مترنح، منهك، أشعر بدوار. فتحت عيني، الغرفة مظلمة، لكن هناك شيء غريب يطوف حولي. أنهضت جزعي، فتحت النور، لاحظت الوشم على يدي، معالمه واضحة بالكاد، نجمة سداسية، أول حرف وآخر حرف من كلمة داود. "البوابة للعالم السفلي، كيشاما الهند، من قبل آدم بآلاف السنين. أبو الجان سانيمون قال، نعيش ولا نرى." صرخة!! صرخة مدوية وصلت لأذني، على إثرها خرجت للصالة، فاتي وابنائي ينظرون من الشرفة. قالت سيلا بهلع: "الشيخ يا بابا يتألم."
ارتديت أول جلباب في طريقي، نزلت درجات السلم قفز. كان راقدًا على الأرض على الرصيف، يضع يديه فوق وجهه. "ابتعدوا عني، أنا لا أرى شيئًا يا شيخ! اعتدل الشيخ في جلسته، قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحافظ من كل شيطان رجيم." "كنت ظننتهم... "أنا لا أفهم شيئًا، كلامك غريب! قال الشيخ: "اجلس يا ناصر." جلست. "قال: تناولت المنقوع؟ قلت: "اختفى، لا أجده." قال الشيخ: "افرد ساعدك!
مددت يدي، رمق ساعدي بانزعاج، ثم حدق بشرفة منزلنا حيث تقف فاتي ناظرة نحوه. قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم." اختفت فاتي خلف النافذة وصكتها. قلت: "من يا شيخ الذين ظننتهم رحلوا؟ قال: "ليس الآن يا ناصر، أنت غير مستعد! قلت: "لا يمكننا أن ندرك ذلك ما لم نعرف." أخرج من جيبه دهان وضعه على ساعدي وهو يقول: "بسم الله الحافظ." اختفى الوشم. بانبهار سألته: "كيف فعلت ذلك؟ قال: "لا تسأل يا ناصر." كنت مرتابًا جدًا،
قلت: "من أنت يا شيخ؟ أعني ما هي حقيقتك؟ نكت أصبعه في صدري، قال: "أنا أنت، أنت أنا، كلنا أنا." "أليس معقول أن تخاطبني بالألغاز؟ من فضلك، أنا لا أفهمك." قال الشيخ: "ليس من مصلحتك أن تعرف الآن." قلت: "أخبرني عنهم؟ قال: "إنهم موجودون." قلت: "من هم؟ قال وهو ينظر تجاه شرفتنا: "إذا كانت حساباتي صحيحة، فهم... هي." قلت: "اللعنة، لا أفهم ولا كلمة."
قال الشيخ: "الصبر يا ناصر، خذ هذا المنقوع ولا تتوقف عن الشرب منه لمدة شهر، إنه آخر ما أملك." قلت وأنا أضع المنقوع في جيبي: "حاضر." قال: "قابلته؟ سألته: "من؟ قال: "هو." قلت: "يا شيخ لا تتحدث بالألغاز من فضلك، أنا متعب." "افتح فمك يا ناصر؟ فتحت فمي. "امضغ هذه." قلت: "حاضر." نظر إلي الشيخ مطولاً، شرد لبعيد، قال: "في المكتبة كتاب اقرأه سيساعدك." قلت: "المكتبة العامة؟ أي كتاب؟ قال: "ستعرفه بنفسك."
قلت: "أخبرني عنهم من فضلك، من هؤلاء الذين كنت تستعيذ منهم؟ قال: "إنها قصة طويلة، أنا لا أملك الوقت الآن." لكن، وبسط الشيخ يده، ظهر عليها دائرة مضيئة. "هنا كنت أعيش." رأيت قرية صغيرة. ضم الشيخ قبضته، اختفت الدائرة. فركت عيني غير مصدق. قال الشيخ: "من حقك أن تشك في ما رأيت، فأنا مجرد متشرد." قلت: "أنا أثق بك." قال الشيخ بعد أن تنهد: "لقد أحببت من قبل." قلت: "أنت؟
قال الشيخ: "الحب لا نختاره يا ناصر، إنه يبحث عنا حتى يجدنا، ولا يتركنا إلا محطمّين." كان يومًا حرًا قائظًا في قريتنا، الشمس تتسلق رؤوس الأشجار، انحنت أمامها بتلات الزروع، ولا وجود لبشر في الأرض. كنت شابًا وقتها، أجلس أمام بيتنا، تمر من أمامنا ترعة صغيرة لكني أرى الطرف الآخر منها. على الجانب الآخر كانت تسير فتاة، أقسم يا ناصر أنها ظهرت فجأة، كأنها ولدت من العدم.
جمالها لا مثيل له، من أول نظرة أدركت أنني سأحبها، بل وقع حبها في قلبي. وقفت في مكاني أتابعها وهي تخطو على التراب ترتدي وشاحًا أزرق. ليست من أهل البلدة، فأنا أعرف كل فتيات قريتنا. واصلت السير حتى وصلت نخلات عبد الوارث. سمعت نداء والدتي: "عامر؟ هي لحظة التفت خلالها تجاه المنزل، عندما نظرت مرة أخرى كانت قد اختفت. كان شيء مستحيل يحدث أمامي، كان علي أن أدرك ذلك، أن أكون أكثر حذرًا.
لكن يا ولدي، من يتبع قلبه يقع في المشكلات، كنت مجرد شاب، كانت أجمل لقاء في حياتي وأتعس لقاء. لو كنت أعلم فقط ما ينتظرني وما ينتظرها، لدفنت قلبي في التراب قبل أن أغرقها في المصائب. أن ترى حبك يتحطم أمامك، ينسحق بسببك، ليس أمرًا هينًا. "نمنع أطفالنا من الذهاب عند حقل عبد الوارث، النخلات هناك نبتت على شكل دائرة، خلفها أحراش لا تصلح للزراعة." "بين طلع نخلات عبد الوارث تنتقل شاهي، جنية عاقر تخطف الأطفال."
"لم يتمكن أحد من رؤيتها أبدًا، لكن هناك كانت تختفي أطفالنا ولم نفلح أبدًا بالعثور عليهم." "في ذلك الوقت يا ناصر، لم يكن يجروء رجل واحد من السير ليلاً عند النخلات، كانت تسمع أصوات غريبة مرعبة تتبعها حركات تجعل شعر رأسك يقف." كنت ميت القلب، لا أخاف. بعد العشاء، عندما أغلقت كل بيوت القرية أبوابها، مشيت تجاه النخلات، كنت خائفًا ومتوجسًا على تلك الفتاة. "وذهبت للبحث عنها." "نام الشيخ، يا شيخ، يا شيخ." لكزته في كتفه.
قال: "ليس الآن يا ناصر." "ارحل من فضلك." فتح الشيخ يديه، حضن الهواء ونام. صعدت شقتي، كنت مشتتًا من كلام الشيخ. أخرجت المنقوع، شربت منه كوبًا، كنت شعرت بتحسن بعدما مضغت العشبة التي منحها لي الشيخ. قلت: "البركة في الشيخ." قالت: "منحك منقوع؟ قلت: "كيف عرفتي؟ "لاحظت أنك تشرب منه." قلت: "يا فاتي، حذرني أن أفقده مرة أخرى، قال إنه لا يملك غيره." ابتسمت فاتي. "لا يملك غيره؟ " سألتني فاتي. قلت: "أجل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!