهي الذي لن تتركه بحاله، ستجعله نادمًا على التفكير بها منذ البداية، بل وأنه تجرأ على أن فكر بها بتلك الدونية والسوقية من جانبه. بعد خروج فؤاد، تملك الفضول من وفاء لمعرفة ماذا يحدث لها وهي لا تعلم؟ فولاء دائمًا ما كانت تخبرها بكل ما يسبب لها الحزن أو التعاسة، فهما كصديقتان رغم الفارق الكبير في السن بينهما. فربتت وفاء بيدها على رأس ولاء قائلة بحنان:

–هو في إيه يا ولاء؟ ماله الراجل ده؟ أقتربت ولاء من وفاء تضع رأسها على صدرها، فطوقتها وفاء بذراعيها، تربت عليها، فبدأت ولاء تقص عليها مضايقة فؤاد لها بمكان عملها وهنا، مصراً على اتخاذه لها كخليلة أو عشيقة، كباقي نزواته الغرامية. فأتسعت حدقتا وفاء وهي تقول:

–نهاره أهله مش فايت، دا أنا هقول لراسل يكسر رقبته. كاتبه ضربة في قلبه البعيد بتاع النسوان ده كمان قليل الأدب، قال يصاحبك قال، صاحبته حية تلدعه تجيب أجله إن شاء الله. لم تتمالك ولاء نفسها من الضحك على عفوية وفاء، في إظهار غضبها مما سمعته، فظلت تضحك وقتًا طويلاً حتى دمعت عيناها. فخرج صوتها بصعوبة بعدما شعرت بألم معدتها من كثرة الضحك: –مش قادرة يا طنط وفاء، دمك زي العسل ليا حق أنا وماما نموت فيكي. أهدتها

وفاء ابتسامة تقول بحنين: –دي أمك دي يا ولاء، عشرة عمري من ساعة ما جت على إسكندرية وهي بنت 19 سنة. كفت ولاء عن الابتسام وهي تقول بغرابة: –جت على إسكندرية وهي بنت 19 سنة إزاي؟ وهي قيلالي أنها أتولدت هنا في إسكندرية وأنكم أصحاب من وأنتم كنتوا صغيرين وفي مدرسة واحدة؟ أدركت وفاء الآن زلة لسانها، فابتلعت لعابها من ملاحظة ولاء، فكيف هي غفلت عن ذلك؟

فتبسمت تحاول أن تواري توترها واضطرابها خلف تلك الابتسامة التي لم تحسن إظهارها على شفتيها ووجهها. فضربت جبهتها بيدها وهي تقول كأنها تذكرت شيئًا: –يوووه، شكل دماغي لفت وجالي زهايمر ولا إيه؟ أنا قصدت على واحدة صاحبتي تانية غير أمك عرفناها واحنا كان عندنا 19 سنة. أنا راجعة المحل بتاعي، تلاقي في زباين جم وبيدوروا عليا. رأت أنه من الأفضل أن تذهب الآن، قبل أن تسأل ولاء عن شيء آخر. فوصلت لباب المتجر، ولكن قبل خروجها،

التفتت إليها مستطردة: –ولاء، نسيت أقولك، كنت عايزة تروحي مع سجود المول علشان تشتري هدوم جديدة. هي بتحبك أنتي تشتريلها هدومها.

أومأت ولاء برأسها موافقة، فخرجت وفاء تسرع الخطى بالعودة لمتجرها. فعادت ولاء تجلس على مقعدها، ولكن تصنمت ملامحها قليلاً، وهي تفكر في ذلك الشعور الذي ملأ عقلها وقلبها من أن ربما وفاء لا تخبرها الحقيقة. فتلك الملاحظة التي أبدتها أولاً بأنها لم تتعرف على والداتها إلا بعمر التاسعة عشر، لتعود وتخبرها أنها تحدثها عن صديقة أخرى. فارتجاف صوتها وتوتر ملامحها، جعل الشك يسكنها من أن ربما شيء مبهم يكتنف حياة والدتها وهي لا تعلم.

