تحميل رواية «لعنة ال دارو» PDF
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مين القمر دي؟ دي متجبره لا دي الجبروت نفسه يا أخي.. هي مين دي أصلا؟! داليا النجار، صاحبة العز اللي أنت شايفه دا كله.. دي!!! دي متكملش 30 سنه!! هي دي اللي هعمل معاها المقابلة؟ لا مش هي، أنت هتعمل مع كريم الأسيوطي و دا تاني أكبر راس هنا في الشركة، خزنة الأسرار بتاعت داليا وتقريبا مبتثقش في حد غيره هنا، هيموت ويتجوزها بس هي مش موافقه.. بس ازاي دي في السن دا قدرت تكبر شركة بالحجم دا!!؟ علشان دي تربية أدهم النجار اللي مات من أربع سنين، أدهم كان أقوي بس هي بردو جبروت زي ما قولتلك، أدهم من غير اي حاجه...
رواية لعنة ال دارو الفصل الأول 1 - بقلم اية محمد
مين القمر دي؟
دي متجبـره لا دي الجبـروت نفسه يا أخي..
هي مين دي أصلا؟!
داليـا النجـار، صاحبـة العز اللي أنت شايفه دا كـله..
دي!!! دي متكملش 30 سنـه!!
هي دي اللي هعمل معـاها المقابـلة؟
لا مش هي، أنت هتعمل مع كريم الأسيوطي و دا تـاني أكبر راس هنا في الشركة، خزنة الأسرار بتـاعت داليا وتقريبا مبتثقش في حد غيـره هنا، هيموت ويتجوزها بس هي مش موافقه..
بس ازاي دي في السن دا قدرت تكبر شركة بالحجم دا!!؟
علشـان دي تربيـة أدهم النجار اللي مات من أربـع سنيـن، أدهم كان أقوي بس هي بردو جبروت زي ما قولتلك، أدهم من غير اي حاجه كان الكل بيعمله الف حساب انما هي أول ما بدأت الكـل استهزأ بيها علشان كدا قست قلبهـا علي الكل و الغلطه كان ليها ألف حساب و خرجت كل الناس برا دايرة ثقتهـا، ما عدا كريم علشان دا كان صاحب أخوهـا و بيعتبروه اخ تالت ليهم..
نادت موظفة الإستقبـال:
الأستـاذ رسـلان!! أنا بقول الأسم صح مش كدا!؟
ابتسم وقال بهدوء:
أيوا يا فندم
..” طب اتفضل حضرتك الأستاذ كريم مستنيـك “..
تحـرك رسلان للداخـل بكـل ثقـة و زادت ثقتـه عندما وجد شخص ودود وقف لمصافحتـه وأخبره بالجـلوس فجـلس رسلان أمامه ممسكا بالملف الخاص بـه..
قـال كريم بهدوء:
أنت تخصص تجـارة انجليزي و متخرج بتقديـر جيد جدا، كويس يا رسـلان.. بس قبل اي حاجه يعني اي رسلان؟!
..
ضحك رسلان وقـال بهدوء:
معناه الأسـد، الحكـاية إن والدتـي كاتبـة وهي كانت بتشوف اسماء كتير في الروايات وكان صعب عليها تسمي اسم عادي كـدا ف سمتني رسـلان
..
ابتسم كريـم:
ربنا يخـليهـالك، نرجع بقي للشـغل…..
انتهـت مقابلتـه علي خيـر وشعر بالرضـا و تمني بداخـله أن يعمل بتلك الشركـة ذات الصيت الواسـع وبالفـعل بعد عشرة ايام تم تعيـينه في الشركـة وهو كان شخصا جـادا في عمله يؤديـه علي أكمـل وجه و ينتظم بحضوره و ذهـابه وبيوم تأخر عن موعد رحيـله وبقي جـالسا بالمكتب بمفـرده منهمكـا في بعض الأوراق أمامه و رحل معظم زملائه من حـوله..
خـرج كريم و بجـواره تسيـر داليـا وهي تتـابع بعض الأوراق و انتبهت علي صوت كريم:
رسـلان أنت لسه ممشيتش؟
!..
قال رسـلان وهو ينـظر له ونهض عن كرسيـه:
اه يا فندم قدامي بس عشـر دقايق هكمـل شـوية الشغل دول
..
سألته داليا:
شغال علي اي؟!
..
“براجع حسابات الإسبوع اللي فات يا فندم، أنا راجعتها مره و قولت أبص عليها كمان مرة قبل ما أسلمها لمدير الحسابات”
..
..” طيب و فيها اي مشكلـة؟!
..
هز رأسه نفيـا:
لا يا فندم مظبـوطه
..
رن هـاتفـها فأجابتـه تستمـع للمتحـدث وقد توتـرت ملامحهـا وقالت بقلق:
ومطـلبتيش الدكـتور ليـه؟؟يعنـي اي مسافر!!هتصـرف هعمل اي يعـني!!
..
أغلقت الهاتف وقبـل أن يسألها احد قـالت بلغه فهمها كريم:
محتاجيـن دكتور يا كريم، حـالا!
..
قـال كريم بحيـره:
بس أنا معرفش دكتـور مضمون في وضعنا دا
..
قـال رسـلان مقتـرحا:
أنا معرفش اي وضعكم بس أنا عارف دكـتور كويس، هو صاحبي
..
نظـر الإثنين لبعضـهم بحيـره و قلق و لكنهـا قالت بقـوة:
المهم ان صاحبك دا يكون بيعرف يكتم الأسرار، لأنه لو أنت أو هو مبتعرفوش تسكتوا يبقي تتعلموا من دلوقتي لغـة الإشارة
..
رفع حاجبـه ونظر لها مندهشـا وقـال:
متقلقيش، بس المهم ميكونش في حاجه مخالفة للقانون!!
..
“لا متقلقش، هاته معاك في العربية يا كريم و اتحركوا ورايا”
..
تحـرك رسلان بالفعـل خلفهم وأخـرج هاتفـه يتصـل بصديقـه الذي أجابه بعد دقائـق:
اي يا ابني أنا في العيـادة؟ ما أنت عارف ان دا معادها
..
قال رسلان بسخرية:
يعني عندك حالات يعني!!
قـال ياسين بضحك:
لا والله بننش النهارده
..” يبقي تيجي علي العنوان اللي هبعتهـولك علي الواتس حـالا، متتأخرش يا ياسين، في حد تعبان
..
قال بهدوء:
متقلقش يا رسلان مش هتأخر
..
…………………………………………………..
بدل ما تتشطـري عليا يا اختي اتشطـري علي خطيبك اللي داير مع كـل واحده شوية، مش كل شوية ماسكه فيا تنـظري عليـا و البسي و متلبسيش!! أنا قولتلك مليـون مرة ملكيش دعوة بيا و بلبسي ولا أنتي فكرتي نفسك أختي بجـد!!
..
اقتـرب والدتها وقالت بحده:
منـي!! اتربي يا قليلة الأدب واتكـلمي مع اختك الكبيرة ب أدب
..
..” دي مش أختي، دي واحده انتوا جـايبينهـا من الشـارع”
..
“اخرسي يا قليلة الأدب قطـع لسـانك..”
..
..
قـالت مريم بدمـوع:
انا خـارجه شوية.. بعد اذنكم
..
تحـركت لخـارج المنزل وهي تبكي وقد عادت للتـو من عملهـا متعبـه وتريد الراحه ولكن اين لهـا تلك الراحـة الآن؟! قررت الذهاب للمكـان المفضل لها حيث تلتقي بخطيبهـا لعلهـا تخرج من تلك الحالة المزاجيه السيئـه و تنسي تلك الكلمات القاسيه التي سمعتهـا منذ قليل..
أخـرجت هاتفهـا لتتصل بصديقتهـا المقربـة وقبل أن يأتيهـا الرد انتبهت لرنة هاتفها تصدر من مكـان قريب فتحـركت لداخل المقهي حيث وجدتهـا تجـلس وحيده علي أحد المقاعد فأتجهت لها وجلست أمامها تسألها بتعجب:
انتي بتعملي اي هنا؟! مش كنتوا رايحين المصيف انتي وأهلك!!؟
..
نظرت لها سارة بدهشـه:
مريم!! انتي اي اللي جـابك هنا، بقولك اي أنت لازم امشي وبعدين هبقي أكلمك
..
أمسكت مريم بيدهـا وأوقفتهـا:
مالك يا بنتي في اي؟! ما تفهميني وبعدين تمشي هو اي الل…. هي اي السجـاير دي! انتي معـاكي حد؟! بت انتي بتقابلي حد ولا اي!!!
..
قـالت سارة ببكـاء:
أنا أسفـة والله، عبد الرحمن كلمني وأنا مقدرتش أقوله لا، هو راح يجيب حاجه وكان راجع تـاني
..
قـال مريم بحده:
يلا نمشي.. يلا اتحركي معايا
..
تحركـت خلف صديقتهـا خارج المكـان وذهبـا لمقهي قريب وجـلست مريم أمامها تقول بغضب:
عبد الرحمن تـاني!! هو مش خـلاص أخد دهبه والخطـوبة امرها خلص؟
..
” بس دا كان قرار أهلنا و أنا لسه بحبـه وهو لسه بيحبني واحنا عاوزين نكمـل مع بعض “..
..
قالت مريم بهدوء:
لكن لقائك بيه في السر مش حـل للمشكـلة.. هو يتكـلم تاني مع أهله ويقنعهم و يجي يكـلم ابوكي و أنتي لما أبوكي يسألك قوليله انك عاوزاه، لكن اللي بيحصل دا ميـرضيش ربنـا يا حبيبتـي
..
.” أنتي شخص حلو اوي يا مريـم وانا بجـد بحبك و أنتي عارفـة بابا بيعزك قد اي، لو تيجي تتكلمي مـعاه هكون ممنونه ليـكي “..
..” حاضر هاجيـلكم، بس دلوقتي امنعـي كلام مع عبد الرحمن، صدقيني هو لما يلاقيكي بتاخدي القرار دا هيتمسك بيكي أكتر “..
..” هعمل كـدا أنتي عارفه اني من الأول والله مبحبش أعمل حاجه غلط أو حرام “..
..” ماشي يا حبيبتي، ابقي كلميني وقوليلي اجي لوالدك امتي علشان اعمل حسابي لاني عندي مقابلة شغل ”..
..“بجد، شغل فين!!؟”..
..” شركـة النجـار…. عندي مقابلة مع واحد بكرا اسمـه كريم الاسيوطي “..
..………………………………………………
كـان يقف علي قدميه المرتعشـه و علي ظهره يتشبث بـه صديقـه الطبيب الذي أشار بأيدي مرتعشه:
اي دا!؟
..
برغم الدموع التي ملأت عينـاها إلا أنهـا قالت بكـل فخر وقوة:
دا.. أخويـا أدهم النجار
..
قـال رسلان بصوت خافت مرتعش:
المرحوم!؟
..
كـان أمامهم جـسد صغيـر محاط كل جسده بسائل أحمر قاتـم بدا مقززا ليـس كالد’م حتي و يختبأ خلف عباءة سوداء فسأل ياسين برعب:
هو عامل كدا ليـه؟! دا اي نوع المرض اللي عنده!
..
قـال كريم بقلق:
دا مش مـرض.. دي.. لعنـة
..
رواية لعنة ال دارو الفصل الثاني 2 - بقلم اية محمد
“دا مش مرض.. دي لعنة.”
“بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم احفظنا يا رب. أنتي جايبني أعالج واحد ملبوس يا رسلان؟!”
تركـه رسلان ليسقط أرضا وقال بضيق: “وأنا كنت هعرف منين يعني؟!”
جلس ياسين أرضا خائفا، فأنحنى رسلان يجلس بجواره لتهدئته: “مش هتخسر حاجة يعني لو تبص عليه.”
صاح ياسين بضيق: “وحياة أمي ما هتحصل يا رسلان.”
وقبل أن يكمل باقي جملته وجد سلاحا يدفع رأسه من الخلف، فنظر بارتباك ليجد تلك اليد النسائية الرقيقة هي من تحمله وتنظر له بأعين حمراء، لا تدري أهي قوة أم بكاء.
“اسعفـه حـالا.”
اتجـه ياسين بضيق تجاه تلك الجثة كما وصفها بعقله. بدأ الشاب بحجم أصغر من الحجم الطبيعي، فبدأ ياسين بمسح ذلك السائل اللزج عنه. وقد كانت كل هذه الدماء الغريبة أثر جرح صغير، فضمدهـا ياسين بعناية وتحرك عائدًا لمكانه بجوار رسلان.
قالت داليا بحزم: “اللي أنتم شوفتوه هنا دا تنسوه نهائي ولا كأنه حصل.”
سأل رسلان باهتمام: “بس دا أي بالظبط؟ أنا عمري ما شوفت مرض بيعمل كدا، يعني حتى ضمور العضلات مبيعملش كدا. دي لعنة بجد؟ ومين اللي ممكن يعمل كدا في إنسان ويوصله للمرحلة دي؟!”
كـادت داليا تبكي حال أخيها والتفتت تولي الجميع ظهرها ترفض رؤية دموعها وضعفها، فأقترب كريم يقول بجدية: “صدقوني البشر بينهم شياطين، يمكن عايشين وسطنا وبياكلوا ويشربوا معانا واسمهم أصحابنا وأخواتنا، وفجأة هما اللي يعملوا فينا كدا، ودا اللي حصل مع أدهم. كان سحر أقوى من أي سحر شوفتُه في حياتي، سحر مدفون في أرض مش أرضنا، أرض بيسموها ‘دارو’. وإحنا معرفناش برضو نعمل أي ونوصل إزاي ليها. مستعدين ندفع مليارات بس أدهم يرجع. وبسبب وضعه دا إحنا قولنا إنه مات قدام الناس.”
قالت داليا بصوت خافت: “يا ريته مات ولا شاف العذاب دا. يا ريت اللي عمل السحر دا كان قتله وخلاه يرتاح. اللي عمل كدا بيكره أدهم أوي لدرجة إنه يوصله للحال دا.”
قال رسلان بآسي: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ربنا يجازي اللي كان السبب. حسبي الله ونعم الوكيل.”
قال كريم بهدوء: “الحمد لله على كل حال. يلا يا رسلان أنت والدكتور ياسين هوصلكم.”
قال ياسين بصوت خافت: “لا يا أستاذ كريم، أنا معايا الموتوسيكل بتاعي هنروح بيه أنا ورسلان. ربنا معاكم، هو دلوقتي هيكون كويس ولو احتاجتوني في أي وقت أنا هكون في الخدمة.”
تحرك الاثنان للخارج وهما يشعران بثقل على قلوبهم أثر ما رأوه. أيصل الإنسان لذلك الحد من الغل والحقد والقسوة؟ مصاب ذلك الشاب جلل، وتلك الفتاة اختبارها صعب وشديد، وذلك الصديق هو خير مثل لتلك الكلمة وخير وصف لعلاقة الصداقة بل الأخوة.
جلس رسلان في شرفة منزله بعدما أخذ حماما باردا وظل شاردا لساعات طويلة، حتى جلست والدته أمامه تنظر له بتعجب وسألته بحنان: “مالك يا رسلان؟ أي يا حبيبي اللي حصل مخليك قاعد كدا؟!”
قال بصوت مختنق: “تخيلي حد يعمل سحر لحد ويدمر له كل حياته.”
“يا ساتر يا رب، أي اللي حصل؟!”
قال بآسي: “النهاردة شوفت شاب عمره تقريبا 33 سنة، معموله سحر يا ماما مخليه جسمه في حجم الطفل وشكله وحش أوي، وجسمه من جرح صغير أوي كان مليان كله بحاجة عاملة زي الدم بس غامقة أوي وكمان لزجة زي الصبار. أنا كل دا فهمته، بس بيقولوا إن في حد قالهم إن السحر دا في أرض اسمها دارو. ولما دورت ملقيتش إن في أرض بالاسم دا.”
“دارو؟ متأكد إنه قال دارو يا رسلان؟!”
“أيوا يا ماما، عمرك قرأتي عن مكان زي دا؟!”
“أه.. أه تقريبا سمعت الاسم. قوم أنت نام عشان شغلك بدري وأنا هدورلك عليه كدا وأشوف.”
تحركت فيروز لغرفتها بعدما تأكدت من ذهابه لفراشه. جلست أمام مكتبها وأشعلت إضاءة خافتة وأخرجت بعض الرسومات القديمة تنظر لها وهمست: “دارو.. آل دارو.”
***
باليوم التالي كان رسلان جالسًا على مكتبه وأمامه كوب من القهوة، وبدأ في العمل على أوراق جديدة، حتى آتاه أحد العمال: “أستاذ رسلان، الأستاذة داليا عاوزاك في مكتبها ومعاك كشف حسابات الأسبوع اللي فاتت.”
رفع رسلان رأسه ينظر له بتعجب، فهي المرة الأولى التي تطلب رؤيته منذ بداية عمله. تحرك سريعا تجاه مكتبها ودق الباب، فسمحت له بالدخول: “اتفضل اقعد يا رسلان، محتاجة أبص على الكشف.”
أخذته من يده تتابعه باهتمام وتتفحص كل رقم به. قالت بجدية: “شغلك مظبوط ودقيق يا رسلان.”
“متشكر يا فندم.”
تقدمت بجسدها للأمام تجاهه، وقال بهدوء وحكمة: “اللي حصل امبارح ياريت تنساه.”
ابتسم وقال بهدوء: “مش هنسى.. هدعيله. كمان أحب أقول لحضرتك إني موجود للمساعدة في أي وقت. متقلقيش من أي حاجة من جهتي أنا أو ياسين. ارتاحي.”
هي كل ما تريده الراحة، ولكنها تكاد تقسم أنها لم تراها أو تشعر بها منذ سنوات. ابتسمت بخفوت وقالت بصوت هادئ: “شكرًا… يلا اتفضل على مكتبك، وياريت ملفات الأسبوع دا تتسلم بدري عن كدا، لولا إن شغلك مظبوط كنت خصمتلك.”
انتفض عن كرسيه وقال بجدية: “حاضر يا فندم.. بعد إذنك.”
تحرك رسلان عائدًا لمكتبه، والذي لم يفارقه إلا عند ساعة الغداء. خرج ليجلس في الكافتيريا ليأكل بعض الطعام التي حضرته له والدته واحتسى معه كوب من العصير البارد، وعلى مسافة على إحدى الطاولات جلست هي أيضًا تتناول بعض الطعام بمفردها، والجميع يلقي لها التحية باحترام وأيضًا بحذر، ذلك الذي جعله يرى بكل وضوح تلك المسافة التي وضعتها بين نفسها وبين جميع من حولها. وهي بذلك العمر يبحث أمثالها عن الرفقة والاستمتاع وأيضًا الزواج والحب والاستقرار، أنما هي رفضت كل ذلك لأجل أخيها الذي ينازع مصيره. تجلس معه بمفردها في منزل يمكنه تحمل عائلة بأكملها من أجداد الأجداد لأحفاد أحفادهم، حتى أنها رفضت شخصا شديد الوفاء والإخلاص لها ولأخيه.
كان يود المساعدة، ولكن ماذا هو بفاعل. هو تابع عمله بكل جدية والتزام حتى مر شهر كامل.
في إحدى الليالي كانت على وشك الذهاب للنوم عندما استمعت لصوت شخص بالأسفل. خرجت للتراث لتتعجب عندما تجده رسلان. تحركت للأسفل وخرجت تسأله بتعجب: “في إيه! أنت بتعمل إيه هنا في الوقت دا؟!”
“اعملي توكيل لحد تثقي فيه يمسك الشركة لفترة.”
“آآآي؟!”
