الفصل 23 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
22
كلمة
8,518
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تحدق كل منهما بوجه الأخرى بصدمةٍ وفزع ، فجسد فؤاد المطروح أرضاً ودماءه التى تسيل من مؤخرة رأسه ، كان مدعاة للخوف والقلق ، فهى فعلت ما رأته صواباً ، بذلك الحل الذى تبادر لذهنها لتبعده عنها ، فهو كان على وشك قتلها.

أرتخت أصابعها عن بقايا تلك المزهرية التى تحملها بيدها اليمنى ، والتى عملت على تحطيمها على رأس فؤاد ، فولاء بين ثانية وأخرى ، كانت ستكون بتعداد الأموات ، فهو كان يرغب بنحر عنقها ، ولكن جاءت هى لتحول بين وقوع ذلك الأمر. أرتجفت شفتى ولاء وهى تهتف بإسمها: –حياء نظرت لها حياء بعينان متسعتان ، فهى وعت الأن ما فعلته ، ودمعت عيناها فجأة وهى تقول فى دهشةٍ: –أنا قتلته

نزعت هاتان الكلمتان قسراً من جوفها ، ولكن كممت فمها بيديها ، كأنها تخشى نطقها ثانية ، ولكن هى ليست ملامة ، فلو لم تكن فعلت ذلك ، كانت ولاء ستقتل غدراً. اقتربت منها ولاء وهى تتخطى جسد فؤاد ، فطوقتها بذراعيها وربتت على جسدها لعلها تكف عن الارتجاف ، فهى تعجبت من وجودها بذلك الوقت خاصة أنها رحلت مع زوجها ، ولكن لما عادت لهنا ثانية؟ فحدقت بها ولاء وهى تقول بتساؤل : –هو أنتى عرفتى إزاى يا حياء ورجعتى ليه؟

زاد إرتجافها أكثر ، كأنها على وشك الإنهيار ، فهى لم تعود لهنا ثانية ، إلا لأخذ هاتفها الذى تركته سهوا ، فبعد إنطلاق راسل بالسيارة ، تذكرت أن هاتفها كانت واضعة إياه على منضدة صغيرة بجوار الأريكة بالصالة ، فألحت عليه بضرورة العودة لأخذه ، فعندما أبدى رأيه بأنه سيصعد هو ليأتى لها به ، رفضت إقتراحه وأصرت أنها هى من ستصعد لتأتى بهاتفها. ولكن قبل أن تتمكن حياء من قول أى كلمة سمعا صوت راسل يأتى من خلفهما وهو يقول:

–إيه يا حياء كل ده بتجيبى الموبايل بتاعك؟ أنتفضت الفتاتان بعد سماع صوته فجأة ، فتقدم بخطواته وجحظت عيناه وهو يرى فؤاد مسجى بدماءه على الأرض. لم يمهل ذاته دقيقة أخرى ، بل جثى على ركبتيه بجواره ، فتحسس نبضه ، ليعلم هل فارق الحياة ام مازال حياً؟ فنظر إليهما وهو يقول : –هو مين اللى عمل فيه كده وايه اللى جابه هنا؟ ناردت حياء بصوت مصدوم : –أنا اللى قتلته أنا اللى قتلته.

قبل أن يجدها صارخة ، كان تاركاً مكانه وأمسكها من كتفيها قائلاً بهدوء: –إهدى يا حياء هو مامتش ولا حاجة هو لسه عايش بس مغمى عليه. أغلقت حياء فمها الذى كان على وشك إطلاق صرخات الخوف ، فدنت منه وقالت وهى تنتحب على صدره بصوت مسموع: –دا كان هيقتل ولاء كان حاطط السكينة على رقبتها كان هيموتها يا راسل. خرجت إسعاد من غرفتها بعد سماع صوت جلبة بالصالة ، فأرتدت حجابها وهى بطريقها إليهم ، ولم تكن رآت فؤاد بعد.

فقالت بشئ من الخوف ، أن يكون حدث مكروه أثناء نومها : –هو فى إيه مالكم؟ رفعت ولاء يدها تشير بسبابتها لفؤاد ، فتتبعت إسعاد موضع إشارتها ، فعندما وقع بصرها على فؤاد المغشى عليه ، أنتفضت وارتدت خطوة للخلف وهى تقول بذهول: –هو إيه اللى جاب فؤاد ده هنا وقدر ييجى هنا إزاى هو مش كان هربان؟

كأن بكلمتها الأخيرة ، جعلت راسل يعى على ضرورة إبلاغ الشرطة للمجئ لإلقاء القبض عليه ، فبعد أن هاتف مركز الشرطة ، حث ولاء وإسعاد على الإتيان له بحبل وقنينة عطر وبعض الإسعافات الأولية ، لحين مجئ الضابط. بعد أن رفع راسل جسد فؤاد من على الأرض ، وأجلسه على المقعد ، أوثق يديه وقدميه جيداً ، ودار حول المقعد وأحنى رأس فؤاد للأمام ليرى الضرر الذي لحق به ، فضمد جرح رأسه ، وأعادها لوضعها الطبيعي ثانية.

جلس على مقعد مقابل له ، ونثر من قنينة العطر على محرمة قطنية وقربها من أنفه ، حتى بدأ فؤاد بإستعادة وعيه. فولاء وإسعاد وحياء ووفاء التى صعدت هى الاخرى بعد مهاتفة راسل لها ، يقفن جميعهن وكل منهن متمسكة بالأخرى ، كأنهن يخشين إستيقاظ وحش ، فهن يحسدنه على تصرفه الهادئ ، كأنه يعمل على إنقاذ مريض بمشفاه.

فتح فؤاد عينيه رويداً رويداً ، فوقع بصره على راسل الجالس أمامه وينظر له ببرود ، فعندما وعى وضعه ، أراد ترك مقعده ولكن القيود بيديه وقدميه منعته الحركة. فصاح بوجه راسل وهو يقول بجنون : –فكني فكني بقولك لازم أخلص عليها هقتلهااااااا يعنى هقتلها. لم يكف عن صراخه ، إلا بعدما حطت يد راسل على وجهه بصفعة ، جعلته يدير رأسه للجهة الأخرى ، فصرخ به راسل بحدة مماثلة :

–تقتل مين ياض أنت دا أنا ميكفنيش فيها عيلتك كلها ، ثم أنت اللى جيت لقضاك البوليس جاى فى السكة يعنى خلاص يا حلو وقعت ومش هتقدر تهرب تانى وهتتحاسب على اللى عملته فى حسان دا غير كمان لما يعرفوا محاولة قتلك لولاء يعنى مصايبك كترت والسجن مستنيك ، لولا أن مش عايز اوسخ إيدى كنت عرفت شغلى معاك وعرفتك مقامك وخليتك تتمنى الموت.