فما هو ياترى ذلك الشيء؟ لح ذلك السؤال على عقلها، يعلو صوتًا بداخل رأسها، من أن يجب أن تعلم هل صدقت وفاء بقولها؟ أم أنها تخفي أمرًا؟ ***

يضجع رياض على فراشه الواسع الوثير، يجلس عاصم على مقعد بجوار الفراش، يطرق برأسه وهو يرى طبيب يفحص رياض فحصًا طبيًا يعتاده شهريًا للاطمئنان على صحته، التي بدأت بالتراجع عندما نال منه الكبر. ولكن رغماً عن ذلك مازالت صحته جيدة إلى حد ما، فربما ضغط دمه هو ما يواجه به مشكلة، ولكن أموره الأخرى تسير بخير. فتقدم الطبيب من عاصم قائلاً بجدية:

–كله تمام يا عاصم بيه ورياض باشا زي الفل. حتى التحاليل كلها كويسة، هو بس الضغط اللي عالى شوية، بس إن شاء الله كل شيء هيبقى تمام. تبسم له عاصم يبدي شكره له: –شكراً يا دكتور، أتفضل أنت. خرج الطبيب من الغرفة، فعاد عاصم يجلس على المقعد ثانية، فمد يده يربت على يد رياض بمواساة: –ألف سلامة عليك يا عمي. تبسم رياض بوهن وهو يقول: –تسلم يا عاصم. عملت إيه مع راسل؟ مسح عاصم وجهه براحتيه قائلاً بصوت مرهق:

–مرضيش ياخد الفلوس وقالي لو أنت مليت له البحر فلوس مش هيسامح، ورجعت بالشنطة تاني زي ما اخدتها. أنا قولتلك يا عمي دا دماغه ناشفة وحاولنا بدل المرة ألف وهو اللي في دماغه بيعمله. ضرب رياض بيده على الفراش، وعيناه تتأجج بنيران الغضب: –دماغه دي عايزة كسرها يا عاصم. أنا عارف إن موتي هيبقى على إيده. ابن بنت الساعي ده كمان! ربت عاصم على يد رياض عدة مرات، ليجعله يكف عن غضبه، الذي سيؤدي بالنهاية لمعاناته من ارتفاع ضغط دمه:

–طب إهدى يا عمي، دا لسه الدكتور قايل إنك ضغطك عالى وكده هيبقى غلط عليك، مينفعش كده. عدة طرقات على الباب، ولجت على إثرها سوزانا وهي تحمل حساء أعدته هي بيدها من أجل عمها، فتبسمت لهما وهي تقترب من الفراش، فوضعت تلك المائدة الخشبية الصغيرة التي تحملها أمام عمها. فرمقته قائلة بحزم: –لازم تشرب الشوربة دي كلها يا عمي، متعملش زي كل مرة، أنت لازم تتغذى كويس علشان صحتك.

نظر رياض للحساء بزهد، فهو لا يرغب بتناول شيء، وخاصة الآن، بعد سماع ما حدث بين راسل وعاصم، فإلى متى سيظل يعاقبه هكذا؟ رأت سوزانا تغير ملامح وجه عمها وشقيقها، فتسائلت بقلق: –مالكم في إيه؟ هو الدكتور قال حاجة بخصوص التحاليل؟ حرك عاصم رأسه بالنفي وهو يقول: –لأ مقالش حاجة تقلق، الموضوع بخصوص راسل.

علمت الآن لما تجهمت ملامح وجه عمها، وهو من كان عندما يراها أو يرى ميس تزداد ابتسامته اتساعًا حبًا لهما. فأقتربت من الفراش تنحني إليه تقبله على رأسه وهي تغمغم: –متزعلش نفسك يا عمي وسيبك منه بقى، هو حر. أنت هتفضل شاغل نفسك بيه لحد أمتى؟ أنت حاولت معاه كتير، هتعمل إيه أكتر من كده؟

أغمض رياض عينيه، فلا أحد يشعر بتلك الوخزات التي توخز قلبه وضميره بدون هوادة. فهو من عُرف عنه العدل والحكمة، ورد المظالم والحقوق لأصحابها. لم ينصف ذلك الشاب بالماضي، فبغفلة من الزمن تلطخت صفحته التي خط بها إنجازاته من إتباعه منهج العدل والحق، بغلطة أقترفها بوسوسة من الشيطان، ليجور على حق كان من الأولى أن يرد لأصحابه. فما فعله بالماضي، سيظل يتجرع مرارته بالحاضر والمستقبل. فهمهم بصوت مثقل بشعوره بالذنب:

–محدش حاسس بيا ولا حاسس بوجع قلبي وضميري. لو راسل مسامحنيش، أقابل ربنا إزاي وأنا ظالمه؟ نظر عاصم وسوزانا كل منهما للآخر، لا يملكان ما يستطيعان به تهدئة عمهما من شعوره بالذنب. فنهض عاصم عن مقعده يغلق أزرار سترته. فرمق عمه قائلاً بهدوء: –ما تقلقش يا عمي، أنا هحاول معاه تاني، بس مش عايزك تتعب نفسك وخد بالك من صحتك. سلام دلوقتي علشان أروح الشركة.