كرر حديثه مجددا فسألته بتعجب: “ليه؟!”
قال بجدية: “عشان عندنا رحلة طويلة شوية.. لأرض دارو.”
فتحت عينيه بصدمة وسألته: “أنت تعرف المكان دا؟ ولا أنت جاي تضحك عليّ وتستغفلني؟ لا ركز كدا وفوق، أنا داليا النجار.”
قال رسلان بهدوء: “أستاذة داليا، أنا محتاج أشوف الأستاذ أدهم وبعدها قرري إذا كنتِ عاوزة مساعدتي ولا لا؟!”
وقبل أن تجيبه تحرك رسلان للداخل يبحث عن أدهم حتى وجده في زاوية ما يجلس صامتا مغمض العينين، فأقترب منه وجلس أمامه يخرج من جيبه شيئا لونه أخضر لزج، فوضعه في فمه، وداليا تقف خلفه تشعر بالحيرة ولكنها اقتربت من أخيها تنقل نظرها بينه وبين رسلان الذي تابعه بانتباه.
وبعد دقائق للمرة الأولى من سنوات يفتح أدهم عينه ويرفع رأسه بحثا عن أخته التي اقتربت بلهفة تجلس أمامه ورأت طيف ابتسامة خفيفة على جانب فمه، وسقطت دمعة من عينه، فبكت هي بشدة ورسلان يتابعهم بشفقة: “أنا هقدر أساعده، أنا طول الفترة اللي فاتت مكنتش بنام عشان ألاقي الحل، والعشبة اللي أخدها دي من أرض دارو نفسها. لو روحنا هناك هيتعالج بأمر الله.”
قالت بلهفة: “أنا موافقة.”
“الشركة لازم تسيبيها في إيد أمينة.”
“أنا عاملة توكيل عام لكريم في حال حصلي أي حاجة أو اختفيت، لكن أنا حابة أقوله عشان ميقلقش عليا أنا وأدهم.”
“ابعتي له رسالة، لأننا لازم نمشي قبل شروق الشمس.”
أخرجت هاتفهـا بالفعل ترسـل رسـاله لكريم ولم تخبره بالتفاصيل، فقط أخبرتهـا أنها ستختفي مع أدهم لبضعة أيام. تحركـت بعدهـا تجاه رسلان تسأله بجدية: “ها، هنروح هناك إزاي؟”
أخرج رسلان من جيبه نفس العشبة ولكنهـا كانت جـافة هذه المرة، فركها بين يديـه، وبيده اليسرى أمسك بيد داليا، وباليد الأخرى أمسك بيد أدهم. نظرت له بتعجب وحيرة ولم تفقه أي شيء مما يحدث، حتى شعرت بالأرض تهتز تحتها وحولها شيء يدور بسرعة كبيرة، ثم بعد ثواني توقف. قد كان باب كبير، كتب عليه نفس تلك الكلمة: “دارو”.
أخذ رسلان أدهم على ظهره وتحرك به يفتح ذلك الباب، ولا يزال ممسكًا بيد داليا وأخذهـا معه، ثم أغلق الباب خلفهم. يكاد يشعر بأنفاسها ستتوقف وهي تنظر حولها لذلك المكان، فقد بدا في غاية الجمال. على يسارهم البحر بلونه الصافي وأمواج هادئة، حتى أنها كانت ترى الأسماك وهي تسبح بها. وعلى يمينها جبال خضراء عالية مليئة بالأشجار والزرع الأخضر بألوانه المتفاوتة والأزهار. وبين ذلك منازل رائعة عديدة ترتص بجوار بعضها بشكل منتظم.
تحرك رسلان بعض الخطوات حتى أوقفته فتاة تنظر لهم بتعجب وقالت بدهشة: “أنتم!! من المكان الآخر!! يا ويلي لم أرى أحدكم أبدا؟! هذه المرة الأولى.. مرحبًا أنا بهار.”
وقف رسلان ينظر لها بتعجب لبعض الوقت، قد كانت تلك الفتاة غاية في الحيوية، بشعر بلون ذهبي مموج تزينه الأزهار وأعين واسعة ونمش على خديها وأنفهـا، وقبل أن يتعمق في التأمل سمع صوت أجش يسأل: “من أنتم؟!”
قالت بهار: “إنهم من ذلك المكان الآخر عمي أيوان.”
نظر رسلان لهـا بتعجب، ثم عاد بنظره لذلك الرجل الذي أتى من خلفه يرتدي عباءة واسعة مزخرفة ممسكًا بعكاز بيده وشعره طويل أبيض: “من أنتم؟!”
قال رسلان بتردد: “أنا رسلان، ودا أدهم معموله سحر واتقالنا إن السحر دا في أرض اسمها دارو، هي دي صح؟! وفعلا السحر دا اتدفن هنا؟!”
قال الرجل بآسي: “هذه حقيقة يا بني، دُفن ذاك السحر من سنوات ودمر معه أجزاء كبيرة من أرضنا، ولكن آل دارو لا يمسون السحر إلا القليل منهم. لن يستطيع أحد مساعدتك لإخراجه.”
قال رسلان بجدية: “بس الشاب دا هيفقد حياته لو محدش ساعده.”
قال الرجل بجدية: “بهار.. اذهبي لآفرين أحضريها وبعض الرجال لأخذ الفتى واستقبال ضيوفنا.”
استجمعـت داليا قواهـا مجددا وتداركت الموقف وتوقف المنطق لديها في محاولة فهم ما يحدث، وقالا بجدية: “هياخدوه فيـن؟! أنا هروح مع أخويا مكان ما هياخدوه! أنا مش هسيبه معاهم لوحده.”
التفت رسلان له يقول بجدية: “أستاذة داليا، إحنا هنا عشان دا المكان الوحيد اللي هيقدر يساعده، لازم نثق فيهم.”
عـادت بهـار بعد قليل ومعها تلك الفتاة، وإن ظن رسلان من دقائق أنه رأى أجمل فتاة قد يراها يوما فهو مخطئ، فقد رأى أمامه قطعة من القمر تمثلت في فتاة. انتبه على حديث الرجل يقول بجدية: “هذه آفرين، ابنتي.. ستساعد الفتى.”
تعجب رسلان نظرات تلك الفتاة الغاضبة له، وقد كانت قاسية بعض الشيء وهي تأمر الرجال لأخذ الفتى، ووقفت تنظر له بضيق فتعجب لها أكثر.
قالت داليا برجاء: “أنا عاوزة أروح مع أخويا.”
قال الرجل بجدية: “أود الحديث معكم في أمر هام، حتى في أمرك سيدتي.”
انتبه الاثنان له، فتحرك الرجل وهم خلفه يستمعون له بانتباه: “سنعالجه وبأمر الله ذلك الشاب سيتعافى وتعود له صحته، ولكن ذلك السحر سيظل مفعوله قائمًا طالما أنه في باطن الأرض. عليكم إفساد سحره قبل أن يعود المرض لجسده من جديد. سياخذ العلاج أكثر من شهر، ولكن قد يعود لحالته تلك في أي وقت.”
سأله رسلان بهدوء: “بس إحنا منعرفش نفسده، إحنا فاكرينكم انتوا هتساعدونا.”
“سنساعدكم ولكننا لن نمس السحر. لا يمس السحر سوى حكام دارو. أنا أو ابنتي. أنا وقد أصبحت كهلا لن يتحمل جسدي ذلك السحر وقوته، ولن أسمح لابنتي بأن تفعل.”
قالت داليا بجدية: “لكن لو أنتم حكام المكان فدا واجبكم.”
قال الرجل بجدية: “نحن لا نستقبل أمثالكم في أرضنا سيدتي، ولكن استقبلناكم لأجل ذلك السحر وقد دمر أرضنا. وأنتم لن تستطيعوا البقاء هنا لأكثر من شهر. سيتحتم عليكم العودة لبلادكم وترك أخيكِ في النهاية.”
قالت داليا بخوف: “لا! أنا مستحيل أسيب أخويا وأمشي.”
قالت آفرين بهدوء: “حسنًا تعالي معي الآن، ربما وقتها نجد حلاً.”
تحركت داليا لتذهب لأخيها مع الفتيات، وبقي رسلان مع ذلك الرجل الذي قال بجدية: “ستفسد ذلك السحر بنفسك، هذا حلي الوحيد. سأخبرك بما يجب فعله وستنفذ بدقة. سأجهزك لذلك حتى، ولكن ستبقى المخاطر موجودة.”
سأله رسلان: “وأي هي المخاطر دي؟!”
“أن تنتقل اللعنة لك. عليك اتخاذ قرارك بأسرع وقت.”
***
“تمام يا آنسة مريم، كدا الإنترفيو خلصت.”
ابتسمت مريم وشكرته، ثم تحركت لتخرج، ولكن قبل ذلك شعرت بدوار جعلهـا تستند على المكتب بتعب، فسألها كريم: “حضرتك كويسة؟!”
قالت مريم بتعب: “آه آه كويسة، أنا بعتذر بس دوخة بسيطة.”
وقف كريم عن مكتبه ثم تحرك تجاهها وقال بهدوء: “لو سمحتي اتفضلي استريحي لحد ما الدوخة تروح وهطلبلك عصير.”
قالت بهدوء: “لا شكرا، أنا صايمة.. أنا كويسة الحمد لله شكرا لحضرتك.”
تحركت مريم من مكتبه سريعا، فعليها الذهاب لعملها المؤقت في أحد المطاعم البسيطة وبمقابل مادي بسيط بالكاد يكفيها. آتاها اتصال هاتفي فأجابته: “أيوا يا خالد!”
“أنتي فين؟ روحتي برضو الإنترفيو؟!”
“أيوا روحت وعملت الإنترفيو وخلصت، أنا ما صدقت إن جاتلي فرصة زي دي، أنت مش باقيلي يا خالد عشان تضيع مني الفرصة دي، متنساش إن خطوبتنا دي مزيفة.”
“وأنا قلتلك مش هتشتغلي في شركات وقدام أهلي وأهلك، عاوزة دلوقتي تصغريني قدامهم؟!”
“وأنت مبتصغرنيش وأنت كل يوم بتدور مع واحدة شكل.”
“إنتي قليلة الأدب، إنتي مش هتتحكمي فيا ولا في تصرفاتي.”
“أنا مش قليلة الأدب يا خالد لو سمحت احفظ لسانك معايا، وبعدين هو مين اللي بيتحكم في التاني دلوقتي؟!”
“لازم أنا اللي أتحكم فيكي، انتي ناسيه نفسك ولا إيه.”
“آه وتقصد إيه بقى بالكلام دا؟!”
“قصدي إن واحدة زيك لازم ليها حاكم يا أستاذة.”
“يعني إيه واحدة زيك يا خالد؟ وضح كلامك وقول الكلمة اللي محشورة في زورك دي ونفسك تقولها من أول ما عرفتني.”
“بلاش تقطيع بالكلام، مش كفاية الكلام اللي زي السم اللي بسمعه بسببك وبسبب أصلك اللي منعرفش عنه حاجة!! انتي اللي زيك تسمع الكلام من سكات.”
“تمام يا خالد، يا ريت بالليل تيجي تاخد دهبك، وانت كنت جبتلي حاجة تانية أبقى خدها.”
أنهت المكالمة قبل أن يجيبها، ثم تحركت تعبر الطريق، ولكنها لم تنتبه لتلك السيارة التي أتت من بعيد واصطدمت بها، ليرتطم جسدها بقوة في الأرض لأميال بعيدة، اجتمع حولها الناس ليعرفوا إن كانت حية أم فقدت حياتها.
من بعيد انتبه كريم للحادث من مكتبه، فتحرك للأسفل سريعا يسألهم، فقال له أحد الحراس: “دي بنت من اللي كانوا بيعملوا الإنترفيو.”
تحرك كريم تجاهها وأبعد الناس يتفحصها وقال بجدية: “لازم ننقلها المستشفى.”
“إحنا طلبنا الإسعاف يا كريم بيه.”
“بس دي لو استنت أكتر من كده هتموت.”
تحرك كريم يحملها بحذر ثم أخذهـا لسيارته واتجه لأقرب مستشفى. أخذها الممرضين ووقف هو في الاستقبال ومعه حقيبتها يبحث عن بطاقتها الشخصية: “هي اسمها مريم، بس لحظة هشوف بطاقتها.. أهي.. اسمها مريم عبد الرحمن فاروق، أنا هحاول أتواصل مع حد من أهلها.”
تحرك كريم يجلس على أحد المقاعد يخرج كل محتويات حقيبتها وتعجب عندما وجد شهادة ميلادها، فمن يخرج حاملًا لتلك الشهادة معه، ولذلك السبب قام بفتحها وانتبه لشيء واحد: “اسم الأم.. شير.. شيرين عبد المنصف الأسيوطي!!!!!”
رواية لعنة ال دارو الفصل الثالث 3 - بقلم اية محمد
كان ينوي أن يكتب بياناتها ويرحل، ولكنه الآن سيبقى أمام غرفة العمليات يدعو الله أن تظل تلك الفتاة على قيد الحياة. فاسم عمته التي فقدت قبل خمسة وعشرين عامًا لن يُخطئ به.
وبالفعل، بقي أمام الغرفة لساعات طويلة حتى خرج له الطبيب:
"الحمد لله، عدت الخطر، بس هي إيديها اليمين فيها كسر، وكمان فيه كدمات في الجسم، وفيه ارتجاج بسيط، بس نحمد ربنا إنها جت على قد كدا ومحصلش أي نزيف داخلي."
"الحمد لله، هي هتقدر تخرج إمتى؟"
"ممكن النهاردة، بس محتاجة رعاية."
تركه الطبيب وجلس كريم أمام الغرفة التي وضعوها بها يفكر. هل تعلم بأنها ابنة عمته وأنها تقربها؟ هل أخبرته عمته عنهم؟
تحرك كريم للداخل فوجدها على فراشها نائمة. أخذ يفكر أيأخذها لبيته أم ينتظر حتى يصل لأقربائها، ولكنه منذ ساعات لم يتوصل لشيء.
فتحت عينيهـا بضعف، فأقترب كريم تجاهها يسألها بهدوء:
"إنتي كويسة؟"
قال بوهن:
"ماما.. ماما فين؟"
هي على قيد الحياة. ظنها الجميع توفت منذ سنوات. كم سيفرح والده وجدته بذلك الخبر. تعالت دقات قلبه وسألها:
"عنوانك إيه وأنا هوديكي."
أخبرته وهي بالكاد تفتح عينيها، فدونّـه كريم ثم تحرك للخارج يدبر لها سيارة إسعاف تأخذها لبيتها. وأخيرًا رن هاتفها الذي عجز عن فتحه، فأجاب المكالمة وقبل أن يتحدث جاءه صوت فتاة:
"إنتي يا زبالة بتفسخي الخطوبة من أخويا؟! هو إنتي كنتي تطولي يا لمامة الشوارع؟ ده يعني مش كفاية إنه سترك وإنتي بايرة بنت حرام؟!"
أغلق كريم المكالمة وترك الهاتف من يده وكأنه سيتلوث من تلك الكلمات. اللعنة؟ ما الذي سمعه للتو عنها؟ هل هي بنت غير شرعية لأخت أبيه؟
كان شارداً وهو يتحرك بسيارته خلف سيارة الإسعاف متجهًا لبيتها. وهناك خرجت سيدة تضرب على صدرها وهي ترى مريم تخرج من تلك السيارة، فصرخت بخوف:
"بنتي!!! مريم؟ إيه اللي حصل؟"
قال كريم بهدوء برغم الحيرة بداخله:
"عملت حادثة، هي بس محتاجة رعاية وهتبقى كويسة."
وضعوها في فراشها وجلست والدتها بجوارها تبكي، وأختها تنظر لها بوجه خالٍ من أي تعبيرات.
سأل كريم بجدية:
"فين المدام شيرين؟"
نظرت له سلوي بتعجب ودهشة وسألته بصوتها الباكي:
"إنت تعرفها منين؟"
"اسمها كان مكتوب في شهادة الميلاد اللي كانت في شنطة الآنسة مريم."
قالت سلوي ببكاء:
"يا حبيبتي، لسه بتشيل الشهادة في شنطتها. شيرين دي تبقى أم مريم، أمها اللي ولدتها وهي ماتت وهي بتولدها، وأنا وعبد الرحمن جوزي الله يرحمه اتبنيناها."
قالت أختها بغيظ:
"لميناها من الشوارع."
قال كريم بجدية وهو ينظر لتلك الفتاة بحدة:
"أنا كريم محمد عبد المنصف الأسيوطي، ومريم تبقى بنت عمتي. أنا محتاج أعرف مين أبوها الحقيقي؟"
قالت سلوي:
"والله يا ابني إحنا منعرفش، إحنا أول مرة شوفنا فيها شيرين كانت وهي بتولد، وساعتها أخدناها المستشفى وعبد الرحمن قال إنه أبوها وشيرين أمها، وأنا أخدتها أربيها لأني مكنتش بخلف، وبعدها بكام سنة عرفت إني حامل وجبت بنتي التانية."
قال كريم بجدية:
"بس دلوقتي مريم ليها أهل وليها عيلة كبيرة وليها بيت. ياريت تجهزي لها حاجتها لأني هاخدها بكرة الصبح."
قالت سلوي ببكاء:
"بس ده بيتها وأنا اللي ربيتها وتعبت عليها، دي بنتي وعمري ما قصرت في حقها، مش من حق حد يحرمني منها!"
قال كريم بهدوء:
"بس واضح إن محدش غيرك بيعاملها كويس. فكري كويس في مصلحتها، مريم مصلحتها معانا، في بيت الأسيوطي."
في وسط حديثهم، اقتحم الباب ذلك الثور الهائج يضرب أي باب يقابله. اقتحم الغرفة يصرخ غاضبًا:
"الهانم راجعة متحملة على نقالة؟ أنا قلت لها متروحش المقابلة الزفت دي بس هي صممت على اللي في دماغها."
سأل كريم بغضب:
"مين الحيوان ده؟ وإزاي يدخل بالطريقة دي؟"
قال خالد بغضب:
"أنا خطيبها، إنت اللي مين؟"
ضربه كريم بكفيه على وجهه يقول بضيق:
"أنا اللي هربيك من جديد، وخاف مني إنت وأختك اللي مشافتش تربية. يلا يااض اطلع برا."
التفت كريم تجاه سلوي يقول بحده:
"بكرة الصبح هاجي أخدها، بيتي مفتوح ليكي تيجي تشوفيها في أي وقت، وأي كلب تاني هيقرب ناحيتها هدوسه برجليا."
***
جلست داليا بجوار أخيها المتسطح أعلى فراش ناعم مريح، وأمامه آفرين تضع له بعض الدواء تقول بهدوء:
"أعشاب دارو لها قدرات علاجية فائقة، ولكنها قد تصبح ترابًا إن لم يدرك الجميع أهميتها."
سألتها داليا:
"هو إنتي دكتورة؟"
"تقصدين طبيبة؟ لا.. أنا لست كذلك، أنا فقط أمتلك بعض المواهب وهذا ما يميز آل دارو. هنا لابد أن يتملك كل شخص موهبته، كالزراعة والصيد والحياكة والطبابة. كل مواطن يمتلك الموهبة الخاصة به، إلا نحن الحكام نتملك ثلاثة مواهب."
سألتها داليا:
"بس دي حرف، أي حد يقدر يتعلمها."
"بالطبع، فيمكنك أنتِ أيضًا وضع الدواء له ولكن يحدث أي أثر… هذا ما يميزنا سيدتي."