نسيت حياء خوفها فجأة ، فظلت تتأمل زوجها ، وعيناها تفيض هياماً وغراماً ، كأنه بطل أحد الأساطير القديمة ، الفارس النبيل والشجاع ، الذى يعمل على حماية من حوله ، ولا يتوانى عن إظهار شجاعته وإقدامه على تخطى الصعاب ، فلم تخرج من تأملها له إلا على صوت قدوم رجال الشرطة ، فبعد أن تم حل وثاق فؤاد ، وضع الضابط بيديه الأصفاد الحديدية ، وأخذوه معهم ، ولم ينسى أن يلقى نظرة أخيرة على ولاء ، قبل دفع الشرطى له ليتقدمه بالمسير.

فوضعت ولاء وجهها بين يديها وأنهارت قدميها على أقرب مقعد وجدته خلفها ، فهى تحمد الله على أنها مازالت على قيد الحياة ، فتحسست عنقها كإنها مازالت تشعر بنصل السكين البارد على جلدها. فجلس راسل قريباً منها وهو يقول: –ولاء أنتى كويسة؟ قالت ولاء وهى ترمقه هو وحياء بإمتنان : –الحمد لله يا أبيه لولاكم كان زمانى دلوقتى ميتة. فشدت على يد حياء وأكملت حديثها: –شكراً يا حياء وأسفة لو كنتى بسببى أترعبتى من اللى حصل. ربتت حياء

على يدها وهى تقول بهدوء : –الشكر لله والحمد لله أنها عدت على خير. بعد مرور عدة دقائق ، هم راسل بالرحيل ، فبعد عرضه ثانية لمجيئهما معه لمنزله ، ورفضهما المتكرر ، خرج من الشقة تتبعه حياء ووفاء. وصل بسيارته لمنزله وترجلوا منها ، فسمعوا صوت صراخ الصغيرة أتياً من الداخل ، فركضوا جميعهم لمعرفة ما أصابها ، فوجدوا الخادمة تحاول تهدئتها ، ولكن الصغيرة لا تستمع لها ولا تردد سوى جملة واحدة وهى تصرخ :

–عايزة بابى ومامى وآنا وفاء مليش دعوة. عادت لتصرخ ثانية ، ولكن هرولت إليها حياء ، وحملتها وهى تحاول أن تهدأ من روعها : –بس يا حبيبة ماما أنا جيت أهو. كفت الصغيرة عن البكاء والصراخ ، ووضعت ذراعيها حول عنق حياء وهى تقول بوداعة : –أنتوا روحتوا فين وسبتونى يا مامى أنا كنت خايفة. مسحت حياء على رأسها ، ووضعت شعرها خلف أذنيها ومسحت وجهها الرطب من أثر بكاءها: –معلش يا روحى كان عندنا مشوار مهم بس خلاص رجعنا أهو أهدى بقى.

لم تكن تشعر بالأمان كاملاً ، إلا بعد أن يقدم أبيها مبرره هو الآخر ، بل يجب عليه أن يصرف حزنها ببعض الحنان ، الذى اعتادته منه دائماً ، فلم يكن هو بحاجة لإستجداء عينيها. فأخذها بين ذراعيه وهو يقبلها بحنان: –خلاص يا قلب بابى متعيطيش أنا أسف يا روحى أن سيبتك مش هعمل كده تانى.

تلك هى المرة الأولى ، التى تسمعه حياء يقول بها تلك الكلمة " أسف " فهو لا يقدم إعتذاره حتى وإن كان مخطئاً ، ولكن مع صغيرته فالأمر غير ذلك ، فهو أب رائع وحنون ، بل يتخلى عن تصلبه وعناده من أجلها ، فهى تتخيل الآن عندما تصبح سجود شابة ويحين موعد زواجها ، فلا يترك رجلاً يأخذها منه ، فتبسمت حياء على تخيلها ، حتى أثارت إنتباهه. فنظر إليها وتساءل : –بتبتسمى على ايه يا حياء؟ أجابته حياء وهى تضحك بخفوت :

–مش عارفة لما شوفتك مع سجود أفتكرت فيلم عريس من جهة أمنية لما عادل إمام كان بيحب بنته أوى ومش عايزها تتجوز وكل ما ييجى عريس يطفشه أهو أنت هتبقى زيه يا راسل مش هتخلى حد ياخد منك سجود. تبسم رغماً عنه بعد سماعه قولها ، فأسرعت وفاء بالرد وهى تقول بإبتسامة : –نبقى فى يوم فرح سجود نخدره ونخليه ينام على ما يخلص الفرح.

ضحكوا جميعهم على قول وفاء ، ولا ينكر أن حديثهما يحمل بعض الجدية بشأنه ، فهو حقاً لا يتخيل أنه سيأتى اليوم الذى سيأخذها منه أحد أخر حتى وإن كان زوجها ، فهو يهيم حباً وعشقاً بصغيرته ، وربما يتعجب من حوله ، من حبه الشديد لها ، على الرغم من كرهه لوالدتها ، ولكنه لا يأخذها هى بذنب لم تكن مرتكبته ، فهى أولاً وأخيراً إبنته.

لن يكون أمر ترك خالته وإبنتها بهذا الوقت قراراً حكيماً منه ، فهو لايريد أن يخيب أمل ورجاء خالته به ، فهما صارتا بمفردهما الآن ، فزوج خالته بالمشفى ، ولا يوجد رجل بجانبهما الآن ، لذلك لم يتشدد برأيه بأنه يجب أن يعود لشقته ، ولكنه أصر على الإقامة بتلك الغرفة بحديقة المنزل ، فتعجبت خالته من إصراره على ذلك ، وألحت عليه بأن يسكن إحدى غرف المنزل الكثيرة ، ولكنه قابل قرارها بالرفض.

فهو لايريد أن يمكث تحت سقف واحد يجمعه بهند ثانية ، وبالأخص لا يريد رؤية وجهها ، فهو صار يمقت رؤيتها ، فما بال لو رآى بعيناه ما فعلته. سمع صوت طرق على باب الغرفة ، ففتح الباب ووجد الخادمة تحمل طعاماً له ، فقالت وهى تتبسم بتهذيب : –الأكل يا أستاذ كرم الهانم قالتلى أجبهولك وبتقولك تاكل كويس لولا بس انها تعبانة كانت جبتهولك بنفسها بس هى حالياً زمانها نامت.

