نامت فاتي في غرفة الأطفال، شعرت بالملل والضيق. منذ مدة بعيدة فاتي تتجنب النوم بجواري، كنت أتفهم ذلك بعد ولادة سيلا، لكن الآن وبعد مضي كل ذلك الوقت علاقتنا متباعدة جدا. خرجت من شقتنا منتوي الذهاب للمقهى، كان الوقت تأخر لكن الصحبه تظل ساهرة حتى وجه الصبح. وجدت قطتنا جالسة أمام باب الشقة، انحنيت حملتها في حضني وداعبتها. فجأة رفعت القطة أذنيها، كان الأجواء صامتة وسمعت مثلها صوت خربشة قادمة من الجدار.
قفزت القطة من حضني على الأرض مرتعبه. وضعت أذني على الجدار، سمعت صوت خربشة أظافر متسللة داخل الحائط. فتحت باب الشقة المجاورة، قصدت مواسير الصرف، توقعت فأر لعين. الشقة خالية من الأثاث ونظيفة. الصوت أسمعه يخربش في عقلي، يجرحني، يوترني. تتبعت الصوت الذي كان يصعد كلما اقتربت، فكرت بسرعة: سطح المنزل. صعدت درجات السلم الموصلة لسطح المنزل، كان ليل بهيم، ظلام محدق تكاد لا ترى أمامك.
السطح خالي، علقت ملابسنا على مناشير الغسيل مثبتة بأقراط بلاستيكية. صوت الخرشة مستمر، اقتربت من نهاية السطح. خلف منزلنا حديقة صغيرة مهملة تتوسطها نافورة مهجورة ينتصب خلالها تمثال ملاك مجنح. سمعت صوت خربشة الأظافر ينزل لتحت. انحنيت من فوق سياج السطح، فعلت فلاش الهاتف. صدمة مباغتة أكلتني، رأيت كيان مرن، لزج، مطاطي، يزحف على أربع ناحية الأرض. صوبت فلاش الهاتف نحوه.
قفز على الأرض، زحف على أربع وغاص في مياه النافورة الآسنة. لم أكن متأكداً مما رأيته، لا يمكن أن يكون كلباً، لو حتى قط. ركضت ناحية باب القبو قاصداً الحديقة. سمعت صوت أنة قادمة من شقتنا، عبرته قبل أن أفتح باب القبو، اعترضت القطة طريقي. زجرتها لم تتحرك، دفعتها بقدمي. وضعت أول قدم داخل الحديقة. كأنها إنسان قبضت الهرة بأسنانها على طرف بنطالي. جذبت قدمي بقوة، تخلصت منها، أصبحت داخل أرض الحديقة. الهره توقفت مكانها لم تتعبني.
مشيت على ضوء الفلاش ناحية النافورة التي ينمو على جوانبها زهرة اللافندر، مياه راكدة داخلها غطتها أوراق الأشجار اليابسة. نظرت داخل المياه، لا أثر لأي شيء. إلى جواري وجدت غصن يابس عكرت به مياه النافورة، طعنت كل ركن فيها. كانت ضحلة لكن تحت التمثال غاص غصن الشجرة حتى آخره. قلت بالصباح سأفتش القاع، لم أجد فكرة نزع ملابسي ملائمة في تلك اللحظة. دلفت داخل الشقة لأبدل ملابسي المتسخة بتراب السطح.
وصل إلى أذني صوت أنة قادمة من غرفة نومنا. مشيت تجاه الغرفة، بطريقي مررت على غرفة الأطفال، لم أجد فاتي. آخر الرواق كان باب غرفة نومنا مغلق، ألصقت أذني بباب الغرفة، تأوهات شبقة وصلت مسامعي. فتحت الباب بسرعة، كانت فاتي راقدة بظهرها على السرير تئن، بدت نائمة أو بين الصحو والنوم. لكزتها في كتفها، فتحت عينيها بفزع، ارتجف مصباح الغرفة، لم يثبت إلا بعد دقيقة. كان السرير خالياً عندما استطعت الرؤية.
حدقت بالسرير الخالي غير مصدق، فركت عيني وأغمضتها دقيقة. عاد صوت الخربشة داخل ذهني أكثر عنفاً. عدت لغرفة الأطفال بسرعة، كانت فاتي راقدة بجوار الأطفال مستغرقة في النوم. إذا كانت هذه فاتي، فمن تلك التي رأيتها في غرفة نومنا؟ هلاوس قلت، أيقظت فاتي، قلت: أنتِ نائمة؟ أعتقد أنك تملك عينين، قالت. لم تبارحي مكانك؟ قالت: ناصر، فيه إيه؟ قلت: لا شيء، تمنيت لها ليلة سعيدة.
مدد يا حي يا قيوم، وصل صوت الشيخ الراقد تحت المنزل لمسامعي. أخذت بعضي ونزلت نحوه. جلست إلى جواره، قلت: أنت نائم؟ قال: رأيته؟ شعرت بقشعريرة أسفل ظهري، قلت: من يا شيخ؟ قال: عدوك الذي سيأخذ مكانك! جلست بمقابلته، قلت: أنت تتحدث مثلهم. تحدث مثل من؟ سألني الشيخ. قلت: أطفالي! قال الشيخ وهو ينهض: عيون الأطفال لا تكذب. كنت على وشك أن أسأله من يقصد، لكن لم أجد مبرراً أن أحكي له عن ما حدث معي على السطح.
حدق الشيخ بعيني قال: إن تملك عينين لا يعني أنك ترى. قلت في نفسي: يوووه، سيبدأ بمواعظه وحكمه. قال الشيخ: وصلت نخلات عبد الوارث، العن مكان مرعب في القرية. جلست أدخن لفافة تبغ بعدما لم أجد تلك الفتاة أو غيره. طالما قال جدي: الشخص الذي لا يخاف، خاف عليه. رهفت أذني أسمع، لم أصدق أبداً وجود الجنيات يا ناصر. لم أسمع سوى حفيف جريد النخل. حتى سمعت صوت تنقلها بين طلع النخيل، نظرت ناحية النخل تحت قمر بدر. ثم سمعت: إسسسسسس.
تعلم تلك الإشارة عندما ينادي عليك شخص بصمت. التفت رأيت ظهرها وهي تختفي بين الحقول. كانت هي، نفس الملابس والصفات. مشيت خلفها بسرعة. كانت تفصلني عنها مسافة ليست كبيرة، لكنها كانت تختفي وتظهر. كلما شعرت باليأس يظهر جسدها، قبل أن تملأ عيني منها تختفي. انتهت الحقول، وصلت منطقة الأحراش، تنمو هناك حشائش الحلفاء، بارتفاع أعلى مني، شققت طريقي خلفها. كنت اقتربت منها، عندما رأيت نور قادم من كوخ صغير.
هناك اختفت يا ناصر، كانت تقودني لذلك الكوخ المنعزل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!