تحسست داليا ذراع أخيها وقالت بدهشة:
"جسمه بقى ناشف، المادة اللي كانت عليه راحت؟"
ابتسمت آفرين:
"بعد أيام ستظهر النتائج بشكل أوضح، وخلال شهر واحد سيعود كما كان، ولذلك الوقت سنعالج أمر ذلك السحر."
على جهة أخرى كان رسلان يقف أمام أرض سوداء قاحلة. أشار العم ايوان بيده لمنتصفها:
"هنا دُفن السحر."
"الموضوع أكبر بكتير مما كنت أتخيل."
"بل هو أكبر مما ترى الآن. لن نستطيع فعل شيء قبل أن يستعيد ذلك الشاب عافيته، علينا الانتظار لبعض الوقت. الآن سآخذك لمكان مبيتك أنت والسيدة."
تحرك ايوان وخلفه رسلان حتى منزل ايوان، وقد كان فخمًا غير كل البيوت حوله. دلف ليجد داليا وقد بدلت ثيابها بثياب تشبه ثياب الفتيات بذلك المكان، وقد كان فستانًا واسعًا بألوان مبهجة. ابتسم رسلان وجلس بجوارها تاركًا مسافة بينهما:
"إن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة."
اقتربت آفرين تضع الطعام على الطاولة، فتحرك رسلان يساعدها بصدر رحب. فرفعت داليا حاجبها وهي تنظر له وضحكت بسخرية. ومن من يلومه، فالفتاة في غاية الجمال.
قالت آفرين:
"السيدة داليا ستأتي معي في المساء أبي، لأجل حفل الحناء، رجاء أبي."
قال ايوان بهدوء:
"لا بأس يمكنكم الذهاب."
سأل رسلان بجدية:
"هتكون كويسة؟"
أومأ ايوان برأسه بهدوء ثم بدأ في تناول الطعام:
"هيا سيبرد طعامكم."
ابتسمت داليا لسؤاله ذلك ثم اتجهت لتناول الطعام فقد بدا شهيًا وهي تكاد تموت جوعًا. في الحقيقة، كانت المرة الأولى لها منذ سنوات التي تجلس بها على طاولة وتتناول الطعام في جو عائلي. لطالما دعاها كريم لتتناول الطعام معه ولكنها كانت ترفض. تتمنى اللحظة التي يجلس أخوها بجوارها ليشاركها تناول الطعام كما كان يفعل بالماضي.
بعد الطعام، أخذتها آفرين لغرفة لتنام بها:
"ستصبح هذه غرفتك طوال فترة إقامتك هنا."
"شكرًا."
رحلت آفرين وهي تبتسم لها، فظلت داليا بمفردها. كانت الغرفة واسعة قليلة الأثاث، فقط فراش وطاولة ومرآة وخزانة. وهناك نافذة واسعة يوجد مكان للجلوس عليها بكل راحة. فتوسطت داليا ذلك المكان وجلست في النافذة تنظر أمامها للخارج حيث المحيط. أغلقت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا تستمتع بتلك الطبيعة الساحرة الجميلة.
كانت تفكر في حالها هذه المرة، اليوم الأول من أربعة أعوام بعيدًا عن العمل والمسؤولية. صحيح أنها لم تأتِ للتنزه، ولكنها تشعر بالحرية. حتى أن خصلات شعرها التي عقدتها كل تلك السنوات استمتعت بحريتها اليوم مع تلك الثياب المفعمة بالحياة.
وأمامها على الشاطئ رأته يجلس يدفن قدمه في الرمال ويشرد بالبحر أمامه، فتحركت للخارج لتتحدث معه وقد عاد عقلها للعمل من جديد. جلست بجواره فأنتبه لها:
"أنا عاوزة أفهم بقى."
سألها بتعجب:
"تفهمي إيه؟"
"إنت! إنت مين، وإزاي قدرت تجيبنا هنا وازاي عرفت أصلًا المكان ده، وليه بتحط نفسك في المخاطرة دي وسايب أهلك وشغلك؟!"
"يهمك تعرفي فعلًا؟"
"أيوا ما أنا بسألك أهوه."
"هقولك…"
***
في المساء.
"إنت بتعمل إيه هنا؟ أنا مش قايلالك مشوفش وشك هنا تاني؟"
"لا بقولك إيه أنا سكتلك الصبح عشان خاطر مريم كانت تعبانة، إنما أنا خطيبها وحقي أكون هنا وأنا اللي أطردك كمان."
"بس يلا، اقعد ساكت لحد ما أشوف حكايتك… اتفضلي يا تيته."
دَلفت سيدة عجوز للمنزل، فوقفت سلوي بملامح باهتة ترحب بها واستقبلتها بكل احترام:
"اتفضلي يا هانم."
قالت فاتن بلهفة:
"عاوزة أشوف مريم.. وديني عندها."
أمسكت سلوي بيدها وأخذتها بصمت لغرفة مريم، وجلس كريم بالخارج أما خالد واضعًا قدم فوق أخرى:
"مبدئيًا كدا أنا مش موافق على الخطوبة دي، زي ما أنا عرفت من أختك اللي مشافتش تربية، إن مريم كانت فسخت خطوبتها منك، فشوف إنت ليك إيه وهتاخده وريحني عشان أنا ورايا مشاغل كتير."
قال خالد بسخرية:
"والله هي تقول اللي تقوله، أنا مش عاوز أفسخ الخطوبة مش بمزاجها."
اعتدل كريم في جلسته وانحنى بجسده للأمام يقول بحزم:
"معرفتش!!! مش هي بقي ليها اللي يتشدد لها ويقفلها ويخلي كل حاجة بمزاجها وعلى راحتها وكيفها!! وإنت مش ماسك عليها ذلة عشان ميبقاش بخاطرها يا روح أختك."
في الداخل كانت مريم تستند بظهرها على الفراش وجدتها ممسكة بيدها. قالت مريم:
"أنا مش مصدقة إن ظهرلي حد من أهلي أخيرًا، أنا حاولت كتير أوصل لحد منكم بس معرفتش خالص."
سألتها فاتن:
"طب وماخدتيش بالك من اسم كريم وإنتي بتعملي المقابلة؟"
"لا أنا مجاش في بالي خالص ولا انتبهت للإسم ساعتها، سبحان الله كان ليا نصيب في كل اللي حصل النهاردة، الحمد لله على كل حال."
قال فاتن برجاء:
"مريم أنا عاوزاكي تيجي معايا وتكوني في حضني، أنا اتحرمت من بنتي بدري أوي، وابني سافر ومبقاليش غير كريم ولينا أحفادي.. وإنتي يا بنتي حتة مني سابتني من زمان نفسي ترجعلي تاني.. طب إنتي عارفة إنك نسخة من شيرين، والله كأني قاعدة أتكلم معاها زي زمان."
دمعت عينا مريم فمسحتها لها فاتن وقالت بابتسامة:
"حتى لو موافقتيش يا مريم ابقي تعاليلي علطول يا بنتي وباتي يوم واتنين كدا حسسيني إنك رجعتيلي."
ابتسمت مريم:
"حاضر، أوعدك يا تيتا."
ربتت فاتن على يدها وانتفضوا جميعهم على صوت قتال بالخارج وصوت فتح الباب بعنف، ولكن قبل أن ينظر خالد للداخل سحبه كريم وأغلق الباب وعينه بالأرض.
قال بجدية:
"خلوا مريم تلبس إسدال عاوز أدخلها."
فعلت سلوي كما طلب فدلف للغرفة يسحب خالد الذي انتفض يسحب نفسه منه بغضب.
قال كريم بضيق:
"إنتي عاوزة تكملي مع الواد ده؟"
هزت مريم رأسها رفضًا، فأكمل كريم حديثه:
"ليه إيه هنا؟ دهبـه فين؟"
"في الدولاب، والدبلة أهي."
قال خالد:
"بقي كدا يا مريم؟! عشان اتعصبت عليكي شوية بتعملي كدا؟ طب علفكرة بقي يا خالتي سلوي بنتك كانت بتضحك عليكي وأنا وهي اتفقنا على الخطوبة دي عشان أنا أريح أمي وهي تريحك وتريح نفسها من كلام الناس عن أصلها وكنا ناويين نفشكل."
نظرت سلوي بصدمة ولوم لإبنتها، فنظرت مريم أرضًا بخجل وحزن لأجل فعلتها.
قال كريم بهدوء:
"وماله تعمل اللي هي عاوزاه، واتفضل خد دهبك ومع السلامة وملامحش وشك تاني، أنا مبجوزش بنات لعالم *** زيك، وابقي سلملي على أختك وربي لو عترت فيها لأكون مخليها قطع غيار."
دفعه كريم للخارج وطرده بعيدًا عن الشقة نفسها، ثم أغلق الباب بضيق:
"ده إنت عيل غتت."
عاد للغرفة وقال بجدية:
"مش أخت كريم الأسيوطي اللي تنجبر على حاجة، إنتي هتقعدي وتتشترطي وتختاري اللي يدخل مزاجك عشان بس يجي يتقدملك ويا نوافق يا منوافقش."
قالت مريم بابتسامة:
"متشكرة يا أستاذ كريم."
ابتسم والتقط أنفاسه وتحرك لينضم لجلستهم يقول بهدوء:
"أستاذ دي في الشركة، لما تنوريها وتيجي تشتغلي، إنما هنا أنا كريم وبس، أخوكي وابن عمتك."
ابتسمت له مريم ثم التفتت لفاتن تسألها بقلق:
"مين أبويا؟ عايش ولا ميت؟"
"كان متجوزها صح؟ كانت متجوزة ولا لأ؟"
رواية لعنة ال دارو الفصل الرابع 4 - بقلم اية محمد
أنت! مين أنت، وإزاي قدرت تجيبنا هنا؟ وازاي عرفت المكان ده؟ وليه بتحط نفسك في المخاطر دي وسايب أهلك وشغلك؟
يهُمك تعرفي فعلاً؟
أيوا، ما أنا بسألك أهو.
هقولك الحقيقة مش كاملة، فمش هتصدقيني. أنا لسه حاجات كتير مش فاهماها، ومحتاجة الأول أجمع الصورة الكاملة عشان أقولك.
اقترب بعض الرجال منهم، فالتفت رسلان وداليا يتابعونهما حيث بدا وكأنهم ذاهبون للصيد. وبالفعل، على قارب صغير تحركوا ومعهم الشباك، وبأيديهم رمح أسود التقط به أحد الرجال السمكة بكل براعة.
نظرت داليا له بإندهاش وقالت:
عارف إن هنا كل حد بيعمل حاجة معينة والتاني ما بيكونش شاطر فيها؟ يعني أكيد دول اللي مسؤولين عن الصيد هنا.
وقفت تتحرك تجاههم تتابعهم وتنتظر بحماس أن تخرج شباكهم محملة بالأسماك. ابتسم رسلان ينظر لها، وللمرة الأولى يراها تتصرف بشكل تلقائي، وقد تركت رسميتها وجمودها جانبًا.
تحرك يقف جوارها يشاهد الصيادين عن قرب. وأمامهم مر فتى صغير يحمل رمحًا، فأخذه رسلان يجرب حظه، واتجه للبحر حتى أصبحت الماء عند منتصف ظهره. شدد تركيزه عند نقطة معينة، وبضربة واحدة خرج رمحه محملاً بسمكتين. فضحك من صدمته وانبهاره بما فعل.
أنت إزاي شفتهم يا رسلان؟
كانوا باينين خالص كأنهم على وش الماية، مشوفتيهمش؟
هزت رأسها نفيًا وهي على صدمتها تلك، وسألت بجدية:
بس آفرين قالت لي إن في حاجات هنا محدش يقدر يعملها غير أصحابها وبس؟
ضحك رسلان، يعيد الرمح للفتى، وتحرك للشاطئ يقول بسخرية:
أنتي بتصدقي الكلام ده؟ دي حركة أي حد يعرف يعملها عادي، هما بس بالنسبالهم الحاجات دي اختراع.
أجابته باقتناع:
بصراحة معاك حق. هو يمكن الحاجة الوحيدة فعلاً هو موضوع الأدوية والأعشاب دي لأني شفت نتيجتها. أنت مش متخيل أنا لفيت برا مصر بأدهم قد إيه ومكانش في حد عارف يتعامل معاه.
كله بأمر الله. يمكن أدهم مكتوب له الشفاء هنا في الأرض دي. صحيح، أنا لحد دلوقتي مش فاهم هو المكان ده تبع العالم بتاعنا ولا لا، خصوصًا إننا جايين بطريقة يعني شكل الأفلام الهندي الهابطة. بس يعني العلم بيقول إن ما فيش حياة غير في كوكب الأرض. بس يمكن تصدق بعض الأساطير اللي بتقول إن فيه حياة بعد نهاية العالم وكل الحكايات دي. بس إحنا فين بالظبط، لا مش عارف. هتصدقيني لو قولتلك أنا مش عارف هنرجع إزاي؟
أجابته بتفكير:
يعني أكيد هما عارفين إزاي هنرجع، ما توتريناش بالله عليك، أنا أساسًا حاملة هم الشركة.
قال رسلان بهدوء:
المهم إن لسه باقي شهر. عاوزك تشيلي الحمل التقيل ده من على كتفك. بصي، أنا من ليلة ما جيتلك الفيلا امبارح وأخدتك هنا، وأنا شايف إني المسؤول عنك. هنا أنتي مش مديري، بس برغم كدا ليكي مني كل الاحترام. فاسمح لي أشيل عنك، وعلى رأي العم أيوان. لكِ مني كل الاحترام سيدتي.
قالت بصوت خافت:
مش عاوزة أثق في حد، مش عاوزة أسيبلك الحمل فترميـه في البحر وقت ما تمل. مش كفاية إنك ورطت نفسك هنا معايا من غير ما يكون لك ذنب؟
قال بابتسامة:
وأنا بقولك ثقي فيا. انسي موضوع السحر، وانسي الشركة، وانسي جينا إزاي وهنرجع إزاي. اعتبريها فسحة واستمتعي بالمكان وجماله، وعيشي كل لحظة تعافي لأخوكي. متفكريش وارتاحي.
ابتسمت داليا وسألته باهتمام:
هو أنت ليه دايماً تقولي ارتاحي في آخر كلامك؟
علشان ببساطة شايفك مش دايقة طعم الراحة دي. آه، أنتي واحدة غنية وعايشة حياة مليون حد يتمناها، بس لا، انتي كل ده ميفرقش معاكي. أنتي بترتاحي أكتر لما تكوني مسؤولة من حد.
معاك حق.
طيب ولما أنا معايا حق، وأنتي وثقتي في كريم وسلمتيه الشركة، ليه موافقتيش تتجوزيه وهو يشيل المسؤولية؟
ضحكت داليا لبعض ثوانٍ ثم قالت بهدوء:
هو إيه الصعب في إن الناس تفهم إني رفضت كريم لأني معنديش ناحيته المشاعر اللي ممكن بنت تحسها ناحية شاب. أوقات الناس بتنسى إني بنت عمري 26 سنة، عندها أحلام تحب وتتحب. وبعدين أنا مكنتش ضعيفة أوي كدا عشان أرمي حمل الشركة على كريم. لا، أنا الحمد لله كنت قدها. هو الجواز أيوا معناه أكون مسؤولة من حد، بس مش أي حد. أنا اتقدملي ناس غير كريم كتير، ومش كنت برفض عشان وضع أدهم أو مسؤولياتي في الشركة. أنا بس ملقيتش الشخص المناسب.
أدهم النجار عرف يطلّع شخصية يتشرف بيها لما يرجع لصحتـه.
دمعت عيناها ونظرت له تشكره بنظرتها وابتسامتها الخافتة. فقال بهدوء:
روحي نامي شوية، واعملي زي ما أنا قولتلك. عيشي اللحظة.
في المساء...
ذهبت داليا برفقة آفرين لذلك الحفل ورافقهـم رسلان يسير خلفهم. كانت الإضاءة بالمصابيح مع النجوم في السماء وضوء القمر مبهرة بل رائعة تخطف الأنظار.
كان حفلاً بسيطاً. جلست السيدات وبينهن العروس وسيدة ترسم لها الحنة على يدها، وعلى مسافة وقف الشباب يتحدثون يستمتعون بوقتهم.
بينما ذهبت داليا برفقة آفرين للنساء. وقف رسلان على مقربة من الشباب وسمع حديثهم.
من هذه التي ترافق آفرين؟
لا أعرفها. ربما هم من أتوا لأمر ذلك السحر. ماذا، أعجبتك الفتاة؟
تبدو لطيفة. ربما... ربما تكون عروساً لي؟
اقترب رسلان يقول بجدية:
أولاً، هي مش هتقعد هنا أكتر من شهر. مفيش داعي للتفكير ده. هي جت هنا عشان تعالج أخوها مش عشان تتجوز. فـ عينك عنها، واهتموا بأموركم بعيد عنها.
صمت الشابان. وعاد رسلان لموضعه بعيداً قليلاً عنهم يشاهد بقية الحفل. وفجأة وجد الدف بيده والجميع ينظر له، وقال أحدهم بحماس:
اسمعنا بعض أغاني قومك.
ابتسم رسلان بتوتر واتجه يقف بجوار داليا يهمس لها:
ودول أغني لهم إيه دول؟ قنبلة الجيل؟
كدا هتفضحنا وتخليهم يفتكرونا معندناش ذوق. غنيلهم حاجة للعندليب.
عندليب مين؟ أنا صوتي وحش أساسًا، أنا يدوب أغني لحمو بيكا.
خلاص، غني أي حاجة تعرفها.
أنا معرفش أغاني، أنا مبحفظش حاجة ولا بسمع حاجة.
اتصرف أنت، أنا مليش دعوة.
صمت رسلان لدقائق ثم ابتسم يتذكر شيئًا، ثم بدأ في الغناء بأنشودة قديمة. وبدأ الجميع بالتفاعل معها والتصفيق له ومشاركته الغناء والرقص، والسيدات تصفق لهم. حتى استسلم رسلان وقال بتعب:
كملوا أنتم بقى، أنا تعبت.
تعب الجميع وفضلوا الراحة لدقائق قبل البدء في وصلة رقص وغناء جديدة.
اتجهت داليا للمزينة تسألها أن تضع لها بعض الحنة. فقالت آفرين:
فقط العروس والمتزوجات. لا تضع العزباء الزينة على يدها، هذه تقاليدنا.
اختفت ابتسامتها وقالت بهدوء:
خلاص، مفيش مشكلة.
اقترب رسلان يقول بجدية:
بس هي مش هيكون ليها فرصة تانية تيجي هنا وتجرب الحنة بتاعتكم. أميرة آفرين، لو ينفع نكسر القوانين لمرة واحدة.
ابتسمت داليا ونظرت لآفرين برجاء. فنظرت آفرين للمزينة تسألها. فأبتسمت السيدة ومدت يدها تأخذ يد داليا وأجلستها أمامها وبدأت في رسم الحنة لها. فعادت ابتسامة داليا من جديد تقول بحماس:
أنا أول مرة أحط حنة من حوالي عشر سنين. الله، ريحتها حلوة أوي ولونها واضح أوي إنه هيبقي حلو.
بالفعل تزينت يداها بشكل رائع. وظلت طوال طريق العودة ترفعهما أمامها تنظر لهما بحماس. فقالت آفرين بابتسامة:
محظوظة أنت، كل الفتيات تحسدك اليوم.
ضحكت داليا وقالت بابتسامة:
ربنا يرزقهم كلهم بالزوج الصالح عشان بس يحطوا حنة زيي.
ألتفتت لرسلان وقالت بهدوء:
شكراً يا رسلان.
قال بابتسامة:
العفو سيدتي.
كانت الأمسية رائعة حتى أتت بهار تركض وتقول بصوت متقطع:
الفتى... لقد... اركضي آفرين...
