كان ينوي أن يكتب بياناتها ويرحل، ولكنه الآن سيبقى أمام غرفة العمليات يدعو الله أن تظل تلك الفتاة على قيد الحياة. فاسم عمته التي فقدت قبل خمسة وعشرين عامًا لن يُخطئ به. وبالفعل، بقي أمام الغرفة لساعات طويلة حتى خرج له الطبيب: "الحمد لله، عدت الخطر، بس هي إيديها اليمين فيها كسر، وكمان فيه كدمات في الجسم، وفيه ارتجاج بسيط، بس نحمد ربنا إنها جت على قد كدا ومحصلش أي نزيف داخلي." "الحمد لله، هي هتقدر تخرج إمتى؟
"ممكن النهاردة، بس محتاجة رعاية." تركه الطبيب وجلس كريم أمام الغرفة التي وضعوها بها يفكر. هل تعلم بأنها ابنة عمته وأنها تقربها؟ هل أخبرته عمته عنهم؟ تحرك كريم للداخل فوجدها على فراشها نائمة. أخذ يفكر أيأخذها لبيته أم ينتظر حتى يصل لأقربائها، ولكنه منذ ساعات لم يتوصل لشيء. فتحت عينيهـا بضعف، فأقترب كريم تجاهها يسألها بهدوء: "إنتي كويسة؟ قال بوهن: "ماما.. ماما فين؟
هي على قيد الحياة. ظنها الجميع توفت منذ سنوات. كم سيفرح والده وجدته بذلك الخبر. تعالت دقات قلبه وسألها: "عنوانك إيه وأنا هوديكي." أخبرته وهي بالكاد تفتح عينيها، فدونّـه كريم ثم تحرك للخارج يدبر لها سيارة إسعاف تأخذها لبيتها. وأخيرًا رن هاتفها الذي عجز عن فتحه، فأجاب المكالمة وقبل أن يتحدث جاءه صوت فتاة: "إنتي يا زبالة بتفسخي الخطوبة من أخويا؟! هو إنتي كنتي تطولي يا لمامة الشوارع؟
ده يعني مش كفاية إنه سترك وإنتي بايرة بنت حرام؟! أغلق كريم المكالمة وترك الهاتف من يده وكأنه سيتلوث من تلك الكلمات. اللعنة؟ ما الذي سمعه للتو عنها؟ هل هي بنت غير شرعية لأخت أبيه؟ كان شارداً وهو يتحرك بسيارته خلف سيارة الإسعاف متجهًا لبيتها. وهناك خرجت سيدة تضرب على صدرها وهي ترى مريم تخرج من تلك السيارة، فصرخت بخوف: "بنتي!!! مريم؟ إيه اللي حصل؟ قال كريم بهدوء برغم الحيرة بداخله:
"عملت حادثة، هي بس محتاجة رعاية وهتبقى كويسة." وضعوها في فراشها وجلست والدتها بجوارها تبكي، وأختها تنظر لها بوجه خالٍ من أي تعبيرات. سأل كريم بجدية: "فين المدام شيرين؟ نظرت له سلوي بتعجب ودهشة وسألته بصوتها الباكي: "إنت تعرفها منين؟ "اسمها كان مكتوب في شهادة الميلاد اللي كانت في شنطة الآنسة مريم." قالت سلوي ببكاء:
"يا حبيبتي، لسه بتشيل الشهادة في شنطتها. شيرين دي تبقى أم مريم، أمها اللي ولدتها وهي ماتت وهي بتولدها، وأنا وعبد الرحمن جوزي الله يرحمه اتبنيناها." قالت أختها بغيظ: "لميناها من الشوارع." قال كريم بجدية وهو ينظر لتلك الفتاة بحدة: "أنا كريم محمد عبد المنصف الأسيوطي، ومريم تبقى بنت عمتي. أنا محتاج أعرف مين أبوها الحقيقي؟ قالت سلوي:
"والله يا ابني إحنا منعرفش، إحنا أول مرة شوفنا فيها شيرين كانت وهي بتولد، وساعتها أخدناها المستشفى وعبد الرحمن قال إنه أبوها وشيرين أمها، وأنا أخدتها أربيها لأني مكنتش بخلف، وبعدها بكام سنة عرفت إني حامل وجبت بنتي التانية." قال كريم بجدية: "بس دلوقتي مريم ليها أهل وليها عيلة كبيرة وليها بيت. ياريت تجهزي لها حاجتها لأني هاخدها بكرة الصبح." قالت سلوي ببكاء:
"بس ده بيتها وأنا اللي ربيتها وتعبت عليها، دي بنتي وعمري ما قصرت في حقها، مش من حق حد يحرمني منها! قال كريم بهدوء: "بس واضح إن محدش غيرك بيعاملها كويس. فكري كويس في مصلحتها، مريم مصلحتها معانا، في بيت الأسيوطي." في وسط حديثهم، اقتحم الباب ذلك الثور الهائج يضرب أي باب يقابله. اقتحم الغرفة يصرخ غاضبًا: "الهانم راجعة متحملة على نقالة؟ أنا قلت لها متروحش المقابلة الزفت دي بس هي صممت على اللي في دماغها." سأل كريم بغضب:
"مين الحيوان ده؟ وإزاي يدخل بالطريقة دي؟ قال خالد بغضب: "أنا خطيبها، إنت اللي مين؟ ضربه كريم بكفيه على وجهه يقول بضيق: "أنا اللي هربيك من جديد، وخاف مني إنت وأختك اللي مشافتش تربية. يلا يااض اطلع برا." التفت كريم تجاه سلوي يقول بحده: "بكرة الصبح هاجي أخدها، بيتي مفتوح ليكي تيجي تشوفيها في أي وقت، وأي كلب تاني هيقرب ناحيتها هدوسه برجليا." *** جلست داليا بجوار أخيها المتسطح أعلى فراش ناعم مريح، وأمامه آفرين تضع
له بعض الدواء تقول بهدوء: "أعشاب دارو لها قدرات علاجية فائقة، ولكنها قد تصبح ترابًا إن لم يدرك الجميع أهميتها." سألتها داليا: "هو إنتي دكتورة؟ "تقصدين طبيبة؟ لا.. أنا لست كذلك، أنا فقط أمتلك بعض المواهب وهذا ما يميز آل دارو. هنا لابد أن يتملك كل شخص موهبته، كالزراعة والصيد والحياكة والطبابة. كل مواطن يمتلك الموهبة الخاصة به، إلا نحن الحكام نتملك ثلاثة مواهب." سألتها داليا: "بس دي حرف، أي حد يقدر يتعلمها."
"بالطبع، فيمكنك أنتِ أيضًا وضع الدواء له ولكن يحدث أي أثر… هذا ما يميزنا سيدتي." تحسست داليا ذراع أخيها وقالت بدهشة: "جسمه بقى ناشف، المادة اللي كانت عليه راحت؟ ابتسمت آفرين: "بعد أيام ستظهر النتائج بشكل أوضح، وخلال شهر واحد سيعود كما كان، ولذلك الوقت سنعالج أمر ذلك السحر." على جهة أخرى كان رسلان يقف أمام أرض سوداء قاحلة. أشار العم ايوان بيده لمنتصفها: "هنا دُفن السحر." "الموضوع أكبر بكتير مما كنت أتخيل."
"بل هو أكبر مما ترى الآن. لن نستطيع فعل شيء قبل أن يستعيد ذلك الشاب عافيته، علينا الانتظار لبعض الوقت. الآن سآخذك لمكان مبيتك أنت والسيدة." تحرك ايوان وخلفه رسلان حتى منزل ايوان، وقد كان فخمًا غير كل البيوت حوله. دلف ليجد داليا وقد بدلت ثيابها بثياب تشبه ثياب الفتيات بذلك المكان، وقد كان فستانًا واسعًا بألوان مبهجة. ابتسم رسلان وجلس بجوارها تاركًا مسافة بينهما: "إن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة."