أشار له كرم بالدخول ، لتضع الصينية من يدها ، فبعد أن وضعتها بمكان آمن ، وجدها تخرج من الغرفة ، فجلس كرم أمام المنضدة الموضوع عليها الطعام ينظر إليه بنظرات شاردة ، فطال جلوسه هكذا بوضعه المتصنم ، ولكن صوت غمغمة وهمس وصل لأذنيه. فأرتفعا حاجباه فى دهشة وقال : –جاى منين الصوت ده؟

خرج من الغرفة يبحث عن الصوت ، فتلك الشجرة الكبيرة الموجودة قريباً من المكان ، كان يقف أسفلها شخصان ، لا يعلم من يكونان ، ولكنه أقترب بحرص منهما دون أن يعلن عن نفسه لهما. فسمع صوت أنثوى يقول : –أنت عارف البيه الكبير وقع من طوله وراح المستشفى ليه؟ علشان الفضيحة اللى عملتها الست هند دا متصورلها فيديو كمان. رد الرجل المرافق لها وهو يقول بفضول :

–فيديو إيه ده وعرفتى منين الكلام ده ، دا محدش بيخش الدور الفوقانى غير شغالة واحدة منكم أنتوا التلاتة فعرفتى إزاى؟ ردت المرأة قائلة بسخرية : –عرفت يا أخويا من تليفون البيه اللى وقع منه لما طب وقع ساكت ، إحنا لما كلنا شفنا الاسعاف جاية تاخده محدش أخد باله من التليفون غيرى وأخدته وشغلت الفيديو ونقلته على تليفونى كمان أهو خد شوفه. قبل أن يتناوله الرجل من يدها ، كان كرم الأسبق بأخذه من بين أصابعها بقسوة وهو يصيح بإنفعال:

–ايه اللى انتوا بتعملوه ده ، هى دى الأمانة وحفظ أسرار البيوت اللى بتشتغلوا فيها؟ لم ينبس أحد منهما ببنت شفة ، فهما يقفان أمامه كالمذنبين ، ففضلا أن ينصرفا بسرعة ، فهما بات يعلمان أن لن يكون عملهما بهذا المنزل ثانية أمراً متاح.

رفع كرم الهاتف ليغلقه ، ولكن وقعت عيناه على ذلك المشهد ، الذي حطم قلبه شر تحطيم ، فهو يراها بوضع لا يصح مع شاب غريب ، لم يرى وجهه ، فلا يعلم أي جرأة أتته ليشاهد مقطع الفيديو كاملاً منذ بدايته حتى نهايته ، يحدق بشاشة الهاتف ، يشعر بعرقه يتصبب بارداً ، فأطرافه متجمدة وعيناه علقت بها الدموع ، فلم تفر من بين جفنيه إلا بعدما أغلقهما ليكف عن مشاهدة تلك الكارثة ، فالشاب أخذ الحيطة والحذر فلا يستطيع أحد معرفة من يكون سواها هي ، فكل من سيشاهد الفيديو ، لن يستطيع أن يعلم من يكون هذا الشاب.

ولكن يكفي ما رآه ، فخرج صوته قائلاً بألم : –ليه كده يا هند دبحتى قلبى بسكينة باردة ، كنت بتستعرى منى وتخافى تقولى أن أنا ابن خالتك ومخوفتيش وأنتي بتضيعى نفسك يا خسارة وألف خسارة على الحب اللى حبتهولك وطلعتى متستاهليش. عمل على مسح مقطع الفيديو من الهاتف ، وتأكد من محوه بشكل نهائي ، فلا يريد أن يتلصص أحد على بلواهم ، فيكفي ما حدث للأن.

عاد للغرفة وتسطح على الفراش ، وكلما حاول إغلاق عيناه ، يتذكر ما رآه ، فظل يغير من وضعية نومه ، لعله يشعر بالراحة ، ولكنه لم يعثر على تلك الراحة ، فسؤال واحد فقط ظل يطرحه على عقله وهو كيف سينظر بوجهها ثانية؟ فبعد ليل طويل ، أنبلج الصباح وهو نائماً على أحد المقاعد بالحديقة ، فبعد فشله بالحصول على قسط من الراحة ، خرج وجلس على أحد المقاعد الخشبية ، حتى داهمه النعاس وهو جالس.

فتح رماديتيه بعد شعوره بحركة في حديقة المنزل ، فلابد أن ساكني المنزل قد استيقظوا ، فولج للداخل ليرى خالته إذا كانت ستذهب لرؤية زوجها بالمشفى ليذهب معها. فأثناء ولوجه للداخل تقابل مع هند ، التي بدت على استعداد لمرافقتهما لرؤية والدها ، فظل كل منهما ينظر للأخر بصمت. فعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول : –خير حضرتك بتبصلي كده ليه؟ –انتي ليكي عين تتكلمي كمان. قالها كرم وهو يشيح بوجهه عنها ، كأنه يشعر بالإشمئزاز لرؤيتها.

فبفعلته تلك تملكت منها آفتها التي لن تستطيع أن تتخلص منها ، فردت قائلة بغرور كأنها لم تفعل شيئاً يجعلها تشعر بالخزي : –هو انت مفكر علشان انت عرفت كل حاجة يبقى هتكسر عيني يا كرم لاء انا هند وهفضل هند حتى لو عملت إيه فاهم وانت ملكش دعوة بيا مفهوم. لم يرى الرد المناسب لها بهذا الوقت ، إلا صفعة صفعها إياها على وجنتها وهو يقول: –اخرصي بقى وبطلي غرورك ده اللي ضيعك. وضعت هند يدها على وجنتها وهى تنظر له بذهول :

–انت بتمد إيدك عليا يا كرم هي حصلت كمان؟ فاض الكيل فلم يشعر إلا وهو يجذبها من شعرها بغيظ ، فصرخ بوجهها: –قولتلك اخرصي بقى مش عايز أسمع صوتك ده نهائي مش كفاية كنتي هتموتي باباكي ايه الجبروت اللي انتي فيه ده انتي اللي زيك تخرص خالص.

لا يحركه سوى غضبه وغيظه منها ، فهو عاشق مقهور ، فمن داخله يبكي حسرة وألماً ، فكم كان يكفيه أن يقلع عن حبه لها وتتزوج من غيره ، على أن ينزع حبها من قلبه بسبب كرهه لها والشعور بالإشمئزاز والنفور من رؤيتها. لم يكف عما يفعله إلا بعد سماع صراخها المتألم من جذبه لشعرها ، فهو يكاد يقتلعه بيده ، فدفعته بصدره لعله يرحمها من هذا الألم الذي تشعر به. فصرخت قائلة برجاء يشوبه الألم: –كرم سيبني انت وجعتني سيبني.

–ياريتني أقدر أوجعك زي ما وجعتينا كلنا بعملتك السودة. بعد أن قال كرم عبارته ، دفعها عنه فكادت تسقط أرضاً وتتعثر بحذائها ذو الكعب العالي. فلم تعي كل ما يحدث ، فهل هذا هو كرم الشاب الهادئ الخجول ، الذي كلما كان يراها ، تجده ينظر أرضاً ، والذي كان يخشى لمس يديها أثناء المصافحة ، فهو صار الآن متبجحاً ويضربها أيضًا.

وضعت يدها على وجنتها تتحسس سخونتها من أثر صفعه لها ، فكفه العريض ترك أثار أصابعه كاملة على وجهها ، ظل يرمقها ببرود ، فوجنتها التي طالما حلم بأن يلاطفها بالعشق الحلال ، كانت أول ما تلقته منه هو صفعة قاسية. فظلت النظرات بينهما غير ودية ، تود لو لديها الشجاعة الكافية بأن تصفعه على وجهه هي الأخرى ، ولكنها تعلم أنها لن تستطيع فعل ذلك ، فاليوم كأنها ترى كرم آخر ، بإستطاعته تحديها وكسر عنفوانها.