قالت سلوى ببكاء:
ليه يا مريم عملتي كدا، ليه؟
قالت مريم ببعض الهدوء:
تخيلي كم المشاكل اللي هتقل بعدي عن البيت وعن رغد اللي دايمًا حاسة إني سرقتك منها؟ وبعدين أنا أول ما دخلت البيت هنا كنت مرتاحة أوي.
أنا عارفة إنهم ناس أغنياء وأنا فقيرة، وعارفة إن الأوضة اللي قعدوكي فيها دي يمكن أكبر من شقتي، بس كنت حلوة بيكي وبروحك فيها. كان نفسي تخرجي منها على بيت عريسك.
يا ماما، يمكن أرتاح بقى بعيد عن الكلام اللي عشت عمري كله متحاصرة فيه. سيبيني على راحتي. ولو على الجواز، أوعدك قبل فرحي هاجي أقعد في البيت وأخرج منه لبيت جوزي اللي أنا مش عارفاه، ماشي؟
ماشي يا مريم، اللي يريحك. قوليلي، حاسة بوجع دلوقتي؟
هو أنا بقيت حاسة بحاجة من كمية الأدوية اللي باخدها؟ الحمد لله على كل حال.
دق الباب وآتى صوت كريم يستأذن للدخول:
ممكن أدخل؟
أيوا يا أستاذ كريم، اتفضل.
بردو أستاذ كريم؟ عمومًا، يا ستي أنا هخليكي ترتاحي من الإسدال خلاص. أنا بس كنت جايب الآنسة دي تتعرف عليكي وجايبلك شوية الحاجات دي تسلي نفسك بيهم.
وضع أمامها حقيبة كبيرة مليئة بالمسليات. ونظرت خلفه لتجد فتاة تبتسم لها بهدوء تقول بصوت في غاية الرقة:
إزيك يا مريم، نورتي البيت.
مدت مريم يدها لها لتذهب لها الفتاة. ومريم سألت بإنبهار:
دي لينا صح؟ ما شاء الله عليكي، أنتي زي القمر وشكلك صغير أوي. أنتي عندك كام سنة؟
16 سنة.
ما شاء الله، أنا كنت فاكراكي كبيرة مش عارفة ليه فكرتك صغيرة. فكرتك في نفس سني كدا.
قال كريم بابتسامة:
لا، بس لينا أكبر من سنها وعاقلة. أنا هسيبكم بقى تتعرفوا على بعض براحتكم، وهروح أنام عشان عندي شغل كتير. شدي حيلك بقى يا مريم عشان أول ما تخفي هسلمك وظيفتك في الشركة.
ابتسمت مريم له وشكرته باحترام. فهي بالفعل بداية من اليوم تحترمه وتقدره، فـ يكفيها ما فعله مع خالد الذي أهانها، وجاء هو في يوم واحد رد لها اعتبارها وكرامتها.
قالت سلوى:
أنا هروح يا مريم، وبكرة الصبح هاجيلك يا قلبي.
ابتسمت مريم:
مع السلامة يا ماما.
كانت تشعر بالذنب وتأنيب الضمير لتركها والدتها، ولكن يكفي تلك المرأة ما عانته بسبب فتاة أخذتها وأكرمتها. يحق لـ سلوى بعض الراحة، ويحق لـ رغد أمها كما أرادت دومًا.
قالت لينا بلطف:
مع الوقت هي هتتعود وأنتي كمان. وبعدين المسافة مش بعيدة وهتشوفيها في أي وقت.
ابتسمت لها مريم وقالت بهدوء:
عارفة، الوقت بيساعد في المواقف اللي زي دي.
قالت لينا بهدوء:
نامي وارتاحي، وبكرة الصبح هتكوني أحسن. تصبحي على خير.
وإنتي من أهل الخير يا سكر.
في الصباح...
جلست مريم بجوار الجدة على طاولة الإفطار. واقترب كريم يجلس على كرسيه ملقيًا تحية الصباح:
عرفتي تنامي يا مريم؟
أيوا الحمد لله.
كويس، خالك عاوز يكلمك، وأنا قولتله لما أرجع هنتكلم كلنا فيديو عشان يشوفك.
ابتسمت مريم بسعادة لتلك الكلمة:
خالي؟
أيوا، اللي هو أبويا.
قالت بحماس:
طب ما نكلمه دلوقتي.
ضحك أدهم وأجابها:
بابا عنده شغل دلوقتي. بليل يا مريم.. خدي أدويتك ولو احتاجتم أي حاجة كلموني.
قالت فاتن بقلق:
كريم، عاوزة أقولك حاجة بس متزعقش.
جلس كريم مرة أخرى ينظر لها بريبة، وهي تحاول تفادي نظرته تلك وقالت بشكل سريع:
بصراحة، في عروسة... هو أنا عزمتها هي ومامتها يجوا يتعشوا معانا بحكم الصحوبية يعني، لكن والله ما فتحت معايا كلام خالص. تعالي بس اقعد معاها وشوفها.
نظر كريم أرضًا يلتقط أنفاسه بشكل متتابع يحاول تهدئة نفسه. ومريم تنظر له بتعجب. قال بهدوء زائف:
يا تيته، مش أنا قولتلك مليون مرة أنا مش هتجوز بالطريقة دي؟ أنا مريت بتجربة وفشلت، فخلاص بقى.
قالت فاتن بانفعال:
إنك تتقدم لواحدة وترفض مش تجربة أساسًا يا كريم، ولا ليها علاقة بالجواز. وبعدين أنا بقولك شوفها، مش يمكن تعجبك. قوليله يا مريم، يمكن يوافق.
ارتبكت مريم ولكنها قالت بجدية:
كلام جدتك مظبوط.
صرخ كريم بهم بغضب:
هو إيه الصعب إنكم تفهموا إني بتنيل بحبها، بحبها يا تيته ومش شايف غيرها، أعمل إيه في قلبي!! وبعدين أنا حاولت وقعدت مع بنت واتنين، وكنت مخنوق مش قادر أبصلهم حتى. ارحميني يا تيته، لو ليا غلاوة عندك متفتحيش الموضوع تاني. أنا ما صدقت اتعايشت معاه.
نظرت له مريم بشفقة وحزن. الشخص المبتسم الذي تشعر بالإيجابية كلما رأته، من تشعر بأنه من أعاد الحياة لعالمها البائس يعاني وقلبه. دعت له في نفسها ثم قالت بهدوء:
معلش يا است... يا كريم، عشان خاطر متحرّج تيتة ولا البنت اعتبرها زيارة وديّة. وبعد كدا تيتة هتاخد رأيك الأول قبل أي حاجة.
تنهد كريم بتعب:
ماشي يا مريم.
تحرك كريم للخارج. ألا يكفيه غياب داليا المفاجئ، يكاد يقتله القلق والخوف لأجلها، والآن عروس جديدة وشجار جديد بينه وبين جدته.
خرجت لهم لينا بعد رحيل أخيها وجلست على طاولة الإفطار تتناول الطعام. فقالت مريم بإنبهار:
لينا! لبسك حلو أوي ومحتشم، ما شاء الله.
خجلت لينا وابتسمت تقول بصوت خافت:
شكراً يا مريم.
الأوراق اللي طلبتها اتأخرت ليه؟
بتجهز يا فندم.
هتقعد العمر كله تجهز يا سندس!!! إحنا ورانا شغل، مش كل واحد هييجي ويروح على مزاجه ويسيب الشغل ناقص!!
يا فندم، الأستاذة داليا كانت طالبة يكون جاهز النهاردة مش امبارح.
وهي فين النهارده؟ ما هي مش جاهزة لسه!؟ أنا مش عاوز التسيب ده، إحنا مش جايين نلعب، إحنا جايين نشتغل. اتفضلي على مكتبك، لو مجبتيش الورق بعد نص ساعة يبقى روحي صفي حساباتك وسيبى الشغل لحد بيعرف يشتغل.
حاضر يا فندم، بعد إذنك.
خرجت لتجد الجميع ينظر تجاه المكتب، حتى إنها كادت تبكي. فهو دائمًا ما يكون لطيفًا وإن كان جادًا في عمله. اقتربت صديقتها تقول بهدوء:
معلشي يا سندس، هو بس تلاقيه متعصب شوية، وبعدين الشغل كتير عليه.
وقبل أن تتحدث سندس سمعت مرة أخرى صوته الغاضب يناديها. وقبل أن تبكي هدأتها صديقتها:
طب والله تلاقيه هيعتذرلك، روحي يلا متتأخريش عليه.
عادت سندس مجددًا ورأسها أرضًا:
نعم يا فندم.
تتزوجيني يا سندس!
رواية لعنة ال دارو الفصل الخامس 5 - بقلم اية محمد
"اخطبني أنا يا كريم.."
"أنتي؟! لا طبعاً مينفعش."
"أنا عايزة أساعدك مش أكتر، أنا مليش أهل أخاف على مشاعرهم ولا أنا بحب حد مثلاً أو مستنية حد، هو وضع مؤقت زي ما أنت بتقول."
سأل بحده:
"يعني إيه مليكيش أهل تخافي على مشاعرهم! وأنا وتيته وبابا اللي مستني يشوفك على أحر من الجمر! ومدام سلوى اللي ربتك! أنتي زي أختي يا مريم مستني اليوم اللي هنزفك فيه لعريسك، أنا بتمنالك الراحة مش هكون مصدر تعاسة ليكي لأي سبب كان، متنسيش إنك فسختي خطوبتك مرة وإنتي عارفة المجتمع اللي إحنا عايشين فيه."
"أنت معاك حق بس أنا مبفكرش في موضوع الجواز ده دلوقتي، أنا عايزة أشتغل."
"أنا وعدتك هشغلك في الشركة، بس أما تفكي الجبس على الأقل، مش دلوقتي. يلا اطلعي دلوقتي نامي ومشكلتي أنا هعرف أحله."
التفتت مريم تتحرك عائدة للغرفة ثم وقفت مجدداً والتفتت تقول بحرج:
"بصراحة أنا جعانة أوي."
ضحك كريم واتجه يخرج بعض الطعام من الثلاجة:
"خدي حمريلك حتتين بانيه ولا حاجة، أنا هطلع أنام عشان عندي شغل بدري. خدي راحتك."
تحرك كريم للأعلى وجلست هي تتناول بعض الطعام وهي تفكر في محادثتهم تلك.
***
"أستاذة داليا!... ولا أنا شايف حد تاني ولا إيه!"
سألته داليا بتعجب:
"إيه شكلي وحش!؟"
"بالعكس، شكلك زي القمر."
ضحك أيوان واتجه يضع يده على وجهه رسلان:
"غض بصرك يا فتى وهيّاً لنتحرك."
تحركت داليا وهي تبتسم بخجل وبدأت تشعر بأنها فتاة غريبة، تشعر بأنها لينة ليست قاسية كما وصفها الجميع حتى تناست هي أنها فتاة، تشعر بكونها أنثى.
كان رسلان قد تعرف بالفعل على بعض الشباب فاتجه يقف بجوارهم ويشاركهم الغناء والرقص، وعلى جهة أخرى تحركت داليا وآفرين يشاركون النساء احتفالهن.
استنكرت في البداية كيف للعروس أن ترتدي لوناً غير الأبيض ولكنها كانت منبهرة بمظهر العروس وزينتها وكيف كان لها طلة خاصة بها كما يقول البعض.
تقدم العريس وهو يحمل بيده، زهرة واحدة فقط فنظرت له داليا باستنكار حتى اقتربت آفرين تقول بحماس:
"تلك الزهرة تدعى بزهرة الحب، إنها باهظة الثمن حقاً، تتوق الفتيات ليوم زفافها حتى تحصل على واحدة منها."
سألت داليا بتعجب:
"طب ولو مش معاه يشتريه؟!"
"توجد أنواع أخرى ولكل زهرة مسمى ولكن تلك الزهرة لها مكانة خاصة، يدخر الشاب المال لها ويأتي بها لعروسه في يوم زفافها ولذلك فمعظم النساء حصلن على واحدة منها."
ابتسمت داليا والتفتت تتابع ما يحدث من احتفالات حتى قالت آفرين مجدداً بحماس:
"انظري، كما أخبرتك توجد أنواع أخرى، مثلاً تلك الزهرة الأرجوانية التي يحملها ذلك الشاب تعني أنه سيتقدم للفتاة التي يحب الآن."
"رومانسية بقى وكده والبنت بتاخدها منه يبقى وافقت."
"لا، يطلب الشاب الفتاة من أبيها وبعد بضعة أيام إن وافقت الفتاة نجد تلك الوردة بين خصلات شعرها، فنعرف الفتاة حينها."
ضحكت داليا:
"بجد حلوة، وحلو إن كل حاجة كده ليها طقوسها."
صرخت إحدى السيدات فجأة فالتفتت كل الأنظار لها، كانت بطن السيدة منتفخة واستنتجت داليا أنها ستضع جنينها ربما الآن فقد ساعدتها بعض النساء وأخذوها لبيتها واقترب أيوان منهم يحث آفرين على الذهاب:
"اذهبي آفرين وساعديهم."
تحركت آفرين وأمسكت بيد داليا تأخذها معها وفور رؤيتهم لآفرين سمحوا لها بالدخول فهي أفضل من قد يساعدهم، جلست داليا بالخارج تشعر بالحرج وجميع الأعين لها ومر بعض الوقت قبل أن تخرج آفرين وهي تحمل الصغير على يدها وتسأل بحماس:
"أين والده!؟ أوصتني أم الطفل بأنه يحمله زوجها أولاً، تقدم سيدي إنه فتى."
اقترب الرجل وهو يمد يده لأخذ صغيره ويضمه لصدره فقالت آفرين بابتسامة:
"زوجتك بخير، أعطيتها بعض الأعشاب، هيا اذهب لتقديم الحلوى للجميع وأعطني الطفل فهناك ضيفة مميزة قد ترغب في حمله."
أخذته آفرين وأعطته لداليا التي حملته بصدمة وتوتر، نظرت للصغير النائم لدقائق قبل أن تتمعن في النظر له وقد ارتسمت ابتسامة على شفتيها وشعرت بالحنين لأن تكون أم، كمعظم رفيقاتها أثناء الجامعة فقد تزوجوا جميعهم وبقيت هي، قالت بحنان:
"شكله زي الملاك."
ابتسمت آفرين وأخذت الطفل وأعادته لوالدته ثم تحركت ومعها داليا للخارج:
"أعتقد بأن الزفاف قد انتهى فلنعد للمنزل."
وقبل تحركهم خطوة وجدوا رسلان بانتظارهم وقد اقترب منهم يقول بهدوء:
"يلا استنيتكم عشان مترجعوش لوحدكم."
قالت آفرين بضحكة ساخرة:
"دارو آمنة كما أن منزلي لا يبعد سوى عشرة دقائق سيراً."
قال بلغة عربية فصحى:
"ربما فعلت ذلك لأسترق بعض اللحظات بجوارك آنستي قبل أن يأتي والدك ويقتلني."
ضحكت آفرين وقالت بإعجاب:
"أوه، لغتك قوية سيدي الوزير، أليس كذلك داليا؟!"
"آه."
تحركت داليا لداخل المنزل وصعدت لغرفة أخيها تجلس بجواره، لم يحدث تطور في حالته هذا اليوم كما الأمس عدا أن بشرته بدأت تعود للونها الطبيعي بدل من اللون الغامق وظهرت ملامحه واضحة حتى شعرت داليا بالحنين لسمع صوته:
"وحشتني أوي يا أدهم، اصحي بقى علشاني، اصحي أنت عارف إني مليش في الدنيا حد غيرك يا حبيبي."
قررت داليا افتراش الأرض والنوم في غرفة أخيها وقد كانت تلك الغرفة خالية من الأثاث سوى الفراش ومنضدة صغيرة وضعت عليها أدويته.
بعد ساعة من غيابها دلف رسلان للغرفة ليجدها نائمة أرضاً ترفع يدها ممسكة بيد أخيها.
اقترب منها رسلان وحملها يتحرك بها لغرفتها ثم تركها على فراشها وأغلق الباب خلفه ثم عاد لغرفته.
بعد مرور عدة أيام...
كانت بجوار أخيها في الصباح الباكر، أذ بدأت يومها بعد صلاة الفجر مباشرة، أخذت حماماً بارداً وجلست تقرأ بعض القرآن حتى لاحظت شيئاً غريباً فأنتبهت لتجد أدهم يحرك رأسه يميناً ويساراً فأتجهت داليا تجاهه بفزع لا تفهم ما يحدث معه ثواني والتقط أدهم نفساً عميقاً ثم فتح عينيه البنيتين وهمس بصوت ضعيف:
"داليا!........"
***
"صباح الخير يا تيتة."
لم تجيبه جدته فألتفت لها يجلس أمامها:
"هتفضلي زعلانة مني كتير كده! ما أنا جيت يا تيتة وقعدت مع البنت بس معجبتنيش أعمل إيه؟"
"لا يا كريم، البنت حلوة وكويسة، أنت بس اللي عايز توجع قلبي."
"والله يا تيتة معجبتني، هي حلوة وكويسة بس أنا مش حاسس بيها خالص، معلشي يا تيتة مش هقدر، بس كمان مش هقدر على بعدك عني كده، إزاي تحرميني من دعوتك ليا؟!"
قالت فاتن بتأثر:
"لا يا حبيبي بدعيلك والله كل يوم، ربنا يريح قلبك يا كريم. خلاص يا حبيبي حصل خير."
"الحمد لله، يلا أنا رايح الشغل."
"لا لحظة في حاجة عايزة أقولهالك!"
"إيه؟!"
"مريم جايلها عريس."
"ده مين ده ومكلمنيش ليه! وشافها فين؟!"
"صالح مؤمن."
"ماشي يا ستي ربنا يزيده، مين بقى."
"يا واد بقولك صالح ابن عمك مؤمن جارنا، بقولك إيه هو عارف ظروف مريم كلها والواد أعجب بيها ومعندوش اعتراض."
"وميكلمنيش أنا ليه بقى إن شاء الله؟!"
"هو أنت حد عارف يوصلك خالص يا كريم اليومين دول! أنت مسحول في الشغل. أنا كنت عايزة أديله رقمك الشخصي يكلمك عليه بدل تليفون الشغل لأنه كلمك أكتر من مرة وأنت مبتردش."
"ومريم رأيها إيه في الموضوع ده؟"
"مريم! هو فيه زي أدب وأخلاق مريم، هو حد مريح قلبي زيها!"
"يعني موافقة؟"
"لا هي لسه موافقتش، هي قالت الولد يجي ويقعدوا مع بعض وتشوفي رأيك ورأي خالها ومامتها وبعدين هتقولنا رأيها."
"طيب يا تيتة ماشي، اديله الرقم وأنا هتفق معاه."
تحرك كريم للخارج وبمنتصف اليوم آتاه ذلك الاتصال وقام بتحديد موعد مع الشاب فاتصل بجدته ليخبرها.
"تمام كده يا تيتة؟"
"ماشي يا كريم، عايزك تفضي نفسك يوم الجمعة تاخد البنات ينزلوا يجيبوا هدوم."
"لا أنا مش فاضي أنا عندي اجتماع مهم."
"يوم الجمعة!!!"
قال كريم بإرهاق:
"أعمل إيه يا تيتة، داليا مش موجودة وأنا مش ملاحق والله، معلشي هخلي السواق يوديهم المكان اللي عايزينه."
"طيب يا كريم اللي تشوفه."