اقتربت آفرين تضع الطعام على الطاولة، فتحرك رسلان يساعدها بصدر رحب. فرفعت داليا حاجبها وهي تنظر له وضحكت بسخرية. ومن من يلومه، فالفتاة في غاية الجمال. قالت آفرين: "السيدة داليا ستأتي معي في المساء أبي، لأجل حفل الحناء، رجاء أبي." قال ايوان بهدوء: "لا بأس يمكنكم الذهاب." سأل رسلان بجدية: "هتكون كويسة؟ أومأ ايوان برأسه بهدوء ثم بدأ في تناول الطعام: "هيا سيبرد طعامكم."
ابتسمت داليا لسؤاله ذلك ثم اتجهت لتناول الطعام فقد بدا شهيًا وهي تكاد تموت جوعًا. في الحقيقة، كانت المرة الأولى لها منذ سنوات التي تجلس بها على طاولة وتتناول الطعام في جو عائلي. لطالما دعاها كريم لتتناول الطعام معه ولكنها كانت ترفض. تتمنى اللحظة التي يجلس أخوها بجوارها ليشاركها تناول الطعام كما كان يفعل بالماضي. بعد الطعام، أخذتها آفرين لغرفة لتنام بها: "ستصبح هذه غرفتك طوال فترة إقامتك هنا." "شكرًا."
رحلت آفرين وهي تبتسم لها، فظلت داليا بمفردها. كانت الغرفة واسعة قليلة الأثاث، فقط فراش وطاولة ومرآة وخزانة. وهناك نافذة واسعة يوجد مكان للجلوس عليها بكل راحة. فتوسطت داليا ذلك المكان وجلست في النافذة تنظر أمامها للخارج حيث المحيط. أغلقت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا تستمتع بتلك الطبيعة الساحرة الجميلة.
كانت تفكر في حالها هذه المرة، اليوم الأول من أربعة أعوام بعيدًا عن العمل والمسؤولية. صحيح أنها لم تأتِ للتنزه، ولكنها تشعر بالحرية. حتى أن خصلات شعرها التي عقدتها كل تلك السنوات استمتعت بحريتها اليوم مع تلك الثياب المفعمة بالحياة. وأمامها على الشاطئ رأته يجلس يدفن قدمه في الرمال ويشرد بالبحر أمامه، فتحركت للخارج لتتحدث معه وقد عاد عقلها للعمل من جديد. جلست بجواره فأنتبه لها: "أنا عاوزة أفهم بقى." سألها بتعجب:
"تفهمي إيه؟ "إنت! إنت مين، وإزاي قدرت تجيبنا هنا وازاي عرفت أصلًا المكان ده، وليه بتحط نفسك في المخاطرة دي وسايب أهلك وشغلك؟! "يهمك تعرفي فعلًا؟ "أيوا ما أنا بسألك أهوه." "هقولك…" *** في المساء. "إنت بتعمل إيه هنا؟ أنا مش قايلالك مشوفش وشك هنا تاني؟ "لا بقولك إيه أنا سكتلك الصبح عشان خاطر مريم كانت تعبانة، إنما أنا خطيبها وحقي أكون هنا وأنا اللي أطردك كمان." "بس يلا، اقعد ساكت لحد ما أشوف حكايتك… اتفضلي يا تيته."
دَلفت سيدة عجوز للمنزل، فوقفت سلوي بملامح باهتة ترحب بها واستقبلتها بكل احترام: "اتفضلي يا هانم." قالت فاتن بلهفة: "عاوزة أشوف مريم.. وديني عندها." أمسكت سلوي بيدها وأخذتها بصمت لغرفة مريم، وجلس كريم بالخارج أما خالد واضعًا قدم فوق أخرى: "مبدئيًا كدا أنا مش موافق على الخطوبة دي، زي ما أنا عرفت من أختك اللي مشافتش تربية، إن مريم كانت فسخت خطوبتها منك، فشوف إنت ليك إيه وهتاخده وريحني عشان أنا ورايا مشاغل كتير."
