كم ألزمها من الوقت حتى ارتدت ثيابها؟ دقيقة، دقيقتان، أو ربما ثوانٍ معدودة، فكانت تركض خارج شقتها بعد تلك المكالمة التي قضت على كل ما لديها من صبر وشجاعة. حالتها المزرية وهي تشير بيدها لسيارة أجرة كانت محط أنظار جيرانها والمارة بالشارع. صوت صراخها الهستيري وهي تحاول أن تشير لسيارة الأجرة جعل بعض السائقين يخشون أن تكون مصابة بالجنون فتتسبب لهم بضرر. ولكن سائق واحد هو من صف السيارة بجانبها بعدما رأى بكاءها.
فهو رجل كهل، أخذ بمظهرها الباكي، فأطل برأسه من نافذة السيارة وأشار بيده لتتقدم منه قائلاً: –تعالى يا بنتي، اركبي، عايزة تروحي فين؟ في لمح البصر كانت هبة تتخذ مكانها بالمقعد الخلفي وهي تقول بصوت نائح: –أبوس إيدك، وديني على مستشفى اسمها مستشفى الرحمة، تعرفيها؟ حك الرجل جبهته ليتذكر اسم المشفى، فهتف بها قائلاً: –آه أعرفها، دي مستشفى معروفة، من عيوني حاضر. قاد السائق السيارة وهي ما زالت تبكي بالخلف وتتمتم بالدعاء.
فمظهر المقعد الأمامي التالف نسبيًا تلقى من يدها الجذب والتقطيع، وهي تحاول تنفيس خوفها. فهي لا تعي ما تفعل، ولم تعِ كم قطعت السيارة من الطريق حتى وصلا للمشفى. بإعلان السائق عن وصولهما، فتحت الباب وترجلت من السيارة، ولم تغلق بابها ولم تدفع له ما ألزمها من نقود. فترجل السائق واستند على الباب ورآها تركض للداخل. فزفر بقلة حيلة وتمتم وهو يعود ليجلس خلف المقود ثانية:
–لا حول ولا قوة إلا بالله، باين عليها عندها مصيبة، ربنا يجبها. سار بالسيارة، بينما هبة ما زالت تركض بأروقة المشفى وهي تنادي باسم زوجها كالمجذوبة: –وحيد، وحيييييد! رأتها إحدى الممرضات، فأقتربت منها تحاول أن تجعلها تكف عن الصياح والبكاء، فنهرتها بشيء من الحزم: –اهدئي يا آنسة، ولا مدام، أنتي مينفعش كده، أنتي في مستشفى. قبضت هبة على ذراعيها قائلة برجاء:
–أنا اتصلوا عليا وقالوا لي جوزي عامل حادثة وموجود هنا في المستشفى ده، أبوس إيدك هو فين، عايزة أشوفه. ردت الممرضة قائلة بهدوء وهي تربت على ذراعها: –اهدئي وقولي لي جوزك اسمه إيه. مسحت هبة عينيها وهي تقول: –اسمه وحيد، وحيد حسين. تركتها الممرضة واقتربت من إحدى الممرضات لسؤالها عن اسم مريض جاء بحادث، وأخبرتها بأنه حاليًا بغرفة الجراحة مع أحد الأطباء وبانتظار مجيء راسل. فعادت إليها الممرضة مرة أخرى وهي تقول:
–بتقول دلوقتي هو مع الدكتور في أوضة العمليات وكمان كلموا دكتور راسل صاحب المستشفى عشان ييجي، فإن شاء الله خير. اعتصرت هبة جفنيها، فانسكبت الدموع على وجنتيها، وانفرجت شفتيها وخرج من بينهما أنين وآهات مزقت قلبها، فارتمت على المقعد المعدني الموجود خلفها. أنحت بجزعها العلوي ووضعت وجهها بين يديها، لعلها تكتم صوت بكاءها ونحيبها، فآلام شديدة كادت تفتك برأسها، من كثرة التفكير فيما حدث، وخشيتها خسارة زوجها وحبيبها.
فقلبها قبل لسانها، كان يثني على الله بالدعاء لينجي زوجها، فهي لم تحيا أيامها السعيدة كلها معه بعد، فما زال بانتظارهما أيام أحلى وأجمل من تلك الأيام القليلة التي مرت وهي تعيش بجانبه مطمئنة وهادئة وهانئة البال. تذمرت صغيرته وهي تراه يحثها على ضرورة الإسراع. فحياء انتهت من ترتيب أغراضهم بالحقائب، فهم على وشك مغادرة الفندق. فمكالمة هاتفية جاءت لراسل، جعلته يعتذر منهما على ضرورة مغادرة الفندق وذهابه للمشفى لأمر طارئ.
فاستمعت حياء لقوله بهدوء وأسرعت بتنفيذ مطلبه. ولكن سجود هي من أبدت اعتراضها، فهي ترى أنها لم تحصل على الوقت الكافي لتدليله لها. فهي تدب الأرض بقدميها بل تنتحب وتبكي بصوت مسموع. فأقتربت منه وهو يلملم أغراضه وجذبت ذراعه وهي تقول: –بابي، مش عايزة أمشي، خلينا نقعد هنا، عايزة ألعب وأعوم في البحر. وضع راسل هاتفه بجيب بنطاله، ورفعها عن الأرض. فمد يده يزيح خصيلاتها خلف أذنها وهو يقول:
–قلبي بابي، متزعليش مني، لازم ضروري أروح المستشفى، في واحد عمو متعور جامد ولازم أروحله، مش أنتي هتبقي دكتورة شطورة زي بابي؟ أومأت سجود برأسها، بيد أنها ما زالت رافضة قراره بشأن رحيلهم. فوضعت حياء الحقائب على الأرض بعد إغلاقها وهي تقول بهدوء: –خلاص يا حبيبي، كل حاجة جاهزة، يلا بينا. –وانتي يا سيجو، هنروح الملاهي، ماشي؟ صفقت سجود بعد سماع قول حياء، فجعلت أباها يفلتها من بين ذراعيه.