تحرك كريم لعمله والذي أصبح كل همه الآن، يحافظ على أموال صديقه وأموال أخت صديقه التي آمنته هو وحده عليها وترك كل شيء له دون أي شك بنيته، وبالفعل وضعت داليا كل ثقتها في الشخص الصحيح فكان كريم يعمل بكل جد لأجل متابعة العمل بسلام وتجنب أي أخطاء.
ظل بمكتبه يعمل حتى منتصف اليوم آتاه مكالمة من مريم التي قالت ببكاء:
"الحقني يا كريم."
سأل بقلق:
"في إيه يا مريم مالك! أنتي فين؟!"
"أنا في القسم."
آية محمد
رواية لعنة ال دارو الفصل السادس 6 - بقلم اية محمد
الحقني يا كريم...
سأل بقلق: في إيه يا مريم مالك؟ انتي فين؟
أنا في القسم.
نعم؟ إيه اللي حصل؟ قسم إيه طيب أنا جايلك حالا.
أخبرته مريم بمكانها فتحرك بسيارته وأصبح أمامها بعد نصف ساعة. كانت جالسة وهو أمامها ويترأس المكتب ضابط الشرطة ويقف أمامهم شاب ينظر أرضًا وقد امتلأ جسده بالكدمات وأنفه لا تزال تنزف.
أقترب كريم تجاهها وسألها بجدية: ألحقك من إيه؟ ماهو مش منطقي اللفظ اللي استخدمتيه بالنسبة للي أنا شايفه ده.
أبتلعت مريم ريقها تقول بتوتر: مهو أنا بصراحة مكونتش متخيلة إني هوصل للقسم.
حاول تمالك أعصابه وسألها بجدية: ممكن تقوليلي إيه اللي حصل بالتفصيل، وإزاي بوظتي وش الراجل كدا وبإيد واحدة كمان؟
تنهدت مريم وأخذت نفسًا عميقًا وبدأت في سرد ما حدث: يا فندم أنا كنت بتمشي شوية في أمان الله، فجأة من حيث لا أدري لقيت الشخص ده بيشد مني شنطتي وعاوز يسرقها، قمت أنا ماسكة الشنطة بقوة وسحباه جامد ناحيتي وقبل ما يجي عليا سيبته يقع على الأرض فمناخيره امتصت الصدمة، ده كان دفاع عن النفس.
قال الضابط: تمام يا آنسة وأنا بقولك اعملي محضر.
يا فندم خلاص الموضوع انتهى والشاب أنا مسامحاه.
أقتربت منه تهمس: معلشي يا فندم خليه يمشي وحضرتك شوفت إنه ملوش سوابق والكلام اللي قاله إنه عمره ما عمل كده وغصب عنه، لعلها توبة ليه، معلشي أنا مسامحاه ومش عاوزين الموضوع يكبر أكتر من كده.
انضم له كريم يقول بجدية: مينفعش يا مريم اللي بتقوليه ده أنا مقبلش.
معلشي يا كريم بجد مش هرتاح، خلاص حصل خير وشنطتي معايا اهي بالـ 300 جنيه اللي فيها يعني أمان، سيبوه يمشي محدش عارف ظروفه إيه.
نزلت دمعة من عين الشاب فمسحها سريعًا. نظر كريم ببعض الشفقة ثم أومأ برأسه: خلاص يا فندم إحنا بنشكر حضرتك ومش عاوزين نعمل محضر.
قال الضابط بهدوء: تمام، امشي يا ابني وامشي عدل، مش عاوز أشوف وشك هنا تاني.
رفع وجهه ينظر لمريم وشكرها بهدوء. فأبتسمت بخفوت وتنهد كريم بضيق يسحب يدها يتحرك بها للخارج وهي تنظر ليده بإستنكار وغضب. وفي منتصف الطريق سحبت يدها فألتفت ينظر لها ليسمع حديثها الحاد:
لو سمحت يا كريم متتمسكش إيدي كدا ولا تلمسني أبدا، ده مش من حقك.
صمت كريم لثواني ثم أفسح لها الطريق وقال بهدوء: اسبقيني على العربية.
تحركت مريم بالفعل واتجهت للسيارة وقد فتح بابها عن بعد لتجلس هي تنتظره. ثم بعد دقيقة انطلق بها عائدًا للمنزل.
وبمجرد إغلاق الباب خلفهم وتحركت هي لتصعد للأعلى ناداها بغضب تحت نظرات جدته وأخته:
اقفي عندك.. إحنا لسه متحاسبناش.
التفتت مريم تنظر له بتعجب واقترب هو يقول بحده:
انتي مش فاهمة خطورة الموقف اللي انتي حطيتي نفسك فيه؟ انتي مهما اتعلمتي تدافعي عن نفسك لكن قوتك الجسدية مش هتكون زي الراجل، لو كان وقف تاني ومد إيده عليكي كان هيكون موقفك إيه؟ لو كان طلع مطوة وضربك بيها كنا هنعمل إيه ساعتها؟
قالت مريم بضيق: يعني كنت أسيبله الشنطة؟
أجابها بغضب: ما تتحرق الشنطة! اسمعي يا مريم انتي مهما كنتي قادرة تدافعي عن نفسك متاخديش وضعية الهجوم طول ما انتي قادرة على الهروب في المواقف اللي زي دي، متخلنيش مشغول وانتي برا. كنت لسه بقول لتيته إنكم تخرجوا تجيبوا لبس لوحدكم بس بعد ما طلعتي بالإستهتار ده يبقى مش هينفع.
صمتت مريم لدقائق وارتفع صوت أنفاسها ثم قالت بجدية:
أنا مش مستهترة بالعكس أنا شخص مسئول وواقعي، ولو كنت شايفه إن الشاب ده هيقدر أساسًا يمد إيده عليا أنا كنت سيبت الشنطة وبعدت عنه، ولكن النهاردة الموقف هو اللي حكم. وعامة شكرا على النصيحة.
تحركت مريم للأعلى ودلفت لغرفتها. انزوت على فراشها وجلست تبكي بحزن. أمسكت بهاتفها وقالت بحزن:
ماما، وحشتيني أوي تعاليلي شوية ممكن؟
أجابتها سلوى بقلق: مالك يا نور عيني، هجيلك هقوم ألبس ومسافة السكة أكون عندك.
تحركت والدتها بالفعل ثم سمعت صوت دقات على الباب:
ادخلي يا تيتة.
ابتسمت لينا ودلفت تتحرك بخفة حتى جلست أمامها: ينفع لينا صح؟
ابتسمت مريم: ينفع طبعًا.
تيتة جاية ورايا بس السلم بيتعبها ف طالعة كدا على مهلها، المهم يا مريم متزعليش من كريم هو بس بيحس ناحيتنا بالمسؤولية وبيعمل كدا عشان مصلحتنا، معلشي هو لما بيتعصب بيبقى غبي.
بس يا بت متقوليش على أخوكي كدا.
أقتربت فاتن وجلست بجوار مريم ومرت بيدها على رأسها تقول بحنان:
الحمد لله إنك بخير يا حبيبتي، بصي يا مريم طبع كريم صعب شوية في المواقف اللي زي دي، هو يحبنا نمشي جوه الحيط لأنه بيخاف علينا. كريم بيخاف من الفقد أوي يا مريم لأنه فقد حتة من روحه. هو اتعصب عليكي عشان بيحبك زي أخته والله لما لينا بتغلط بيعمل معاها كدا وأكتر.
سألتها مريم تستفهم: فقد حتة من روحه؟
قالت فاتن بألم: خسر كرم أخوه.. كرم حبيبي مات وهو عنده 18 سنة، شاب يا حبيبي في عز شبابه راح، من ساعتها وكريم صعب أوي لما الموضوع بيتعلق بحياتنا، عايزنا نحافظ على نفسنا دايمًا، وهو مش غلطان ده الصح.
ابتسمت مريم تقول بهدوء:
يا تيتة أنا مش زعلانة من كريم بالعكس أنا أول مرة أحس إن في حد خايف عليا أوي كدا بجد وعاوز يحميني، وهو عنده حق، أنا بس اتضايقت من عصبيته لأني بكره العصبية والزعيق والنرفزة. بتعب أوي لما حد يزعقلي.
دق الباب، كان كريم بالطبع لا ينظر للداخل ولكن مريم كانت بحجابها كما هي لم تبدل ثيابها فقالت الجدة بابتسامة:
تعال يا كريم.
دلف كريم يقول بهدوء:
أنا طلبت بيتزا وكريب للكل، ممكن تيجوا ناكل سوا.
ضحكت فاتن، هو يحاول مصالحتها فقد قالتها مريم من قبل أن الكريب هو أكلتها المفضلة. فنظرت لمرسم بابتسامة وحستها على النهوض فتحركوا جميعًا للأسفل من جديد.
عفكرة، بابا جاي عشان يبقى موجود واحنا بنقابل العريس.
قالت فاتن بسعادة: يا حبيبي والله وحشني أوي من آخر زيارة.
ابتسم كريم ونظر لمريم يقول بهدوء: صالح شاب كويس ومحترم وأهله إحنا عارفينهم وكويسين، وأظنك عارفاه.
نظرت له مريم بتعجب وسألت بحدة: وهعرفه منين؟
رفع حاجبه وسألها: أومال وافقتي ليه؟ انتي من يومين قولتيلي إنك بتفكري في الشغل مش في الجواز.
طيب أولًا أنا لسه موافقتش، وآه أنا مصرة على الشغل بس أنا مقلتش إني هقفل باب العرسان خالص، شاب كويس وتيتة بتشكر فيه وانت أهو بنفسك بتشكر فيه يبقى أكيد هديله فرصة وأقابله.
تمام هو معاده يوم الاثنين اللي جاي وبابا هييجي السبت، ويوم الجمعة هننزل أنا وانت ولينا تشتروا اللي انتوا محتاجينه.
أنا مش محتاجة أشتري حاجة.
تنهد بتعب وأخذ نفسًا عميقًا يقول بهدوء: طيب يا مريم أنا آسف، بس اتعصبت عليكي عشان خايف عليكي.
قالت لينا بحماس: خلاص بقى يا ميمو حد يرفض الشوبينج بردو!
طيب تمام.
داليا...
فتحت داليا عينيها بصدمة وتعالت نبضات قلبها وهي تنظر لأخيها بأعين دامعة. وقفت تميل بجسدها تجاهه تتحسس رأسه تمرر يدها على خصلات شعره وهي ترى عينيه التي تجولت على وجهها في محاولة للتعرف على من تقف أمامه. حتى عرفها وهمس مجددًا:
داليا..... مايه.
استوعبت حديثه ثم تحركت سريعًا تبحث عن الماء. وجدته واتجهت له تسقيه بعض الرشفات ليبلل شفتيه بهما. ثم نظر لها بحيرة وقالت هي ببكاء:
الحمد لله، الحمد لله إنك رجعتلي تاني، الحمد لله.
دلف آفرين ورسلان حيث أنهوا طعام الإفطار ثم قرر الاثنان المجيء والاطمئنان على أدهم وكانت المفاجأة. اقتربت آفرين بحماس وهي تنظر لحالتها التي قامت بالإشراف عليها لأيام ورسلان خلفها.
سأل أدهم بخفوت: أنا فين؟ مين دول؟
لم تجيبه داليا على أسئلته واقتربت منه مجددًا تسأله:
أنت كويس يا حبيبي؟ حاسس بوجع؟
هز أدهم رأسه نفيًا، هو لا يشعر بأي شيء على الإطلاق.
فقال بهدوء: ساعديني أقعد، أنا مش حاسس بجسمي.
نظرت داليا تجاه رسلان ليساعده فتحرك سريعًا تجاه أدهم وساعداه على الجلوس وبدأ أدهم في استعادة وعيه:
أنا متخدر يا داليا صح؟
هزت داليا رأسها نفيًا وهي تبكي واتجهت ترمي نفسها في حضن أخيها وهي تقول بحسرة:
انت معمولك سحر يا أدهم، سحر بقاله سنين ولسه واصلين للحل من كام يوم بس.. لكن متقلقش أنت هتبقى كويس، انت أصلا اتعافيت الحمد لله خلال أقل من أسبوع وفتحت عينيك ومع الوقت بإذن الله هتمشي من تاني، صح؟
وجهت سؤاله لآفرين التي أومأت برأسها بابتسامة هادئة، فسأل أدهم مجددًا:
سنين؟
أخبرته داليا بكل شيء مر خلال تلك السنوات وهو لم يتذكر منها أي شيء حتى أن عقله لم يستوعب الكثير مما قالت. شعر بالأسى لمعاناتها معه، أراد مسح دموعها المنهمرة على خديه.
اقترب رسلان ومد يده لها بمنديل وكأنه استمع لأفكار أدهم. نظر أدهم له وسأل مجددًا:
مين ده؟
أجابته داليا: ده رسلان، هو اللي جابنا هنا.
إزاي؟
نظرت داليا لرسلان بحيرة وقالت بصوت أقرب للهمس: مش عارفه.
نظر أدهم لرسلان وكأنه يوجه سؤاله له ولكن رسلان لم يتحدث، فنظر أدهم لآفرين. كانت تبدو مختلفة بالنسبة له، جميلة.. جميلة حد الفتنة ببشرة فاتحة ناعمة لا يشوبها أي شيء وأعين واسعة زرقاء وشعر أسود طويل موجته واسعة. كان إعجابًا من نظرته الأولى لها.
قالت داليا بابتسامة بعدما رأت نظرات أخيه: دي آفرين، هي اللي كانت بتعالجك.
اقتربت آفرين تقول بهدوء: سأذهب لأخبر أبي.
قال أدهم بابتسامة: ما شاء الله، دي نازلة بالترجمة.. جبتيها منين دي يا داليا؟
ضحكت داليا وهي تعلم بأن مزاح أخيها حتى تتوقف هي عن البكاء ونظرته الحنونة لها:
رفعتي راسي يا داليا، كنتي بميت راجل وكبرتي الشغل وكويس إنك موثقتيش في أي حد غير كريم.
ثم نظر لها بخبث: واشمعنى كريم بقي.
كادت تجيبه ولكنها التفتت على صوت ضجة كان سببها رسلان الذي أسقط الكوب خلفه أثر تحركه المفاجئ:
آسف معلشي، كملوا كملوا.
ألتفتت داليا مجددًا تقول لأخيها بهدوء:
عشان كريم قد الثقة يا أدهم، هو بالنسبالي أخ وصاحب كويس. ماشي أخ عشان دماغك دي متروحش لبعيد.
اقتـربت آفرين تسحب رسلان الذي نظر لهم بإهتمام. سحبته من ثيابه تقول بهدوء: هيا سيدي الوزير لنعطيهم بعض الوقت سويا وساعدني في إعداد الإفطار.
تحرك رسلان للخارج خلف آفرين ونظر الاثنان في أثرهما. نظرت داليا لأخيها ثم ابتسمت له وضمته مجددًا تضع رأسها على صدره تغمض عينيها تستشعر الأمان:
قوليلي يا داليا.
اممم.
تعرفي رسلان منين؟
ما أنا قولتك هو اللي جابني هنا وكان شغال عندنا في الشركة.
بس؟
رفعت رأسها تنظر له: يعني إيه بس؟
بتطمن عليكي.
قالت بجدية: أنا مفيش حد في حياتي يا أدهم ولو في مش هيكون رسلان اللي ماشي يتلزق في آفرين في الرايحة والجايـة ده، لا هو بيتلزق في أي أنثى، يعني يقولي إني حلوة وآخر اليوم يغازل آفرين.
ضحك أدهم بشدة عليها وهو يرى غيرة أخته الواضحة وعدم إدراكها للأمر حتى.
صح كان لازم تنتبهي للشغل مفيش وقت للمشاعر، لما أرجع بقى هجوزك للي يحارب عشانك ويحبك أكتر مني، ده لو في حد هيحبك أكتر مني أصلاً.
بعد نصف ساعة صعد رسلان وآفرين مجددًا بطعام الإفطار وخلفهم أيوان الذي اتجه لأدهم مباشرة وجلس بجواره:
مرحباً يا بني، هل يمكنني فحصك؟
نظر له أدهم بتعجب فهو لا يعرفه ولكنه أومأ برأسه فأمسك أيوان بيده يغمض عينيه والجميع ينظر له بصمت وتعابير وجه أيوان جامدة لا تبشر بالخير أبدًا.
مين أناهيد؟
باباكـي قال إيه؟
موافقش، أنا كنت حاسة.
طيب يا سارة حاولي تقنعي والدك وبردو اسمعي وجهة نظره في الموضوع، بلاش تمشي ورا مشاعرك بشكل كامل وأدي لعقلك الوقت يشوف الصورة كاملة.
فكرت كتير حتى بابا بيقولي إنه مشكلته إن أهل عبد الرحمن مش موافقين.
يا حبيبتي هو خايف عليكي.
عارفة والله يا مريم، المهم طمنيني عليكي انتي أخبارك إيه؟ هتفكي الجبس إمتى؟
أنا الحمد لله كويسة، هفك الجبس بعد أسبوعين و.. في حاجة كدا عاوزة أقولهالك.
أنا جايلي عريس يوم الاثنين اللي جاي.
سألتها سارة بحماس: بجد؟ قوللي اسمه إيه وشكله عامل إزاي وبيشتغل إيه؟
ضحكت مريم وقالت ببعض الخجل: بصي هو اسمه صالح وهو محامي، أنا مشوفتوش لسه بس تيتة ورتني صورة ليه وهو بصراحة قمور بس أهم حاجة أخلاقه.
طب ورأي...
لحظة يا سارة في صوت غريب جاي من البلكونة، كأن في حد جاي منها!
بلكونة أوضتك؟
أيوا... آآآآآه
إلى لقاء قريب.
آية محمد.
رواية لعنة ال دارو الفصل السابع 7 - بقلم اية محمد
قاسم بتوتر: عاوز أتـجوزك يـ فرح.
فرح عينيها وسعت وبصتله بصدمة كبيرة.
وهو بعد عنها كام خطوة وبيصلها بتوتر.
فجأة قفلت الباب في وشه وهي مش مستوعبة.
وراحت لسريرها.
حست إنها بتتخيل وإن اللي حصل دا مش حقيقي.
غمضت عينيها ونامت بسبب تأثير حبـاية المنوم اللي بتاخدها من بعد حكاية أختهـا.
قاسم حس بالإحراج والغضب في نفس الوقت.
ولكنه تدارك الموضوع وإن الخطأ خطأه هو لأنه فاجأها.
رجع لأوضته واتصل على زياد.
قاسم: زياد أنا طلبت إيديها؟
زياد: يخربيتك لزق كدا! مش قولتلك تخليها تحبك الأول!
قاسم بضيق: أنت عارف ي زياد إني مليش في الجو دا.
نفتـرض حبتني وحصل أي حاجة ومكناش لبعض هبقى جرحتها.
الأحسن إني أدخل البيت من بابه.
أنا هاخد رقم عمتها وأطلب إيديها رسمي.
زياد: طب هي قالتلك إيه!
قاسم: قفلت الباب في وشي.
زياد: آه م طبيعي.
بص ي قاسم أنا هجيبلك رقم عمتها وأعمل بقى اللي أنت شايفه.
قاسم: ماشي ي زياد سلام.
زياد: سلام.
قاسم قفل المكالمة وفضل يفكر في الموضوع لحد ما راح في النوم.
تاني يوم مكنش في شغل.
وفرح قضت يومها كله في أوضتها وفي البلكونة بتتفرج على البحر.
وهي مقتنعة إن موقفها مع قاسم كان حلم.
فرح في نفسها: حبوب المنوم هتخليني أحلم بالهطل دا بعد كده ولا إيه!
طول اليوم في أوضتها.
وبالرغم من إنها متأكدة إن اللي حصل دا يا إما هلوسة أو حلم بسبب الحبوب المنومة.
