لم يكن من العسير عليه بمكان ، أن ينزوى بأحد أركان الصالة ، ليتجنب الدعس على الزجاج الذى ملأ الأرض متحطماً نتاج هياجه وغضبه المفرغ به . غرز يده بين خصلاته البنية الداكنة ، وراح يعيث بها فساداً وشداً من حين لآخر ، فكأن عقله أنشطر نصفين ، يتصارعان فيما بينهما ، على أي كفة ستكون هي الراجحة . فبعد أن أدلى نصر باقتراحه له ، بأن يتزوجها ويجني من خلفها المال كتعويض عن خسارته لمال عرفان ، وهو كأنه يقف على مفترق طرق .
فهو لا ينكر أنه بعض الأحيان كان يستحب أن تصير حياء له زوجة ، فمن يمكن مقاومة براءة وجهها أو طيبتها ، وخاصة عندما كان يستحيل بياض وجهها للون القاني . فهو بالأخير رجل بإمكانه أنثى أن تفتنه ، تجعله يضعها بتلك المنزلة والمكانة من قلوب الرجال . فصاح محتجاً على ما قاله شقيقه وهو يقول : –لا يا نصر لااااء والف لاء كمان لو مال الدنيا كله هاخده عن طريق حياء بالشكل ده مش عايزه .
رفع نصر حاجبه الأيسر بغرابة من قول نادر ، فمنذ متى وشقيقه يميل بقلبه لأحد . بعد إقترابه منه وضع يده على كتفه يشد عليه قليلاً . هز كتفه بخفة وهو يقول بنبرة أقرب للتشفى : –أنت حبيتها يا نادر شكلك كده وقعت فيها بس غريبة من أمتى وأنت ليك فى الحب والكلام ده . نفض نادر يده عنه وهو يقول: –حب إيه وبتاع إيه أنت كمان .
كل الحكاية أن حياء مش وش البهدلة دي أو أنها تقع في المستنقع اللي عايزني أرميها فيه ، دي زي الوردة اللي الهوا يستحي يقرب منها . دي أنا مشفتش منها مرة أنها حتى رضيت تخليني أمسك إيدها زي ما بتشوف أن في ناس ساعات بيبقى مخطوبين بس ولا كأنهم متجوزين وبيحصل بينهم تجاوزات لكن هي محصلش منها كده . لمعة عينيه وهو ينشد بصفات وأخلاق حياء ، جعلت نصر يتيقن من أن شقيقه ربما وقع بحبائلها ، حتى لو حاول هو الإنكار . فساره
بالحديث وهو يومئ برأسه : –أه باين عليك أوي مش بتحبها يا نادر ، وعينيك اللي هتخرج من مكانها وأنت بتتكلم عليها ، بس ما علينا . هم كانوا عارضين عليا مليون دولار مقابل ٣ بنات جبت اتنين وفاضل واحدة ، ففكر يا نادر وأنا مستعد أديك نص المبلغ اللي هاخده وهسيبك تفكر .
لم ينتظر نادر دقيقة أخرى ، بل خرج من منزل شقيقه وإستقل سيارته ليعود إلى بيته ، وطوال طريقه عقله يفتك به من كثرة التفكير ، حتى وصل لتلك البناية السكنية التي يقطن بها . ترجل من السيارة ولج للمصعد الكهربائي ، ولكن قبل أن يضغط على الزر . رآى حارس البناية يهرول إليه وهو يقول : –دكتور نادر دكتور نادر . تأفف نادر وأجابه بحدة : –عايز إيه وبتنادي عليا ليه . أمال الحارس فمه يساراً قائلاً ببرود :
–بفكر حضرتك بالايجار بتاع الشهر ده وكمان نسيت تدفع الشهر اللي فات . لو كده سيب الشقة نأجرها لحد تاني مش قد إيجار الشقق في المنطقة دي بتأجروها ليه مش عارف . مد نادر قدميه خارج المصعد ، وقبض على ياقة جلباب الحارس قائلاً من بين شفتيه بنزق : –أحترم نفسك وأنت بتتكلم معايا أنت فاهم والفلوس هتاخدها على الجزمة . نفض الحارس يده عنه وهو يجيبه بحدة مماثلة: –شيل إيدك يا دكتور واخد الفلوس على الجزمة ولا البلغة المهم تجيبها .
صاحب الشقة قالي لو مدفعتش خلال يومين تخلي الشقة وهيجيب مستأجر تاني . عاد الحارس ليجلس أمام البناية ، بينما ظل نادر واقفاً مكانه ، يفكر في حل لدفع ثمن الايجار المتراكم عليه منذ الشهر الماضي ، فإيجار الشقة يقدر بألالاف الجنيهات ، خاصة أنها بمكان لا يسكنه سوى الصفوة ، وهو يعلم أن نصر لن يعطيه المال بدون مقابل سواء كان بإجراء جراحات غير مشروعة أو بجلب حياء من أجل أعمال منافية للآداب . بعد مرور يومين ...
حرصت حياء على الخروج مبكراً من المنزل ، قبل استيقاظ أحد من ساكنيه الجدد المتمثلين بقسمت وزوجها وأبنائهما . فهي منذ يومين تقريباً أي منذ ما علمت حقيقتها ، وهي لا يواتيها النوم إلا قليلاً ، يسكن السهاد بفراشها ، تشعر كأنها تتمدد على أشواك تنغرز بلحمها وتنفذ لعظامها .
فبالأمس ذهبت لمكتب المحامي ، وأصرت عليه بأن يبوح لها باسم دار رعاية الأطفال التي جلبها منها عرفان ، فبعد إلحاحها أعطاها العنوان وأيضًا ورقة التبني إذا أرادت التأكد من الأمر .
أخذت سيارتها من المرآب ، وقادتها حتى خرجت من المنزل ، عيناها جامدة وهي تنظر أمامها ، حريصة على الوصول لدار الرعاية بأمان ، متفادية وقوع حادث لها ، خاصة وأنها تقود السيارة بذهن شارد ، أو ربما لم يعد لديها وعيًا كافيًا لاستيعاب كل ما حدث لها بالأونة الأخيرة . صفت السيارة أمام دار رعاية الأطفال ، قبضت على المقود تشعر بأن أصابعها من كثرة ضغطها صارت على وشك الانكسار .
