مسكها من شعرها بقوة، وجرجرها على السلم تحت صراخها ورجائها له أن يتركها، لكن لا جدوى. كانت قدماها ترتطمان على الدرجات الحادة، بينما كانت يداها تمسكان بشدة بيديه اللتين يجررانها. دخلها الغرفة وبدأ يضربها بكل قوته، من غير رحمة. كانت هي منهارة من البكاء والوجع والعذاب الذي تعيش فيه، وتحت صراخها ورجائها له أن يتوقف، لكنه لم يكن يسمع. كانت الغرفة تترنح حولها، بينما كانت هي تتحول إلى كتلة من الألم والدماء.
مسكها من شعرها بعنف ونظر لها بعينين حمراوين من فرط الغضب وقال وهو يجز على أسنانه: "مش قولتلك ميت مرة متفتحيش الباب لحد؟ مسكت يده الممسكة بشعرها وقالت برجاء وخوف شديد: "والله مش هتتكرر. لو أعرف إن الموضوع هدايقك مكنتش عملت كده. آسفة والله مش هفتح الباب لحد." رماها على الأرض بعنف وقال بحدة: "أول وآخر مرة تعصي أوامري. إنتي فاهمة؟ بصتله بخوف وهزت رأسها. فتح الدولاب وطلع لها قميص نوم أسود ورماه في وشها وقال بغضب مفرط:
"10 دقايق وألاقيكي جاهزة. إنتي سامعة؟ بصتله بخوف ودموعها بتنزل وقالت: "حرام عليك ارحمني. أنا تعبانة أوي. سبني أرتاح النهاردة وبكرة هعملك اللي انت عايزه." مسكها من فكها بقوة وقال بفحيح: "إنتي تنفذي اللي بقوله وأنتي ساكتة." رماها بعنف. استضمت رأسها في الترابيزة بقوة وبدأت تنزف. ***
تستيقظ على يد الموظفة في الطائرة، تخبرها بوصولهم إلى أرض مصر. كانت تعاني من النعاس الشديد، لكن عند سماعها لهذه الكلمات، استيقظت على الفور، وبدأت تجمع أشيائها بسرعة. مسحت دمعة نزلت من عينيها مليئة بالحزن والألم. نزلت من الطائرة، ووضعت قدماها على أرض الوطن باشتياق شديد. كانت تشعر بالفرحة والسرور، بعد غياب طويل عن أرضها. خلعت نضارتها السوداء، وهي تشتم رائحة الوطن باشتياق شديد.
كانت الشمس مشرقة في السماء، وتلقي أشعتها الدافئة على وجهها. كان الهواء دافئًا ومليئًا برائحة الزهور والتراب. كانت تشعر بالراحة والاسترخاء، بعد رحلة طويلة ومؤلمة. نظرت حولها، وشاهدت المطار المزدحم بالناس. كانت هناك أضواء ساطعة وأصوات عالية، لكنها كانت تشعر بالهدوء والسكينة. كانت تشعر بأنها عادت إلى منزلها، إلى أرضها، إلى وطنها.
بدأت تمشي ببطء، وتشم رائحة الوطن. كانت هناك سيارة سوداء تنتظرها. ركض السائق إليها وحمل عنها حقائبها. نظرت له وقالت: "هو محدش جاي معاك ولا إيه؟ السائق: "لا يا هانم. الدكتور وجدي قالي أستقبلك في المطار وأوصلك لحد القصر وهو هيخلص شغله وهيحصلنا." هزت رأسها بهدوء. فتح لها باب العربية. ركبت. حط السائق الحقائب وركب العربية وانطلق إلى وجهته، إلى القصر. ***
فتح الباب بهدوء ودخل. رأسه بص يشوفها قاعدة ولا لأ. لقي أبوه "صادق" قاعد وبيشاورله بإيده وهو مش فاهم قصده إيه. فجأة ظهرت من ورا الباب وهي بتمسكه من قفاها وقالت: "كنت فين لحد دلوقتي؟ «ساهر» بخضة: "حرام عليكي. قطعتيلي الخلف." «داليدا» أمه وهي بتسحبه لجوه وبترد الباب برجله: "مجاوبتنيش كنت فين. مش أنا قولتلك تخلص الدرس وتيجيلي على طول عشان عايزاك في موضوع مهم؟ حصل ولا محصلش؟ ساهر: "حصل." خلعت الشبشب من رجلها ومسكته وقالت:
"طالما حصل مرجعتش ليه وكنت فين؟ بص ساهر على صادق وقال: "متقول حاجة لمراتك يا حاج." ضحك صادق وقال: "مليش دعوة منك لأمك." بص ساهر على أمه وقال بابتسامة عشان يراضيها وقال: "معلش سماح يا ديدا المرة دي." كمل بغيظ: "وبعدين أنا مش عيل صغير عشان تعامليني بالأسلوب ده يا ديدا." بصتله بغيظ وقالت: "أكيد كنت مع صاحبك الشمام الصايع مش كده؟ ساهر: "حمادة مش شمام ولا صايع. مش معنى إنه اتلم على شلة فاسدة يبقى هو زيهم." داليدا:
"ما هو الشلة الفاسدة دي هتجره في سكتهم وهيبقى زيهم. وأنا مش هقعد أتفرج على ابني وهو بيصاحب صيع زي دول لحد ما يجيلي في يوم سكران ولا ضارب مخدرات." ضحك وقالها: "اطمني يا ديدا. إنتي ربيتي ابنك كويس." داليدا: "والنبي إنت ما تربيت ولا شفت تربية." ابتسم لها بتعب وقال: "الله يسامحك يا ديدا." بعدين راح وقف وراها واتفاجأت بيه وهو بيلبسها سلسلة على رقبتها وقال لها بابتسامة:
"كل سنة وإنتي طيبة يا أحلى واحدة وأجدع وأحن أم في الدنيا كلها." بصتله وعينيها بتلمع بدموع وابتسامة. مسكت السلسلة بإيديها وقالت بشدة: "بس دي شكلها غالي أوي." مسك إيديها باسها وقال: "مفيش حاجة تغلى عليكي يا ست الكل." ضحك صادق وقال: "عرفتي بقا هو اتأخر ليه." ساهر بحزن مصطنع: "مش واثقة فيا يا ديدا؟ ابتسمت وخدته في حضنها وقالت بحنان: "حقك عليا يا ابني بس أعمل إيه من خوفي عليك." حضنها وقال:
"اطمني ابنك مستحيل يعمل حاجة غلط تغضبك أو تغضب ربنا." قام صادق وقال بغيره: "إيه وأنا مليش حضن ولا إيه؟ ضحكوا وحضنوا بعض التلاتة. كانت عيلة بسيطة وعلى قد حالهم بس مبسوطين وراضيين بعيشتهم. بس محدش منهم كان متوقع إيه اللي هيحصل لهم وإيه اللي مستنيهم. ***
دخلت إلى القصر، ونظرت إلى كل جزء فيه باشتياق. كانت تتذكر أيامها الجميلة في هذا المكان، قبل سفرها. كانت تتذكر كيف كانت تقضي وقتها في هذه الغرف، وكيف كانت تلهو في هذه الحدائق. نظرت إلى الصور المعلقة على الجدران، وشاهدت صورها مع عائلتها. كانت تتذكر كيف كانت تحب قضاء الوقت معهم، وكيف كانت تحب سماع قصصهم. جات الخادمة وقفت قدامها باحترام وقالت: "حمد الله على سلامتك يا هانم." بصتلها «تغريد» وقالت وهي بتبص حواليها:
"ماما وبابا مش موجودين ولا إيه؟ الخادمة: "الدكتور وجدي عنده مؤتمر طبي والدكتورة أحلام في المركز بتاعها عندها حالة ولادة طارئة." بصتلها تغريد بحزن. كانت تظن أنهم سيستقبلونها، كانت تود رؤيتهم فور عودتها بعد غياب أكثر من خمس سنوات. ابتسمت بأمل أن كل شيء سيتحسن، وتعود لحياتها قبل سنوات. كانت تتذكر كيف كانت تحب حياتها في هذا القصر، وكيف كانت تحب قضاء الوقت مع عائلتها. تغريد: "لما يرجعوا بلغيني." هزت رأسها وقالت:
"تؤمريني بأي حاجة يا ست هانم." هزت تغريد رأسها بحزن وطلعت على أوضتها. مسكت الخادمة الشنط وطلعتهم وراها. حطت الشنط في الأوضة وطلعت وقفلت الباب. بصت على أنحاء الغرفة بابتسامة حزينة. كم اشتاقت لنفسها القديمة. حياتها المليئة بالبراءة والطفولة والضحك. مسحت دمعتها التي نزلت بحرقة على خدها الناعم.