إلا إن مواجهتها لقاسم وكلامها معاه في اليوم دا كان هيبقى صعب بالنسبالها.
عند قاسم.
قاسم: يعني هو فعلاً مسك ورقة وقلم وكتبلك كدا!!!!
خالد بفرحة: فارس بقى أحسن من الأول بكتير.
صحيح متكلمش بس طلب مني ورقة وقلم أول ما قولتله ننزل مصر.
وكتبلي أرجوك نرجع.
فارس محتاج أوي يرجع مصر ي قاسم حتى لو هي مش موجودة.
إحنا معاه وحواليه.
قاسم بـقرار: أول طيارة تيجي على مصر هتقعدوا في شقتي.
جهز نفسك.
قاسم قفل الخط وهو بيفكر إنه يشوف مكان تاني لإخواته بعيد عن أبوه.
لأنه بيعتبره الخطر الأول عليهم.
بدأ يرجع بذاكرته.
فلاش باك.
قاسم: زينة إن شاء الله.
سالم: زينة! زينة مين؟
قاسم: بنت عمي عبد الله.
سالم: عمك عبد الله مين! البواب بتاعنا!!
قاسم: راجل محترم ي بابا وبنته محترمة وأخلاقها عالية.
سالم: أنت أكيد اتجننت.
بقى ابن سالم المرشدي، قاسم المرشدي يتجوز بنت واحد شغال عندي.
قاسم: بحبها ي بابا وأنا مبفكرش كدا.
سالم: اسكت. حب إيه دا هو أنت مراهق!!
أنت وأخوك خلاص كل واحد فيكم هيجيلي بواحدة شكل والتاني جايبلي واحدة عايشة في حارة!
بدل ما يجيبلي واحدة صاحبة أملاك.
قاسم: وفيها إيه ي بابا.
أنا بحب زينة وهو بيحب البنت دي وأنت عارف فارس هيختار واحدة محترمة.
سالم: ومقامكم بين الناس ومكانتي اللي فضلت أبني بيها سنين!!
اسمع كويس عشان مش هعيد تاني ليك أو لأخوك.
جواز من البنات دي مش هيحصل.
باك.
قاسم رجع تاني لشغله وهو بيحاول يرجع تاني للواقع ويبطل يشرد في الذكريات.
قاسم: نفسي أنسى كل حاجة.
مش عاوز أفتكر حاجة تاني أنا تعبت.
مسك تليفونه ونوى خلاص إنه يقدم على خطوة جديدة.
عند فرح بليل بعد نهاية اليوم.
كانت قاعدة قدام التليفزيون وقدامها طبق فاكهة بتاكل فيه.
ظهر قدامها رقم عمتها بترن على التليفون.
فرح: مساء الخير ي عمتو.
عايدة: مساء النور ي بنت المحظوظة.
فرح: أنا!! مش فاهمة.
عايدة: بقيت أنت مش فاهمة ي بت!!
فرح: فاهمة إيه بالظبط!!
وأنا محظوظة دا أنت مفيش نحس زيي.
دا ليفل الوحش في النحس.
عايدة: آه. طب أبسطي. قاسم بيه كلمني وطلب معاد ييجي يشرب الشاي.
فرح: يشرب شاي عندنا ليه!!
عايدة: ي رب صبرني ع التخلف. قصدي يتقدملك.
فرح بصدمة: أنتِ بتقولي إيه!؟؟؟
عايدة: وبصراحة كدا أنا اديتله معاد.
فرح: ي نهار أسود معاد إيه اللي بتديهوله ي عمتي من غير ما تاخدي رأيي.
حرام عليكي تقدري تقولي لو عرف الحكاية دي هبقى شكلي إيه قدامه!!
عايدة: وهيبقى إيه شكلك قدامه لما ترفضيه.
وبعدين هو لو يترفض أصلاً كنت رفضته.
أنتي متخيلة مين اللي متقدملك!!!
فرح: متخيلة ي عمتي متخيلة.
شكلي كدا أيامي في الشركة معدودة.
عايدة: هو أنتي هتفضلي كدا لحد إمتى يعني ي فرح.
مش كل الناس زي بعضها.
مش كل الناس زي محمد!!
فرح بضيق: طب أقـفلي ي عمتي. سلام.
فرح قفلت المكالمة مع عمتها وقعدت على سريرها تفكر في اللي حصل.
وقفت ومشيت خطوات.
وقفت قدام المراية وبتكلم نفسها.
فرح: يتقدملي أنا!!
يعني أنا مكنتش بحلم أو بهلوس!!!
أعمل إيه في المصيبة دي دلوقتي.
ي رب أنت عارف أنا تعبت قد إيه في الشركة دي.
ي رب ميطلعش عقله صغير ويرفضني.
فضلت طول الليل تفكر ومقدرتش تنام لأنها كانت بين أمر واقع مش هلوسة أو أحلام.
تاني يوم فرح خرجت من أوضتها الساعة 11 على معاد اجتماع مهم.
وهو الاجتماع الأخير في رحلتهم.
جهزت شنطتها استعداداً إنهم يرجعوا القاهرة تاني بعد الاجتماع.
اللي كان صعب بالنسبالها خصوصاً بوجود قاسم اللي كان قاعد قدامها وهي مش عارفة تبصله وتكون طبيعية.
وانتهى الاجتماع بين نظرات قاسم وهرب فرح.
فرح قررت إنها تخليه هو ينهي الموضوع من عنده عشان ميجيش وترفضه.
فرح بتوتر: مستر قاسم. ممـكن كلمة لو سمحت.
قاسم: ياسر خلص أنت الأوراق دي.
قاسم وقف وخرج لبرا المطعم اللي كان فيه الاجتماع.
وقف قدامها وربع إيديه وهو مستني منها تتكلم.
فرح: عارفـة أنا أختي مماتتش.
قاسم: عارف. عارف إنها مماتتش وعارف حكايتها كلها.
ولسه عرضي موجود.
ومعادنا يوم الخميس الجاي.
وأنا مبحبش الشاي ف أبقى اعملي قهوة أو عصير فريش.
قاسم ساب فرح ومشي.
سابها بين حيرتها عرف إمتى وبين حيرتها في موضوعه كله.
فرح في نفسها: بعد بكرة دا اللي هو بعد يومين!!!
فرح وقاسم وياسر قعدوا سوا يتغدوا قبل سفرهم.
وفرح كانت شاردة وهي باصة في طبقها ومبتاكلش منه.
وبتفكر في حل للموضوع.
عندها خوف من فقدان حد بتحبه أو متعلقة بيه عشان كدا مش عاوزة تتعلق بقاسم.
فرح: بعد إذنكم هروح أوضتي أجهز.
فرح طلعت أوضتها وهي لسه في حيرة بين قلبها وعقلها.
وقفت قدام البحر من بلكونتها يمكن للمرة الأخيرة.
وبعدها هتمشي وترجع تاني لزحمة القاهرة.
أكدت على كل حاجتها في الشنطة وأخدتها وخرجت من الأوضة.
واستنت قاسم وياسر في الاستقبال.
كانت رحلة صامتة إلا بعد الكلمات اللي كسروا بيها قاسم وياسر الصمت بينهم.
وبعدها كل واحد فيهم راح في عالم تاني.
قاسم بيفكر إنه لازم قلبه يتقبل الوضع اللي عقله حطه فيه.
وفرح بتفكر إزاي تحكم عقلها على قلبها وتغلبه.
قلبها محبش قاسم ولكنها زي أي بنت عاوزة تستقر في حياتها في بيت وعيلة وزوج محب وأطفال.
أما ياسر فكان بيفكر في زينة بيرتب في الكلام اللي هيقولهالها عشان توافق على جوازهم.
بـيفكر في هدية يشتريها ليها لعله ياخد مكان في قلبها.
أتبادل ياسر وقاسم في السواقة وفرح ورا نامت أغلبـية الرحلة.
لحد ما أخيرا بليل وصلوا للقاهرة.
ياسر: أنا طريقي عكسكم.
في نزلني هنا بقى وهاخد تاكسي.
قاسم: هوصل فرح وبعدين هوصلك.
ياسر: مفيش داعي حقيقي.
هوقف تاكسي.
شكراً ليك ي مستر قاسم.
قاسم: تمام ي ياسر زي ما تحب.
ياسر سابهم ومشي.
وفرح طلبت تاخد تاكسي هي كمان وهو يمشي.
ولكنه رفض بحجة إنهم على نفس الطريق.
قاسم شغل تفكيره كلام أبوه القديم عن غرام وأنها كانت عايشة في حارة عشوائية.
وفرح حالياً عايشة في منطقة كويسة.
قاسم: فرح أنتوا عايشين في بيتكم دا من إمتى!
فرح: دي حكاية طويلة.
قاسم: احكيها.
فرح: إحنا كنا عايشين في البيت دا من زمان.
بس بعدها حصل أزمة مالية كبيرة لبابا.
كنت لسه في ثانوي.
وإحنا كنا عايشين إيجار فـ بابا قرر نعيش في مكان إيجاره أقل.
وبالفعل نقلنا.
بس بعد ما اشتغلت وبابا مشكلته اتحلت رجعنا تاني لبيتنا.
قاسم: آه فهمت.
فرح: ممكن أنا أعرف أنت عرفت حكاية أختي منين!!
قاسم: من واحدة جارتكم.
فرح بسخرية: أم محمد أكيد.
قاسم: آه هي.
فرح: وأكيد هي قالتلك إني كنت مخطوبة لابنها وإنه سابني قبل فرحنا بكام شهر.
قاسم بتنهيدة: آه عرفت.
فرح: ممكن متدخلش شارعنا ونزلني هنا.
قاسم: حاضر ي فرح.
فرح: شكراً لحضرتك.
قاسم: فرح! أنا حقيقي معنديش مشكلة في أي حاجة من دي.
لأنك مليكيش أي ذنب فيهم.
فرح: بس كل الناس خدتني بالذنب دا ومجتش عليك يعني.
أنا كل اللي بطلبه محدش في الشركة يعرف.
قاسم: أوعدك عمري ما هفتح الموضوع دا لا مع غيرك ولا حتى معاكي.
الموضوع دا منتهي.
لكن سؤال واحد بس قبل ما أقفله.
أنتي عارفة مكان أختك!؟
فرح بشرود: أيوا. عارفة.
قاسم مكنش مصدق اللي سمعه.
البنت اللي بيدور عليها بقاله تلات سنين قدامه واحدة عارفة مكانها وبيسألها عنها وخلاص قرب يوصلها!!
قاسم: فين!!
فرح: وحضرتك مهتم ليه؟
عمتي مكانها هي خلتني أوعدها مقولهوش لحد.
في آخر مرة كلمتها من تلات سنين.
فلاش باك.
على الهاتف.
غرام ببكاء: اسمعيني ي فرح عشان خاطري.
فرح بغضب: مش عاوزة أسمع منك أي حاجة.
أنتي مبقتيش أختي ولا ليكي أي صلة بيا.
ولولا حالة بابا كنت قفلت في وشك يمكن رجوعك دا يخليه يبقى كويس.
غرام ببكاء: مش هقدر أرجع ي فرح.
فرح بغضب: بقيت هتسيبي أبوكي مرمي كدا وتفضلي مع حبيبك!!
ولا اتجوزتوا خلاص؟
ألف ألف مبروك.
غرام: ي فرح أنا.
لحظة واحدة.
فرح: بتكلمي مين!! جوزك؟
غرام: اسمعيني أنا واخدة تليفون من واحدة في الشارع ولازم أمشي بسرعة.
هقولك على المكان اللي هروحه لو في يوم عايزة تسمعيني.
باك.
قاسم: وقالتلك العنوان!
غرام: أيوا.
قاسم كان عاوز يعرف العنوان بأي طريقة.
بس فرح رفضت تقولهوله.
كانت كل حاجة فيه بتقوله يقولها الحقيقة.
ولكن.
الحقيقة ناقصة نصها مع فارس اللي في حالة نفسية ومبيتكلمش بقاله تلات سنين.
والنص التاني مع غرام اللي حتى لو وصلها هتقول النص اللي هيدينه هو وأخوه.
والله أعلم أي تصرف فرح.
غرام معاها النص الأسود من السر.
ودا مش اللي عاوز إنه يظهر قدام فرح الأول.
وحتى لو فارس اتكلم محدش هيصدقه.
الحقيقة الكاملة عارفها شخص واحد بس!!
ويتبع.
بقلم آية محمد
رواية لعنة ال دارو الفصل الثامن 8 - بقلم اية محمد
لحظة يا سارة، فيه صوت غريب جاي من البلكونة، كأن فيه حد جاي منها!
بلكونة أوضتك؟
أيوا... اااااااه...
هششششش... بس يا مريومتي، اهدي، متقلقيش، أنا معايا اللي هيهديكي.
كانت مريم تقاومه بجسدها، ولكنه كان أقوى منها. وبسرعة كبيرة، أخرج حقنة وحقنها في ذراعها، لتفتح عينيها بصدمة. وبكل قوتها، حاولت التحرر من بين يديه، وابتعدت عنه وهي تتنفس بصعوبة.
اتجه خالد لباب الغرفة وأغلقه، وهو ينظر لها بخبث وجسده يترنح. فأدركت مريم بأنه ليس بوعيه، فلم يكن ليتجرأ على فعلته تلك إن كان بكامل عقله.
تحركت بصعوبة، وقد بدأت تشعر بثقل جسدها، وهي تلقي كل ما يقابلها بقوة على الأرض حتى ينتبه لها من بالبيت. ولكنها لم تقو على الحديث، وقد حاولت بكل ما تبقى لها من قوة، وخالد ينظر لها بتشفٍ.
اقترب منها ودفعها بقوة لتسقط أرضاً، ثم رفع عنها سترتها ليظهر جسدها. لتهبط دموعها، وقد تأثرت كلياً بذلك المخدر.
مش النهاردة... مش النهاردة يا مريم لسه. أنا جيتلك علشان أثبتلك إن الواد ده مش هيقدر يحميكي مني لو أنا عاوز أذيكي. وشوفي دلوقتي انتي بين إيديا، بس انتي مش هعملك حاجة غير يدوب بس قرصة ودن.
أخرج هاتفه والتقط لها عدة صور، ثم تحرك خارج الغرفة كما أتى، وهي ظلت مكانها تبكي كما هي، حتى سمعت دقات على الباب.
مريم!! حبيبتي انتي بتعيطي؟ افتحي أنا ماما سلوى.
زاد بكاء مريم وحاولت الحركة لكن بلا أي فائدة. وبعد دقائق، كان الجميع يجتمع أمام غرفتها، وسمعت صوت كريم.
مريم أنا كريم، لو مفتحتيش أنا هكسر الباب.
بعد دقائق، كان كريم يدفع الباب بكل قوته. وحلت الصدمة ملامح الجميع عندما وجدوها ملقية على الأرض، وثيابها بجوارها قد تمزقت، لا تتحدث أو تتحرك. ابتعد كريم للخلف ينظر بعيداً عنها، ولكن انتبه مجدداً على صرخة والدتها عندما اكتشفت عدم قدرتها على الحركة. فتحرك كريم تجاه مريم وحملها ليضعها على الفراش، ثم انتبه لمظهر غرفتها وبدأ يشعر بالريبة. قال بجدية:
لبسوها حاجة على ما أتصل بالدكتور.
بعد قليل، خرج الطبيب من غرفتها وهو يقول بحيرة:
تقريباً حصل هجوم على البنت. فيه آثار كتير على وشها إن حد كان بيكممها، وطبعاً واخدة مخدر خلاها تفقد الحركة بالشكل ده.
سألت سلوى بحدة:
يعني إيه هجوم يا دكتور وهي في قلب بيتها؟
وجهت نظرتها لكريم الذي كان شارداً في حديث الطبيب. أجابها الطبيب:
كلها نص ساعة وتقدر تتكلم تاني وتوضحلكوا كل حاجة.
قال كريم بهدوء حاد:
تمام يا دكتور، شكراً لحضرتك.
بمجرد رحيل الطبيب، نظرت سلوى لفاتن وقالت بحدة:
أنا هاخد بنتي وهمشي من هنا، وكفاية أوي لحد كده.
اقترب منها كريم وهو ينظر لها بعينين كادت تحرقها، وسأل بصوت حاد:
انتي قصدك إيه؟
قصدي اللي انت فاهمه. انت اللي حاولت تعتدي على بنتي يا محترم!
............................................
أنا معرفش حد بالاسم ده.
قال إيوان بهدوء:
لا تشغل بالك يا بني، استرح وتناول طعامك.
قالت آفرين ببعض الحماس:
سنذهب اليوم لمراسم تسمية الصغير، ستأتين أليس كذلك؟
قال رسلان بحماس:
أنا جاي.
ابتسمت داليا بهدوء وضمت أخاها تقول بإشتياق:
أدهم وحشني، هفضل جنبه.
اقتربت آفرين أكثر وقالت بابتسامة:
عزيزتي كما تريدين، ولكن تلك الطقوس ربما لن تريها مجدداً، ومن ثم يمكنك قضاء بقية اليوم بجوار أخيك.
همس أدهم لداليا بمزح:
ما تروحي انتي وسيبها هي!
ضحكت داليا وهي تضرب صدره، ولكنه لم يشعر بها. فقال بابتسامة:
روحي يا داليا يا حبيبتي، أنا كده كده حابب أقعد لوحدي شوية أفكر في اللي جاي.
أمسكت يده وقالت بجدية:
نفكر يا أدهم، هنفكر سوا بعد كده.
كبرتي يا دولي وبقيتي قد المسؤولية، بس خلاص يا قلبي أخوكي رجع وهو اللي هيشيل المسؤولية دي، وأنتي هتكوني أميرتي وبس. والأميرات بتعيش مرفّهة يا قلبي. يلا روحي عيشي الوقت ده واعتبريها فسحة، وسيب بقي الحمل يميل عليا أنا.
ابتسمت ونظرت تجاه رسلان، فقد كان نفس حديثه لها. وأدهم يتابع نظرات أخته لذلك الشاب الذي بالكاد يعرفه، يشعر بالقلق لأجلها.
قال إيوان بهدوء:
لدي أنا والسيد الوزير بعض الأعمال، ثم سيوافيكم لحضور مراسم التسمية.
بالفعل، تحرك إيوان معه، ووجده يذهب به لنفس البقعة حيث وُضع السحر. نظر للأرض السوداء وشعر ببعض الحركة بها. قال إيوان بأسف:
إن لم يتم السيطرة عليه، فستنتهي دارو بأكملها. إنها لعنة يا بني، لعنة آل دارو.
تأثر رسلان وقال بحزن:
هنفضل كتير مش عارفين نعمل حاجة كده؟
يمكنك أنت مساعدتي، بالنهاية أنت تنتمي لـ دارو وأهلها.
ابتسم له رسلان بحزن وهو يتذكر معرفته لتلك الحقيقة.
فلاش باك...
رسلان!! حبيبي أنت نمت؟
لا يا ماما، تعالي اتفضلي.
اقتربت فيروز وجلست بجوار ابنها، ونظرت له بتوتر، وبدون مقدمات بدأت في الحديث.
كانت فيه بنت عايشة في مكان جميل أوي، مكان بعيد عن العالم، مكتفي بذاته بهباته ومواهبه. لكن البنت دي حبت تكتشف باقي العالم وسابت المكان ده. وهي بتكتشف العالم، قابلت راجل، أحلى راجل في الدنيا، وحبته وحبها واتجوزته كمان. وإن كانت نسيت أهلها، لكن هما منسوهـاش يا رسلان ورجعوا أخدوها. كانت حامل وقررت تفضل في عالمها لحد ما تجيب ابنها للدنيا، للدنيا بتاعتها هي، علشان ياخد أرضها زي ما هي أخدت. وقد كان، وجابت ولد. وبعدها قدرت تاني ترجع لحياتها مع جوزها وعاشت معاه لسنين كثيرة أوي لحد ما اتوفى، واتبقى ليها منه أحلى حاجة، ابنها.