أغمضت عينيها وملأت رئتيها هواءً كأنه خناجر تمزق صدرها ، فانسكبت دموعها رغماً عنها ، ولكن أسرعت بتجفيفها بالمحرمة الورقية فهي أصبحت لا تفارق يدها من كثرة بكائها . ترجلت من السيارة ووضعت حقيبتها على ذراعها ، فهبت نسمة هواء قوية ، قادمة من البحر ، القريب من دار الرعاية ، ضاربة ثوبها كالسوط ، فابتلعت ريقها تستشعر ملوحة دموعها النازفة على خديها وصولاً لشفتيها .
طلبت الإذن بمقابلة مسؤول الدار ، فأصطحبتها امرأة إلى مكتب يقع بأحد تلك البنايات الثلاثة التي يحاوطهم سياج حديدي وحديقة واسعة ، فعلى ما يبدو أن دار الرعاية كانت فيما مضى قصرًا وتم تحويله لمأوى للأطفال المشردين . طرقت حياء الباب باستحياء ، وسمعت صوت أنثوي قادم من الداخل يأذن لها بالدخول ، فأدارت المقبض وولجت للداخل .
أول ما وقع بصرها عليه ، هو تلك المرأة العجوز الجالسة خلف مكتب خشبي أنيق ، خصيلاتها رمادية كالفضة الزاهية تنبئ بأنه كان شعر أشقر بصباها . رفعت المرأة وجهها وعدلت من وضع نظارتها الطبية الكبيرة على عينيها ، عيناها باللون العسلي الفاتح ، ملامحها هادئة ببعض التجعيدات حول فمها وعينيها يرجع أثرها لسنوات عمرها الخامسة والستون ولكن شفتيها نضرة مبتسمة بحنان . فأشارت لحياء بالجلوس قائلة ببشاشة :
–تعالي اتفضلي كنتي عايزاني في إيه عايزة تتبني طفل . أومأت حياء برأسها رفضاً على ما قالته وهي تتخذ مقعدها أمام المكتب ، حاولت أن تستجمع قوتها وشجاعتها وأخرجت من حقيبتها ورقة التبني ، ووضعتها أمام المرأة وهي تقول : –أنا جاية علشان أعرف أن الورقة دي فعلاً من الدار هنا علشان مكتوب فيها اسم الدار والختم كمان . أخذت المرأة الورقة من يدها ورفعت نظارتها ، وضيقت عينيها تطالعها بتفحص وبعد أن أخذت وقتها بقراءتها
وتذكر ما ورد بها أجابتها : –أيوه فعلاً الورقة دي من هنا والبنت اللي اتخدت من هنا أنا فكراها كويس علشان هي لما لقيناها على باب الدار تاني يوم في ناس جت اتبنتها حتى ملحقناش نطلع ليها ورق باسم خاص ليها . فأصر الناس اللي اتبنوها أنهم يسموها حياء ، أنا مبنساش أي طفل خرج من الدار هنا . –بس البنت كان عندها حوالي ٣ شهور لما اتبنوها هي مكانتش هنا من ساعة ما اتولدت ؟
قالتها حياء متسائلة ، فإن كانت متبناة من عمر ثلاثة أشهر ، فأين كانت منذ ميلادها ؟ وضعت المرأة الورقة أمامها ، فتلاحمت أصابعها ببعضها البعض وهي تقول : –لا البنت لقيناها على باب الدار وهي بعمر ٣ شهور أنا فاكرة كل طفل جه الدار هنا وكمان بنعمل سجلات ليهم ولحالات التبني وكل الهدوم اللي جم بيها محتفظين بيها لحد دلوقتي تحسباً أن أي حد يسأل عليهم تسهيلاً أنهم أهلهم يلاقوهم بسرعة لو ظهر ليهم أهل . رمقت
المرأة حياء قائلة بفضول : –بس أنتي بتسألي على ورقة التبني دي ليه . انهمرت دموع حياء على وجنتيها وهي تكتم صوت شهقاتها المتلاحقة ، تقول بصوت خافت غير مفهوم لاختلاطه ببكائها : –علشان أنا أبقى البنت دي وعرفت أن الناس اللي اخدوني مش أهلي . انكفأت حياء على طرف المكتب تضع رأسها على ذراعيها وأجهشت ببكاء مرير ، أشفقت المرأة عليها فتركت مقعدها ودارت حول المكتب ، تربت على ظهرها بحنان :
–اهدى يا بنتي وصلي على النبي وبلاش عياط مش هيفيد حاجة أنك تموتي نفسك من العياط . رفعت حياء رأسها ترمقها باستعطاف : –هو أنا ليا هدوم هنا في الدار ، هو حضرتك بتشتغلي هنا من زمان . أومأت المرأة برأسها وهي تجيبها :
–أيوه في هنا مخزن فيه كل حاجة ، علشان الدار دي كانت قصر والدي الله يرحمه ، وكنت أنا بنته الوحيدة بس محصلش نصيب واتجوزت ، فحولت القصر لدار رعاية أطفال ، وكل حاجة هنا بنظمها بنفسي حتى بعد ما كبرت كده زي ما أنتي شايفة تعالي معايا .
بخطوات هادئة تبعت حياء المرأة ، حتى تركتا ذلك المبنى ، وذهبتا لمبنى آخر ، سارت خلفها عبر رواق طويل حتى وصلتا لغرفة بآخر الرواق ، فأخرجت المرأة سلسلة مفاتيح وأدارت إحداها بمقبض الباب ، فأنفتح الباب وأضاءت الإنارة ، رأت حياء عدة أرفف من الأرض لسقف الغرفة ، وأيضًا دمى وألعاب ، وكل رف من الأرفف يحمل تاريخ بعام معين بالترتيب اللازم لتسهيل البحث والتفتيش .
وضعت المرأة يدها أسفل فكها بتفكير ، فرفعت ورقة التبني تبحث عن التاريخ بالتحديد ، حتى تذكرت أين وضعت الأشياء الخاصة بها ، فأقتربت من أحد الأرفف وأخذت ملابس مطوية بعناية داخل كيس بلاستيكي . فقربته من حياء وهي قائلة بلطف : –دي الهدوم بتاعتك أهي حتى كتبت ورقة عليها الاسم اللي سموكي بيه " حياء " .