ذهبت لغرفة الثياب ، لتنتقي له ثيابه التي سيرتديها اليوم ، فنظرت بتقييم لثيابه المتراصة ، فأنتقت ما ألزمته من قميص وبنطال وسترة أيضًا ، فوضعتهم من يديها لتبحث له عن حذاء مناسب ، فأقتربت من أحذيته ولكن لفت إنتباهها ، ذلك الصندوق الكارتوني الموضوع بأحد الأركان ، فهي لم تنتبه له قبل الآن ، فربما مربيتها وضعته هنا ، وهو خاص بأوراقها هي.

سحبته من مكانه ، وجلست على الأرض لترى ما به ، فتحت الصندوق فوجدت أوراقاً كثيرة وصور ، ولكن كل ما كان بالصندوق خاص بزوجها راسل. نظرت للصور بإبتسامة ، فتلك هي صوره منذ طفولته حتى الآن. فكلما رأت صورة وضعتها بجانبها لترى غيرها ، لاحظت بعض الصور و شاب يحمله عندما كان بصغره ، فربما كان هذا الشاب هو شقيقه الأكبر ووالد ميس ، ولكنها لاحظت عدم وجود صورة لزوجها مع والده.

ولكن إحدى الصور لفتت إنتباهها وهي عندما كان راسل بالعاشرة تقريباً تجلس فتاة صغيرة ربما لا يتعدى عمرها السبع سنوات على ساقيه وهو يقبلها ، ولكن تلك الفتاة لا تشبه ميس ، فمن تكون؟ –بتعملي إيه يا حياء؟ قالها راسل وهو يلج الغرفة ، يجفف رأسه بالمنشفة بعد خروجه من المرحاض ، فأزاح المنشفة عن وجهه ، ووضعها حول عنقه ، فوجدها تفترش الأرض وتنظر لمحتوى الصندوق الكارتوني. رفعت رأسها ونظرت له قائلة بفضول :

–لقيت الصندوق ده أفتكرت دادة كانت لمّت فيه أوراقي بس أكتشفت أنه فيه حاجتك أنت فحبيت أتفرج على صورك. جلس راسل القرفصاء بجانبها وحمل صورة ونظر إليها بحنين وهو يقول: –الله يرحمك يا وجدي. صح ظنها الآن ، فذلك الشاب الذي كان يحمله بالصورة هو شقيقه ، فأرادت سؤاله عمن تكون تلك الفتاة التي كانت معه ، فرفعت الصورة أمام وجهه وتساءلت : –مين البنت دي يا راسل؟ أخذ راسل الصورة من يدها وتبسم قائلاً بعد رؤيتها : –دي إيلين النعماني.

عقدت حياء حاجبيها وقالت: –مين إيلين النعماني أخت ميس؟ حرك راسل رأسه بالسلب وهو يقول: –لأ دي جدها يبقى ابن عم رياض النعماني. فأكمل حديثه وهو يقول ممازحاً : –دي كانت حب طفولتي الأولاني تصدقي كنت بكتبلها جوابات في كراسة الواجب ، ولما كنت اتكلم مع بنت غيرها كانت تزعل مني وتخاصمني وأفضل طول النهار أتحايل عليها علشان تصالحني بس سابتني وسافرت روسيا مع مامتها وباباها أصل مامتها روسية وراحوا عاشوا هناك.

ذلك الحنين بصوته ، أصابها بالضيق ، فهل نسي أنه يتحدث مع زوجته ، فنهضت من مكانها وهى تقول بتبرم : –الظاهر كده كنت بتحبها أوى. رفع رأسه إليها ، وجدها تقف تعقد ذراعيها وإمارات الغضب والغيرة تملأ وجهها ، فترك الصورة من يده وإستقام بوقفته يحدق بها. فتبسم قائلاً بهدوء وتسلية : –حياء أنتي غيرانة؟

كأنه سكب مزيد من مواد الإشتعال ، فتعالت وتيرة أنفاسها ، وأشتعلت عيناها ببريق ساحق ، فقبل أن يرى ثورتها عليه ، كان جاعلاً إياها تبتلع تلك الكلمات التي كانت بطريقها للخروج من بين شفتيها. فأستند بجبينه على جبينها وقال بصوت خفيض: –معقولة تغيري من حاجة مر عليها ٢٥ سنة أنا كنت طفل في الوقت ده حتى إيلين مشوفتهاش بقالي ٢٠ سنة دي زمانها دلوقتي اتجوزت وخلفت ومش فكراني أساساً.

أعاد عناقه ثانية ، لعله يرسخ بعقلها أنه لا توجد أنثى بقلبه الآن سواها هي ، فغمغم وهو يقول بصوت متهدج: –بحبك وانتي غيرانة وعينيكي بتلمع خليكي حبيني كده على طول يا حياء. أجاد حيلته ، فأصبحت بين يديه كالماء ، بل أنها الآن تردد على مسامعه عهود الحب ، تخبره بعشقها المطلق له. فالتصقت به أكثر وقالت :

–أنا حبيتك أوى لدرجة أن ساعات بحس بالغيرة أنك كنت متجوز واحدة قبلي. زعلانة أن سجود مش بنتي أنا منك انت. كان نفسي تبقى بنتي أنا وشايلة دمى ودمك. غيرانة أن في يوم كنت عايش زوج لواحدة غيري. حاسة بحبك وقربك ليها وأن ممكن تكون قولتلها كلمة " بحبك ". كل ما بتخيل الحاجات دي ، كأن في نار بتقيد في قلبي. مش عارفة إزاي بقيت أحس بكل الحاجات دي وإحنا اغلب معرفتنا ببعض الأول كانت خناق وكره. لكن دلوقتي حاسة كأن بحبك من أول ما عرفت يعني إيه حب.

–طب ونادر كان إيه بالنسبة ليكي لما كنتوا مخطوبين؟ قال راسل فجأة ، ينتظرها أن تجيبه ، على ذلك السؤال ، الذي طالما أرق مضجعه ، فهو يعلم أن ما سبق بحياتها وحياته ، قد انتهى أمره ، ولكن بحديثها الذي حاولت به إيضاح مدى حبها له ، جعله يريد أن يشعر بتفرد مكانته بقلبها ، فإن كانت تغار من ماضيه ، الذي علمته للتو ، فهو لم يخبرها أنه يغار هو الآخر من كون أحد غيره كان سيكون زوجها وينعم بامتلاكها.