نظر لها نظرات مليئة بالحيرة والدهشة وبعض الصدمة، وسأل بتلعثم:
ومين الست دي؟ أنتي يا ماما؟
أيوا يا رسلان. وفيروز هو اسمي اللي اختارته أرضي، دارو. وحتى اسمك يا رسل...
ماما اللي بتقوليه ده جنان، مستحيل يكون حقيقة.
لا مش جنان يا رسلان. أنت عرفت دارو من قبل ما أنا أحكيلك عنها، يبقى مش جنان. اسمعني، أنت هتاخد الشاب ده وتروح بيه هناك، هتلاقي إيوان هو هيساعدك. يلا قوم دلوقتي حالا، هتاخد العشبة دي وتخليه يبلعها وهتلاقي أبواب دارو قدامك، صدقني... صدقني يا ابني.
باك...
إزاي أقدر أساعد؟ أنا متأخرتش، بس حضرتك اللي قلت استنى أدهم لما يتحسن.
وقد بدأ في التحسن، وعليك الاستعداد يا بني. عند اكتمال القمر ستذهب لذلك الكهف البعيد، وبأعماقه ستجد ما تحتاجه للقضاء على ذلك السحر.
ابتلع رسلان ريقه وهو يتذكر كلمات والدته.
رسلان معناه الأسد، الشجاعة هي صفتك. دارو بتختار اسم الشخص على حسب صفاته.
حاضر... حاضر يا حاكم.
..............................................................
تحركت داليا بجوار آفرين في طريقهما لمنزل تلك السيدة. كان الجميع جالساً في المساحة الخضراء الواسعة أمام المنزل. وجلست الأم على مقعد مريح لها، وأمامها صغيرها، وإناء كبير مملوء بالماء، ونثرت على وجهه بعض الورود.
قالت آفرين بابتسامة:
تحمل كل ورقة من أوراق الزهور حرف، وتبدأ الأم في تحريك الماء بما فيه لدقيقة كاملة، ثم تغوص كل الأوراق إلا بعضها. سيتشكل من حروفها اسم الطفل.
قبل بدء المراسم، أتاهم رسلان وهو يركض يسألهم ببعض الحماس:
بدأوا؟
أجابته الاثنتين في نفس الوقت:
لا.
ابتسم لهم وتحرك يجلس في مكان يكشف له الجميع. وبدأت المراسم. بدأت الأم في تحريك الماء وطفلها أمامها يحمله أبيه، الذي نظر للماء بكل لهفة. وبدأت الأوراق في الغوص، ثم توقفت حركة الماء، وبقيت أربع ورقات على سطح الماء. فأخذها والده بالترتيب، واحدة تلو الأخرى. ج، و، ا، ن...
قال والد الطفل بسعادة:
جوان.
ابتسمت الأم أيضاً بسعادة، وبدأ الجميع في تهنئتهم. وتحرك رسلان مبتسماً يقف بجوار الفتاتين، ثم قال بهدوء:
لو خلاص كدا، ممكن نرجع؟
أومأت آفرين برأسها، وبدأوا في التحرك، لولا أن قطع طريقهم شاب يدعى أميد، يقول بابتسامة:
مرحباً سيدتي، نحن نكتب بعض الكتب، وأردنا استغلال وجودك هنا لملء بعض الصحف بالحديث عن المكان الآخر. بعد الغروب عند البحر، أتودين الانضمام؟
نظر له رسلان بتعجب واقترب يقف أمامه:
حاضر، هنيجي أنا وهي.
أومأ له الفتى ببعض الارتباك من نظرته، ثم تحرك مبتعداً. فقالت داليا بحدة:
ع فكرة أنا ليا لسان وبعرف أرد كويس.
التفت له رسلان ينظر لها بدهشة. ذلك الأحمق الذي تغاضى عن وجوده واتجه لها يدعوه لتنضم لاجتماع لبعض الشباب بمفردها، وهي تنفعل!
لا والله! يعني عاوزة تروحي؟ ده أنا فكرتك عاوزة ترفضي بس مش عارفة ترفضي إزاي!
وأرفض ليه؟ هو بيقولي تعالي كباريه! وبعدين انت شايف إن الناس هنا محترمة، وهو أكيد مش قاصد حاجة أو بيلمح لحاجة.
ضحك رسلان بسخرية:
ده عينيه كانت بتطلع قلوب! ولا انتي حابة الموضوع وهتعملي نفسك مش شايفة؟
قالت بغضب:
رسلان! احترم نفسك، وياريت متنساش إنك بتشتغل عندي، ومش علشان ساعدتني يبقى تتكلم معايا بقلة أدب. وعامة، تمام، اعتبر كل يوم قضيته هنا بـ 100 ألف جنيه، هتاخدهم أول ما نرجع مصر.
ضحك رسلان بسخرية، ثم نظر لها لثوانٍ وتحرك تجاه منزل الحاكم. وآفرين تنظر لهما بتعجب، فهي لم تر منهم ذلك الجانب أبداً. ابتسمت وقالت بهدوء:
إنها الغيرة... سيدتي ألا ترين! رسلان يشعر بالغيرة.
غيرة إيه انت كمان، انزلي من على شجرة الحب اللي انت عايشة عليها. رسلان ده واحد عينيه زايغة، وميملهاش غير التراب.
تحركت داليا أيضاً لتعود لغرفتها بعيداً عنه وعنها. وآفرين قررت العودة لتتابع مريضاً التي بدأت حالته في التحسن.
دلفت آفرين للغرفة بعدما دقت بابها. كان أدهم غافياً، وكأنه لم يكفيه كل تلك الأيام. تحركت آفرين وأخرجت عشبة جديدة، وبدأت في طحنها لتصبح لزجة بعض الشيء، وأضافت لها بعض السوائل، ثم بدأت في وضعها على يديه وقدميه. وقد بدأت تشعر بالخجل عن ذي قبل، فأمامها الآن رجل يفوقها في الحجم ضعفاً، وليس ذلك الجسد الهزيل.
جلست أمامه وهي تفكر بحيرة من قد يؤذي شاباً مثله لهذه الدرجة البشعة، وبتلك الطريقة القاسية.
فتح أدهم عينيه وقد شعر بشخص بجواره. توقعها أخته، ولكن لمحت عيناه ذلك الجمال الفريد من نوعه أمامه، فأبتسم يقول بخبث:
مرحباً بجميلة اسبيستون.
نظرت له بتعجب، لم تفهم تلك الكلمة العجيبة التي قالها، بينما عقلها لم يستوعب أنه قدغازلها للتو. ولكنها قالت بهدوء:
مرحباً سيد أدهم، وضعت لك بعض الأدوية، أتمنى أن تساعد في تحسنك.
أتمنى أكثر آنسة...
آفرين.
ما شاء الله، اسم فريد من نوعه. إذا آفرين، هل سأبقى محبوساً بين أربع حيطان كدا كتير، ولا إيه الدنيا؟
تعافى أولاً، ثم ستذهب لأي مكان تريده. سأتركك الآن لدي بعض الأعمال وسأعود في نهاية اليوم.
يا خسارة، متتأخريش يا عسل.
رفعت آفرين حاجبها، ثم تحركت تكتم ضحكاته، وتركت له الغرفة. حاول أدهم تحريك يديه أو قدمه، لكن بلا فائدة. فتنهدت بتعب وملل، وهو ينظر لسقف تلك الغرفة الذي بات يحفظه في بعض الساعات فقط.
وبالغرفة المجاورة، كانت تجلس على الفراش تشعر بالغضب، منه ومن نفسها، وهي التي سمحت له بأنه يتخطى حدوده معها. هي من نسيت كيف كانت لتحمي نفسها طوال تلك السنوات. كان صعب الطباع، حادة، لا يميل قلبها أو تستمع بعقلها لأحد سوي لنفسها فقط. وهي استمعت له بعقلها في البداية، ثم بقلب أحمق ابتسمت لإطرائه عليها، وكأنه أول الرجال مدحاً لها.
دق باب غرفتها، وكان رسلان. جاء للاعتذار لها، ولكنها هاجمته مجدداً:
نعم! عاوز إيه؟ تحب أزودلك الـ 100 يبقوا 150 ألف؟
أنا لو كنت عاوز فلوس، كنت طلبت من الأول، وكنت ساومتك بما إني الوحيد اللي هيعرف يجيبك هنا، بس هل أنا عملت كده؟
والله أنا شايفاك بدأت تتعامل معايا بقلة احترام، وأعتقد الفلوس هي اللي هتخليك تحترم نفسك من تاني.
نظر لها رسلان بغضب ودفع باب الغرفة يتقدم تجاهها، وهي ابتعدت خطوة للخلف. فتقدم أكثر يسحبها تجاهه بغضب لم تراه به من قبل. للمرة الأولى تشعر بمدى قصر قامتها وضعف جسدها بالنسبة له. وبدلاً من الخوف، تعالت دقات قلبها اللعين، الذي أعلن وكأنه يحتفل عن دفعة كبيرة من المشاعر، مشاعر خاصة بذلك الرجل أمامها. والذي قال بإنفعال:
أنا بحترمك من أول يوم شوفتك فيه، بحترم قوتك رغم إني كنت بشوفك في الجراج كل يوم بتعيطي في العربية. بقدر قوتك رغم إني كنت حاسس برعشة إيدك وأنتي ماسكة السلاح. وعمر ما كان احترامي ليه علاقة بالفلوس. أنا جيت شركتك علشان الفلوس بس انتي خليتيني أكرهها. الفلوس مش كل حاجة، ومش هتشتريني زي ما الفلوس مشترتش ومش هتشتري علاج أخوكي!! إيه يزعلك إني أقف وأرد بدالك عليه؟
وبرغم انفعاله، إلا أنها سألته بصوت خافت:
ليه؟
ضحك رسلان بسخرية وتركها، ثم قال:
غبية.
.................................................................
انتي إزاي تتهميني اتهام زي ده؟
أومال مين يعني اللي هيوصل لحد أوضتها ويعمل فيها كده! تلاقيك انت وأول ما حسيت إني دخلت بيت دخلت جري على أوضتك!
وهقفل الباب من جوا إزاي! عيب... عيب تتهميني بالشكل ده، أنا راجل محترم، وكمان مريم زي لينا عندي بالظبط.
خرجت فاتن تقول بغضب:
بس بقي بطلوا زعيق، مريم مش مستحملة. ادخلوا خلونا نعرف منها إيه اللي حصل من غير كلام كتير.
تحركت فاتن للداخل مجدداً، وتبعهـا كريم وسلوى، التي ذهبت وضمت ابنتهـا التي لم تتوقف عن البكاء، وظلت في محاولاتها للتحدث حتى قالت وأخيراً:
خالد.
تحرك كريم غاضباً، لكنه توقف على صوت مريم الباكي:
صورني... صورني يا ماما.
ضمتهـا والدتها وهي تربت على رأسها بحنان:
يا حبيبتي متقلقيش، أنا هروح بهدله هو وأمه وأخته.
قال كريم بغضب:
محدش هيتصرف غيري... ومحدش هيربي الواد ده هو وأخته العقربة غيري أنا.
تحرك كريم للخارج يتجه لغرفة مكتبه حيث كاميرات المراقبة، ليجده بالفعل قد تسلق النافذة حتى أصبح بغرفتها، وبالطبع لا توجد كاميرات مراقبة بالغرفة. وذلك الوقت كان كافياً ليهدأ قليلاً، فأخرج هاتفه وبكل هدوء اتصل بالشرطة، وقد أتوا قبل منتصف الساعة. وجد كريم شاباً خلفهم، فاستقبله كريم بهدوء واستقبله:
إزيك يا صالح.
رواية لعنة ال دارو الفصل التاسع 9 - بقلم اية محمد
"صورني.. صـورني يا ماما."
"يا حبيبتي متقلقيش أنا هـروح ابهدلـه هو وأمه وأخته."
"محدش هيتصرف غيـري... ومحدش هيربي الواد دا هو واخته العقـربه غـيري أنا."
تحـرك كـريم للخـارج يتجـه لغرفـة مكتبـه حيث كاميـرات المراقبـه ليجـده بالفعـل قد تسلق النافذة حتي أصبح بغرفتهـا. بالطبع لا توجد كاميرات مراقبه بالغرفـة. وذلك الوقت كان كافي ليهدأ قليلا فأخرج هاتفه وبكـل هدوء اتصـل بالشرطـه. وقد آتوا قبل منتصف السـاعة. وجد كريم شابا خلفهم فأستقبـلهم كريم بهدوء واستقبله:
"ازيك يا صالح."
سأل صالح بحيـره:
"اي اللي بيحصل هنا يا كريم! أنتم كويسين؟ أقدر أساعد في حاجه؟"
تردد كـريم في إخبـاره ولكنـه بالنهاية قص عليـه كل شئ ليري ردة فعـله علي الأقـل. استمـع له صالح بإهتمـام و غضـب لكنه لم يعلق فلا تجمعه بها علاقه. فقط قال بصوت حاد للشرطي الذي استمع لكـل ما قيل:
"صالح مؤمن المحـامي يا فندم."
قال الضابط بجدية:
"عاوزين تفريغات الكاميـرات و عاوز اسأل الآنسه شوية أسئله وحضراتكم تتفضلوا معايا في القسم نخلص المحضر."
اومأ له كـريم بهدوء و أخذهـم لمكتبـه ليستمعوا للتسجيـلات مرة أخري.
"هطـلع أجيب مريم."
تحـرك كريم للأعـلي ليحضـر مريم التي تحركـت بضعف للأسف وهي مستنده علي والدتها ولينـا. ثم جـلست علي كرسي بالزاويـة. لم تنتبه لتلك الأعين التي تفحصتها بحزن.
وبين شهقاتها خرجت كلماتها بصعـوبة و استحيـاء بعدما لاحظته يجـلس بين الجميـع.
وبعد دقائق تحرك الجميـع للخـارج وظلت النساء بالمنـزل.
"كويس ان كريم متصرفش بتهور واتصل بالبوليس وجاب محـامي علشان ميضعفش موقفه في القضيه."
نظرت لها فاتن بضيق وتمتمت بهدوء:
"خير ان شاء الله."
كانت كـلماته تحمل في طياتها الألغـاز بالنسبـة لها. اذن هناك سبب دفعـه لوضع نفسه بذلك الخطـر لأجلها ولأجل أخيها، سبب تجهـله أو لم يتمكن عقلها من ترجمه كلمـاته وانفعالاته و غضبه.
انتبهـت لأخيها الذي لم يتوقف عن مغـازلة آفرين التي تبتسم علي كل كلمـاته بخجـل. فضـربته داليا في كتفه:
"ما خلاص بقي البنت وشها بقي احمر.. خف نحنحه، يا ويلي منك لمـا تقف تاني علي رجليك، اي يا دنجـوان هنرجع لأيام الشقاوة من جديد ولا اي مش كنا عقلنا!"
"آه، اشعر بها تسلبني عقلي وذاتي."
نظرت له داليا بصدمه علي حديثه باللغة العربية مقلدا لآفرين أو متأثرا بها. فتعـالت ضحكـاتها واستأذنت آفرين من الغرفـة وقد تعالت دقات قلبها من ذلك المشاكس.
"أدهم متعلقش البنت بيك هي متعرفش انك بتهزر."
"مين قالك اني بهزر، أنا فعلا حاسس بشعور بيشدني ليها. لما كنت فاقد لوعيي أنا كنت بحس بطيف حـواليا يا داليا، وعقلي ترجم الطيف دا علي انه ملاك حارس، ولما فتحت عينيا انبهرت بيها وبجمـالها. مش هكدب ليكي جـمالها شدني أوي و مع أول مره فعلا كنت بهزر ولقيت كسوفها حسيت ان أنا اللي بدوب."
"ماشي يا أدهم بس اتأكد من مشاعرك الأول وكمـان غير كدا حكم عقلك. أدهم احنا مش مسافرين بطيارة احنا اتنقلنا من مكان لمكـان بطريقه ولا في الخيـال، تحس انك بين عالمين مختلفين، فعلشان خاطري بلاش تتسرع."
"كبرتي كدا امتي؟"
"يا حبيبي الشغل والأيام اللي مريت بيهم يكبروني سنين فوق عمري، والناس اللي اتعاملت معاهم بمختلف الجنسيـات، واللي طمعان واللي عاوز يخسرني واللي عاوز ينصب عليا خلاني غصب عني بفكر في نطاق واسع، بس أنا مش عاوزة اكبر اكتر من كدا، انا عاوزة افضل صغيرة في حمايتك."
"اوعدك هبقي كويس علشانك وعشانها."
سألته بتعجب:
"مين؟"
قال بإبتسامة خبيثه:
"اللي هربانه من ديزني، آفرين."
تعـالت ضحكـات داليا من جـديد حتي أصبحـت خافتـه عندمـا دلف رسـلان للغرفـة يقول بجـدية:
"النهـاردة بليل القمر هيكتمـل وهدخـل الكهف، لو مخرجتش مش عاوز غير اني أمي تعيش عيشه كريمـة."
"رسـلان، استني لما اتحسن وهدخـل معاك."
ابتسم رسلان يقول بهدوء:
"لا أنت مينفعش تقـرب من مكـان السحر أكتر من كـدا غير ان جسمك ضعيف ولسه المشوار طـويل و لو متصرفناش قبل ما الشهر يعدي كـل اللي آفرين عملته هيروح علي الأرض و هتنتكس وهترجع زي الأول. ربنا حطني في الطريق دا علشان أنا اللي أدخـل الكهف، انا اللي بختار اعمل كدا متحسش بالذنب لو حصلي حاجه، انا بس قولت اوصيكم علي أمي لأنها ملهاش غيري."
نظـر تجـاه داليا وقال بإبتسامة:
"استاذة داليـا كانت بتتواضع وهي بتكلمك عن اللي عملته في الشركـة، هي كانت قائده عظيمة للشركه والكل بيعملهـا ألف حسـاب و حضرتك هتتفاجئ بالتطور اللي حصل في الشركه من اربع سنين للنهاردة، وبصراحه كانت مطلعه روحنـا."
انحني بخفـه يقول بهدوء:
"لك كـل الإحتـرام سيدتي."
انسحب لخـارج الغرفـة فنظـر أدهم تجـاه داليا التي نظرت في أثـر رسلان بشـرود و قلق ينتابهـا. أمر طبيعي فهو يخاطر من أجلها وأجل أخيهـا. لكن ما لم تفسـره هو رغبتهـا في البكـاء و دقات قلبها المتسارعة ورعشة يديهـا. وصوت أدهم الخافت يطمئنها:
"متخافيش عليه هيبقي كويس ان شاء الله."
تحـركت داليا تجـاه الشرفه خلف فراش أدهم لتنـظر لرسلان الذي تحـرك لخارج المنـزل. توقف لدقائق ثم التفت ينظر للأعلي فوجدها تنـظر له وهي لم تبدي اي رد فعل فقد كـانت شاردة بالكـامل في شعورها المضطرب.
توقف رسـلان أمـام تلك الحفـرة بعد تأديتـه لصلاة العشـاء.