تناولته منها حياء ، وبدأت بفتحه لرؤية تلك الثياب ، وجدت فستاناً باللون الأبيض ، وحذاء قماشياً من اللون ذاته ، وثياب بيضاء داخلية ، ووجدت أيضًا سلسالاً ذهبياً معلق به خاتم رجالي يتوسطه ياقوتة حمراء براقة تشبه اللهيب . رفعت حياء السلسال أمام عينيها وهي تقول : –إيه السلسلة والخاتم ده . أجابتها المرأة وهي تتناوله من يدها :
–ده لقيناه كان حوالين رقبتك لما جيتي ، أنتي يا بنتي الظاهر عليكي أنك بنت ناس ، بس الله أعلم إيه اللي حصل ووصلك هنا دا في علم ربنا ، أو فين أهلك ومسألوش عنك ليه ، برضه العلم عند الله . ضمت حياء الثوب ، وأخفت وجهها بين طياته تشتم رائحة طفولتها ونسبها المجهول ، فعادت وضمت الثوب لصدرها وهي ترمق المرأة بما يشبه التوسل : –ممكن آخد الحاجة دي لو سمحتي هو حضرتك اسمك إيه . تبسمت لها المرأة وهي تمسد على ذراعها برفق :
–اسمي عديلة واه يا حبيبتي ممكن تاخديها مفيش مشكلة لأنها في الأول والآخر حاجة تخصك وجايز في يوم تقدري توصلي لأهلك . وأنا تحت أمرك لو احتجتني أي حاجة . شكرتها حياء وهي تلملم الثياب تمهيداً لأخذها معها ، فسارت حياء برفقتها حتى وصلت للبوابة الرئيسية وشكرتها مرة أخرى ، وذهبت لسيارتها وأخذتها تنطلق بها ، فظلت من وقت لآخر تنظر للمقعد المجاور لها تلقي نظرة على ما جلبته من روائح وبقايا ماضيها ، الذي لا تعلم كيف بدأ ؟
ولا تعلم أي طريق تسلكه لمعرفته ؟ وصارت الآن لا تعلم كيف سينتهي بها المطاف بالأخير ؟ تلك المرة لم يذهب لها بالشقة ، بل فضل الذهاب لها بمتجرها ، فهو لن ينتظر ليحل المساء حتى تعود للبيت . ولج حسان المتجر ينظر يمينًا ويسارًا ، حتى رآها قابعة خلف مكتبها ، لا يعلم ماذا تفعل ؟
سوى أنها تدون بدفتر أمامها ، ويبدو عليها أنها مستغرقة بعملها ، لدرجة عدم انتباهها لمجيئه ، يراها تدون شيئًا وتعود تحتسي من كوب الشاي خاصتها ، فما زالت تحب احتساء الشاي بكثرة ، كما أنها ما زالت جميلة مثلما كانت بصباها ، ذلك الجمال الذي أورثته لابنتيها ، وبالأخص الابنة الصغرى . –إزيك يا إسعاد . قالها حسان فجأة ، لتنتفض إسعاد من صوته وترتجف أعضائها . فوضعت يدها على صدرها تشهق بصوت عالٍ نسبيًا :
–بسم الله الرحمن الرحيم خضتني يا حسان . تبسم بمكر وهو ينحني إليها بجذعه : –ألف سلامة على الست إسعاد من الخضة ، بعد الشر على الجميل . انكمشت ملامحها بغرابة من إطرائه المفاجئ لها ، فمنذ متى وهو يتملقها : –لا والله ده من أمتى ده يا حسان أنت عيان ولا إيه . مد يده يلاطف خدها وهو يهمس لها : –لسه جميلة زي ما أنتِ يا نبيلة ، كأنك البنت اللي اتجوزتها وكانت زي القطة المغمضة الوديعة . قرص بأصابعه وجنتها ، فشعرت بألم طفيف
جعلها تزيح يده عن وجهها : –عايز إيه يا حسان خلصي ما هو مش معقول يعني كلامك ده كده من غير أنك عايز حاجة من أمتى الرومانسية دي كلها . استقام حسان بوقفته واضعًا يديه بجيبَي بنطاله ، وهو يقول ببرود : –أنا غلطان يعني ولما الراجل يسكت وميتكلمش يقولوا عليه رجل نكدي ستات دماغها فاضية ومبيعجبهاش العجب صحيح . نفخت إسعاد بقلة حيلة وضيق:
–هات من الآخر يا حسان وقول عايز إيه لو عايز فلوس لسه مجاش آخر الشهر علشان تيجي تاخد اللي حيلتي . جلس حسان على طرف مكتبها الصغير ، فحجب عنها الضوء القادم من الخارج ، وأخرج سيجارة من علبة سجائره ، وأشعلها ببرود جعلها تصل لحافة صبرها . نفث حسان دخان سيجارته بوجهها وهو يقول : –في عريس جاي لولاء وأنا وافقت . نبتت من مجلسها تقف متصلبة الجسد وهي تقول بفزع :
–عريس إيه ده يا حسان اللي أنت جايبه لولاء زي اللي كنت جايبه لأشجان كده وخلتها انتحرت عايز تموتلي التانية وترتاح . دفعها بيده ، جعلها تعود لمقعدها ثانية ، ومازال جسدها ينتفض بغضب شديد ، فهي لن تترك ابنتها الأخرى تلقى مصير شقيقتها ، فيكفي ما فعله بهن . هدر بها حسان تلك المرة بصوت مرتفع:
–اهدي واقعدي واسمعيني وبطلي كلام ، ومتخافيش أوي كده المرة دي العريس شاب عنده حوالي ٣١ سنة وغني وعايش هنا في إسكندرية واسمه فؤاد سالم وحيلته كتير يعني بنتك هتعيش متهنية وتتجوز جوازة متحلمش بيها .
صمتت إسعاد تفكر فيما أخبرها به ، فإن كان ما يخبرها به من صفات وسيمات ذلك الرجل الذي تقدم لخطبة ابنتها حقيقة ، فهي لن تبدي اعتراضاً ، ولكن لما لا تشعر بالراحة أو السعادة التي من المفترض لها الشعور بها بعد علمها أن ربما ترى ابنتها قريباً ببيت زوجها ، فذلك القلق الذي ملأ جنبيها لا تستطيع نكرانه ، وخاصة أن زوجها كان دائمًا وأبدًا منبع تعاستها وحزنها الذي لا ينضب .