فأقتربت من حياء وضمت ساقيها وهي رافعة رأسها لأعلى وتنظر لها قائلة بسعادة: –بجد يا مامي، هتوديني الملاهي؟ تبسمت لها حياء وهي تومئ برأسها، فحملتها بين ذراعيها. وتقدمت راسل بالخروج من الغرفة، فقبل فتح الباب شعرت به خلفها. فانحنى إليها هامسًا: –شكرًا يا حبيبتي، بس إن شاء الله هعوضهالكم. التفتت حياء برأسها إليه وتبسمت بوجهه وهي تقول:
–إن شاء الله يا حبيبي، ويلا بينا عشان متتأخرش وربنا يكتب الشفا والنجاة للمريض ده على إيدك. جاء العامل لحمل الحقائب من الغرفة. فبالطابق الأول من الفندق، كان راسل يعمل على إنهاء إقامتهم، ودفع ما عليه من نقود نظير ذلك الوقت الذي قضاه هو وزوجته وابنته بالفندق. فأثناء خروج حياء، لمحت غزل ولا تعلم لماذا تبسمت لها، بل رفعت يدها تلوح لها كوداع.
فرفعت غزل يدها هي الأخرى ولوحت لها وهي تبتسم بوجهها، على الرغم من علمها بأن زوج تلك الفتاة هو "راسل رياض النعماني" كما ورد اسمه بسجل الحجز بالفندق. صف راسل سيارته أمام المنزل. فتجلت حياء وسجود. وأسرع الحارس بنقل الحقائب من السيارة للداخل. فانطلق راسل بسيارته صوب مشفاه بعدما لوح لزوجته وطفلته بيده. تنهيدة عميقة أطلقتها حياء وهي تنظر لأثر سيارته. فولجت للداخل، بينما الحارس والخادمة يعملان على إيصال الحقائب للغرف.
لمحت وفاء الصغيرة وهي تهرول إليها وحياء تتبعها. فتركت مكانها وفتحت ذراعيها للصغيرة. فأرتمت سجود بين ذراعيها ورفعتها وفاء عن الأرض. قبلتها على وجنتها، ومدت يدها الحرة تطوق حياء وتقبلها هي الأخرى وقالت: –حمد الله على السلامة، رجعتوا بسرعة يعني، وفين راسل؟ جلست حياء على المقعد وهي تقول: –اتصلوا عليه من المستشفى عشان في مريض جاي في حادثة عربية ومحتاجينه ضروري. –فرجعنا وهو راح المستشفى بعد ما وصلنا.
جلست وفاء على الأريكة العريضة القريبة من مقعدها، ووضعت الصغيرة على ساقها. فمدت يدها تربت على ساق حياء وهي تقول بود: –معلش متزعليش، جوزك دكتور مشهور وشاطر وياما هتحصل مواقف زي دي، فخليكي صبورة معاه. تبسمت لها حياء وردت قائلة بتفهم: –أنا طبعًا عارفة ومقدرة ظروفه، ربنا يوفقه. –المهم إنه يرجع لنا بخير وسلامة ويرد المريض لأهله بخير إن شاء الله.
تتفهم هي كون أن الوقت لن يكون بصالحها دائمًا، وأحيانًا كثيرة سيتوجب عليها أن تتخلى عن استئثارها به من أجل الآخرين. فهي من داخلها لا تريد فراقه ثانية واحدة، تريد أن تظل سجينة حبه وساعديه، فجانبه الآخر كزوج جعلها تتمنى لو تغفو وتستيقظ وهي بجنة العشق خاصته. وجنتاها صارتا بلون الدم، فتلك الأفكار التي تراودها عنه، لو كان بإمكان الآخرين قراءتها، لكانت تفضل الموت على أن يعلم أحد بها. فحمحمت لتجلي صوتها ودمدمت بصوت رصين:
–يلا يا سيجو عشان ترتاحي شوية وبعدين نروح الملاهي على ما بابي يرجع من الشغل. –عن إذنك يا ماما عشان أطلع آخد شاور وأودي سجود الملاهي. قفزت الصغيرة من على ساق وفاء، ونهضت حياء بعد انتهاء قولها. فأومأت لها وفاء باسمة. فصعدت الدرج حتى وصلت غرفتها والصغيرة تتبعها. خلعت عنها حجابها وألقته على الفراش، ومدت أصابعها بين طيات شعرها وهي تنظر بالمرآة، تتفحص مظهرها الخارجي. فهي كأنها أصبحت فتاة أخرى، تحمل لقب زوجة الآن.
فتذكرت ذلك الأمر الذي كان يشغلها، ففكرت بالذهاب لإحدى الطبيبات النسائية قبل ذهابها برفقة سجود لمدينة الألعاب. فانتبهت على سجود وهي تضع من حمرة الشفاه على شفتيها الصغيرتين، ولكنها لم تجد فعل ذلك، فأصبح فمها ملطخًا بأكمله باللون الأحمر. فأخذته منها حياء وجلست أمامها وهي تقول بإبتسامة: –أنتي بتعملي إيه يا شقية؟ حلو كده بهدلتِ نفسك. قبلت سجود خد حياء وتركت آثار حمرة الشفاه عليه وهي تقول:
–كنت بحط روج يا مامي عشان أبقى حلوة. أخذت حياء محارم خاصة بمسح آثار زينة الوجه، وبدأت بإزالة اللون عن وجه الصغيرة فقالت: –أنتي يا قلبي مامى قمر من غير أي حاجة، أنتي الله أكبر عليكي قمراية وجميلة خالص، فمتبهدليش نفسك كده تاني، ماشي يا روحي. أومأت الصغيرة برأسها، علامة على أنها ستستمع لما قالته. فظلت حياء تنظر لها وهي تمسد على رأسها، وتتفرس في وجهها بحب.
فعلى الرغم من أنها ليست أمها الحقيقية، ولم تنجبها، ولكن لا تعلم لما صارت تشعر بأنها ابنتها هي. فهل عشقها لراسل ولكل ما يمت له بصلة، جعلها تعشق ابنته أيضًا. فأخذتها بين ذراعيها وظلت تقبلها بنهم. فالصغيرة متعلقة بعنقها، تشعر بالسعادة كونها الآن بين ذراعي والدتها، التي انتظرتها طويلاً، ولم تكن تكف عن سؤال أبيها عنها. فها هي جاءت تحمل معها أحلام وأشواق بأن ما هو قادم سيكون الأفضل لها.