خرج عاصم من الغرفة، فجلست سوزانا بجوار عمها وبدأت تطعمه بفمه، تحثه على أن ينهي طبق الحساء كاملاً، خاصة بعد إبدائه شعوره بالاكتفاء بعد ثاني ملعقة تناولها. ولكنها ظلت تحاول جاهدة حتى فرغ الطبق من الحساء، فأخذته وخرجت من الغرفة، بعد أن أشار عليها بتركه لينال قسطًا من الراحة، التي يعلم أنه لن ينالها قبل أن يحصل على ما يريد من راسل، فحاول إغلاق عينيه عبثًا، فمسح بيده على وجهه، وهو يناجي الله بالخفاء أن يزيح عنه ذلك العبء الذي أثقل كاهله.

*** أصابعها تنقر على مقود السيارة، وهي تنتظر خروج نادر من المشفى. فهي جاءت لهنا برفقة والدتها، بعد أن أخبرها نادر بضرورة الإتيان لاصطحابه معهما، فسيارته بالصيانة، ومن المفترض لهما الذهاب لمتجر الأثاث لانتقاء أثاث شقتهما، التي لم تكن سوى الطابق الثاني من منزل "عرفان الطيب". فمهندس الديكور يحاول الإسراع بإنهاء الديكورات اللازمة قبل حفل الزفاف، الذي لم يتبقى عليه الكثير.

فحياء بتلك الآونة تقضي وقتها بين خروجها لشراء ما يلزمها من ثياب وما شابه، والآن ستذهب برفقة نادر لشراء الأثاث. ولن يتبقى سوى ثوب الزفاف واختيار القاعة الملائمة. فمدت مديحة يدها تقبض على يدها وهي تقول: –إهدي بقى وبطلي تخبطي على الدريكسيون وترتيني وصدعتيني يا حياء. ضحكت حياء وهي ترفع يد مديحة تقبلها: –أنا آسفة، بس فعلًا اليومين دول حاسة بقلق وتوتر أوي يا ماما وخوف كمان. مسحت مديحة على رأسها ترمقها بحب:

–ده علشان بس هتبدأي حياة جديدة يا حياء، بس حاولي تهدّي نفسك، وبعد ما نشوف العفش نروح أنا وأنتي المول علشان أشتريلك هدوم. قطبت حياء حاجبيها قائلة بتساؤل: –هدوم إيه تاني؟ ما أنا اشتريت هدوم كتير يا ماما. تبسمت مديحة قائلة بمكر: –آه اشترينا هدوم، بس أهم هدوم للعروسة لسه مشترينهاش يا حياء، اللي هي لانج... قبل أن تكمل مديحة قولها، ردت حياء قائلة بخجل جم: –خلاص يا ماما عارفة والله إننا مشترينهاش، كفاية إحراج بقى.

ضحكت مديحة ملء فاها وهي تسحب حياء تحتضنها: –مكسوفة وأنا بقول اسمها، اومال لما تلبسيها هتعملي إيه؟ اشتدت حرارة وجنتيها، فربما فرط خجلها، سيجعل الدماء تنفر من وجهها وسائر جسدها، فاخفت وجهها بصدر أمها وهي تغمغم: –خلاص بقى يا ماما إيه ده؟ حرام عليكي، شوية وهختفي من كتر الكسوف. وضعت مديحة قبلة على رأسها وهي تقول بسعادة: –ربنا يتمملك على خير يا قلبي ويسعدك يارب.

ظلت مستكينة بين ذراعي مديحة، ولكن لمحت خروج راسل من المشفى تتأبط ذراعه فتاة شقراء تسير بجواره، يتحدثان ويبتسمان، حتى وصلا لإحدى السيارات المصفوفة أمام المشفى، فأستقلت الفتاة سيارة تنطلق بها، بينما استقل راسل سيارة أخرى.