سحبت يديها ببطء ، وأبتعدت قليلاً عنه ، كأنه بذكر إسم نادر جعلها تخرج من حالة الهيام التي كانت تسيطر عليها وهي بين ذراعيه. فسكتت لبرهة ولكن سرعان ما قالت بعدم إكتراث: –هبقى كدابة لو قولتلك أن أنا فاكرة إحساسي كان إيه. موضوع نادر ده كان زي الحلم وصحيت منه ومش فاكرة معظمه. بس كل اللي فكراه بداية ظهورك انت في حياتي. تحسس عنقها بأصابعه يمررها بلطف على عروقها النابضة وهو يقول: –بقى أنا كنت هتسبب في موتك وكنت بخنقك بإيديا؟

من أراد أن يبدي أسفه واعتذاره بوقت متأخر ، فراح يمحى أثار تلك الذكرى بعناق شغوف ، ولكن تذكرت هي أنهما يجب عليهما الذهاب للمشفى. فدفعته عنها برفق وهي تقول: –حبيبي إحنا هنتأخر كده يلا بينا بقى. رآى أنه من غير العادل والمنصف ، أن تكون أوقاتهما سوياً رهناً لتلك الظروف الخارجة عن إرادتهما ، فهو لم يكتفي بعد من وصالها ، فضرب بكلامها عرض الحائط ، وعاد لإستكمال ما رغبت هي بأن ينقطع بهذا الوقت.

فهي لن تستطيع مقاومته ، إذا بلغ الحد الذي ينسى به من يكون غير أنه زوجها ويريدها ، فرآية الهزيمة والضعف أمامه رفرفت بعينيها ، التي أخبرته صراحة أنها لا تريد تركه حتى وإن نطق بها لسانها.

يحرك رأسه بحركات رتيبة ومنتظمة ، دليلاً على إنه يعير انتباهه كاملاً لما يقوله حارسه ، فأحياناً يدير عصاه بين يديه ، وأحياناً أخرى ينقر بها على الأرض ، وهو يستمع للتقرير اليومي لمراقبة نجله الصغير ، فهو لم يكف عن فعل ذلك منذ خروجه من القصر ، أو إذا صح القول هروبه ، ذلك العنيد الذي لن يمنحه العفو والصفح أبداً ، فكثيراً ما يخرجه عن طوره ، ولا يلجمه عنه سوى أنه ولده.

يبخل عليه بمودته ، ولا يجعله يقترب من صغيرته ، فكم كان يرغب بتدليلها كحفيدته ميس ، فسجود أولاً وأخيراً تحمل دماءهما ، حتى وإن كانت تحمل دماء لعينة بجانب دماءهما ، ولكنها تظل بالأخير من نسل عائلة النعماني. فختم الحارس حديثه قائلاً وهو يضع من يده ذلك التقرير اليومي المرفق به الصور : –كده يا باشا قولتلك على تحركات دكتور راسل كلها هو وعيلته وكمان الصور بتاعة مراقبة النهاردة ، وكمان الصور اللي حضرتك وصيت عليها علشان بنته.

طرف سبابته من يده المستند بها على عصاه ، كان أمراً إياه بالرحيل: –طب روح أنت. أنحنى الحارس له إحتراماً وترك مجلس رياض ، فبعد خروجه وإطمئنانه أنه صار بمفرده بعد صرف حرسه ، رفع الصور يطالعها الصورة تلو الأخرى. فتبسم إبتسامة متألمة وهو يقول بقلة حيلة:

–مش عارف هتفضل راكب دماغك لحد أمتى يا واجع قلبي من ساعة ما جيت على الدنيا دي ، عارف أن غلطت في حقك كتير وأنك مجروح مني ، بس مفيش مرة قلبك حن عليا وأنا بحاول أصلح غلطي معاك ، عشرين سنة يا راسل معيشني في عذاب الضمير ، وبقيت تخرجني عن شعوري ، كل ما أحاول أصلح اللي بينا تخليني أرجع تاني رياض النعماني اللي كرهته ، وبعدين معاك يا ابني ، مش كفاية وجدي أخوك راح مني.

تلك العبرة الحارة ، التي فرت من عينيه ، حزناً على ما أصابه ، من موت ولده الأكبر ونفور ولده الأصغر ، لم تكن كافية بالتعبير عما يشعر به ، فمن سيراه لا يصدق أنه بذاته ذلك الرجل ، الذي يطيعه الكبير والصغير ، يسعى الجميع لكسب مودته وقربه ، ولا يردون له أمراً أو كلمة ، سوى ذلك صعب المراس ، ولكن لا ينكر أن عناد ولده يروقه أحياناً لأنه يذكره بصباه ، فهو كان هكذا عنفواني ولا يستطيع أحد أن يلجم روحه الثائرة.

توقفت عيناه على إحدى صور الصغيرة ، فرفعها وقربها من فمه يقبلها ، فبالواقع لم يقبلها من قبل ولا أتاح له راسل فرصة التقرب منها ، فهو عندما كان يرسل لهما نقود أو دمى وثياب من أجل الصغيرة ، كان يردها إليه ثانية ، معللاً أنه لا يريد منه شيئاً ، لايريد سوى أن يتركه بحاله وليحاول النسيان أنه يكون ولده. أقتحمت ميس مجلس جدها بغتة ، فوجدته على تلك الحالة ، فأقتربت منه سريعاً لمعرفة ما أصابه ، فجلست بجانبه وهتفت به بإهتمام :

–جدو مالك في إيه؟ وضع رياض الصورة من يده ورد قائلاً بهدوء : –في حد يدخل كده من غير إستئذان يا ميس؟ بشعور المذنب ، أبدت ميس إعتذارها بصوتها الرقيق: –آسفة يا جدو بس كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم. نظر إليها رياض وأصغى إليها بإنتباه ، لمعرفة ما لديها ، ولكنه وجد سوزانا تقترب هي الأخرى بعلامات الغضب ، التي نادراً ما يراها على وجهها ، فشعر بوجود أمر جلل ، جعل ميس وسوزانا ، ينظران لبعضهما كأنهما ستتعاركان. فتغضن جبينه

وهو يقول بشعور الغرابة: –في إيه مالك انت وهي حصل إيه؟ جلست سوزانا وقالت بإمتعاض وهى تشيح بوجهها عن رؤية إبنتها : –اسأل بنت ابنك المحترمة عملت إيه من ورانا يا عمي. إجتاح الضيق حواس ميس من قول والدتها ، فردت قائلة بإستياء : –ماما لو سمحتي متقوليش كده انتي محسساني أني أرتكبت جريمة. لوت سوزانا رأسها إليها وهي تقول : –انتي كمان لسه بتقاوحى ومش عايزة تعترفي أنك عملتي حاجة غلط.

دب رياض الأرض بعصاه ، لعلهما تكفان عن شجارهما ، الذي لم يفهم منه شيئاً ، فصاح بهما بحزم : –بس انتي وهي انتوا هتتخانقوا قدامي قولولي إيه اللي حصل منك ليها؟ صوته الصارم ، جعل كل منهما تلتزم الصمت بالبداية ، ولكنه أشار لميس بالبدء في الحديث ، فزفرت بخفوت وبدأت تسرد ما كان من أمرها :

–الموضوع يا جدو أن أنا اتعرفت على شاب هو شاب كويس ومحترم وعايز يتجوزني ، بس أنا اللي كنت حابة أأجل الموضوع لحد ما أستقر بقرار شغلي ، عارفة أن غلطانة أن مصارحتش ماما من الأول ، بس والله يا جدو ما عملت حاجة غلط الموضوع كله كان بس لو شوفته صدفة في مكان عام أو مكالمة تليفون ، فلما ماما عرفت زعقت فيا جامد وبهدلتني. وأنا والله كنت ناوية أقولكم.