فهي صارت أكثر هدوءًا وتقبلًا لما يحدث حولها، ولم لا وهي وجدت من يدللها بجانب دلال أبيها لها. وبداية الغيث قطرة، فهي ستذهب بها لمدينة الألعاب لتلهو كما يحلو لها. فتفكيرها كأنها حازت على الورقة الرابحة والجائزة الكبرى. ضغط فؤاد على زر الجرس بإلحاح، ولم يكتف بذلك بل كان يطرق الباب بقبضة يده، كأنه على وشك تحطيمه. فأثار الذعر لدى الأفراد بداخل تلك الشقة، فهم ظنوا أن ربما جاءت الشرطة لإلقاء القبض عليهم.
فأسرعوا بلملمة محتوى طاولة الميسر، وإخفاء زجاجات الخمر، ووضعوا على المائدة قالب الحلوى المعتاد. فألتفوا جميعهم حول المائدة وهم يصفقون ويتغنون بالنغمات الخاصة باحتفالات أعياد الميلاد. فأشارت سونيا برأسها لأحد الفتيات بفتح الباب. فابتلعت الفتاة لعابها قبل أن تدير مقبض الباب، ولكن بمجرد رأيتها لفؤاد تهدل فمها بضيق. فهل هو من أثار الرعب بقلوبهم؟ فسرعان ما رفعت شفتها العليا وهي تقول بتبرم: –هو أنت يا فؤاد بيه؟
أنت نشفت دمنا وافتكرناك البوليس. أزاحها فؤاد من أمامه، وولج للشقة يبحث بعينيه عن حسان. فوجده يقف بجوار سونيا، فهتف به قائلاً بأمر: –أنا كنت بدور عليك وروحتلك القهوة بتاعتك دي وملقتكش. –مكنتش أعرف إنك هنا من بدري كده، عايزك ضروري. أثار حديثه الاستياء بصدر حسان، فهو بعد علمه بنية رجل آخر بالزواج من ولاء، وذلك الزوج المستقبلي، ما هو إلا أحد الأثرياء. وهو صار لا يريد رؤية وجه فؤاد. فرفع يده يشيح بها قائلاً باستنكار:
–هو فيه إيه؟ أنت جاي تعملنا رعب وعمال تزعق على إيه ده كله وبتتأمر عليا كمان؟ –ما تصحى لنفسك يا جدع أنت أحسن ما أعرفك شغلك. لم يصدق فؤاد أذنيه من أن ما يحدثه هو بذاته ذلك الرجل، الذي تودد إليه سابقًا بعد علمه بالمبلغ المالي الذي كان بنيته دفعه مهرًا أو ثمنًا لابنته. فرفع فؤاد سبابته يشير لنفسه قائلاً بغرابة: –أنت بتكلمني أنا كده يا حسان؟ أنت نسيت نفسك؟ غلت دماء حسان بداخل عروقه.
فلم يشعر إلا وهو يقترب من فؤاد ويقبض على ياقة قميصه ويصيح بوجهه بصوت هادر: –فيه إيه يا جدع أنت؟ ما تلم نفسك أحسن ما ألمك أنا. –وبص بقى، أنا اتخنقت منك خلاص، بنتي أنساها خالص، مفيش جواز، باه يا حبيبي، يلا بقى على بيتكم روح اشرب اللبن ونام بدري. رفع فؤاد كفيه وقبض على يدي حسان. فبالأمر شيء لا يفهمه، فهو لا يظن أن حسان جاءته نوبة الشعور بأبوته فجأة لولاء، ويعلم أيضًا أنه محب للمال.
فحتى لو أمره رياض النعماني هو الآخر بأن لا يفكر بتلك الزيجة، لم يكن ليطيعه، بل سيبحث عن حل يمكنه من أخذ النقود منه. فعقد فؤاد حاجبيه وتساءل: –هي إيه الحكاية بالظبط؟ اللي يشوفك كده يقول إنك خلاص مستغني عن الجوازة دي ومش عايزها. –إيه السبب؟ فهمني، هو رياض النعماني كلمك أنت كمان؟ دفعه حسان فترنح فؤاد بوقفته. فهتف به بصوت خشن: –لا رياض النعماني ولا غيره.
–الموضوع إن خلاص البت شكلها بتحب واحد تاني وعايزة تتجوزه وشكله كده أغنى منك. –والصراحة دي فرصة البت تتجوز اللي عاجبها وأنا أستفيد. قضى بحديثه على كل ذرة تعقل كانت موجودة لدى فؤاد. فبدأ بدفعه وهو يصرخ بوجهه بجنون: –أه، دلوقتي مبقاش ليا لازمة، لقيت اللي هيدفع أكتر في بنتك. –بس أنا بقى مش هسيبها لأي حد، دا أنا أقتلها قبل ما حد غيري ياخدها. سبب له ألم بصدره، فأراد رد ما فعله به.
فدفعه هو الآخر، حتى اختل توازنه وسقط على الأرض. ولكن سرعان ما نهض فؤاد ثانية، وبدأ العراك بينهما. وظل المتواجدين ينظرون إليهم بمرح كأنهم يشاهدون عرضًا فكاهيًا أو مسرحيًا. بل منهم من كان يصفق بتشجيع كأنه بحلبة للمصارعة ويشجع لاعبه المفضل. فازداد الأمر تهورًا بينهما. فوجه فؤاد مخضبًا بأكمله بدماءه النازفة، وحسان يشعر بألم بوجهه وصدره. فعلى الرغم من فارق العمر بينهما، إلا أن حسان استطاع أن يطرحه أرضًا بسهولة.
فناوله لكمة قرب فمه وهو يقول بلهث: –مش عايز أشوف وشك تاني، أنت فاهم؟ وأبعد عن بنتي وعني، مفهوم؟ نهض حسان بعدما كان جاثيًا على جسد فؤاد. فركله بقدمه كتحذير أخير، على أنه يجب أن يستمع لما قاله. فنهض فؤاد عن الأرض، وحاول أن يستقيم بوقفته بصعوبة. فطَنَّ كل من كان حاضرًا أن فؤاد سيرحل من الشقة. لمح فؤاد إحدى زجاجات الخمر أسفل أحد المقاعد، فمد يده وأخذها.
فظنت سونيا أنه سيحتسيها ويرحل، فهي تراه يضعها على فمه، ولم يتركها إلا بعد أن أنهى نصفها تقريبًا. فبينما اقتربت لتحثه على الرحيل، وجدته يقترب من حسان الجالس على أحد المقاعد يلتقط أنفاسه بعد العراك الحامي بينهما. فأستند فؤاد على جانبي المقعد وهو يقول بابتسامة مختلة: –بقى عايزني أبعد عن بنتك وعنك؟ من عيوني، حاضر. فبضربة واحدة كان فؤاد محطمًا زجاجة الخمر. فلم يتبق بيده سوى عنق الزجاجة المكسور. فأنهال به على عنق حسان.
