أنت! مين أنت، وإزاي قدرت تجيبنا هنا؟ وازاي عرفت المكان ده؟ وليه بتحط نفسك في المخاطر دي وسايب أهلك وشغلك؟ يهُمك تعرفي فعلاً؟ أيوا، ما أنا بسألك أهو. هقولك الحقيقة مش كاملة، فمش هتصدقيني. أنا لسه حاجات كتير مش فاهماها، ومحتاجة الأول أجمع الصورة الكاملة عشان أقولك.
اقترب بعض الرجال منهم، فالتفت رسلان وداليا يتابعونهما حيث بدا وكأنهم ذاهبون للصيد. وبالفعل، على قارب صغير تحركوا ومعهم الشباك، وبأيديهم رمح أسود التقط به أحد الرجال السمكة بكل براعة. نظرت داليا له بإندهاش وقالت: عارف إن هنا كل حد بيعمل حاجة معينة والتاني ما بيكونش شاطر فيها؟ يعني أكيد دول اللي مسؤولين عن الصيد هنا.
وقفت تتحرك تجاههم تتابعهم وتنتظر بحماس أن تخرج شباكهم محملة بالأسماك. ابتسم رسلان ينظر لها، وللمرة الأولى يراها تتصرف بشكل تلقائي، وقد تركت رسميتها وجمودها جانبًا. تحرك يقف جوارها يشاهد الصيادين عن قرب. وأمامهم مر فتى صغير يحمل رمحًا، فأخذه رسلان يجرب حظه، واتجه للبحر حتى أصبحت الماء عند منتصف ظهره. شدد تركيزه عند نقطة معينة، وبضربة واحدة خرج رمحه محملاً بسمكتين. فضحك من صدمته وانبهاره بما فعل.
أنت إزاي شفتهم يا رسلان؟ كانوا باينين خالص كأنهم على وش الماية، مشوفتيهمش؟ هزت رأسها نفيًا وهي على صدمتها تلك، وسألت بجدية: بس آفرين قالت لي إن في حاجات هنا محدش يقدر يعملها غير أصحابها وبس؟ ضحك رسلان، يعيد الرمح للفتى، وتحرك للشاطئ يقول بسخرية: أنتي بتصدقي الكلام ده؟ دي حركة أي حد يعرف يعملها عادي، هما بس بالنسبالهم الحاجات دي اختراع. أجابته باقتناع:
بصراحة معاك حق. هو يمكن الحاجة الوحيدة فعلاً هو موضوع الأدوية والأعشاب دي لأني شفت نتيجتها. أنت مش متخيل أنا لفيت برا مصر بأدهم قد إيه ومكانش في حد عارف يتعامل معاه.
كله بأمر الله. يمكن أدهم مكتوب له الشفاء هنا في الأرض دي. صحيح، أنا لحد دلوقتي مش فاهم هو المكان ده تبع العالم بتاعنا ولا لا، خصوصًا إننا جايين بطريقة يعني شكل الأفلام الهندي الهابطة. بس يعني العلم بيقول إن ما فيش حياة غير في كوكب الأرض. بس يمكن تصدق بعض الأساطير اللي بتقول إن فيه حياة بعد نهاية العالم وكل الحكايات دي. بس إحنا فين بالظبط، لا مش عارف. هتصدقيني لو قولتلك أنا مش عارف هنرجع إزاي؟ أجابته بتفكير:
يعني أكيد هما عارفين إزاي هنرجع، ما توتريناش بالله عليك، أنا أساسًا حاملة هم الشركة. قال رسلان بهدوء: المهم إن لسه باقي شهر. عاوزك تشيلي الحمل التقيل ده من على كتفك. بصي، أنا من ليلة ما جيتلك الفيلا امبارح وأخدتك هنا، وأنا شايف إني المسؤول عنك. هنا أنتي مش مديري، بس برغم كدا ليكي مني كل الاحترام. فاسمح لي أشيل عنك، وعلى رأي العم أيوان. لكِ مني كل الاحترام سيدتي. قالت بصوت خافت:
مش عاوزة أثق في حد، مش عاوزة أسيبلك الحمل فترميـه في البحر وقت ما تمل. مش كفاية إنك ورطت نفسك هنا معايا من غير ما يكون لك ذنب؟ قال بابتسامة: وأنا بقولك ثقي فيا. انسي موضوع السحر، وانسي الشركة، وانسي جينا إزاي وهنرجع إزاي. اعتبريها فسحة واستمتعي بالمكان وجماله، وعيشي كل لحظة تعافي لأخوكي. متفكريش وارتاحي. ابتسمت داليا وسألته باهتمام: هو أنت ليه دايماً تقولي ارتاحي في آخر كلامك؟
علشان ببساطة شايفك مش دايقة طعم الراحة دي. آه، أنتي واحدة غنية وعايشة حياة مليون حد يتمناها، بس لا، انتي كل ده ميفرقش معاكي. أنتي بترتاحي أكتر لما تكوني مسؤولة من حد. معاك حق. طيب ولما أنا معايا حق، وأنتي وثقتي في كريم وسلمتيه الشركة، ليه موافقتيش تتجوزيه وهو يشيل المسؤولية؟ ضحكت داليا لبعض ثوانٍ ثم قالت بهدوء:
هو إيه الصعب في إن الناس تفهم إني رفضت كريم لأني معنديش ناحيته المشاعر اللي ممكن بنت تحسها ناحية شاب. أوقات الناس بتنسى إني بنت عمري 26 سنة، عندها أحلام تحب وتتحب. وبعدين أنا مكنتش ضعيفة أوي كدا عشان أرمي حمل الشركة على كريم. لا، أنا الحمد لله كنت قدها. هو الجواز أيوا معناه أكون مسؤولة من حد، بس مش أي حد. أنا اتقدملي ناس غير كريم كتير، ومش كنت برفض عشان وضع أدهم أو مسؤولياتي في الشركة. أنا بس ملقيتش الشخص المناسب.