ظلت تنظر أمامها بهدوء، فتذكرت أن تلك الفتاة ليست هي ذاتها التي رأتها بحفلة خطبتها، ولكنها فتاة أخرى. فهو يبدو عليه رجل متعدد العلاقات النسائية، فحمدت الله أنها لم تلج للمشفى وتقابله وينشب بينهما مشادة كلامية. فهي لا تريد أن يجتمعان بمكان واحد ثانية. دقائق ورأت نادر يقترب من سيارتها، ففتح الباب الخلفي يجلس بالخلف، فتبسم لهما قائلاً: –آسف لو كنت اتأخرت عليكم، يلا بينا.

قادت حياء السيارة، حتى وصلوا لأحد متاجر الأثاث الشهيرة. فذلك المتجر يشتهر باقتنائه أفضل صيحات الموضة بالأثاث، فتجول ثلاثتهم، حتى انتهت حياء من اختيار ما تريد، فأسرع صاحب المتجر بإحضار فاتورة بالأسعار. ناولها لنادر، الذي أسرع وأخرج من جيبه، بطاقته الائتمانية لدفع النقود. وبعد الانتهاء خرجوا، مع وعد من صاحب المتجر على أن يرسل الأثاث بالتوقيت المحدد على العنوان الذي أعطاه له نادر، والذي لم يكن سوى عنوان منزل رجل الأعمال الثري "عرفان الطيب".

قبل أن يصلوا لسيارة حياء، ناداها نادر برفق: –حياء، أنا لازم أرجع المستشفى تاني. أومأت حياء بتفهم، فردت قائلة برقة: –ماشي يا نادر، أنا وماما هنروح نشتري شوية حاجات. متنساش العشا عندنا بالليل. همس لها نادر بصوت منخفض: –وأنا أقدر أنسى ميعادي مع القمر. سلام.

رحل نادر، وأستقلت حياء ومديحة السيارة، ليذهبا لشراء تلك الثياب التي من المفترض أن تقتني منها الكثير، خاصة بأيام زواجها الأولى. فكلما ترسم بمخيلتها أنها سترتدي ثوبًا كهذا ويراها أحد به، تشعر بأن عظامها تكاد تذوب من وطأة خجلها. ***

رآها تهبط الدرج بخطوات سريعة، يتطاير ثوبها حول ساقيها المكشوفين بشكل سافر. فأخفض وجهه سريعاً وهي يستعيذ بداخله لرؤيته لها هكذا، وأنه سمح لرماديتيه بأن تتمعن النظر بها، وهي آتية تتلاعب بنظارتها الشمسية بين أصابعها. ولكن ماذا يفعل بذلك الخافق، فدقاته ربما ستسمعها خالته الآن، وهي تجلس قريبًا منه، يحتسيان الشاي تطمئن على أحواله، مثلما تفعل كلما أتى إلى هنا متذرعًا برؤيتها. اقتربت هند تبتسم ابتسامة متكلفة:

–هاي، إزيك يا كرم؟ أخبارك إيه؟ رفع ذلك الشاب الثلاثيني وجهه، بعد سماعها تتلفظ باسمه بصوتها الناعم، حتى وإن كان يعلم أنها أحيانًا تلقي عليه التحية وهي كارهة، ولكن بكل مرة يتخذ قراره بعدم المجيء لهذا البيت، يعود ويحنث بعهده لنفسه بأنه لن يسمح لقلبه، بالتفكير بها أو التعلق بأمل زائف من أنها ربما تشعر به يومًا ما. فابتلع لعابه يجيبها بخفوت: –الحمد لله، إزيك أنتِ يا هند وأخبارك إيه؟

–تمام تمام. مامي، أنا خارجة هروح النادي شوية وبعد كده هروح لواحدة صاحبتي. باي. قالتها هند وهي تتجه صوب الباب، فهي حتى لم تنتظر لسماع رد والدتها. وضع كرم الكوب من يده يبتسم لخالته: –هي هند على طول مستعجلة كده يا خالتو ومبتستناش تسمع الرد؟

حركت رأسها بيأس عارم، من أفعال ابنتها التي ربما صارت تثير غضبها أحيانًا، ولكنها تلوم نفسها، فهي من زادت بدلالها حتى صارت لما أصبحت عليه الآن، كمن أدركت خطأها ولكن بوقت متأخر، فبما يفيدها الندم الآن، وابنتها صارت شابة ربما من بمثل عمرها صرن زوجات وأمهات. كسا الوجوم وجهها وهي تجيب ابن شقيقتها:

–هند دي هتجنني يا كرم بعمايلها والله، حتى الجواز مش راضية تتجوز. مش عارفة هتفضل كده لحد أمتى، دا أحسن شباب من أكبر العائلات في إسكندرية طلبوها وهي بترفض.