قعدت على طرف السرير ومسكت الصورة اللي كانت على الكومود. كانت صورة ليها قبل خمس سنوات. نظرت إلى ابتسامتها، عينيها المليئة بالفرحة. كانت توجد بها حياة وروح. لكن من هي الآن ليست سوى ياء جسد يتحرك لا حياة ولا روح فيه. ماذا حدث جعلها تتغير لهذا الحد؟ غادرت مصر وهي مليئة بالحيوية والنشاط والحياة وعندما عادت. عادت خالية من روحها وضحكتها وعفويتها. كأن كل شيء سلب منها في تلك البلاد الغريبة. ***
صحى من النوم بخضة على إيد داليدا وهي بتضربه على ضهره وتقول بنفاذ صبر: "قوم يا آخرت صبري." بصله بغيظ ونعاس وقال: "حد يصحى حد كدا." حطت إيديها على وسطها وقالت: "ده بدل ما تصحى بدري من نفسك وتنزل مع أبوك تشتغل معاه على العربية. مش النهاردة إجازة." قام بنعاس وغيظ وقال: "حاضر. حاضر." راح دخل الحمام غسل وشه ونشفه بالفوطة وطلع خد تليفونه وكان خارج فقالت له: "مش هتفطر؟ قالها بصوت عالي وضيق: "مش طافح."
بصتله وهو بيطلع من البيت ويقفل الباب. هزت رأسها بقلة حيلة وقالت: "ربنا يهديك يا ابني." راح ساهر عند أبوه صادق اللي كان شغال على عربية كبدة في الشارع العمومي. بصله صادق وضحك وقال: "مالك على الصبح؟ قعد ساهر على كرسي وقال: "مراتك يا سيدي." هز رأسه وقال: "ياد عيب قول أمي." قام وخد منه المعلقة اللي بيشوح بيها الكبدة وقال: "اقعد بس أنت ارتاح شوية وأنا هقف بدالك."
ابتسم له صادق وراح قعد على الكرسي بتعب وإرهاق شديد وهو بيمسح وشه من العرق بفوطة صغيرة معاه. *** وقفت عربية على أول الشارع. بصت تغريد على صحبتها وقالت: "وقفتي ليه؟ حور: "مش إنتي قولتي عايزة تاكلي أكلة مصرية شعبية أصيلة؟ هو ده المكان. بصي أعرف العم صادق بيعمل حتة كبدة إسكندراني إنما إيه من الآخر وهتعجبك أوي." تغريد: "بس ميكونش فيها دهون كتير." ضحكت حور وقالت: "أطمني يلا انزلي."
مسكت تغريد شنطتها الصغيرة ولبست نظارتها السوداء ونزلت. بصت على الشارع وعلى شعب مصر اللي وحشها أوي بطيبة قلبهم وحبهم للغير. حور: "يلا." هزت رأسها ومشيت معاها وهي بتبص حواليها باشتياق كبير لكل شبر في مصر. وقف ساهر وهو باصص قدامها بشدة لما شاف تغريد بفستانها القصير اللي واصل لحد ركبتها بس وأناقتها في مشيتها وجسدها الأبيض الناعم وجمالها وأنوثتها. ساهر بشدة: "العود ده مش من هنا." بصله صادق باستغراب وقال: "عود إيه؟
شاور له ساهر عليها. بصلها صادق بدهشة وقال: "مين اللي جنب حور دي؟ ساهر: "مش عارف." وقفت حور وقالت: "صباح الخير يا عم صادق." قام صادق وقال: "صباح الخير يا بنتي." بصت حور على ساهر وقالت: "إزيك يا ساهر عامل إيه؟ بصلها وقال: "الحمد لله." حور وهي بتشاور على تغريد اللي واقفة جنبها وقالت: "أعرفكم صحبتي تغريد. هي لسه راجعة مصر امبارح أصلها كانت في كندا." ساهر بثقة: "كنت متأكد حتة الكنافة دي مش من هنا." بصتله تغريد بغرور.
ضحكت حور وقالت: "اعملنا سندوتشين كبدة كدا حلوين زيك." ابتسم وقال: "وماله من عنيا." وعمل لهم السندوتشات وأداهم لـ حور. كانت هتطلع الفلوس بس قال صادق بسرعة: "خليها علينا المرة دي." حور: "لا والله إنت بتتعب ولازم تاخد تمن تعبك. متشكره أوي." وعطته الفلوس وخدت تغريد ومشيت. فضل ساهر يبص على تغريد من فوق لتحت بتوهان في جمالها. ضربه صادم برجله وقال بضيق: "اتلم ياد وشوف أكل عيشك." تحسس بيده مكان ضربة أبوه بوجع وقال:
"حاضر. حتى البص ممنوع أي ده." قعدت تغريد و حور على كرسي جنب العربية. خدت تغريد ساندوتش من حور وبدأت تاكله. كانت بتاكل وهي مستمتعة بكل لقمة بتاكلها. ياااه من امتى ومأكلتش أكل بالطعم ده. الغربة وحشة أوي بتخليك تنسى طعم كل حاجة حتى الأكل. وخصوصاً لو كنت عايش مع بيهتم بيك. حور: "إيه رأيك؟ بصتلها تغريد وقالت: "حلو. إنتي شكلك عارفاهما كويس." حور بابتسامة: "آه أصل ساهر بيدرس معايا في نفس الجامعة."