استمع رياض لحديثها حتى انتهت منه ، فلم يقاطعها بل جعلها تقول كل ما لديها ، ليستطيع الحكم بذلك الأمر بهدوء وروية. فحدق بها قائلاً بصوت رصين :

–انتي عارفة يا ميس أن عمري ما رفضتلك طلب وكل اللي كنتي بتعوزيه بتطلبيه وبيجيلك على طبق من دهب ، بس انتي مش محتاجة تخبي موضوع زي ده وأمك خايفة عليكي يعني ما بتسمعيش عن البلاوي اللي بتحصل اليومين دول ، كان المفروض من الأول خالص تصارحي مامتك وبعدين تعرفينا ولو هو شاب كويس أكيد يعني مش هنرفضه ، وعشان كده عايزك تخليه يجيلي هنا هو وأهله مش هو لوحده وييجي أخر الأسبوع علشان أكون فضيت له ومفيش كلام بينك وبينه تاني نهائي لحد ما يجيلي مفهوم يا ميس؟

أماءت ميس برأسها بالإيجاب ، فربما عليها التخلي عن تصلبها بقرار عملها الآن ، وتنهي ذلك الأمر الخاص بها أولاً ، فنظرت لوالدتها وجدتها تطالعها بهدوء ، كأنها هي الأخرى تؤيد قرار جدها ، فهي تعلم أنها لن تسمح لها بأن يستمر أمرها بالسر ، كما كانت تفعل ، فتركت مكانها وذهبت لغرفتها ، أخذت هاتفها واخبرته بما لديها ، فأنهت المكالمة معه على وعد منه بأنه سيكون بالقصر بالموعد المحدد.

وصلا بسيارته للمشفى ، بعدما أوصلا الصغيرة لروضتها ، فترجلا من السيارة ، ومد يده لها ، فوضعت يدها بكفه بإستحياء وهي تسير بجانبه ويراهما العاملين بالمشفى ، حتى وإن كانوا يعلمون أن هي زوجته ، لم يستطيعوا فهم تلك الزيجة المفاجئة له ، وهو من كانت تتودد له النساء ، ولكنه لم يعيرهن انتباهًا. فمالت إحدى الممرضات على أذن صديقتها وهي تقول :

–أنا هموت وأعرف اتجوز إزاي وهو كان باين عليه أنه هو وميس النعماني قريبين لبعض أوي ، دا اللي كان يشوف معاملته ليها يقول أنه مستحيل يبص لواحدة تانية بس نقول إيه ما كانت هند الصاوي قبل منها وطلعوا كلهم من المولد بلا حمص وراح اتجوز واحدة تانية خالص. تبسمت الممرضة الأخرى وهى تقول بدهاء : –انتي كمان متعرفيش مراته دي كانت خطيبة مين قبله. هزت رفيقتها ذراعها عدة مرات لتحثها على إخبارها بما لديها ، فقالت بإلحاح :

–كانت خطيبة مين ها وتعرفيها منين انتي شوفتيها قبل كده؟ حركت رأسها بالإيجاب وهي تقول: –أيوه أعرفها دي كانت خطيبة الدكتور نادر اللي كان شغال هنا فكراه؟ حتى أنا كمان حضرت خطوبتهم ولسه فاكراها وجت هنا المستشفى قبل كده ، أنا الوش اللي أشوفه مبعرفش أنساه بسهولة. قضمت الممرضة الأخرى شفتها السفلى بدهشة وقالت: –يا خبر يعني خد خطيبة دكتور كان شغال عندهم. نظرت زميلتها بالورق بين يديها وهي تقول:

–وليه متقوليش أن هي اللي خدته لما شافته وحلى في عينيها وقالت بدل متتجوز دكتور شغال في مستشفى زي ده تتجوز صاحب المستشفى نفسها وكده تبقى هي الكسبانة كمان ، طلعت بت ناصحة وواعية كمان مش زينا خيبة. ظلتا تتهامسان ولكنهما لم تنتبهان للواقف خلفهما ، فهو عندما رأى حياء تتأبط ذراع صاحب المشفى ، لم يصدق عيناه أنه رآها ثانية ، فهو كان يفكر أين ذهبت بعد هروبها من المنزل؟ ليعلم الآن أنها تزوجت. لم يخرج من شروده إلا على وكز

زوجته له بكتفه وهي تقول: –في إيه يا شكري واقف هنا ومتنح كده ليه ولا إيه عجبوك الممرضات يا أبو عين عايز يدب فيها رصاصة وديل عايز قطعه. أرتفعت شفته العليا وهو يقول بإمتعاض : –في إيه يا قسمت ممرضات إيه وبتاع إيه دلوقتي دا في حاجة أهم عرفتها. زفرت من أنفها بضيق وقالت : –خير حاجة إيه دي المهمة اللي عرفتها يا شكري لخص وهات من الآخر مليش دماغك ليك ، وكمان لسه هشوف جنان بنتك علينا. تبسم شكري قائلاً بخبث: –عارفة؟

–شوفت مين شوية ومش بس كده طلعت مرات صاحب المستشفى. ردت قسمت قائلة بعدم إكتراث: –هتكون مين يعني اللي شوفتها؟ –السفيرة عزيزة يا أخويا. بسم ضاحكاً من قولها ورد قائلاً : –لاء وحياتك دي حياء بنت أخوكى سابقاً وحالياً حرم الدكتور راسل صاحب المستشفى.

أرتفعا حاجباها تزامناً مع فمها المفتوح في دهشةٍ مما سمعته ، فهي لم تكترث بشأن حياء بعد ذهابها من المنزل ، وكم كانت تمنى نفسها أن تلقى الذل والهوان بقدر تلك السنوات ، التي عاشتها برغد من العيش بكنف أخيها الراحل ، بينما هي عانت الحاجة والفقر ، وأخذت هي حقوق كان من المفترض أن تكون لها. ولكن أن تسمع الآن أنها تزوجت ولم يكن زوجها سوى طبيب ثري ، فيكفي هذا المشفى الذائع الصيت كصاحبه. فما هذا الحظ الذي تملكه تلك الفتاة؟

هكذا ظلت تسأل نفسها بحقد بين لم تستطيع إخفاءه وهي تتفوه بتلك الكلمات : –بنت المحظوظة هي البت دي إيه حظها دايماً ضارب في السماء كده ، أنا قولت أنها هربت من البيت واتجوزت اللي اسمه نادر ده وغاروا لكن إزاي اتجوزت صاحب المستشفى. –تتجوز نادر إيه هو أصلاً حد شاف وشه من ساعة فتح الوصية وعرف أنها مش بنت أخوكى. قالها شكري بدون أن ينتبه ، فوضع يده على فمه ، بعدما أدرك زلة لسانه. فعقدت قسمت حاجبيها وتساءلت :

–إزاي يعني مش أنت قولت أنك لقيتهم مع بعض وهربوا من البيت يوم ما طفشت؟ رد شكري قائلاً بتلعثم : –اا أنا قصدي يعني انتي مشوفتوش لكن انا اه شوفته ثم يلا نشوف بنتك أحسن ما تكون عملتلنا مصيبة. سحبها من مرفقها ، وهي تحاول أن تزن حديثه بعقلها ، ولكن ربما انشغالها بما تنوي هبة فعله ، جعلها ترجئ التفكير بهذا الأمر لاحقًا.