بذكرها مواصفات الزوج المستقبلي لابنتها، جعلته يدرك مكانته من تلك الأحلام التي يحيا بها من أن ربما ستكون هند له يومًا ما. فهو وإن كان يعمل بمهنة محترمة كمعلم بأحد المدارس الخاصة، لكنه يقطن بحي ليس كذلك الحي الذي يقع به ذلك المنزل الفخم والذي تقطنه هي. فتذكر صوت ضجيج المارة بالشارع وصيحات الأطفال، فهي لم تطأ ذلك الحي بقدميها حتى كزيارة لهما قبل وفاة والدته، فكيف له أن يظن أن تحيا به؟

فربما هو معتوه إذا أكمل بنسج تلك الأحلام المستحيلة. فإن كانت والدته الراحلة ووالدتها شقيقات، فالفارق بينهما شاسع. فوالدته تزوجت من رجل كان يعمل معلمًا أيضًا، بينما تزوجت شقيقتها من رجل ثري. فحاول الابتسام وهو يقول: –إن شاء الله ربنا يهديها يا خالتو وتتجوز وتفرحي بيها. أمنت خالته على حديثه وهي تردد:

–ياااارب يا كرم يسمع منك يارب. نفسي أشوفها في بيت جوزها وأطمن عليها وهي عايشة حياة مستقرة كده وتخلف لي أحفاد، بس أعمل إيه طول ما هي ماشية ورا دماغها دي وتعلقها بالدكتور اللي اسمه راسل ده، هتفضل كده منشفة ريقي. فهي وسبق لها أن أخبرته بشأن تعلق هند بذلك الطبيب، في حين أنها أبدت استياءها من تعلقها المرضي به، ترغب في أن تترك أوهامها جانبًا قبل أن يمر قطار العمر ولا تشعر به. ما ذلك الصوت؟

هل هو صوت انشطار قلبه لنصفين وتبعثر نبضاته أم ماذا؟ فالألم لا يحتمل، فإن كانت شفاهه تبتسم، فقلبه يبكي دمًا، فهو لم يتذوق من الحب حلاوته، ولكن كان نصيبه منه أن يتذوقه مُرًا لاذعًا. فكم يتمنى لو كان قلبه بيده لينتزعها من داخله، ويكمل بطريقه. مدت خالته يدها تربت على يده قائلة بحنان: –وأنت يا حبيبي مش ناوي تتجوز أنت كمان ولا هتضرب عن الجواز زي هند؟ أنا مش عارفة جيل إيه ده. احتوى يدها بين كفيه يبادلها الابتسام:

–لسه الوقت مجاش يا خالتو. ثم مين اللي هترضى تعيش في الشقة اللي ورثتها عن أهلي وتستحمل الصداع بتاع الأصوات اللي في الشارع؟ دا أنا بروح المدرسة مصدع.

أعقب حديثه بضحكة عالية نسبيًا، سرعان ما شاركته خالته الضحك، فليضحك هو الآن، ويترك قلبه يبكي على أطلال الأمنيات. بعد أن انتهى من جلسته مع خالته، هب واقفًا يستأذنها بالرحيل، مع وعد لها بالمجيء لرؤيتها قريبًا، ولم يكن ذلك الوعد سوى حماقة منه، ليأتي ويرى تلك التي لن تعيره اهتمامًا يومًا، فربما هي لا تعترف بصلة القرابة بينهما، فكيف لها بأن تقبل يومًا باتخاذه زوجًا أو حبيبًا.