عضت شفتها السفلى بتفكير ، وضيقت ما عينيها تحملق به بصمت ، ولكن قبل أن تقول شيئًا لف يده حول عنقها ، يقربها منه ، لكنها دفعته عنها قائلة بسخط : –أنت بتعمل إيه يا حسان أنت اتجننت إحنا مش في البيت هنا لعمايلك دي . تأفف من فعلتها ، فترك مكانه وهو يزفر بحنق : –ده أنتي ولية فصيلة يلا ما علينا أنا همشي وقولي للمحروسة بنتك أن العريس هييجي معايا بكرة . وأحسنلها توافق وإلا مش هيحصل طيب سلام يا ست إسعاد .
خرج حسان من المتجر ، فاستندت بمرفقيها على طرف المكتب ، تضع رأسها بين كفيها ، فهي على يقين تام أنه إذا علمت ولاء أن والدها يريد تزويجها من رجل من طرفه هو ، ستصمم على رفضها ، وتخشى أن يصل الأمر لأكثر من الرفض ، فأرتجف جسدها وأرتعشت ساقيها وهي تتخيل أن ربما ولاء تقدم على فعل ما فعلته شقيقتها ، فما كان منها سوى أن تركت مكانها لتذهب لوفاء ، ولكن تقابلت مع ولاء التي عادت من دوامها بالعمل .
تعجبت ولاء من ملامح القلق التي اعترت ملامح وجه أمها ، فعلى الرغم من أن الأيام الماضية ، نشب بينهما الجفاء ، إلا أنها لم تمنع خوفها من أن يكون أصابها مكروه . فهتفت بها بقلق وهي تتلمس ذراعيها : –ماما في إيه ومال لونك مخطوف كده حصل حاجة . لم يكن ردها عليها سوى احتوائها بين ذراعيها ، فوسواسها بدأ بنخر عقلها ، فشدت إسعاد من احتضان جسد ولاء ، حتى صار القلق بأوج مراحله بقلب ولاء . فابتعدت عنها وهي ترمقها بتساؤل مستطردة:
–بجد في إيه يا ماما قلقتيني . أخذت إسعاد يد ولاء ، وسحبتها معها لمتجر وفاء ، التي أنهت إعطاء الزبون ما يريده وانصرف ، فأقتربت منهما تبدي قلقها هي الأخرى : –مالكم في إيه حصل حاجة ولا إيه . ضمت إسعاد شفتيها لتوقف ارتعاشها الذي احتل كل إنش بها ، فضغطت على يد ولاء الممسكة بها وهي تقول: –حسان كان هنا من شوية جايب عريس لولاء بيقول أنه غني واسمه فؤاد سالم بس أنا مش مرتاحة للموضوع .
بسماع ولاء اسم فؤاد ، اتسعت مقلتاها بمحجريهما ، وفغرت فاها بدهشة ، كأنها أصبحت تمثال حجري يتخذ وضع الصياح الصامت بعد أن نزعت منه الروح . فما كان من وفاء سوى أن اقتربت منها ، تربت على وجنتها لتجعلها تستعيد وعيها المسلوب ، فعلا صوتها بقلق وهي تناديها : –ولاء بت يا ولاء مالك يابت تنحتي ليه كده فوقي . بصفعات وفاء الرقيقة على خدها ، أخذت ترفرف برموشها ، كمن تستعيد وعيها بعد الإغماء ، جاهدت على أن يخرج
صوتها وهي تقول بصعوبة : –بتقولي إيه فؤاد سالم مين ده كمان اللي اتجوزه . –هو أنتي تعرفيه يا ولاء ؟ نطقت بها وفاء بغرابة ، في انتظار أن تجيبها على ما سألتها إياه . فأومأت ولاء برأسها مراراً وهي تجيبها : –إلا عرفاه ما هو ده يا طنط الراجل اللي قالي المحل وخلاني زعقت وأنتي جيتي وحكيتلك عنه الراجل الفلاتي بتاع النسوان ده . شهقت وفاء وهي تضرب صدرها بيدها:
–يا خبر أبيض الراجل اللي كان عايز يصاحبك ده كات جنازة تاخده قبل ما يتجوزك . تقف إسعاد بالمنتصف لا تفقه شيئًا مما يقولونه ، فخاطبت وفاء قائلة بحيرة : –أنتوا تعرفوه منين ده يا وفاء أنا مش فاهمة حاجة .
ربتت وفاء على كتفها ، وبدأت بقص كل ما حدث بذلك اليوم ، الذي علمت به من يكون هذا الرجل المدعو فؤاد سالم ، غير متغافلة عن إخبارها بما اخبرتها به ولاء من سلوكه السيئ معها ومع غيرها من الفتيات ، وأنه لا يفرق كثيرًا عن زوجها حسان من حيث ردائة أخلاقه ، ونمط معيشته العابث والفاسق .
باحتضان إسعاد لابنتها كانت تعرب عن رفضها ، فهي لن تجعل ابنتها تعاني مثلما عانت هي سابقًا وما زالت ، ولكن كيف تنقذ ولاء من ذلك الفخ ، الذي ينصبه لها والدها بيديه ، فهي علمت الآن لما هو وافق على تلك الزيجة ، فهو لم يوافق إلا من أجل المال الذي سيجنيه من خلف تلك الزيجة ، التي لا يطلق عليها سوى زيجة مشينة حتى لو كان الرجل يملك من المال الكثير ، فيكفي فقط أخلاقه المتدنية ، لتصير حياتهما كالجحيم .