أدهم النجار عرف يطلّع شخصية يتشرف بيها لما يرجع لصحتـه. دمعت عيناها ونظرت له تشكره بنظرتها وابتسامتها الخافتة. فقال بهدوء: روحي نامي شوية، واعملي زي ما أنا قولتلك. عيشي اللحظة. في المساء... ذهبت داليا برفقة آفرين لذلك الحفل ورافقهـم رسلان يسير خلفهم. كانت الإضاءة بالمصابيح مع النجوم في السماء وضوء القمر مبهرة بل رائعة تخطف الأنظار.
كان حفلاً بسيطاً. جلست السيدات وبينهن العروس وسيدة ترسم لها الحنة على يدها، وعلى مسافة وقف الشباب يتحدثون يستمتعون بوقتهم. بينما ذهبت داليا برفقة آفرين للنساء. وقف رسلان على مقربة من الشباب وسمع حديثهم. من هذه التي ترافق آفرين؟ لا أعرفها. ربما هم من أتوا لأمر ذلك السحر. ماذا، أعجبتك الفتاة؟ تبدو لطيفة. ربما... ربما تكون عروساً لي؟ اقترب رسلان يقول بجدية:
أولاً، هي مش هتقعد هنا أكتر من شهر. مفيش داعي للتفكير ده. هي جت هنا عشان تعالج أخوها مش عشان تتجوز. فـ عينك عنها، واهتموا بأموركم بعيد عنها. صمت الشابان. وعاد رسلان لموضعه بعيداً قليلاً عنهم يشاهد بقية الحفل. وفجأة وجد الدف بيده والجميع ينظر له، وقال أحدهم بحماس: اسمعنا بعض أغاني قومك. ابتسم رسلان بتوتر واتجه يقف بجوار داليا يهمس لها: ودول أغني لهم إيه دول؟ قنبلة الجيل؟
كدا هتفضحنا وتخليهم يفتكرونا معندناش ذوق. غنيلهم حاجة للعندليب. عندليب مين؟ أنا صوتي وحش أساسًا، أنا يدوب أغني لحمو بيكا. خلاص، غني أي حاجة تعرفها. أنا معرفش أغاني، أنا مبحفظش حاجة ولا بسمع حاجة. اتصرف أنت، أنا مليش دعوة. صمت رسلان لدقائق ثم ابتسم يتذكر شيئًا، ثم بدأ في الغناء بأنشودة قديمة. وبدأ الجميع بالتفاعل معها والتصفيق له ومشاركته الغناء والرقص، والسيدات تصفق لهم. حتى استسلم رسلان وقال بتعب:
كملوا أنتم بقى، أنا تعبت. تعب الجميع وفضلوا الراحة لدقائق قبل البدء في وصلة رقص وغناء جديدة. اتجهت داليا للمزينة تسألها أن تضع لها بعض الحنة. فقالت آفرين: فقط العروس والمتزوجات. لا تضع العزباء الزينة على يدها، هذه تقاليدنا. اختفت ابتسامتها وقالت بهدوء: خلاص، مفيش مشكلة. اقترب رسلان يقول بجدية: بس هي مش هيكون ليها فرصة تانية تيجي هنا وتجرب الحنة بتاعتكم. أميرة آفرين، لو ينفع نكسر القوانين لمرة واحدة.