خرج من المنزل واضعًا يديه بجيبه، تحدوه رغبته في الذهاب للشاطئ، لعله يلقي شكوى الحب المستحيل بالبحر، فتحملها الأمواج العاتية مبتعدة. فليته يستطيع انتزاع ذلك الحب الذي يكتنفه بين ثنايا قلبه المعذب، بحب فتاة يعلم أنها تهوى رجل آخر. ***

ركضت سجود أمام ولاء، التي اصطحبتها لشراء ثياب جديدة لها مثلما أخبرتها جدة تلك الجنية الصغيرة، التي لم تكف عن الركض هنا وهناك، تجعل ولاء تركض خلفها خشية عليها من السقوط، أو أن تبتعد عن مرأى عينيها، فهي أمانة بعنقها، حتى تعود بها للبيت. وقفت ولاء تلتقط أنفاسها اللاهثة من كثرة ركضها خلف الصغيرة، ولكن عادت لتركض ثانية، عندما وجدتها تقترب من الدرج الكهربائي، فخشيت أن تسقط من عليه، إذا أخطأت بوضع قدميها.

فبلمحة خاطفة أقتربت منها تحملها بين ذراعيها، فضحكت الصغيرة وهي ترى تأرجحها بين ذراعي ولاء. ضربت ولاء رأسها برأس سجود بخفة وهي تقول: –حلو كده اللي بتعمليه ده يا سيجو؟ هتجننيني. لفت سجود ذراعيها حول عنق ولاء قائلة ببراءة لا يستطيع أحد مقاومتها: –ولاء، أنا جعانة عايزة بيتزا عايزة أكل. وضعت ولاء قبلة على جبين الصغيرة بحب:

–بس كده من عيوني، دا أنا حتى جعانة. تعالي نضرب بيتزا وبرجر وشيبسي وكانز ونخليها خل وأبيه راسل هيدينا بالجزمة لما يعرف اللي عملناه. صاحت سجود بفرح، من كم تلك المغريات التي سمعتها من ولاء، فذهبتا لأحد المطاعم بذلك المول الكبير، اشترت ولاء طعامًا من أجلها وأجل الصغيرة. ولكن نظرت حولها لم تجد طاولة شاغرة، فكل الطاولات مزدحمة. فأنحنت رأسها تنظر لسجود تمط شفتيها: –سجود، مفيش ولا ترابيزة فاضية خالص، هنقعد ناكل فين؟

نظرت الصغيرة حولها، كمن تقيم الوضع، فهي لن ترحل من هنا قبل تناول طعامها. فركضت من أمام ولاء تتجه لإحدى الطاولات بها أربعة مقاعد، اثنان منهم شاغران. فسحبت سجود أحد المقاعد وهي تشير لولاء وتصيح بصوت عالٍ: –ولاء! تعالي نقعد هنا في مكان هنا، تعالي بسرعة. سيجو جعانة. نظرت حياء ومديحة كل منهما للأخرى، وهما يريان تلك الصغيرة الجميلة، فتبسمت حياء على فعلتها، ولكن أسرعت ولاء في الاقتراب تبدي أسفها:

–أنا آسفة جدًا على اللي هي بتعمله، بجد آسفة. رفعت حياء وجهها لها وهي تقول باسمة: –محصلش حاجة، اتفضلوا اقعدوا معانا. ظلت ولاء مشدوهة بالبداية، بعدما رأت حياء، فكيف هذا؟ فتلك الفتاة التي تكلمها تشبه تلك الراحة منذ سنوات طوال، فحتى وإن لم يكن الشبه متطابق مئة بالمئة، فلا تنكر التشابه المتواجد بينهما إلى حد كبير.

وضعت ولاء ما تحمله على الطاولة، تتخذ مقعدًا لتجلس عليه، فظلت عيناها منصبة على وجه حياء، التي بدأت بملاطفة الصغيرة الجالسة على مقعد بجوارها. انتبهت على حماقتها في التحديق بها بتلك البلاهة عندما سمعت صوت مديحة تخاطب الصغيرة قائلة بمودة: –انتي اسمك إيه يا قمورة؟ وضعت سجود قطعة من البيتزا بفمها وهي تقول: –اسمي سجود، وبابي وولاء بيقولولي يا سيجو. مسحت حياء على رأسها بإعجاب من طلاقة الصغيرة بالحديث:

–بسم الله ماشاء الله، أنتي قمورة أوي يا سيجو. صح يا ماما؟ أومأت مديحة برأسها، فهي تعلم مدى حب حياء للأطفال وخاصة الإناث. فبدأوا جميعهم بتناول الطعام، ولم تمنع ولاء نفسها من التحديق بحياء من وقت لآخر، ولكنها خشيت أن تنتبه عليها، وتثير غرابتها. سمعت صوت هاتفها فأخرجته من الحقيبة، وفتحته تجيب باسمة: –ألو، أيوه أحنا في المطعم اللي في المول بناكل، جاي دلوقتي تمام، هنستناك. لما توصل رن عليا هرفعلك إيدي عشان تشوفنا.