أخذ كرم العلبة الصغيرة الملفوفة بورق لامع ، من على الكومود بجوار فراشه ، فأين ذهبت تلك السعادة التي تراقصت على وجهه وبقلبه ، وهو يستيقظ من نومه صباح اليوم ؟ فعلمه أن اليوم هو ذكرى مولد هند ، تغشت رماديته السعادة بأن سيذهب اليوم لمنزل خالته ، وحضور ذلك الحفل المقام به احتفالاً بذكرى ميلادها . ولكن سرعان ما خبت تلك السعادة سريعًا ، كألسنة اللهب التي تلقت قطرات الماء فجأة فأخمدتها ، فهو يعلم كيف سينتهي اليوم ؟
سينتهي كالعادة بعدم إحاطتها له بشيء من اهتمامها ، فقبل أن يشتد الصراع بين عقله وقلبه ، حسم أمره وخرج من الشقة ، مسكين ذلك القلب الذي وقع بهوى من لا تريده . أمر سائق سيارة الأجرة ، بأن يقف أمام ذلك المنزل الذي أشار إليه ، فترجل من السيارة يدفع ما عليه من نقود للسائق ، توقف دقيقتين كاملتين أمام المنزل ، يحاول أن يلتقط أنفاسه ، التي زادت وتيرتها من شدة التوتر .
دلف لداخل المنزل ومنه للحديقة ، رأى جمع من الشباب والشابات ورجال ونساء ، وأصوات موسيقى صاخبة ، فدار بعينيه يبحث أولاً عن خالته ، التي ما أن رأته حتى اقتربت منه تحتضنه وتقبله على وجنته مرحبة بقدومه : –أهلاً يا حبيبي تفضل اتأخرت ليه كده إحنا كنا خلاص هنطفي الشمع . –معلش يا خالتو المواصلات بقى وأنتِ عارفة ساكن في آخر الدنيا .
قالها كرم بتفكه ، وعيناه تبحث عنها ، حتى رآها جالسة برفقة أصدقائها ، فسحبته خالته حتى اقترب منهم . فباستحياء رفع يده بالهدية التي جلبها من أجلها ، وهو يعلم أنها لا تقارن بما ستحصل عليه من هدايا أخرى تلك الليلة . –كل سنة وأنتِ طيبة يا هند عقبال ١٠٠ سنة . نطق بها كرم ، وأطرق برأسه أرضًا كأنه يخشى رؤيتها بتلك الثياب التي تفتن قلبه . أخذتها منه هند وهي تقول ببرود : –ميرسي يا كرم وأنت طيب .
ألقتها بجانبها ، وعادت لحديثها مع أصدقائها ، ففضل الانسحاب من المكان وهو يعنف نفسه ويجلد ذاته على أنه خضع لوخزات قلبه وأتى إليها . ولكن قبل أن يبتعد أكثر سمع إحدى صديقاتها تقول بتأفف : –هند إحنا مش هنطفي الشمع النهاردة ولا إيه الوقت اتأخر أنتي مستنية مين . نكزتها هند بكتفها وهي تقول بضيق : –مستنية راسل عايزاني أطفى الشمع وهو مش موجود . ردت فتاة أخرى قائلة بضحكة عالية : –راسل !
أبقى قابليني لو جه يا هند هو أصلاً عمره حضرلك عيد ميلاد يا بنتي فكك منه بقى متتعلقيش في أحبال دايبة . فعادت الفتاة الأولى قائلة بصوت منخفض : –وماله ابن خالتك ده وسيم وقمور وباين عليه أنه واقع خالص يا عيني . ردت هند قائلة باستنكار غافلة عن وجود كرم بمكان قريب من مجلسهن : –إيييه كرم ! أنتي اتجننتي ده أنا بتكسف أقول عليه ابن خالتي عايزاني أحبه أنتي عبيطة ولا إيه ده تلاقيه حتى جايبلي هدية وحشة أستنى هفرجك عليها .
أخذت الهدية وأزالت الورق المغلف وفتحتها ، وجدت علبة بداخلها سوار ذهبي رقيق ، فرفعته تشير بها أمام أصدقائها وهي تقول بغرور : –شايفة أنسيال ، الخدامة اللي عندها لابسة أغلى منه . ليته لم يأتي وتهدر كرامته ، وليته لم ينبض قلبه لها ، فماذا سينتظر أكثر من ذلك ؟
فأسرع بخطواته للذهاب ، ولكن نادته خالته ، فلم يجيبها وأكمل بطريقه ، حتى خرج من المنزل ، فهو أتى بقلب نابض ورحل بلا كبرياء وكرامة التي دعستها تلك الفتاة بحديثها ، فأقسم أنه إذا أتاحت له الفرصة سيرد لها كل كلمة قالتها بحقه ، وسيذيقها مرارة الرفض والإهانة ، فلا أحد يستهين بكسر قلوب الآخرين ، فهي كالزجاج الذي إذا تحطم لن يعود كسابق عهده ، فدائمًا ما تتبقى الندوب جلية وواضحة على جدران وثنايا القلب .
فبأثناء مروره من أمام المنزل ، لمح سيارة تقف أمام المنزل ، وترجل صاحبها منها ، فعرفه على الفور ، فكيف لا يعرفه ؟ وهو من سلب عقل تلك التي حطمت قلبه بإهانتها . رآى راسل كرم يقف متصنمًا بوقفته فأبدى دهشته ، فهو يعلم أن هذا الشاب هو ابن خالة هند ، فهو قابله مرة من قبل . فأقترب راسل منه يصافحه : –أهلاً ازيك يا أستاذ كرم هو عيد الميلاد خلص ولا إيه .
امتنع كرم عن وضع يده بيد راسل ، فدس كفيه بجيبَي بنطاله ، يرمقه بصمت أثار غرابة راسل ، فسحب يده بهدوء معقبًا : –هو في حاجة ولا إيه مالك يا أستاذ كرم . لم ينبث كرم ببنت شفة ، فتعاظمت دهشة وغرابة راسل من أفعاله ، ولكن استطاع قراءة الكره بعينيه ، فتلك النظرة يعلمها هو جيدًا ، فكثيرًا ما يراها بأعين المحيطين به . خرج كرم عن صمته قائلاً بجمود وصوت يشبه الهذيان :
–ليه هي مش شايفة حد غيرك وبتجري وراك فيك إيه زيادة عن بقية الرجالة ، علشان دكتور ولا علشان غني ولا علشان صيتك ، قول لي هي مش شايفة غيرك ليه . –علشان هي غبية يا كرم ومش عايزة تفهم أن مش هيحصل اللي في دماغها ده أبدًا لا دلوقتي ولا بعدين . قالها راسل ببرود ، فهو فطن عن ماذا يتحدث ولما هو هكذا ؟ فهو علم الآن أن ذلك الشاب ما هو إلا أحد ضحايا العشق المستحيل . تبسم كرم قائلاً بسخرية : –عايز تفهمني أنك مش بتحبها .