ابتسمت داليا ونظرت لآفرين برجاء. فنظرت آفرين للمزينة تسألها. فأبتسمت السيدة ومدت يدها تأخذ يد داليا وأجلستها أمامها وبدأت في رسم الحنة لها. فعادت ابتسامة داليا من جديد تقول بحماس: أنا أول مرة أحط حنة من حوالي عشر سنين. الله، ريحتها حلوة أوي ولونها واضح أوي إنه هيبقي حلو. بالفعل تزينت يداها بشكل رائع. وظلت طوال طريق العودة ترفعهما أمامها تنظر لهما بحماس. فقالت آفرين بابتسامة: محظوظة أنت، كل الفتيات تحسدك اليوم.
ضحكت داليا وقالت بابتسامة: ربنا يرزقهم كلهم بالزوج الصالح عشان بس يحطوا حنة زيي. ألتفتت لرسلان وقالت بهدوء: شكراً يا رسلان. قال بابتسامة: العفو سيدتي. كانت الأمسية رائعة حتى أتت بهار تركض وتقول بصوت متقطع: الفتى... لقد... اركضي آفرين... قالت سلوى ببكاء: ليه يا مريم عملتي كدا، ليه؟ قالت مريم ببعض الهدوء: تخيلي كم المشاكل اللي هتقل بعدي عن البيت وعن رغد اللي دايمًا حاسة إني سرقتك منها؟
وبعدين أنا أول ما دخلت البيت هنا كنت مرتاحة أوي. أنا عارفة إنهم ناس أغنياء وأنا فقيرة، وعارفة إن الأوضة اللي قعدوكي فيها دي يمكن أكبر من شقتي، بس كنت حلوة بيكي وبروحك فيها. كان نفسي تخرجي منها على بيت عريسك. يا ماما، يمكن أرتاح بقى بعيد عن الكلام اللي عشت عمري كله متحاصرة فيه. سيبيني على راحتي. ولو على الجواز، أوعدك قبل فرحي هاجي أقعد في البيت وأخرج منه لبيت جوزي اللي أنا مش عارفاه، ماشي؟
ماشي يا مريم، اللي يريحك. قوليلي، حاسة بوجع دلوقتي؟ هو أنا بقيت حاسة بحاجة من كمية الأدوية اللي باخدها؟ الحمد لله على كل حال. دق الباب وآتى صوت كريم يستأذن للدخول: ممكن أدخل؟ أيوا يا أستاذ كريم، اتفضل. بردو أستاذ كريم؟ عمومًا، يا ستي أنا هخليكي ترتاحي من الإسدال خلاص. أنا بس كنت جايب الآنسة دي تتعرف عليكي وجايبلك شوية الحاجات دي تسلي نفسك بيهم.
وضع أمامها حقيبة كبيرة مليئة بالمسليات. ونظرت خلفه لتجد فتاة تبتسم لها بهدوء تقول بصوت في غاية الرقة: إزيك يا مريم، نورتي البيت. مدت مريم يدها لها لتذهب لها الفتاة. ومريم سألت بإنبهار: دي لينا صح؟ ما شاء الله عليكي، أنتي زي القمر وشكلك صغير أوي. أنتي عندك كام سنة؟ 16 سنة. ما شاء الله، أنا كنت فاكراكي كبيرة مش عارفة ليه فكرتك صغيرة. فكرتك في نفس سني كدا. قال كريم بابتسامة:
لا، بس لينا أكبر من سنها وعاقلة. أنا هسيبكم بقى تتعرفوا على بعض براحتكم، وهروح أنام عشان عندي شغل كتير. شدي حيلك بقى يا مريم عشان أول ما تخفي هسلمك وظيفتك في الشركة. ابتسمت مريم له وشكرته باحترام. فهي بالفعل بداية من اليوم تحترمه وتقدره، فـ يكفيها ما فعله مع خالد الذي أهانها، وجاء هو في يوم واحد رد لها اعتبارها وكرامتها. قالت سلوى: أنا هروح يا مريم، وبكرة الصبح هاجيلك يا قلبي. ابتسمت مريم: مع السلامة يا ماما.
كانت تشعر بالذنب وتأنيب الضمير لتركها والدتها، ولكن يكفي تلك المرأة ما عانته بسبب فتاة أخذتها وأكرمتها. يحق لـ سلوى بعض الراحة، ويحق لـ رغد أمها كما أرادت دومًا. قالت لينا بلطف: مع الوقت هي هتتعود وأنتي كمان. وبعدين المسافة مش بعيدة وهتشوفيها في أي وقت. ابتسمت لها مريم وقالت بهدوء: عارفة، الوقت بيساعد في المواقف اللي زي دي. قالت لينا بهدوء: نامي وارتاحي، وبكرة الصبح هتكوني أحسن. تصبحي على خير.