وسط دهشته ودهشة الجميع، فكأن الكل أصيب بشلل مفاجئ، أو أن ما يحدث ماهو إلا أحد مشاهد القتل بالأفلام. فمزق فؤاد عنق حسان، ولم يكتف بضربة أو اثنتين، بل ظل يطعنه بعنق الزجاجة حتى شعر بالخدر بيده. فانفجرت الدماء من عنق حسان، وهو فاغر فاه، يلمس بلسانه طرف شفته السفلى. فمن يراه يظن أنه يحاول التقاط أنفاسه، ولكن أفعاله تلك ماهي إلا دلائل احتضاره ونزوع الروح من جسده.
فبثوانٍ انتهى كل شيء، فتمددت أطراف حسان على المقعد الجالس عليه كالشاة التي ذُبحت بنجاح. فأسرع كل من الرجال والنساء بالفرار من الشقة. بينما لطمت سونيا خديها وهي تصرخ بنواح: –يا مصيبتي، يا مصيبتي، قتيل في شقتي، أنت قتلته، قتلته! كأن بصراخها استعاد فؤاد وعيه المسلوب بلحظة شيطانية، فهو لم يكن يعي غير شيء واحد، أن ينفذ ذلك الأمر الهامس بأذنيه من أنه يجب التخلص من حسان وقتله بالحال.
فالشيطان أدى مهمته بنجاح وجعل من فؤاد أداة لتنفيذ إحدى الكبائر ألا وهي القتل. نظر فؤاد ليده التي ما زالت تحمل عنق الزجاجة ملطخة بدماء حسان، فألقاها من يده كأنه يحمل جمرة من نار. وارتد بخطواته للخلف عدة خطوات، ولاذ بالفرار من باب الشقة المفتوح على مصراعيه بعد هروب كل من كان بالشقة باستثناء صاحبتها. هرول فؤاد على الدرج، وكلما هبط خطوة أو اثنتين تنزلق قدماه، فيعود ويستقيم بوقفته ويهرول ثانية.
حتى وصل لسيارته، فأستقل السيارة يقودها بسرعة جنونية، ومن حين لآخر ينظر ليديه القابضة على المقود وما زالت آثار الدماء تغطيها. فكأنما هو بمطاردة للشرطة ويريد الفرار. ولكن انحراف السيارة عن مسارها الصحيح جعلها تصطدم بسيارة أخرى. ولكن لم يكن الضرر بالغًا، بل ذلك الاصطدام جعل فؤاد يطفئ محرك السيارة. فخرج سائق السيارة الأخرى، وأقترب منه وأنحنى ينظر إليه من النافذة يقول بصياح: –مش تفتح يا جدع أنت؟ أنت مجنون؟
ولكن رأى الرجل تلك الحالة المزرية التي ألمت بفؤاد. فاتسعت عيناه وأبتعد عن نافذة السيارة بخوف، ففؤاد ينظر إليه بعينين جاحظتين تكاد تترك محجرهما. فشعر الرجل بوجود خطب ما. فسحب هاتفه سريعًا وأبلغ الشرطة. ففر فؤاد بسيارته هاربًا، ولكن استطاع الرجل الإبلاغ عن أرقام السيارة. فلن يعود لديه مفر أو مهرب من يد الشرطة.
أسرعت قسمت بخطواتها لتقترب من ابنتها الجالسة تهز جسدها بعصبية، في انتظار سماع أي شيء يطمئنها على حالة زوجها، التي كاد يجزم الأطباء أنه لن ينجو منها. ولكن هي تضع ثقتها بالله، تدعو أن يمنح الطبيب القدرة على إنقاذه. فالممرضة أخبرتها بمجيء راسل وولجه غرفة الجراحة، وأنه هو الآن من يعمل على إنقاذ زوجها. سار شكري خلف زوجته بخطوات متأنية. فكل خطوة يخطيها، يتمنى بها سماع خبر وفاة زوج ابنته.
فهو يريد أن ينجو بنفسه من هلاك محقق. فهو أوصى السائق، الذي عمل على دعس وحيد، بأنه يريده ميتًا بالحال. ولكن ربما أخفق تلك المرة، على خلاف تلك المرة الأولى، التي استطاع بها القضاء على عرفان وزوجته بكل سهولة ويسر. سمعت هبة صوت الخطوات، فرفعت رأسها وكفت عن هز قدميها. فهي كأنها رأت ماردين من الجن أمامها. فصرخت بوجههما غير عابئة بأي شيء سيحدث وقالت: –جايين ليه؟ جايين عشان تفرحوا فيا وتطمنوا إنكم خلصتوا منه؟
للدرجة دي مفيش في قلوبكم رحمة؟ أنتوا إيه؟ أنتوا إييييييه؟ أسرعت قسمت بتكميم فمها وهي تنهرها عن الصراخ قائلة بصرامة: –بس اخرصي وبطلي اللي بتعمليه يا هبة، أنتي اتجننتي ولا إيه؟ ولا جرا لمخك حاجة؟ وإحنا هنعمل ليه كده في جوزك؟ بقسوة كانت هبة تزيل يد والدتها عن فمها. فهي سئمت كونهما أبويها، فماذا سيفعلان أكثر من ذلك، فهما قتلا خالها وزوجته من قبل، والآن حان دور زوجها لعلمه بما فعلاه. فأتسعت طاقتها أنفاسها
وهي تقول بنفور لرؤيتهما: –أنا بجد مش مصدقة، أنتوا بني آدمين إزاي؟ وإنتوا إزاي أهلي اللي عشت العمر ده كله مخدوعة فيهم؟ –وأنا عارفة ومتأكدة إنكم ورا اللي حصل لوحيد، مش كده يا بابا؟ لم يجبها شكري بالحال، بل أدار مسبحته بيده أولاً وقال وهو يدعي الوداعة والتقوى: –ربنا يهديكي يا بنتي، الظاهر خوفك على جوزك خلى دماغك ضربت على الآخر. قبل أن يحتدم النقاش بينهما أكثر، لمحت هبة خروج راسل من غرفة الجراحة. فركضت إليه وسألته بلهفة:
–جوزي عامل إيه يا دكتور؟ طمنيني عليه. سحب راسل قناعه الطبي ونظر إليها قائلاً بمهنية: –أنا مش هكذب عليكي وأقولك إنه كويس حاليًا. –أنا عملت كل اللي أقدر عليه بس هو هيخرج على العناية المركزة وننتظر مرحلة الخطر تعدي، وإن شاء الله ربنا قادر على كل شيء. حول راسل بصره عن هبة، ونظر بغرابة ل قسمت وشكري. فما الذي أتى بهما لهنا؟ فهو ما زال متذكرًا شكري بيوم العزاء وقسمت باليوم الذي ذهب به للسؤال عن حياء، وقامت بطرده.