هزت رأسها بهدوء. وكملت أكل وهي بتبص على مجموعة من الأطفال بيلعبوا كورة. ارتسمت على وشها ابتسامة خفيفة وخلعت النظارة عشان تشوفهم كويس. *** في نهاية اليوم بعد أن أخذت حور تغريد إلى أجمل الأماكن الجميلة في إسكندرية لتتذكر طفولتها الجميلة. ركبت حور بس استغربت لما شافت تغريد واقفة فقالت: "وقفتي ليه؟ تغريد: "هو بتاع الكبدة ده لسه شغال ولا مشي؟ أصل بصراحة طعمها عجبني." ضحكت حور وقالت: "يمكن لسه مروحش. اركبي عشان نلحقه."
ركبت تغريد وطلعت حور بسرعة. كان ساهر لسه بيجمع الحاجات بتاعتهم عشان يروحوا بعد يوم عمل شاق ووقفوا على العربية طول اليوم مع أبوه. وقفت حور العربية نزلت ونزلت تغريد وراها. حور وهي بتقرب منهم: "كويس إننا لحقناكم." بصلها صادق بابتسامة وقال: "خير يا بنتي." حور: "أصل تغريد عجبها السندوتش اللي أكلته وعايزة تاني. ولا إنتو خلصتوا؟ بصلها ساهر وقال بغمزة: "لو خلصنا نجبلها عادي."
نغزه صادق في جنبه وهو بيبصله بحدة. بصله ساهر بغيظ وهو بيتألم. ضحكت حور عليه بينما تغريد تنظر له ببرود ممزوج بغرور. صادق: "لحسن الحظ في اتنين فاضلين. يبقوا كانوا من نصيبكم." طلعه السندوتشات وأداهم لـ حور بابتسامة. خدتهم حور وقالت: "شكراً." بص صادق على تغريد وكان متردد يقولها حاجة بس جمع شجاعته وقال: "كنت عايز أقولك حاجة يا بنتي. حاولي يكون لبسك طويل ومحتشم شوية. عين الناس وحشة والستر حلو يا بنتي." بصتله تغريد
شوية بعدين قالت ببرود: "ملكش دعوة. أنا حرة في لبسي. مش مستنية واحد زيك يعلق عليه ويقولي ألبس إيه." سكت صادق وهو حاسس بإحراج. بصتلها حور بشدة من ردها. ضم ساهر قبضة إيده بغضب من إحراجها لـ ولده وإهانته وقال بغضب شديد: "ده بدل ما تشكريه إنه بينصحك." بصتله تغريد بضيق وقالت بغرور: "أنا أستنى نصيحة واحد زي ده." ساهر بانفعال شديد:
"إنتي تطولي أبويا ينصحك ولا يكلمك حتى. ده إنتي واحدة معندكيش دم. بس الظاهر عيشتك في بلاد برا نستك الاحترام والأخلاق." تغريد بغضب شديد: "على آخر الزمن واحد زيك (وشاورت عليه من فوق لتحت وهي بتبص له بقرف) يعلمني أنا معنى الأخلاق والاحترام. روح استحمي الأول بعدين ابقى اتكلم." بعدين سابتهم ومشيت بدون اهتمام. بصت حور على صادق بحزن وقالت: "أنا بعتذر بالنيابة عنها. هي أكيد متقصدش." ابتسم صادق بحزن وقال:
"عادي يبنتي مفيش مشكلة." بصلها ساهر بغضب عارم وقال: "أستحمى ليييه يختي؟ شيفاني معفن قدامك يا بت ال." كتم صادق بؤه قبل ما يكمل وقال: "خلاااااااص." بصتله تغريد بقرف وضيق بعدين بصت على حور وقالت: "مش هنمشي ولا إيه؟ هزت رأسها بسرعة وراحت لها. ركبت العربية. بصتله ساهر بغضب وبص حواليه بيدور على حاجة. وقع عينه على جردل المية اللي بيغسلوا فيه إيديهم طول اليوم وكانت مش نضيفة.
كانت تغريد لسه هتركب بس انصدمت لما لقيت المية بتتكب عليها وغرقتها من فوق لتحت. ساهر بابتسامة جانبية: "قوليلي بقاااا مين فينا المعفن."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!