قال خالد بسخرية: "والله هي تقول اللي تقوله، أنا مش عاوز أفسخ الخطوبة مش بمزاجها." اعتدل كريم في جلسته وانحنى بجسده للأمام يقول بحزم: "معرفتش!!! مش هي بقي ليها اللي يتشدد لها ويقفلها ويخلي كل حاجة بمزاجها وعلى راحتها وكيفها!! وإنت مش ماسك عليها ذلة عشان ميبقاش بخاطرها يا روح أختك." في الداخل كانت مريم تستند بظهرها على الفراش وجدتها ممسكة بيدها. قالت مريم:
"أنا مش مصدقة إن ظهرلي حد من أهلي أخيرًا، أنا حاولت كتير أوصل لحد منكم بس معرفتش خالص." سألتها فاتن: "طب وماخدتيش بالك من اسم كريم وإنتي بتعملي المقابلة؟ "لا أنا مجاش في بالي خالص ولا انتبهت للإسم ساعتها، سبحان الله كان ليا نصيب في كل اللي حصل النهاردة، الحمد لله على كل حال." قال فاتن برجاء:
"مريم أنا عاوزاكي تيجي معايا وتكوني في حضني، أنا اتحرمت من بنتي بدري أوي، وابني سافر ومبقاليش غير كريم ولينا أحفادي.. وإنتي يا بنتي حتة مني سابتني من زمان نفسي ترجعلي تاني.. طب إنتي عارفة إنك نسخة من شيرين، والله كأني قاعدة أتكلم معاها زي زمان." دمعت عينا مريم فمسحتها لها فاتن وقالت بابتسامة: "حتى لو موافقتيش يا مريم ابقي تعاليلي علطول يا بنتي وباتي يوم واتنين كدا حسسيني إنك رجعتيلي." ابتسمت مريم:
"حاضر، أوعدك يا تيتا." ربتت فاتن على يدها وانتفضوا جميعهم على صوت قتال بالخارج وصوت فتح الباب بعنف، ولكن قبل أن ينظر خالد للداخل سحبه كريم وأغلق الباب وعينه بالأرض. قال بجدية: "خلوا مريم تلبس إسدال عاوز أدخلها." فعلت سلوي كما طلب فدلف للغرفة يسحب خالد الذي انتفض يسحب نفسه منه بغضب. قال كريم بضيق: "إنتي عاوزة تكملي مع الواد ده؟ هزت مريم رأسها رفضًا، فأكمل كريم حديثه: "ليه إيه هنا؟ دهبـه فين؟ "في الدولاب، والدبلة أهي."
قال خالد: "بقي كدا يا مريم؟! عشان اتعصبت عليكي شوية بتعملي كدا؟ طب علفكرة بقي يا خالتي سلوي بنتك كانت بتضحك عليكي وأنا وهي اتفقنا على الخطوبة دي عشان أنا أريح أمي وهي تريحك وتريح نفسها من كلام الناس عن أصلها وكنا ناويين نفشكل." نظرت سلوي بصدمة ولوم لإبنتها، فنظرت مريم أرضًا بخجل وحزن لأجل فعلتها. قال كريم بهدوء:
"وماله تعمل اللي هي عاوزاه، واتفضل خد دهبك ومع السلامة وملامحش وشك تاني، أنا مبجوزش بنات لعالم *** زيك، وابقي سلملي على أختك وربي لو عترت فيها لأكون مخليها قطع غيار." دفعه كريم للخارج وطرده بعيدًا عن الشقة نفسها، ثم أغلق الباب بضيق: "ده إنت عيل غتت." عاد للغرفة وقال بجدية: "مش أخت كريم الأسيوطي اللي تنجبر على حاجة، إنتي هتقعدي وتتشترطي وتختاري اللي يدخل مزاجك عشان بس يجي يتقدملك ويا نوافق يا منوافقش."
قالت مريم بابتسامة: "متشكرة يا أستاذ كريم." ابتسم والتقط أنفاسه وتحرك لينضم لجلستهم يقول بهدوء: "أستاذ دي في الشركة، لما تنوريها وتيجي تشتغلي، إنما هنا أنا كريم وبس، أخوكي وابن عمتك." ابتسمت له مريم ثم التفتت لفاتن تسألها بقلق: "مين أبويا؟ عايش ولا ميت؟ "كان متجوزها صح؟ كانت متجوزة ولا لأ؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!