فدقت قسمت النظر به، فعادت ملامح وجهها لما كانت عليه بعدما تذكرته بتلك المرة التي رأته بها. فلم تهتف إلا بكلمة واحدة ساخرة: –أنتِ. عادت وأكملت حديثها وهي تقول: –طمنينا يا دكتور على جوز بنتنا عامل إيه دلوقتي؟ إن شاء الله يكون بخير. رد راسل قائلاً بصوت خالٍ من الكياسة والذوق: –وهو حضرتك مسمعتيش أنا قولت لبنتك إيه من شوية؟ ولا ودانك فيها مشكلة؟ فإن ظنت أن بإمكانها إزعاجه فهي واهمة، فهو بإمكانه إزعاج جمع بأكمله.
فتركهم راسل وذهب لغرفة مكتبه. بينما ظلت هبة وجهها لوجه مع والديها. فرفعت سبابتها تشير بها أمام أنظارهما وهي تقول بوعيد: –صدقوني، لو وحيد جراله حاجة أنا مش هسكت على كل اللي عملتوه. –وأنا بقى اللي هعمل اللي وحيد مقدرش يعمله وهسلمكم للبوليس بإيديا بتهمة قتل خالي ومراته واللي انتوا عملتوه في جوزي. –وأبقوا حاولوا تخلصوا مني أنا كمان، ماهو اللي زيكم خلاص الدم عنده بقى زي الماية ملوش حساب ولا اعتبار.
تركتهما وابتعادت لأقصى مكان يمكن أن تقف به، في انتظار خروج زوجها من غرفة الجراحة. فما هي إلا دقائق حتى رأت زوجها متسطحًا على سرير المشفى المتحرك تدفعه إحدى الممرضات. فوضعت يدها على فمها وهي ترى وجه زوجها المغطى بالكدمات وضماد رأسه، ونائمًا لا حول له ولا قوة أقرب للموتى منه للأحياء. فهطلت دموعها غزيرة وتعالت شهقاتها. فكلما وقع بصرها على والديها، تود لو أن تصرخ حتى تنقطع أحبالها الصوتية.
بعد أخذه راحة قصيرة بغرفة مكتبه، وعلمه أن والد هند ماكثًا هنا بإحدى غرف الإفاقة. خرج من المكتب وذهب للاطمئنان على أحواله الصحية. فصعد للطابق الثاني عبر المصعد الكهربائي وسار بالرواق الطويل حتى وصل لتلك الغرفة المنشودة. فوجد والدة هند وكرم يقفان أمام الغرفة وهند تجلس بمكان بعيد عنهما. فأقترب منهما قائلاً باهتمام: –السلام عليكم. –هو إيه اللي حصل؟ ألف سلامة عليه. تطلعت إليه والدة هند بعينين منتفختين من أثر البكاء فردت
قائلة بنبرة صوت مرهقة: –الله يسلمك يا دكتور راسل. –إحنا سألنا عليك قالوا إنك واخد إجازة. أومأ راسل برأسه قائلاً: –أيوه بس كان فيه حالة طارئة فجيت. –أنا هدخل أطمن عليه بنفسي. ولج راسل الغرفة ورفع التقرير الطبي الموضوع على الطرف المعدني. وبعد قراءته أعاده ثانية مكانه. فبعد قضائه وقته بالداخل، خرج من غرفة الإفاقة. فنظر بالبدء لكرم وهو يقول: –هو حالته الحمد لله مستقرة وإن شاء الله يكون بخير.
–بس أنتوا لازم تروحوا، مينفعش تفضلوا قاعدين هنا وبكرة تعالوا اطمنوا عليه. –فخذهم يا أستاذ كرم من هنا. –حاضر. تلك الكلمة الوحيدة التي نطق بها كرم. فكأن لسانه أوشك على فقد النطق بعد علمه بما حدث من ابنة خالته. فهند التي لم تكد ترى راسل إلا وتجد عيناها تتوهج ببريق الإعجاب. جالسة الآن بعالم آخر، كأنها لا تراه.
فعلى الرغم من أن فضوله صار بأوج مراحله ويود سؤالها عن سبب تلك الحالة التي هي عليها، إلا أنه لم يقدم على طرح سؤاله. فكرم جذب خالته وجعلها تتأبط ذراعه. فهي كأنها غير قادرة على السير. ولكن أثناء مرورها بجانب ابنتها، جذبتها من مرفقها بعنف، لتجعلها تنهض عن مقعدها. فعندما باغتتها والدتها بشد مرفقها فجأة، كادت هند تسقط أرضًا. ولكنها حاولت الحفاظ على البقية المتبقية من كبريائها المهدور.
انتظرت دورها للدخول لتلك الطبيبة النسائية. فهي فضلت الذهاب لطبيبة بمكان بعيد عن مشفى زوجها. فأرادت أن تجعل الأمر سريًا للغاية. تبسمت لسجود الجالسة على المقعد المجاور لها وتعبث بهاتفها، وتحرك قدميها بالهواء، وتشاهد أحد مقاطع الفيديو للرسوم المتحركة. فكلما زاد حماسها بما تراه، يعلو صوتها حتى أثارت انتباه النسوة الجالسات بانتظار دورهن. فتربت حياء على ساقها وتهمس لها بضرورة خفض صوتها قليلاً.