ظلت حياء طوال جلستهن تداعب الصغيرة، التي تعجبت ولاء من أنها تبادلها الدعابات ولا تنفر منها مثلما تفعل مع أي شخص غريب عنها. فعاد هاتفها للرنين ثانية، فوضعته على أذنيها، ترفع يدها تشير لراسل بالاقتراب. فتبسم وأغلق هاتفه وأقترب من الطاولة، ولكن قبل أن يصل لهما صرخت سجود بسعادة: –باااابى! تركت مقعدها تقترب منه فأرتدت بين ذراعيه يحملها عن الأرض وهو يقبلها على وجنتها المكتنزة بنهم فقال لها:

–قلبي بابي أنتي أكلتي خلاص ولا لسه واشتريتي لبس حلو؟ حركت سجود برأسها نافية: –لأ لسه يا بابي، كنت جعانة وباكل. أومأ راسل برأسه باسمًا، فتلك المرة أقترب من الطاولة، يلقي التحية: –السلام عليكم.

بصقت حياء ما بفمها من القهوة الساخنة التي كانت تحتسيها قبل عودتها هي ووالدتها للتجول بالمتاجر، فتساقط السائل الدافئ على ذقنها وثيابها، يرافقه صوت سعال شعرت بأنه سيودي بحياتها، وكل هذا من رؤيته وسماع صوته. فما الذي أتى به لهنا، فهي باتت تشك أنها سيئة الحظ، فكلما تذهب لمكان تراه. فما تلك الصدف اللعينة.

وقف راسل صامتًا وهو يراها كمن تنازع للبقاء على الحياة، فمديحة وولاء أسرعت كل منهما في إعطائها الماء حتى تكف عن السعال. فهو يعلم أنها لم يحدث لها ذلك إلا بسبب رؤيته. فخرج صوته جذابًا بسخرية: –ألف سلامة عليكي يا آنسة. رفعت مديحة وجهها تلك المرة، فهي تذكرته الآن، فهو ذلك الطبيب الذي أخبرتها حياء بشأنه، فتركت مقعدها تهب واقفة قائلة باستياء عارم: –هو أنت اللي كنت هتقتل بنتي صح مش كده؟

فطن هو الآن من أن والديها يعلمان بشأن ما حدث منه، ولكن قبل أن يفتح فمه للحديث، سبقته حياء وهي تنهض من مكانها تحدث والدتها: –ماما يلا بينا عشان نشوف هنشتري إيه، بلاش مشاكل. أخذت حقيبتها تبتعد عن الطاولة، تعمل يدها على تنظيف ثيابها بتلك المحارم الورقية التي تحملها معها، فتبعتها مديحة التي لم تنسى أن تهدى راسل نظرة ساخطة وعبارة مقتضبة: –علشان خاطرها بس هسكت، وإلا كنت اتصرفت معاك تصرف تاني.

ولكن قبل أن تبتعد حياء أكثر، وجدت سجود تمسك يدها، فألتفتت إليها تنحني لها تقبلها على وجنتيها وهي تقول: –سلام يا سيجو. رفعت الصغيرة تلوح لها وهي تبتعد، فجلس راسل في المقعد المقابل لولاء التي لم تخفي تعجبها: –هي إيه الحكاية يا أبيه؟ أنت كنت فعلًا هتموتها. مسح راسل وجهه بيديه وهو يقول: –حاجة زي كده. المهم يلا عشان نشتري الهدوم لسجود. أنا لما سألت ماما قالت لي إنكم هنا فجيت عشان أروحكم البيت.

مسحت ولاء يدها وفمها بمحرمة ورقية، ووضعتها بعلب الطعام الفارغة تلملمها لإلقائها بحاوية القمامة. ولكن لم تستطع كتمان ما لديها. فقالت وهي ترمقه بدهشة: –أبيه، أنت مش واخد بالك؟ هي شبه مين؟ أنا لما شوفتها استغربت شوية وصدقت المثل اللي بيقول يخلق من الشبه أربعين. دي شبه أشجان أختي الله يرحمها. حرك راسل رأسه قائلاً: –عارف، وطلعت خطيبة دكتور بيشتغل عندي في المستشفى. بس هي مش بتطيق تبص في وشي.

