أحمد كان واقف قدام سعاد، وشها المشوه وعينيها السودا ورقبتها المايلة وبتقرب منه. أحمد حس إن نفسه بيتسحب من صدره، رجله مش عايزة تتحرك، وصوت الزحف جاي من كل حتة في الأوضة. سعاد كانت بتقرب ورجليها مش لامسة الأرض. مرة واحدة سمع بخبطة قوية على باب الشقة وحد بيزعق: "يا أحمد!! يا أحمد افتح!! كان صوت عم فوزي. الخبطة فضلت تعلى، وسعاد وقفت مكانها وبصت ناحية الباب بنظرة كأنها متغاظه، وقالت بصوت مرعب: "ما تفتحش."
فجأة عم فوزي كسر الباب ودخل يجري. أول ما عينه وقعت على سعاد اللي واقفة قدام أحمد بشكل مخيف، وشها ملوي وعلي واقف وراها عينه سودا. عم فوزي شهق وقال: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! " وبدأ يقرأ قرآن، صوته كان عالي جدا. سعاد فجأة صرخت صرخة عالية، النور بيهتز جامد، الحيطان نفسها كأنها بتتهز. وشها بقى يتمط ويتلوى، علي وقع على الأرض يتنفض واختفى، وأحمد وقع على ركبته وهو مش قادر ياخد نفسه.
كل ما عم فوزي يعلي صوته بالقرآن الصرخة تعلى، لحد ما فجأة سعاد جسدها رجع عادي. وبعد ثواني اتبخر قدامهم دخان أسود، والريحة في الأوضة بقت زي ريحة حاجة محروقة. عم فوزي وقف يتنفس بصعوبة وقال وهو بيبص لأحمد: "قم يا ابني… قم بسم الله… الحمد لله ربنا ستر." أحمد حاول يقوم، جسمه بيرتعش، عينه دمعت من الخضة وقال بصوت مكسور: "إيه ده يا عم فوزي؟! دي مش بشر…" عم فوزي قرب منه وقرأ قرآن.
أحمد أخد نفسه بصعوبة: "ليه من يوم ما عرفتها وأنا حياتي اتقلبت كده؟! … واللي بيظهر في الشقة… كل ده ليه؟! عم فوزي قعد جنبه على الأرض وقال: "أنا يا ابني شفت كتير في حياتي، شفت ناس بتعمل أعمال وناس متعلقة بالجن أعوذ بالله… بس اللي شوفته النهارده… ده مش عادي، ده مش مجرد كيان ساكن، ده حد متحكم فيه." أحمد مسك راسه وقال: "بس هي قالت لي إنها لوحدها، وإن كل جوازاتها ماتوا! وبتقول إن مالهاش غير خال في إسكندرية في حي اسمه رشدي."
عم فوزي مسك كتف أحمد وقال: "اسمع… اللي شوفناه النهارده مش هينتهي بسهولة… لو عايز تنقذ نفسك، لازم نعرف أصل الحكاية، نعرف البنت دي جاية منين… وإيه اللي وراها وإيه سرها." أحمد قال بتوتر: "يعني نروح لإسكندرية؟ عم فوزي قال: "أيوه… يمكن هو الوحيد اللي عارف السر."
تاني يوم الصبح، أحمد كان قاعد جنب الشباك في القطر وهو وعم فوزي في السكة على إسكندرية. الجو كان غريب، السما مغيمة من غير سبب، وكل ما القطر يعدي على محطة، أحمد يحس كأنه شايف سعاد واقفة على الرصيف، نفس راسها المايلة اللي شافها في شقته. يغمض عينه ويفتحها ما يلاقيش حد. وعم فوزي كل شوية يبص له ويقرأ في سره قرآن.
وصلوا إسكندرية، مشوا لحد ما وصلوا لحي رشدي، العمارات القديمة والجو هادي، الشارع شبه فاضي، كأن المكان نفسه مستنيهم. نزلوا يسألوا على خالها سيد عبد العظيم، ما كانش حد عارف اسمه. فبدأ يسأل "حد من قرايب سعاد عبد الغفور". معظم الناس عملوا كأنهم ما يعرفوش حد بالاسم ده… وملامح وشهم تتغير، ويسكتوا، ويبصوا لبعض. لحد ما راجل كبير في السن، قاعد على كرسي جنب مدخل عمارة، بص لهم وقال: "انتوا بتسألوا على مين؟
أحمد قرب منه وقال: "على واحد… اسمه سيد عبد العظيم خال واحدة اسمها سعاد عبد الغفور… ساكن في رشدي من زمان." الراجل ضيق عينه وقال: "سعاد عبد الغفور؟ " صوته كان تقيل. أحمد قلبه وقع وقال: "أيوه… تعرفها؟ الراجل قام بالعافية من على الكرسي وقال: "تعالوا… خالها ساكن فوق تعالوا معايا."
طلع بيهم على دور عالي، كل درجة في السلم أحمد حاسس إنها بتبعده عن الدنيا وتقربه من حاجة تانية، لحد ما وصلوا لباب الشقة. الراجل خبط خبطتين خفيفين، وبعد شوية الباب اتفتح، وطلع راجل عجوز، بس عينه فيها غموض. الراجل قال بصوت تقيل: "عايز إيه يا عم حسين؟ الراجل الكبير اللي معاهم قال: "ناس جاية من القاهرة… بيسألوا عن سعاد." أول ما سمع الاسم إيده سابت الباب، واتسند على
الحيطة وقال بصوت مبحوح: "مش عايز حد يجيب لي اسم سعاد ولا عايز حد يسألني عنها… ومش عايز حد ينطق اسمها تاني! أحمد قرب وقال: "لو سمحت… أنا اسمي أحمد… ويا ريت تعتبرني زي ابنك، أنا حياتي بقت جحيم من يوم ما عرفت سعاد، وأنا مش جاي أفتح الماضي، أنا جاي أفهم." العجوز بص له من فوق لتحت، وبعدين بص لعم فوزي وقال: "ادخلوا…"
دخلوا الشقة، ريحة عتيقة مالية المكان، صور قديمة معلقة على الحيطان، منهم صورة لبنت صغيرة واقفة جنب بحر… أحمد حس إن ملامحها قريبة جدا من سعاد. العجوز قعد على كرسي وقال: "أنا خالها… سعاد دي… لعنة ما بتنتهيش."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!