فتستمع سجود لقولها وسرعان ما تعود لما تفعله ثانية. فتنفست حياء الصعداء وهي تستمع للممرضة تنادي اسمها للدخول. فتركت مقعدها وأخذت يد الصغيرة بين كفها، وولجت غرفة الطبيبة. فعندما وقع بصر سجود على الطبيبة برداءها الطبي الأبيض. رفعت رأسها لحياء وهي تقول بريبة: –مامى، أنا مش عايزة آخد حقنة، عايزة أروح الملاهي، أنتي قولتيلي. قبل أن تجدها تبكي، أسرعت بتهدئتها وهي تقول:
–متخافيش يا حبيبتي، أنا اللي هكشف، أنتي اقعدي هنا زي البنات الشاطرة، ماشي؟ جلست سجود صامتة حيث وضعتها حياء. فجلست على المقعد المقابل لها ونظرت للطبيبة وهي تخبرها باستحياء عن سبب مجيئها. فأومأت الطبيبة برأسها تفهمًا، ودعتها للتسطح على سرير الفحص من أجل أن تبدأ فحصها. فبعد انتهاء فحص الطبيبة لها، عادت وجلست على مقعدها خلف مكتبها. بينما عملت حياء على تعديل هندامها، وعادت تجلس مكانها هي الأخرى. فنظرت لها الطبيبة
بإبتسامة هادئة وقالت: –أنتي أمورك كلها الحمد لله زي الفل وفعلاً دي حالة بتبقى استثنائية بس بتبقى موجودة عند بنات كتير. –بس لازم يكون في وعي عند الزوج والأهل عشان يتفهموا وضعها لأن عدم الوعي عند الأهالي بتخليهم ممكن يرتكبوا جرائم لأنهم بيفتكروا إن لاسمح الله بنتهم عملت حاجة غلط. رفعت حياء حاجبيها قائلة بغرابة: –للدرجة دي يا دكتورة؟ حركت الطبيبة رأسها بهدوء وقالت:
–طبعًا ومش هتصدقي، لسه قريب عروسة جات لي مضروبة وكانت حالتها حالة وأهلها وجوزها جايبنها وطلبوا مني أكشف عليها واتضح إن حالتها زي حالتك. –وإن الحالات اللي زي دي يا بتطلب تدخل طبي بعلم من الأهل والزوج يا إما بتتحل مع أول ولادة للزوجة. –فعلشان كده بنحاول على قد ما نقدر نوعي الأهل بخصوص الموضوع ده عشان نتفادى أي حاجة ممكن تروح ضحيتها بنت بريئة وملهاش ذنب في حاجة. شعرت حياء بالهدوء والراحة النفسية بعد حديثها مع الطبيبة.
فأخذت سجود وخرجت من غرفة الفحص. فأجتاحها شعور عارم بالسعادة. فحملت الصغيرة وهي تقبلها على وجنتها. فهتفت بها بحماس: –إحنا النهاردة هنتفسح يا سيجو ونلعب كل الألعاب في الملاهي. لم تكن سجود بحاجة لمزيد من الوعود، حتى تبدي سعادتها. فلم ينقضي وقتًا طويلاً حتى وصلا لمدينة الألعاب. فنسيت حياء كل شيء كان يثقل كاهلها من التفكير. فقضت وقتها بإستمتاع مع الصغيرة، وتنتظر بشوق عودتها للمنزل، وعودة معشوقها.
فكم ترغب هي برؤيته الآن، ليس لشئ سوى أن تخبره بأنها تعشقه. فتذكرت ما كان من أمره وتفهمه لوضعها ومحاولته بث الأمان بقلبها وجعلها تتجاوز الأمر. فهو كان محقًا ولكن هي من كانت تخشى أنه يفعل ذلك لأنه يحبها ولا يريد التسبب لها بأذى نفسي أو بدني بليلة تنتظرها كل فتاة منذ أن تعي كونها أنها أنثى. فبعد قضائهما وقتًا ممتعًا بمدينة الملاهي، عادت سجود مع حياء للمنزل، مع وعد آخر بالذهاب إليها ثانية بأقرب وقت.
فولجت حياء المنزل وهي تحمل سجود. فلم تجد وفاء بالصالة، فذهبت لغرفتها وطرقت الباب وولجت بعد سماع صوتها. ففتحت حياء الباب وهي تقول بإبتسامة: –هو أنتي نمتي بدري كده يا ماما؟ بسمت وفاء على قولها. فمدت يدها تلملم الصور المنثورة على الفراش ووضعتها أسفل وسادتها. فولجت سجود الغرفة وأقتربت من وفاء وأندست بجانبها على الفراش. ردت وفاء وهي تميل تقبل الصغيرة: –لاء، لسه منمتش، كنت قاعدة مستنياكم. –هو راسل لسه مرجعش؟
قالتها حياء بتساؤل، فهزت وفاء رأسها بأسف. فهي تعلم حاجتها لوجود زوجها بجوارها خاصة بالأيام الأولى من الزواج. نظرت وفاء للصغيرة التي داهم النعاس عينيها سريعًا. عادت وشخصت ببصرها إليها وهي تقول: –معلش زمانه جاي، سجود خليها نايمة معايا وأطلعي أنتي ارتاحي، ويمكن شوية وتلاقيه جاي. أطاعت حياء قول وفاء لها فصعدت الدرج حتى وصلت غرفتها. فخلعت حجابها وأخذت ثيابًا لها وذهبت للمرحاض.
فبعد انتهائها من الاغتسال والوضوء، خرجت وارتدت ثوب الصلاة وأدت صلاتها. فبعد فراغها منها خلعت عنها الثوب، وجلست بثيابها البيتية. ففكرت بالذهاب لغرفة الثياب، لعلها تنتقي ثوبًا من أجل الليلة. ولكن أين هو زوجها؟ فبالرغم من سؤالها هذا، لم تمنع نفسها من ارتداء ثوبها العنبري الرقيق والطويل. فتأملت نفسها بالمرآة الطويلة الموضوعة بأحد أركان غرفة الثياب. مدت يدها لتسحب مشبك الشعر، المثبت به خصيلاتها.
فهي تريد ترك العنان لشعرها وتتركه مسدولا على ظهرها وحول وجهها. فشعرت بملمس يد دافئ تسبقها لفعل ذلك. نظرت بالمرآة وجدت راسل خلفها. ولكن كيف لم تشعر بمجيئه وهو يلج الغرفة؟ فربما أغطية الأرضية السميكة، ساهمت بكتم صوت خطواته. عندما همت بفتح فمها لتقول شيئًا، كانت خصيلاتها تنسدل بنعومة. فكانت كستار حول وجهها وظهرها. فلم يكتف بفعلته بل مد كفيه وأزاحها خلف أذنيها. فأحنى رأسه إليها وأستند بذقنه على كتفها ينظر لها عبر المرآة.