وضع راسل يده على صدره يربت عليه بحركات رتيبة وهو يجيبه بوضوح : –لا طبعًا لا بحبها ولا بحب غيرها وقولت لها الكلام ده كتير بس هي اللي مش عايزة تفهم ، أنا مجرد واحد يعرفها ويعرف أهلها كنوع من الصداقة والمعرفة أكتر من كده لا ، ولو كنت بحبها ما كنت اتجوزتها من زمان حتى قبل ما اتجوز أم بنتي .
أخذ راسل كرم من مرفقه ، وعوضًا عن الدلوف للداخل ، سارا حتى وصلا للشاطئ القريب من المنزل ، على أحد الصخور الجافة ، جلس راسل يدعوه للجلوس . فأستجاب كرم له ولا يعلم كيف انساق خلفه ولمطلبه ؟ جلس بمكان قريب منه على تلك الصخرة الكبيرة ، فبادر راسل بالحديث تلك المرة وهو ينظر لانعكاس ضوء القمر على سطح الماء . –أنا عارف يا كرم أنك بتحب هند وده باين عليك وعارف أنك حاسس بكره ليا علشان غيران عليها صح ولا أنا غلطان .
اجتاح كرم دفء مفاجئ ، من فرط ذلك الخجل الذي شل أطرافه بعدما سمع حديث راسل له ، فالجميع يرى ذلك الحب ، عدا تلك المتعجرفة عمياء القلب والبصيرة . يشعر بلهيب في أذنيه ، فضم ذراعيه أمام صدره كمن يشعر ببرودة شديدة خلاف ذلك الدم الحار الذي يسري بعروقه . فحاول أن يقول شيئًا فخرج صوته مرتجفًا : –لا أنا مبحبهاش ولا حاجة ده بيتهيألك دي علشان بنت خالتي . بسم راسل على كذبته الواضحة للعيان :
–واضح أوي أنك بتكذب ، إحنا رجالة ونفهم بعض كويس ومش هكذب عليك أنا صعبان عليا أنها مضيعة وقتها على واحد زيي مفيش منه أمل زي ما بيقولوا ، هي الوحيدة اللي مش عايزة تقتنع بده ، وأنا عارف أن ده كله هوس من هند مش حب ، مش بيقولك كل ممنوع مرغوب . زفر كرم أنفاسه قائلاً بخفوت : –وأنت بتقول الكلام ده ليه . التقط راسل حصاة من جواره ورفع ذراعه يلقي بها في الماء وهو يقول :
–كنت عايزك بس تعرف حقيقة مشاعري من ناحية هند وعلشان متبطلش تحبها جايز أنت اللي تقدر تغير لها تفكيرها وتشوف اللي هي عامية عينها عنه . صدرت عن كرم آهة سخرية ممزوجة بالقهر : –هند تحب واحد زيك تحب أي راجل تاني تشوفه يناسب طموحها لكن تحب واحد زيي أنا ليه وهي حتى بتتكسف تقول عليا أن أنا ابن خالتها وعلشان مش من مستواها ، أنا اللي غبي من الأول علشان بصيت لفوق ومبصيتش على قدي .
شعر راسل بالشفقة على ذلك الشاب ، الذي حوى حديثه شعورًا بالقهر والحزن ، فما كان منه سوى أن مد يده يربت على كتفه ويشد عليه قليلاً وهو قائلاً بهدوء : –عمر ما كان الغنى والفقر مقياس للحب والا ما يبقاش اسمه حب من أصله ، كل الفوارق الاجتماعية دي متساويش حاجة قدام حب يكون صادق ويكون من القلب من غير أي اعتبار لحاجة تانية .
نهض راسل من مكانه ينفض ذرات التراب العالقة بثيابه من الجلوس على الصخرة ، ورحل تاركًا كرم مازال جالسًا مكانه يفكر فيما سمعه من راسل .
فعندما عاد راسل لسيارته استقلها مغادرًا فهو يرى أنه من الأفضل أن لا يلج للداخل ، ويعطي تلك الفتاة أملًا زائفًا ، فهو أتى اليوم إكرامًا لوالدها ، ولكن بعد ما حدث بينه وبين كرم ، فضل العودة لبيته ، فربما بذلك تتيقن من أنه لن يكون لها يومًا من الأيام ، فتلك الحقيقة يجب أن تكون راسخة بعقلها .
وضعت باقة الزهور التي تحملها أمام ذلك الشاهد الرخامي الذي يحمل اسم عائلة الطيب ، بعد أن فرغت من دعائها لهما ، جلست أمام القبر ، فتلمست جدران القبر بيدها بحنو بالغ ، تبسمت من بين دموعها ، عندما طاف بعقلها صورتهما عندما قابلتهما بالمطار بعد عودتها من الخارج بعد أن أنهت تحصيلها الدراسي ، فبذلك اليوم لم تكف مديحة عن البكاء وهي محتوية إياها بين ذراعيها ، كأنها تخشى هروبها ، حتى استطاع عرفان تخليصها من بين ذراعيها بصعوبة وهو يهتف بمديحة أن تتركها فهي كانت على وشك خنقها بدون أن تدري .
أزدردت لعابها بألم وهي تقول : –وحشتوني أوي أوي حتى بالرغم من أن عرفت أن أنا مش بنتكم بس هتفضلوا بالنسبة لي بابا وماما اللي معرفتش في حياتي حد بحنيتهم وحبهم وخوفهم عليا وعمر الحقيقة ما هتغير مكانتكم وحبكم في قلبي . أثناء حديثها سمعت صوت خطوات تدعس حصى الأرض وهي تقترب منها ، فألتفتت خلفها ورأت نادر قادمًا إليها ، فتركت مكانها وهي تنفض يدها وثيابها ، ولكن شعرت بالقلق من ملامح وجهه المتجهمة . فهتفت بصوت منخفض:
–نادر أنت عرفت أن أنا هنا إزاي حتى أنت مرنتش عليا . غرز نادر يده بين خصائله مغمغمًا: –روحت لك البيت ملقتكيش قولت أكيد هلاقيكِ هنا فجيت علشان كنت عايز أتكلم معاكي بس تعالي نشوف مكان نقعد فيه مش هنقعد نتكلم في المقابر ، بس إزاي لسه قادرة تجيلهم هنا وهما يعتبر دمروا حياتك . عبست ملامحها وهي تقول بغرابة : –دمروا حياتي !