افتر ثغره عن ابتسامة وهو يتذكر كل مقابلتهما سويًا، التي لم يمنع نفسه بها عن أن يثير غضبها مثلما كان يفعل مع تلك التي تشبهها. فأشجان كان لا يتوانى عن ممازحتها وإثارة غضبها بصغرهما، وكم كان حزينًا وما زال حزنه لفراقها يلازمه برحيلها عن هذا العالم. بأحد المتاجر الخاصة ببيع الثياب، حاولت حياء التخلص مما اعتراها من استياء منذ رؤيته، فلم تفلح في فعل ذلك. فأنتبهت على والدتها التي وكزتها بكتفها، وهي ترفع أحد الأثواب

بين يديها قائلة بإعجاب: –إيه رأيك في ده يا حياء؟ حلو أوي ولونه جميل. أخذته حياء تتفحص قماشه الحريري، ولكن وجدته فاضحًا بشكل يثير الريبة لفتاة خجولة مثلها، ليس كمثل تلك الأثواب الأخرى التي ابتاعتها، فهي حرصت على شراء الأشد أناقة واحتشامًا. فربما بعد أن تعتاد كونها زوجة نادر، ستشتري هذا الثوب وما على شاكلته. فوضعته من يدها وهي تقول بهمس خجول: –لأ يا ماما، دا دا مكشوف أوي، أو بمعنى أصح ميسترش حاجة.

تبسمت البائعة بعدما تناهى لسمعها ما قالته حياء: –ماهو كل العرايس بيشتروا من الحاجات دي، وده أحدث موضة، ودي آخر قطعة موجودة. كل الكمية اللي جت اتباعت كلها ومش فاضل غير ده بس. شعرت حياء بالخجل أكثر، ولكنها أصرت على عدم شرائه، فبإلتفاتها رأت راسل خارج المتجر، واضعًا الهاتف على أذنه، فتلاقت عيناها بعينيه من خلال تلك الواجهة الزجاجية المعروض بها تلك الثياب التي جاءت من أجل شراءها.

طفح كيلها من شعورها بأنه يتبعها، أو أنه علم لما جاءت لهنا، ورآها تبتاع تلك الثياب، فأعتذرت من والدتها التي عادت لترى عدة أثواب أخرى. فخرجت حياء من المتجر تصيح به بغيظ مكظوم: –إيه قلة الأدب بتاعتك دي؟ وكمان جاى ورايا لحد هنا؟ أنت فعلًا معدوم الأخلاق. قبض راسل حاجبيه، فأغلق الهاتف يضعه بجيبه، يحدقها بنظرة نارية: –فيه إيه يا آنسة حياء؟ بتزعقي ليه؟ ولا أنتي فرحانة بصوتك؟ نفثت أنفاسها من أنفها بضيق شديد وهي تقول:

–بجد والله ما شوفت حد ببجاحتك. يعني مش لاقية كلام أوصفك بيه. رفع سبابته بوجهها قائلاً بتحذير: –أحسن لك تحترمي نفسك، وإلا والله العظيم مستعد أنسى نهائي إنك بنت ومش هتعرفي أنا ممكن أعمل فيكي إيه، لأنك أنتي اللي جاية تجري شكلي وأنا ما عملتش فيكي حاجة. رفعت حياء شفتها العليا قائلة بسخرية: –لا والله؟ عايز تفهمني إنك مش جاي هنا عشان تعرف أنا بعمل إيه وبشتري إيه؟ رفع حاجبه بلا مبالاة وهو يحك لحيته النامية:

–ما تشتري اللي تشتريه وأنا مالي، دا أنتي شكلك عيانة بدماغك وبيجيلك تهيؤات. أبقي روحي لدكتور يكشف على مخك. أختذت ذراعيها بجانبها، وأنفاسها تتصاعد تدريجيًا فدمدمت بكره: –أنا برضه اللي عيانة بدماغي وعايزة أكشف على مخي؟ ولا أنت اللي مش بني آدم طبيعي وواحد مريض نفسي ومجنون وعايز تتعالج كمان؟

بذكرها ذلك الشق الأخير من عبارتها، التي تنعته به بالجنون والمرض النفسي، لم يحسن بكبح غضبه، فرفع يده المتشنجة بانفعالات عدة، يهوي بها كمن يحركها شيطانه، الذي استدعته هي بجهل منها، فلتذق الآن نتاج قولها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...