فهمس لها قائلاً: –أسف يا حبيبتي أن إحنا لسه في بداية شهر العسل وحصل كده وبعدت عنك. تقابلت عيناها بعينه بالمرآة وهي تقول كأنها مغيبة: –المهم أنك رجعتلي بخير يا حبيبي. زادت حيرتها وإرتباكها، وفاض الشوق بقلبها. فأنفاسه الدافئة لم ترحم وجهها، بل كانت كصافرات إنذار مبكرة، بأن رحلتها لعالم العشق وخباياه على وشك أن تبدأ. أرادت أن تسقيه من كأس الهوى، وتغويه بحسنها، كفراشة حملت على أجنحتها عبير الزهور، فانتشر الرحيق بوجدانه.
وكبستان مهجور دبت به الحياة ثانية، وتفتحت أزهار الشوق، وحان وقت قطف ثمار الغرام. بعد أن عادت من رحلتها الغرامية، همست حياء له: –يومك النهارده كان عامل إزاي والمريض اللي طلبوك علشانه عامل إيه دلوقتي؟ رد راسل قائلاً وهو مغمض العينين: –لسه حالته مش مستقرة، إصاباته من الحادثة خطيرة، دا حتى عرفت إنه جوز بنت الست دي اللي كانت المفروض عمتك. انتفضت حياء وهبت جالسة وهي تقول في دهشة: –وحيد جوز هبة؟
تعجب راسل من انتفاضها المفاجئ، فأعتدل جالسًا هو الآخر وقال: –على ما أظن أه، إنه اسمه وحيد حسين، بس مالك كده اترعبتي لما سمعتي؟ المفروض يعني أنك متهتميش بيهم ولا اللي بيحصل لهم. هزت حياء رأسها بالرفض وهي تقول: –لاء يا راسل، هبة لاء، دي أطهر قلب فيهم وجوزها محترم جدًا والله قلبي وجعني لما عرفت. –أنا عايزة أروح أشوف هبة وأشوفه. لم تمنع إغتمامها بسماع ما أصاب زوج هبة، بل دمعت عيناها أيضًا حزنًا على مصابها.
فجذبها راسل إليه وربت عليها ليجعلها تهدأ، فهتف بها قائلاً: –ربنا يشفيه إن شاء الله. –بكرة ابقى تعالي المستشفى وشوفيهم. لم يشعر راسل سوى بأصابعها التي تعلقت بكتفه الأيمن ورأسها على كتفه الأيسر وتنساب دموعها بصمت. فهو لم يعلم أنها تكن كل هذا الحب لابنة تلك المرأة المدعوة قسمت، والتي شعر برغبة في دق عنقها من قبل. باليوم التالي، بعد سطوع الشمس بكبد السماء، وتركها فراشها وبدأت تستعد للذهاب إلى عملها بالمصرف.
خرجت من الغرفة تحمل الحقيبة على كتفها بفتور. فانقضت المهلة التي أعطاها لها معتصم بالتفكير، ولكنها كانت اتخذت قرارها برفضه. فلتخبره إياها صراحة أنها لا تريد الزواج منه. ولكن كلما تتذكر أنها ستضحي بتلك الزيجة، تثور أعصابها أكثر. فتعود وتحاول السيطرة على الأمر. تقابلت مع والدتها التي خرجت هي الأخرى لتوها من غرفتها. ولكن لم تجد أي منهما شيئًا لتقوله. فب سماع ولاء جرس الباب، تحركت قدميها المتيبستين. ففتحته ووجدت رجلًا يقف
على أعتاب الشقة وهو يقول: –هي الست إسعاد موجودة وأنتي بنتها مش كده؟ هزت ولاء رأسها بالإيجاب وهي تقول: –أيوه، خير ومين حضرتك؟ –أنا من النيابة جاي بخصوص والدك اسمه حسان وجوز الست إسعاد. قالها الرجل، فأرتجفت إسعاد ظنًا منها أن زوجها، قد أوشى بسرها للشرطة. فنظرت ولاء لوالدتها وعادت تنظر للرجل ثانية وقالت: –ماله؟ عمل إيه؟ –اتقتل وانتوا مطلوبين في النيابة عشان تتعرفوا على الجثة. قالها الرجل بآلية كأنه معتاد على الأمر.
فمرت لحظات حتى استطاعت ولاء وإسعاد أن يعوا ما قاله الرجل. فردت ولاء بصدمة: –اتقتل! اصطدم ظهر إسعاد بالجدار خلفها لا إراديًا. فبعد أن تساقطت الكلمات على أذنيها، لا تدري كيف ارتجفت أعضاؤها وأرخت قدماها فجأة ليتلقى الجدار جسدها عوضًا عن سقوطها أرضًا. فهي من جاءت لحظة وفكرت بقتله والخلاص منه، شعرت بقسوة ذلك المصير الذي تلقاه. فكل ما جال بخاطرها بذلك الوقت هو عن كيف تم قتله؟ ومن فعل به ذلك؟
فبعد اصطحاب الرجل لهما لتلك الغرفة الباردة والتي يطلق عليها "المشرحة". هنا وأمام جثمان أبيها البارد والشاحب والخالي من الحياة، كانت تقف بملامح وجه لا يستطيع أحد التنبؤ بما تخفي خلفها. فهي جامدة الملامح، تنظر للجثمان كأنها تنظر لصورة أحد المغدورين لحادث بالتلفاز أو الهاتف. تعجبت من أمرها، بأنه كيف استطاعت أن تقف هكذا وبمكان كهذا.
فعيناها متمعنة النظر بتلك الجروح التي غطت عنقه، فبدت أكثر وضوحًا بعد أن جفت دماؤه، تبدو كالثقوب الغائرة. رفعت جفونها كأن ما كان جعلها عاصية عن أن تغض النظر لذلك المشهد المفجع للقلوب الضعيفة، قد فك أسرها أخيرًا. فأخذت ترمش بعينيها عدة مرات، لعلها تفيق من حالة البلادة والجمود، التي حلت على حواسها. ما تلك التي تشعر بها تلهب وجنتيها وهي تنسكب من عينيها، أهي دموع؟ نعم.