ده لولا فضل ربنا ثم فضلهم كان ممكن أكون مشردة يا نادر بس أنا مسمحلكش تتكلم كده حتى لو هم مش أهلي الحقيقين بس مش هسمح لحد يقول عليهم كلمة مفهوم . رفع يده يشير لها أن تتقدمه بالسير وهو يهتف بغيظ : –يلا يا حياء ووفر كلامك ده هي فين عربيتك . رفعت وجهها بشعور غريب يتسلل إليها من تغيره بالحديث معها ، ولكن فضلت أن ترجئ ذلك الأمر لاحقًا لتعلم ماذا يريد منها ؟ أجابته بهدوء: –مجتش بالعربية جيت في تاكسي العربية في البيت .
فهي لم تخبره ، بأن قسمت بدأت بحرمانها امتيازات دلالها ، وبدأ الأمر بنهرها عن قيادة السيارة ، بعدما رأتها تعود بها من دار الرعاية ، فما كان من قسمت سوى أخذ المفتاح ، تشدد أوامرها لها بعدم قيادتها ثانية . وصلا للطريق الرئيسي ، وكل منهما بعالم آخر ، فهي تسير واضعة يديها بحيبَي معطفها السميك ، تنظر للمارة وللسيارات ولكن ضيقت عينيها قليلاً بتفكير عندما لمحت رجل وامرأة يقفان أمام أحد المتاجر على الطريق يتشاجران بصوت عالٍ .
ولكن سرعان ما قالت بغرابة وذهول : –نادر مش الراجل والست دول قرايبك اللي كانوا معاك يوم ما خطبتني . تشنجت أطرافه بعد سماع قولها ، فهي لم تكتفِ بذلك بل ركضت بخطوات سريعة تجاههما حتى وصلت إليهما ، فأستمعت لشجارهما ، ورأت أيضًا ثيابهما الرثة . فسحبت حياء المرأة من مرفقها بتساؤل : –هو مش أنتي قريبة الدكتور نادر والمفروض أنكم عايشين في الصعيد أنتي مش عرفاني . قطبت المرأة حاجبيها وهي تجيبها متشدقة بعلكتها:
–أه هو أنتي خطيبته ، أنتوا خلاص اتجوزتوا . –ده طلع نتن أكل علينا بقية المصلحة معندوش ضمير ، بقى يعني يرضيكي يوعدنا ناخد ألفين جنية ونعمل أهله ولما مصلحته خلصت مدناش إلا ألف جنية بس ، ده الدكتور نادر ده ابن حرام مصفى . قالها الرجل بإشمئزاز واضح ، وسحب مرفق زوجته معقبًا : –يلا بينا يا ولية رمي لينا فتافيت وأخد الهبرة كلها لوحده يبقى يطفحها إن شاء الله .
ظلت يدها معلقة بالهواء حتى بعد انصرافهما من أمامها ، ما هذا الذي استمعت له ؟ أدارت رأسها لنادر الواقف على بعد عدة أمتار منها ، فعادت إليه وهي ترى العالم كأنه يتساقط من حولها . خطواتها الراكضة خلفت لهاثًا قويًا ، فوضعت يدها على صدرها تحاول التقاط أنفاسها ، فرمقته قائلة بذهول : –نادر الناس دي كنت مأجرها وكنت بتضحك عليا وهم مش أهلك الكلام ده بجد إيه اللي سمعته وعرفته ده . دلك نادر عنقه بتوتر وهو يقول :
–ناس مين يا حياء أنتي بيتهيألك ولا إيه أنتي من يوم الحادثة وأنتي تصرفاتك بقت غريبة أنتي لازم تروحي لدكتور نفسي مش هينفع كده ، أنا كنت عايز أتكلم معاكي بس الظاهر كده لازم تروحي ترتاحي ونبقى نتكلم بعدين .
حاول إقناعها أن ما رأته وسمعته ما هو إلا أوهام ، ولكنها لم تأخذ بحديثه وخاصة بعد أن أصر عليها بالعودة للبيت ونتحدث بوقت آخر ، فأستقلت سيارة أجرة وعادت للمنزل ، بعدما رأته يأخذ سيارته يفر هاربًا من أمامها ، وصلت لوجهتها ومنها لغرفتها متفادية النقاش الحاد مع قسمت ، فهي صارت تضايقها بالغدوة والروحة ، فأتخذت من جدران الغرفة حصنًا أمينًا تتوارى خلفه عن أعين الجميع .
فظلت ليلها بأكمله تفكر فيما حدث ، فهي يجب أن تعلم ما يخفيه نادر ، فهي انتظرت بزوغ الشمس على أحر من الجمر ، فخرجت من المنزل ، تتجه صوب تلك البناية التي يقطنها نادر . وجدت حارس البناية جالسًا على مقعد خشبي يتناول إفطاره ، فألقت عليه التحية وأسرعت بسؤاله عن نادر بلهفة : –لو سمحت هو دكتور نادر ساكن هنا مش كده . ابتلع الرجل الطعام العالق بجوفه قائلاً : –خلاص ساب الشقة امبارح بالليل مبقاش ساكن هنا .
–ليه هو باع شقته ومشي من هنا . خرج صوتها مهزوزًا ، تشعر أن الثواني أصبحت دهورًا بانتظاره أن يجيبها . نفض الرجل يده من الطعام العالق بها وهو يجيبها بهدوء : –مكنتش شقته هو كان مأجرها مفروش حتى كمان كان متأخر في دفع الايجار وكان منشف ريقي معاه والحمد لله أنه غار من هنا ، جه امبارح دفع الايجار واخد هدومه ومشي ومعرفش راح فين .