وإنتي من أهل الخير يا سكر. في الصباح... جلست مريم بجوار الجدة على طاولة الإفطار. واقترب كريم يجلس على كرسيه ملقيًا تحية الصباح: عرفتي تنامي يا مريم؟ أيوا الحمد لله. كويس، خالك عاوز يكلمك، وأنا قولتله لما أرجع هنتكلم كلنا فيديو عشان يشوفك. ابتسمت مريم بسعادة لتلك الكلمة: خالي؟ أيوا، اللي هو أبويا. قالت بحماس: طب ما نكلمه دلوقتي. ضحك أدهم وأجابها:
بابا عنده شغل دلوقتي. بليل يا مريم.. خدي أدويتك ولو احتاجتم أي حاجة كلموني. قالت فاتن بقلق: كريم، عاوزة أقولك حاجة بس متزعقش. جلس كريم مرة أخرى ينظر لها بريبة، وهي تحاول تفادي نظرته تلك وقالت بشكل سريع: بصراحة، في عروسة... هو أنا عزمتها هي ومامتها يجوا يتعشوا معانا بحكم الصحوبية يعني، لكن والله ما فتحت معايا كلام خالص. تعالي بس اقعد معاها وشوفها.
نظر كريم أرضًا يلتقط أنفاسه بشكل متتابع يحاول تهدئة نفسه. ومريم تنظر له بتعجب. قال بهدوء زائف: يا تيته، مش أنا قولتلك مليون مرة أنا مش هتجوز بالطريقة دي؟ أنا مريت بتجربة وفشلت، فخلاص بقى. قالت فاتن بانفعال: إنك تتقدم لواحدة وترفض مش تجربة أساسًا يا كريم، ولا ليها علاقة بالجواز. وبعدين أنا بقولك شوفها، مش يمكن تعجبك. قوليله يا مريم، يمكن يوافق. ارتبكت مريم ولكنها قالت بجدية: كلام جدتك مظبوط. صرخ كريم بهم بغضب:
هو إيه الصعب إنكم تفهموا إني بتنيل بحبها، بحبها يا تيته ومش شايف غيرها، أعمل إيه في قلبي!! وبعدين أنا حاولت وقعدت مع بنت واتنين، وكنت مخنوق مش قادر أبصلهم حتى. ارحميني يا تيته، لو ليا غلاوة عندك متفتحيش الموضوع تاني. أنا ما صدقت اتعايشت معاه. نظرت له مريم بشفقة وحزن. الشخص المبتسم الذي تشعر بالإيجابية كلما رأته، من تشعر بأنه من أعاد الحياة لعالمها البائس يعاني وقلبه. دعت له في نفسها ثم قالت بهدوء: معلش يا است...
يا كريم، عشان خاطر متحرّج تيتة ولا البنت اعتبرها زيارة وديّة. وبعد كدا تيتة هتاخد رأيك الأول قبل أي حاجة. تنهد كريم بتعب: ماشي يا مريم. تحرك كريم للخارج. ألا يكفيه غياب داليا المفاجئ، يكاد يقتله القلق والخوف لأجلها، والآن عروس جديدة وشجار جديد بينه وبين جدته. خرجت لهم لينا بعد رحيل أخيها وجلست على طاولة الإفطار تتناول الطعام. فقالت مريم بإنبهار: لينا! لبسك حلو أوي ومحتشم، ما شاء الله. خجلت لينا
وابتسمت تقول بصوت خافت: شكراً يا مريم. الأوراق اللي طلبتها اتأخرت ليه؟ بتجهز يا فندم. هتقعد العمر كله تجهز يا سندس!!! إحنا ورانا شغل، مش كل واحد هييجي ويروح على مزاجه ويسيب الشغل ناقص!! يا فندم، الأستاذة داليا كانت طالبة يكون جاهز النهاردة مش امبارح. وهي فين النهارده؟ ما هي مش جاهزة لسه!؟
أنا مش عاوز التسيب ده، إحنا مش جايين نلعب، إحنا جايين نشتغل. اتفضلي على مكتبك، لو مجبتيش الورق بعد نص ساعة يبقى روحي صفي حساباتك وسيبى الشغل لحد بيعرف يشتغل. حاضر يا فندم، بعد إذنك. خرجت لتجد الجميع ينظر تجاه المكتب، حتى إنها كادت تبكي. فهو دائمًا ما يكون لطيفًا وإن كان جادًا في عمله. اقتربت صديقتها تقول بهدوء: معلشي يا سندس، هو بس تلاقيه متعصب شوية، وبعدين الشغل كتير عليه.
وقبل أن تتحدث سندس سمعت مرة أخرى صوته الغاضب يناديها. وقبل أن تبكي هدأتها صديقتها: طب والله تلاقيه هيعتذرلك، روحي يلا متتأخريش عليه. عادت سندس مجددًا ورأسها أرضًا: نعم يا فندم. تتزوجيني يا سندس!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!