"ستجـد ما يساعدنا علي الوصـول للسحر، حاولنا لسنوات ولكن كانت الأرض صلبـه لا تؤثر بهـا محاولاتنـا. سيعطيك الكهف ما تريده ولكن عليك الحذر رسـلان فبداخـله قد تشعر بالضياع بني، قد تجد حتي حوتا ازرق بداخله، اي شيئ لن تتوقعه عينـاك، عليك التغلب عليه رسـلان بإستخدام الهبة التي أعطتها اياك دارو."
"انا حتي مش عارف اي هي، وكمـان يمكن علشان ابويا راجل عادي فمأخدتش اي حاجه. ربنا يستـر. لو حصلي حاجه رجـع داليا وأدهم بسلام."
"ستعيدهم بنفسك لا تكن متشائما بائسا، هيا اذهب."
تحـرك رسلان يـردد بإسم الله حتي اختفي في ذلك الكهف المظـلم.
...
يقف الإثنان أمامـه بكـل قوة وشموخ. نظر خالد لكلا من كريم وصـالح من خلف قضبـان زنانتـه بمقت وغضـب و قال بصوت ساخر:
"عاجـبني أوي منك ليـه وأنتوا واقفينـلي كدا، بس هطـلع منها وبكرا تشوفوا."
قالهـا بثقه، ثقة لا تليق ب شـاب من طبقة اجتمـاعيه متوسطـه أمام السلطة والقانون. أدرك كريم بيقين بأن هنـاك أشخاص خلفـه لحمايتـه. ربما ذلك دليل علي ان الشاب أمامه ليس مجـرد موظف في احد الشركات بل أن أعمـاله فاقت ذلك بكثـير.
تحـرك صالح تجـاهه وقال ب ثقـة:
"هنشوف."
لم ينتظـر صالح حديث ذلك الشاب الساخر حتي لا يفتك به الآن. بعد انتهاء الإجراءات عـاد كلا من كريم وصـالح لمنـازلهم لينتهي يومهم المتعب وأخيرا.
ودع كريم صالح علي بداية شارعهـم. وقبل ان يخطـو خطوة أخري و جـد شيئ صلب يصطدم بظهره و شخص يقول بصوت حاد:
"امشي معايا من سكـات لأفضي السلا'ح فيك."
...
تعـالت دقات قـلب رسـلان وهو يتحـرك في الظـلام. استنـد رسلان علي أحد الأحجـار فصدر منهـا ضوء ابيض ساطـع فتراجـع رسلان بخـوف و تعالت دقات قلبـه. ولكن خوفه الأكبر ان يكمـل سيره في الظلام. اقتـرب رسلان تجاه حجر أخر يتلمسه بأصابعه ليجده اصبح مشع بشكـل أكبر فقال بهمس:
"يعني ممكن تكـون دي الحاجه اللي بتميزني!! طول الاسبوع اللي فات مشوفتش حد عمل كدا!! معقول حاجه بتميزني انا لوحدي ولا دي مثلا طبيعة الأحجار دي؟!"
لم يكـن هناك وقت للتفكيـر فأكمل رسلان طريقه وقد وجد مصدر للضـوء فقد شدد ايوان علي اهمية أن يدلف لذلك الكهف وهو اعزل وحتي ضوء المصباح لم يستطع اخذه.
ظهـر أمامه ظـل ضخم، ربما لحيـوان مـا، بالتأكيد حيوان مفتـرس. تحرك للخلف بضعة خطـوات يستند علي الحائط ويده علي أحد الصخرات فجـاءة استمع لصوت شيئ معـدني يصطدم بالأرض. نـظر للأسفل ليجده رمح بسن مدبب حاد. امسك رسـلان بـه و قد أدرك ان تلك الصخور تتحرك تلقائيا لما قد يحتاجـه. اقترب خطوات اخري حتي رأي ذلك الشئ أمامه بوضـوح وهمس بصوت مذهول:
"تنيــــن!!"
إلي لقاء قريب.
آية محمد.
رواية لعنة ال دارو الفصل العاشر 10 - بقلم اية محمد
كاد رسلان يفقد عقله وهو يرى أمامه ذلك الحيوان ينظر له بشر بذيله المدبب وجناحيه. تلك الأساطير لا يراها إلا بالأفلام. تراجع خطوة أخرى وهو يمسك بذلك الرمح يوجه سنه تجاه التنين.
"بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم."
لفتت أنظاره مجرفة تظهر من خلف ذلك التنين. وإن كان لوجود ذلك التنين أهمية فالبتأكيد هو لحماية شيء ما، ولكن المثير للتعجب أن ينتهي به الأمر حاملاً تلك المجرفة للخارج. أكان ينقص العالم منها ليحارب تنينًا لأجل الحصول عليها؟
في وسط أفكاره رفع التنين ذيله ليهاجمه فركض رسلان ينحني أرضًا حتى يتفاداه. ذلك التنين يرصد كل تحركاته والدفاع لن يجدي نفعًا هنا يا رسلان، عليك الهجوم الآن.
اتجه بكل قوته يرفع جسده متسلقًا الأحجار حتى أصبح أمام رأس التنين. ثم بكل قوته كان الرمح يخترق إحدى عينيه ويخرج من الأخرى. فقد التنين نظره ولكن الآن اشتدت الحرب وتحفزت باقي حواسه.
سحب رسلان الرمح مجددًا بصعوبة وهو الآن بات يشعر بضآلة جسده أمام ذلك الحيوان. عليه إصابته في مقتل، عليه فصل رأسه عن جسده ولكن هاجمه التنين قبل أن يتخذ الخطوة وأصابت أشواكه أقدام رسلان الذي صرخ متألمًا صرخة كادت تتشقق لها جدران الكهف. تعرق جسده وأصبحت الأرض دموية من عيني التنين وقدم رسلان النازفة.
بقدم واحدة والرمح عليه الفوز وإلا فحياته الثمن. عليه إنقاذ أخيها لتعود لها الحياة. هو لم يعرفها قبل ذلك ولكن يشعر حياته ستتجدد وشمسه ستشرق إن استعادت فتاته سعادتها.
فتاته! ابتسم رسلان متألمًا ومتأملاً في أفكاره. هو يمتلك شعورًا قويًا تجاه تلك الفتاة. يمتلكه منذ الوهلة الأولى. شعور قوي يسمى بالحب.
تراجع للخلف بظهره وهو يرى التنين يحاول الهجوم مجددًا. يشتم رائحة الدماء وقد تحفزت حاسة الشم لديه. نظر رسلان له وللرمح ثم سمى الله ورمى الرمح بكل قوته لتتحرك حافته موازية لرقبة التنين ذبحته وانطلقت الدماء مندفعًة خارج جسده متحررة وسقط أرضًا. توسعت عينا رسلان وهو يرى تلك المجرفة خلفه تضيء فأبتسم بألم وكأنها تناديه. وكأن ذلك الضوء هو البداية لحياته من جديد.
***
كان يجلس على كرسي مقيد من يديه وقدميه. وأمامه يجلس شخص يبدو عليه الثراء يجلس بكل هيبته واضعًا قدمًا فوق أخرى. وكريم يحاول فقط تبيّن ملامحه ليعرفه فقال بحدة:
"أنت هتندم على اللي عملته ده!"
"الندم مش في قاموسي يا كريم، بس يمكن يبقى جزء من حياتك قريب."
"أنت مين؟"
"أنا اللي هيعرض عليك 30 في المئة من أملاك داليا النجار، اللي هتبقى ملكي وملكك مش بس تحت تصرفك لمجرد غيابها."
أجابه كريم بسخرية:
"ومين قالك إني هوافق! فلوس داليا تحت حمايتي لحد ما ترجع. ولو فاكر إن الفلوس والأملاك هتخليني أخون أخت صاحب عمري يبقى بتحلم."
"خلاص بلاش الفلوس، هتبقى ملكي لوحدي ومعاهم زوجتين زي القمر، واحدة اسمها لينا والتانية اسمها مريم. أي رأيك!؟ حلوين صح!؟"
"بتهددني؟ معقول جبان للدرجادي!! جبان من داليا و بتهدد في غيابها ودلوقتي قاعد تهددني بإخواتي، مسكين!!"
تعالت ضحكات الرجل الساخرة وقال بصوت غاضب:
"أنا مبهددش، أنا بقولك، بديلك علم عشان متجيش ساعتها وتزعل يا ابن الأسيوطي."
"كويس إنك عارف أنا مين. والابن الأسيوطي اللي قدامك مبيتهددش. وإخواتك أقدر كويس أوي أحميهم من اللي زيك. هتفكني ولّا أقوم بنفسي؟!"
نظر له الرجل باستنكار. قد تهاون بقوة من يجلس أمامه فظنه شابًا مسالمًا هادئًا سيتمكن بسهولة من الإيقاع به. لم يعرف بأنه ظل السنوات يحميه من أمثاله. فلم يكن طريق داليا محفوفًا بالأزهار بل بأشواكها وكان كريم هو المزارع المسالم الذي أزال كل تلك الأشواك ليمهد لها سيرها.
فك كريم أوثاقه بسهولة ثم تحرك للخارج ولا زال ذلك الرجل أمامه وقد ابتسم بخبث:
"قد إيه كنت حاسس بالملل من اللعب معاك، بس دلوقتي أنت اديتني الحماس إني أكمل..."
تحرك كريم وهو على يقين بأنه لن يمس بضرر ولكنه شعر بالقلق لأجل الأيام القادمة وعلى عاتقه حماية الجميع.
أخرج هاتفه يُجري اتصالاته وبالفعل عندما عاد لبيته كان محاطًا بالحراس من كل اتجاه وتقدم رئيسهم تجاه كريم يقول بجدية:
"تمام يا كريم باشا، البيت كله اتأمن."
أومأ كريم برأسه وقال بجدية:
"أقوى حارسين عندك يا حازم، واحد هيكون معايا أنا ومريم والتاني هيفضل مع جدتي في حالة غيابك."
"أنا موجود دايما يا باشا متقلقش."
"نفذ يا حازم. أنت هتوصل لينا وتجيبها أول ما الجامعة تبدأ، وتفضل زي ضلها جوا الجامعة. مفهوم؟!"
"مفهوم يا باشا."
تحرك كريم للداخل تحت نظرات مريم التي وقفت في شرفتها تنظر لكل ذلك التأمين الزائد. لأجلها! ربما.
ذهبت لنومها من فرط التعب وهو تود أن تسأله بالكثير ولكن قوتها البدنية لم تتحمل الاستيقاظ لأكثر من دقيقة.
***
كانت تنتظره أمام ذلك الكهف. فقط الظلام أمامها وعيناها تكاد تخترق تلك الحجارة لأجل رؤيته. طال غيابه لساعات وتعجبت لذلك الشعور بداخلها باستعدادها التام لانتظاره لأعوام.
ومن وسط ذلك الظلام ظهر رسلان وهو يستند على رمحه وباليد الأخرى يحمل تلك المجرفة ويسحب قدمه التي أفقدته الدماء. وحينما وقع نظره عليها ابتسم ثم استسلم لآلامه وسقط أرضًا لتركض إليه بخوف وخلفها البقية وصاحت ببكاء:
"رسلان! رســـــلان!"
وضعت رأسه على ساقها تحتضن وجهه فتطلع لها بأعين دامعة:
"ما كنت أؤمن بالعيون وفعلها، حتى دهتني في الهوى عيناكِ."
(نزار قباني)
تطلعت له بأعين حائرة وانتشلها من حيرتها آفرين وهي تصرخ جوارها تقول بجدية:
"علينا العودة به لأتمكن من علاجه، هيا سنفقده إن تأخرنا لثوانٍ."
حمله بعض الرجال تجاه بيت الحاكم أيوان وهناك تولى هو علاجه بنفسه وساعدته ابنته وعادت داليا خلفهم ولكنها لم تخطو لغرفته بل ذهبت لأخيها ألقت نفسها بين يديه تبكي فسألها بقلق:
"حصل حاجة؟!! مالك يا داليا إيه اللي حصل!؟"
قالت بين دموعها:
"أول مرة أحس إني ضعيفة كدا يا أدهم، أول مرة أحس إن العالم ممكن يتمثل في شخص واحد، في حدث واحد. حياتك وحياتي كانت واقفة على خروج رسلان من الكهف عايش. لو مكانش خرج كنت......"
"كنتي إيه؟"
أغمضت عينيها تشعر بألم يغزو كل جسدها تجهل سببه وعقلها توقف عن التفكير وضمت أخيه أكثر تستشعر الأمان الذي استوحشته، وهي يتمنى أن يملك القوة لرفع يديها للتربيت عليها وطمأنتها.
***
كادت تصرخ ولكنها وجدت من يكمم فمها وقال بهمس:
"شششش.. أنا كريم.. اهدئي."
تنفست لتهدئ نفسها وسألته:
"إيه اللي مصحيك دلوقتي!؟"
"عاوز أصلي الفجر، لقيت الماية قاطعة هروح بقى أتوضى في المسجد وخلاص."
"طيب وأنا هنزل أشوف ميه تحت عشان أتوضى أنا كمـ....."
غفلت عن درجة السلم فأنزلقت قدمها وكادت تسقط لولا أنه أمسك بيدها. وإن بقيت على وضعها فستقع بكل تأكيد على ظهرها فسحبها تجاهه لتستقر يداها على صدره وأحاطها بيديه وسكنت بين يديه.
إن كان للتيّه تعريف فهي ليده التي كانت في حيرة بين لمسها والتمسك بها أو تركها. وإن كان للغوص تعريف فهي عيناه التي غاصت لأعماق عيناها الخائفة. وإن كان للشرود معنى فهو عقل كريم في تلك اللحظة.
تراجع للخلف بصمت ليترك لها المساحة الكافية لتقف من جديد وقال بهدوء:
"خدي بالك."
تركها وتحرك مسرعًا للأسفل وغادر المنزل بأكمله وهي ظلت بمكانها لا تزال تشعر بيده التي تمسكت بها وبعينيه وتلك النظرة الغريبة التي كان يطالعها بها. سكون، راحة وأمان. أحضانه!
في الصباح التالي.
خرجت مريم من مرحاضها الخاص تجفف شعرها وقد سئمت استخدام يد واحدة فذلك جعل مهمتها صعبة. جلست تمشط شعرها وارتدت ثيابًا فضفاضة وحجابًا ثم خرجت من غرفتها التي ظلت بها لساعات طويلة منذ الليلة الماضية وقد قررت تحضير طعام الإفطار للجميع.
وكم كان مطبخ ذلك البيت واسعًا مريحًا ويطل على الحديقة الخارجية فأندمجت بكل شغف تحضر الطعام حتى شعرت بدقة خفيفة على الباب فالتفتت لتجده رجلًا يبدو في منتصف الستينات من العمر يتطلع إليها بأعين فاضت بالدموع:
"أنتِ.. أنتِ إزاي نسخة عنها كدا."
ابتسمت مريم بسعادة فخالها والذي تحدثت معه لمرة واحدة فقط يقف أمامها وأخيرًا:
"خالو؟! حضرتك وصلت إمتى؟!"
مسح دموعه وقال بابتسامة:
"لسه واصل يا حبيبتي."
اتجاه لها وصافحها ثم ضم وجهها بيديه يقول بهدوء:
"أنتِ عوضي عن أختي اللي اتحرمت منها بدري، هتبقي بنتي وأختي وصاحبتي وكل حاجة."
قالت بدموع:
"عمر ما حد عاملني بالطريقة دي بعد بابا الله يرحمه."
"خالك موجود يا حبيبتي، تعالي برا سلمي على فاطمة مراتي وشوفي جايبلك إيه دا أنا جايب شنطة بحالها مليانة حاجات ليكي بس."
ابتسمت بسعادة وحماس:
"الله بقي.. وأنا عملت فطار مصري أصيل هنفطر و توريني كل الحاجات بنفسك."
"بس كدا دا أنا عينيا ليكي وللفطار، حرفيًا أنا هموت من الجوع."
"هخرج بس أسلم على طنط وأجي أحط الفاينل تاتش."
ملأت ضحكاته المكان وقال بابتسامة:
"براحتك يا حبيبتي، أنا كدا كدا كريم مستنيني هنتكلم سوا شوية."
رحل من أمامها واتجه لغرفة ابنه الذي استقبله منذ دقائق ليخبره والده بأن ينتظره بغرفته للحديث معه.
قال بجدية:
"إيه حوار العريس اللي جاي ده؟!"
"آه يا بابا ما أنا قولت لحضرتك، صالح يبقى محامي وهو إنسان كويس و...."
"كويس ولا مش كويس لنفسه، مريم بقت بنتي وأنا اتحرمت منها سنين، عاوزها تفضل جنبي اللي باقي من العمر."
"يعني إيه يا بابا دي بنت وكمان سنها مناسب للجواز وهي شبه موافقة أساسًا، هتقعدها جنبك تعنس؟!"
"لا يا كريم، هقعدها هنا كزوجة ليك."
"إيه؟! زوجة لمين يا بابا مريم عندي زي لينا!"
"كريم أنا مش باخد رأيك، أنا بقولك.. أنت هتتجوز مريم.. وده قرار نهائي."
***
"رسلان لسه مفاقش؟!"
"لقد خسر الكثير من دمائه.. وساقه متضررة."
قالت داليا بانفعال:
"لو مش عارفين تعملوا حاجة يبقى رجعوني بيه لمصر وأنا هتصرف."
قال آفرين بهدوء:
"عزيزتي اهدئي، هو يتعافى وضعت له أدوية فعالة، سيصبح بخير بحلول الصباح. ابقي بجواره وسأذهب لوضع الأعشاب لأخيك."
تحركت آفرين تجاه غرفة أدهم فوجدته شاردًا. تحركت بالغرفة وهي تجمع الأغراض التي تحتاجها وهو لا يزال على وضعه. حمحمت تنظر له فأنتبه لها وأخيرًا وابتسم ابتسامة واسعة:
"سندريلا! أهلاً وسهلاً."
"أعطيتني العديد من الأسماء سيدي، بالبداية سبيستون ومن ثم أميرة ديزني واليوم تناديني بهذا الاسم. ألا يعجبك آفرين أم تخجل من قوله؟"
ضحك أدهم وقال بمشاكسة:
"أخاف أن يجرح اسمك الرقيق أن ينطقه صوتي الخشن."
ابتسمت بخجل وبدأت في وضع أدويته:
"أنت تأخذنا لطريق لا عودة منه، أرجوك توقف عن وضع الأسماء لي."
"في الحقيقة أول اسم كان لما سمعتك تتكلمين بلغة عربية فصحى، والتاني لما بدأت أتأكد أنك جاية من العالم ده، وسندريلا كانت أكثر الأميرات شهرة، كان كل اللي حواليها بيغير من جمالها، لأن كان جمالها طَاغٍ وحضورها مميز وفستانك الأزرق بيفكرني بيها."
"هل تغازلني؟"
"أنا معملتش حاجة غير كده من أول ما فتحت عيني."
"إذا توقف عن ذلك، فلا أشعر بالراحة. بالنهاية أنت مجرد ضيف لن أراه بعد أيام قليلة. لن أراه لبقية عمري، فدعني ودع قلبي في ثباته."
تحركت آفرين لغرفتها وبقي هو في مكانه مضطربًا لكلماتها. فلم يبق على الرحيل سوى القليل.
بالغرفة المجاورة استعاد رسلان وعيه وأخيرًا ليجدها بجواره من جديد وكأنها لم تفارقه أبدًا فأبتسم بوهن:
"كنت فاكر إني هلاقي مال آرون ولا حتى آثار نسند بيها نفسنا."
ضحكت داليا وقال بإحساس بتأنيب الضمير:
"كل ده بسببي، كأني ابتلاء وظهر في حياتك."
ابتسم رسلان وقال بهدوء:
"وهل يُبتلى الإنسان إلا فيمن يحب! ♡"