بعد أن استمعت لما قاله الحارس جرت قدميها بثقل ، فهل كل حياتها الوردية مبنية على الكذب وأساس واهٍ ومزيف ، حتى من ظنت أنه فارس أحلامها لم يكن سوى كاذب مخادع هو الآخر ، فهي بدأت الآن أن تفهم سبب تغير سلوكه معها ، فهو كان يريد الزواج منها ليأمن الثراء والمعيشة الرغيدة ، وبعدما أنجلى الحقيقة ، ظهر أيضًا ما كان يخفيه ، لا تعلم هل تبكي أم تضحك أو ماذا تفعل ؟ فلا شك أن هي الآن بأحد الأفلام الخرافية التي لا يعيها العقل .
عادت للمنزل وولجت لغرفتها وأرمت على الفراش ، دفنت وجهها بالوسادة تبكي على أحلام وردية نسجتها بقلب مغرم ، لتفيق بعد ذلك على واقع مرير ، نوبة بكائها الحادة أسلمتها بعد ذلك لنعاس تمنت ألا تفيق منه ، فمرت ساعات النهار سريعًا وحل المساء وهي ما زالت مستغرقة بنومها ، كمن فقدت الوعي فجأة ، لم تفيق سوى بسماع باب الغرفة يفتح ويرتطم بالجدار . سمعت صوت قسمت تصيح بها حتى أفزعتها: –أنتي يا ست الحسن والجمال اصحي بقى كفاياكي نوم .
انتفضت حياء من نومها وهي ترتجف قائلة بصوت خالطه النعاس : –هو إيه اللي حصل في إيه . وجدت هبة تلج الغرفة أيضًا ، تحسبًا لأي مشادة كلامية بين والدتها وحياء ، فأقتربت جالسة بجانبها على الفراش تربت على كتفها باسمة : –قومي يا حياء علشان تتعشي أنتي بقالك كتير نايمة قلقتيني عليكي .
استكانت حياء لعطف ولطف هبة تجاهها ، فحتى بعد علمها بأن ليست ابنة خالها فهي ما زالت تعاملها بلين وحنان ، وكم من مرة أشفقت عليها من أن لها والدة مثل قسمت ، فهي بالأيام الماضية استمعت لمناقشات حادة بينهما بسبب رفضها أن تذهب هبة لزوجها وخاصة بعدما صارت بمثل هذا الثراء ، تجعلها تقيم إقامة جبرية بالمنزل ولا تتركها تخرج منه أبدًا ، ولكنها خشيت من التدخل بالأمر وتلقي مزيدًا من كره قسمت لها .
انصاعت حياء لقول هبة وتركت الفراش و ذهبت للمرحاض ، وبعد انتهائها خرجت وجلست على المائدة تتناول طعامها بصمت ، وبعد الانتهاء أشارت عليها هبة بالجلوس في حديقة المنزل يتسامران قبل النوم ، ولكنها لم تخبر أحد بشأن ما اكتشفته اليوم عن نادر ، فهي لا تريد المزيد من شماتة قسمت ، فجعلت الحسرة والحزن يأكلان قلبها ، خلاف تلك البسمة الباهتة على شفتيها . فانتصف الليل واشتدت برودة الجو ، فتثائبت هبة وهي تقول:
–أنا هقوم أنام بقى دا اللي في البيت زمانه ناموا من بدري ويلا ادخلي جوا الجو برد . نهضت حياء وسارت معها وذهبت كل منهما لغرفتها ، فقسمت جعلت أولادها يسكنون الطابق الثاني من المنزل ، بعدما قامت بإخلاء الغرف من الأثاث الذي ابتاعه نادر ، ووضعته بأحد الغرف بالحديقة ، واشترت هي أثاثًا آخر .
ولجت الغرفة وضغطت زر الإنارة ، سحبت حجابها ووضعته حول عنقها ، متكاسلة عن أن تلقيه بأي مكان ، فشدت طرفيه بيديها حتى شعرت بألم خلف عنقها من احتكاك قماش الحجاب بجلدها ، فساعات النوم التي غفتها بالنهار ، جعلت من المستحيل عليها النوم ثانية ، فبعد الجلوس أمام النافذة ، أخذت الهاتف تتصفحه ، فلم تجد أثرًا لنادر على مواقع التواصل الاجتماعي ، كأنه اختفى فجأة ، حاولت مهاتفته ، وجدت الهاتف مغلق ، فكل تلك الدلائل تشير على أنها لن ترى ذلك المخادع .
سمعت صوت إدارة مقبض الباب ، فأنكمشت بمكانها ، فهي غفلت عن إغلاقه بالمفتاح ككل ليلة ، قبل أن تقوم من مكانها ، وجدت شكرى يقتحم عليها الغرفة مغلقًا الباب خلفه بحرص ، فسحبت حجابها سريعًا تضعه على رأسها وهي تقول بتوتر : –في إيه يا أنكل شكرى وعايز إيه . رمقه شكرى من قدميها حتى رأسها ، فنظراته تتصاعد على محياها بشكل مفزع ، جعلها ترتد بخطواتها فقبل أن تفتح فمها صارخة ، وجدته يكمم فمها بيده يحاصرها بين أحد الجدران وبين جسده .
شعرت بالغثيان وهي تراه يقترب منها هكذا ، فحاولت دفعه ولكنها لم تفلح بذلك فهو يكبل جسدها ويمنعها الحركة ، فجحظت عينيها وهي تستمع لما يقوله : –هشش إهدي واسكتي خالص يا حياء حتى لو صرختي محدش هيلحقك أنا حاطط لقسمت منوم ونايمة في سابع نومة وهبة وأخواتها فالدور اللي فوق يعني مش هيسمعوكِ ، فأحسن ليكي تسمعي الكلام ، ده أنا بحبك يا حياء وشوفتك بتكبري يوم عن يوم زي الوردة ، بس مش هسمح لحد يقطف الوردة دي قبل مني .
أستماتت في الدفاع عن نفسها ، وبإزاحة ثقل جسده عنها ، فما زادها الأمر سوى تعرقل خطواتها وسقوطها على الأرض وهي تستجديه : –حرام عليك ده أنا زي بنتك حرااام . لم تفلح كلماتها في زجر شيطانه الأعمى ، فما لبث أن عاد لإحكام قبضته عليها يعمل على تمزيق ثوبها من الأعلى ، فهي لم يعد لديها مفر أو مهرب من بين يديه .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!