فأمام إحدى غرف العناية الفائقة ، وأثناء وقوف هبة أمام الزجاج الفاصل بينها وبين زوجها المستلقي على الفراش ، ولا يأتي حراكاً ، بل تسمع صوت صافرات تلك الأجهزة الطبية المتصلة بجسده. مدت يدها تمسح عينيها ، فشعرت بملمس يد على كتفها ، فألتفتت خلفها ورأت حياء ، فسرعان ما ألقت بنفسها بين ذراعيها وهى تبكى بصوت مسموع. فربتت حياء على ظهرها ، ولم تستطع التحكم بعبراتها ، التي انسكبت من عينيها حزناً على رؤيتها ورؤية زوجها المصاب.

فقالت بمواساة : –إهدي يا هبة إن شاء الله هيبقى كويس ربنا يشفيه ويعافيه يارب. –يارب يا حياء يارب. قالتها هبة برجاء طغى عليه صوتها الباكي والمتحشرج ، فأبتعدت عنها ، لعلها تنظر لها جيداً ، فحدقت بها وأكملت حديثها وهى تقول: –بس انتي عرفتي إزاي وطمنيني عليكي أخبارك إيه؟ حاولت حياء الابتسام من بين دموعها وقالت: –الحمد لله كويسة وعرفت من جوزي اصله هو الدكتور صاحب المستشفى واللي عمل العملية لجوزك ، دكتور راسل.

–انتي اتجوزتي يا حياء وأنا معرفش. قالتها هبة بما يشبه العتاب. ولكن أسرعت حياء لإيضاح أسباب عدم إخبارها وهى تقول بصدق: –أنا والله خفت أقولك وأنتي عارفة مامتك وباباكي كانوا ممكن يعملوا إيه فمتزعليش مني. لم تكن هبة بوضع يخولها أن تجادل بشأن ذلك الأمر ، الذي تعلم أن لديها أسبابها الكافية بتجنب والديها.

ظلتا تتحدثان بعض الوقت ، وكانت راحتها ستدوم لولا مجيء قسمت وشكري ، فحياء عندما رأته أترجف بدنها لا إراديًا ، كأنها تذكرت فجأة ما كان ينوي فعله بها. فتراجعت خطواتها للخلف ، ورأت تلك الابتسامة البغيضة على وجهه وهو يدقق النظر بها ، وهو آتي خلف زوجته. فنظرت لهبة وقالت مسرعة : –طيب يا هبة هجيلك تاني أطمن عليكي. قبل أن تخطو خطوة واحدة ، كانت قسمت الأسبق بالقول : –عاش من شافك يا حياء مسير الحي يتلاقى.

رفضت قدميها الحركة ، كأنها تحالفت مع ذلك النفور والكره ، الذي ملأ جنبيها ، فلا تعلم لما تشعر برغبة في الثأر منهما الآن ، وعلى مسمع ومرأى من الجميع ، فهما هدم حياتها ، وكان ذلك الرجل الخبيث ، على وشك القضاء عليها بخسة ودناءة. فتبسمت حياء بدون مرح وهى تقول ببرود ، ربما أجادت اكتسابه من زوجها : –فعلاً مسير الحي يتلاقى يا عمتو ولا أقول يا قسمت. قالت قسمت وهى تتبسم بسخرية :

–بقيتي تعرفي تتكلمي وتردي كمان الله يرحم القطة المغمضة اللي كانت بتخاف من خيالها. مدت حياء عنقها للأمام وهى تقول بزهو : –ده كان زمان حياء دلوقتي بقت حاجة تانية غير حياء اللي تعرفيها انتي وجوزك عديم الشرف والدين. حدق بها شكري ، وعيناه تطلق سهام تكاد تنفذ من خلال جسدها وهو يصيح بإنفعال: –ما تحترمي نفسك يا بت انتي مش كفاية كنا ساترين عليكي وعلى عمايلك.

رآى شكري راسل يقترب منهما ، فوجدها فرصة سانحة ، لتخريب ما يمكن تخريبه بينها وبين زوجها ، فأكمل حديثه ، كأنه لم يراه : –مش كفاية كنتي ماشية على حل شعرك مع خطيبك وقفتكم مع بعض ولما سرك انكشف هربتي من البيت. شعور الصدمةٍ والدهشةٍ من حديثه المهين ، جعل قدميها ترتد للخلف دون وعي منها ، فلم تشعر سوى بإصطدامها بجسد خلفها ، فإستقبلها بين ذراعيه ، قبل أن تبتعد أكثر.

فأرتعبت من وضعها ، وإستدارت بين ذراعي ذلك الذي إصطدمت به ، ولم يكن أحد سوى زوجها. فنظرت إليه بعينان على وشك البكاء وهى تقول: –راسل شوفته بيقول عليا إيه ، أنا أنا والله.... قبل أن تفه بكلمة أخرى ، وضع يده على فمها وهو يأمرها بحزم أن لا تقول شيئاً : –هششش بس يا حياء. ظنت أنه صدق حديث شكري عنها ، فقبل أن يملأ الذهول كيانها ، رآته ينظر لشكرى قائلاً بشعور مبهم :

–الكلام اللي قولته لمراتي ده مش هيعدي بالساهل وهحاسبك عليه وأولهم دي. كور قبضة يده ولكم شكرى بوجهه ، فأختل توازنه وسقط على الأرض ، فلا تعلم قسمت لما شعرت بالخوف من هيئته الشرسة ، فألتزمت مكانها ، بل أنها ألتصقت بالجدار خلفها ، فقبل أن تعم الفوضى وينتبه العاملين بالمشفى ، أخذ راسل حياء من يدها وهو يجرها خلفه ، وولجا للمصعد الكهربائي ، ليهبطان للدور السفلي ، فبعد أن أنفتح باب المصعد ، أخذها وذهب لغرفة مكتبه.

أغلق الباب وهو يحاول تنظيم أنفاسه ، فلو لم يكن يخشى حدوث فوضى بالمشفى ، لربما كان تصرفه سيكون أشد حزماً وصرامة مع ذلك الرجل المدعو شكرى. جلست حياء على الأريكة الجلدية ، ووضعت وجهها بين يديها ، فقبل أن تبدأ بنوبة جديدة من نوبات بكاءها التي لا تنتهي ، كان جاذباً إياها وأسكنها بين ذراعيه. فمسد على رأسها بحركات متتابعة وهو يقول بحنان : –مش عايزك تعيطي يا حياء ولا تخلي كلام الراجل ده يأثر عليكي أنا عارف أنه بيكذب.