هكذا وبكل بساطة كانت تخبرها أناملها التي تحسست وجهها وشعرت بملمسها الرطب على خديها. فمن ظنت أنها لن تبكي لموته؟ ها هي تقف تذرف الدموع من عينيها حزنًا عليه. لم تر منه شيئًا حسنًا بحياتها، ولم تشعر بحنانه يومًا. فكل ما تلقته وتجرعته منه لم يكن سوى قسوة وحزن. ولكنها لم تمنع شفتيها من نطق تلك الكلمة "بابا". التي كفت عن قولها منذ أن وعيت على أفعاله بحقها وحق والدتها.
فتلك الطفلة الصغيرة، التي سكنتها بداخل قلبها مع أحلامها وأمنياتها بأن يأتي الوقت ويصبح لها والدًا كما تمنت دائمًا، أطلقت سراحها، لتبكيه وتنعاه بشعور فقد الطفلة لأبيها. فربما كان سيظن كل من يعرفها ويعرف أباها، بأنها ستبكي فرحًا بسماع موته وانتهاء دوره بحياتها وحياة والدتها. ولكن لم يحدث هذا، بل هي تبكي كأنها تربت منعمة ومدللة بكنفه. –ولاء. ذلك النداء الذي أتاها ليخرجها من الغرفة.
لم يكن سوى صوت من كان دائمًا يحاول تأدية دور ذلك الراحل. خرجت من الغرفة تستند هي ووالدتها على بعضهما البعض. ورأت وفاء وحياء بالخارج، فأسرعتا لتقديم عبارات المواساة. فهتف بهن راسل قائلاً: –أنا هروح أخلص إجراءات الخروج والدفن. أبتعد عنهن، فأخذت وفاء إسعاد من يدها وجلستا على مقعدين وجدتهما برواق المشفى ذلك المشفى الحكومي وبعيدًا عن تلك الغرفة، التي خرجتا منها للتو. أخذت وفاء يد إسعاد بين كفيها وقالت:
–البقاء لله يا إسعاد، شدي حيلك. –ونعم بالله، مكنتش أتخيل أن نهايته تكون بالشكل ده يا وفاء. قالتها إسعاد وهي تمحو تلك العبرات التي تساقطت من عينيها. فحالها لا يفرق كثيرًا عن حال ابنتها. ابنتها الجالسة بمكان ليس ببعيد، وحياء تجلس بجانبها تربت عليها. فهي مرت بموقف شبيه بهذا، وتعلم كيف يكون الشعور قاسيًا بذلك الوقت.
فهي كانت تنوي الذهاب للمشفى لرؤية هبة وزوجها، ولكن أخبرها زوجها بما حدث وضرورة وجوده بجانب ولاء وإسعاد بذلك الوقت. فأصرت على المجيء معهم. مدت يدها لولاء بمحرمة ورقية وهي تقول: –هو مين اللي عمل كده واتقبض عليه؟ أخذتها منها ولاء وقالت وهي تجفف عينيها: –الظابط قالنا إنه فؤاد سالم اللي عمل كده بس هربان لسه ومقبضوش عليه، دا كان العريس اللي عايز يتجوزني بالعافية وأنا كنت رافضة.
فأكتفت حياء بالصمت حتى عمل زوجها على إنهاء الأمر واستلم الجثمان، وتم دفنه بالقبر المجاور لقبر ابنته الكبرى "أشجان". فأقيم العزاء بالشقة للنسوة، وجلس الرجال أمام البناية السكنية. يصدح صوت القارئ بآيات القرآن الكريم، حتى انقضى الوقت، وأنصرف الجميع. فراسل الذي حث حياء ووفاء على ضرورة العودة من أجل الصغيرة. أقترب من ولاء وإسعاد وهو يقول: –كل حاجة كده خلاص خلصت وانتوا يلا تعالوا معانا على البيت بلاش تفضلوا هنا لوحدكم.
ولكن احتجت إسعاد على مطلبه فقالت: –لاء إحنا هنفضل هنا متشغلوش بالكم، يلا انتوا روحوا ارتاحوا انتوا طول النهار معانا وزمان سجود دلوقتي بتعيط. ألح عليها راسل بالقبول، ولكنها رفضت ثانية. فولاء شاركتها الرأي هي الأخرى، فلا حاجة لهما بالذهاب لمنزله بتلك الظروف، وهو وزوجته ما زالا حديثي العهد بالزواج. فبعد يأسه من إقناعهما أخذ أسرته ورحل من الشقة. فنهضت إسعاد من مكانها وخلعت عنها حجابها الأسود.
فهي تريد أن تنال قسطًا من الراحة بعد عناء هذا اليوم، الذي شعرت أنه أطول يوم بحياتها. فولجت غرفتها، وأستلقت على فراشها فأخذها النعاس سريعًا. بينما ظلت ولاء جالسة أمام نافذة الصالة، تنظر للسماء بشرود. ولكن صوت جرس الباب أخرجها من شرودها. فظنت أن ربما راسل نسى شيئًا وجاء لأخذه. ففتحت الباب وهي تقول: –أيوه يا أبيه. ولكن لم يكن القادم راسل، بل من يقف أمامها جعلها تنظر إليه فاغرة فاها ولا تصدق أنها تراه هنا أمامها.
فبحق الله من أين أتى هو الآن بتلك الحالة الرثة والمزرية وعيناه الحمراوين، كأنهما تقد من نيران الجحيم؟ فلم يخرج من فمها سوى عبارة قصيرة متلعثمة وهي تقول: –ممعقولة أنت. حاولت إغلاق الباب. فمد قدمه يمنعها من فعل ذلك. فحتى صوتها لم يسعفها بالصراخ، فصوتها مبحوح من كثرة بكائها، عوضًا عن هروب الدماء من أطرافها بعد رؤيته. رأيته يخطو بخطواته إليها ويقول بصوت بارد ونظرة شيطانية: –أيوه أنا يا ولاء، فكراني هسيبك في حالك؟
–أنا زي ما خلصت على أبوكي هخلص عليكي أنتي كمان، هو أنا هتعدم كام مرة يعني؟ هي مرة واحدة بس. –ومش هسيبك تتهني في الدنيا دي لحظة واحدة، وأنا قولت لأمي إني هحرق قلبها عليكي. أخرج فؤاد ذلك السكين الرفيع من جيب سترته، وأقترب من عنقها. فلم يستغرق الأمر وقتًا، حتى تساقطت قطرات الدماء على السجادة. فكانت كلوحة لفنان بوهيمي، مزج الألوان ببعضها لتنتج بالأخير منظرًا تفزع له العيون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!