رفعت عيناها إليه وهي تقول بصوت مهزوز : –ده بيفترى عليا يا راسل ده هو المجرم اللي كان حاول يعتدي عليها وضربته وهربت من البيت قبل ما يعمل فيا حاجة وحصل واتقبض عليها وانت شوفتي في القسم ، أنا عارفة أن مرضيتش أقولك إيه السبب وقتها بس مكنتش حابة ابقى مكسورة قدام حد بس وحياة حبي ليك هو ده اللي حصل. تصلب جسده على الفور ، بعد سماعه ما كان ينوي ذلك الرجل أن يفعله بها ، فأبعدها قليلاً عنه وهو يقول بعينان متسعتان بغضب عارم :

–بقى هو كان هيعمل فيكي كده وغلاوة بنتي ما هسيبه وهجبلك حقك تالت ومتلت منه وهندمه ندم عمره. –راسل متتهورش وتعمل حاجة تضر نفسك بيها. قالتها حياء بخوف ، فإن كانت تعلم مدى حنانه وعطفه على من حوله ، ولكن تلك النظرة بعينيه تراها لأول مرة ، كأن وحشاً استيقظ بداخله ، ولا تعلم هل يجب عليها أن تشعر بالخوف أو بالأمان؟ ولكن لم يكن خوفها على شئ إلا عليه من أن يتسبب لذاته بضرر ، ربما هما بغنى عنه بحياتهما.

ضيق عينيه وهو جالساً يراقبها منذ ما يقرب من النصف ساعة تقريباً ، فهي زرعت الحديقة بأكملها ذهاباً وإياباً ، ولا يعلم كيف لم تشعر بالتعب ، والحديقة شاسعة وربما أصاب قدميها التقرح وهي تسير هكذا حافية وبدون حذاء. فتارة تمد يدها وتقطف وردة وتنزع أوراقها تباعاً بشرود ، وتارة أخرى يراها تشير بيدها كأنها تحدث أحد أمامها ، فما الذي أصابها؟ لم ينتظر دقيقة أخرى فخطا بخطواته تجاهها ، وأمسكها من كتفيها ليجعلها تكف عن الحركة ،

فهتف بها بقلق : –غزل مالك في إيه جرالك إيه النهاردة انتي مش حاسة بوجع في رجلك كده وانتي ماشية حافية؟ أحنت غزل رأسها ونظرت لقدميها ، فهي لا تنتعل حذاء ، فهي لم تنتبه لهذا ، إلا بعد أن جعلها معتصم تنتبه لحالها. ولكنها لم تقول سوى عبارة مبهمة : –هو ممكن اتنين يبقوا عندهم نفس الشامة يا معتصم وفى نفس المكان؟ قطب معتصم حاجبيه قائلاً بغرابة: –مش فاهم حاجة وهم مين دول اللي عندهم نفس الشامة تقصدي إيه؟

أغمضت عينيها وحاولت أن تستنشق أكبر قدر من الهواء ، لعلها تهدأ من عواصف أفكارها ، فأرادت صرف تفكيره عما قالته ، فحدقت به متسائلة : –سيبك من الكلام ده وقولي عملت إيه مع البنت فات كام يوم وأنت مقولتليش حاجة جديدة مش قولت هتروح تعرف رأيها؟ سحب معتصم يديه من على كتفها ، وتهدلتان بجانبه ورد قائلاً بشعور قوي بالإحباط :

–بقالي كام يوم أروح المحل ألاقيه مقفول وأروح البنك يقولولي واخدة إجازة مش عارف في إيه تكنش بتتهرب مني يا غزل؟ رفعت غزل يدها ، ووضعتها أسفل ذقنه ، لتجعله ينظر لها ، فحاولت الابتسام بوجهه وهي تقول: –إيه التشاؤم ده ما يمكن الله أعلم في حاجة حصلت أصبر على رزقك يا معتصم مش هتلحق من دلوقتي تحط افتراضات من دماغك بلاش سوء ظن. –وما بتقوليش الكلام ده لنفسك ليه يا غزل؟

صدحت تلك الجملة من فم عاصم ، الذي ولج لتوه ، فهو لم يخبر الخادمة بمن يكون هو ، فهي لو كانت ستعلم بمجيئه ، فلن تجعل قدميه تخطو خطوة واحدة داخل القصر ، ولكن ربما بحيلة بسيطة ، استطاع الدخول للحديقة بعد علمه أن سيدة القصر جالسة بحديقته. شقت الدهشة شفتيها ، فخرج حديثها متلعثماً : –اا انت جيت هنا ليه ودخلت لحد هنا إزاي يا عاصم؟ رد عاصم قائلاً بتفكه : –دخلت من الباب هدخل منين يعني يا غزل؟

أقترب معتصم منه ، فجذبت غزل ذراعه لتجعله لا يقترب أكثر منه ، فهتفت به بأمر حازم : –معتصم سيبني معاه شوية. عندما حاول معتصم فتح فاه للإعتراض ، رفعت غزل يدها تشير له بالانصراف ، فعلى الرغم من ذلك ، مازال لديها سلطان الأمر عليه وأحياناً على عمران. تركهما معتصم ، ولكنه لم يبتعد كثيراً ، فبإمكانه رؤيتهما بوضوح من مكانه الجالس به ، ولكن هاتفه الذي لم يكف عن الرنين جعله يلج لداخل القصر.

مدت غزل يدها وغرزتها بين خصلات شعرها وأعادته للخلف وهي تقول بلامبالاة : –خير إيه اللي جابك انت إيه حكايتك يا عاصم مرة تجيلي الفندق ومرة تجيلي هنا. حركة يدها وخصيلاتها المتمردة التي سرعان ما عادت تحيط وجهها ، ذهبت بالبقية الباقية من تعقله ورزانته بكبح جماح نفسه المشتاقة إليها ، فلم يكن رده على ما قالته ، سوى عناق أختزن حرارته بداخله منذ ما يقرب من اثنى وعشرين عاماً.

كاد يزهق أنفاسها ، فتلك النيران يجب أن تطالها هي الأخرى ، لتدفع ثمن جرريتها بحقه وهجرها له طوال تلك الأعوام. كلما حاولت دفعه عنها ، تجده يحكم سيطرته عليها أكثر ، فعظامها على وشك الكسر من ضغطه ذراعيه. نجحت أخيراً بدفعه عنها ، بعدما شعرت بأنفاسها تكاد تتلاشى فوجهها صار محتقناً بالدماء ، وعيناها ساخطة لما فعله بها. فصرخت بوجهه قائلة بحدة : –انت مجنون إزاي تعمل كده وتقرب مني بالشكل ده انت اتجننت يا عاصم.

أمسك ذراعها وهزها بشئ من الضيق ، كلما تذكر تصريحها الغبي بأن فواز خطيبها ، فقال من بين أسنانه المطبقة بغيظ عظيم : –وفيها إيه يعني لما أقرب من مراتي فيها مشكلة دي كمان يا غزل هانم يا حرمي المصون. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...