فغرت شفتيها قليلاً وهي تتراجع للخلف محاولة الاستيعاب على ما قاله. أغمضت عينيها للحظات وهي تسحب نفسًا عميقًا ثم زفرته على مهل. فتحت عينيها وهي ترمقه بعينين باردتين رغم تلك النار التي بداخلها، ذلك الاشتعال الذي أوشك على قتل روحها ورغم ذلك تخفي آلامها، فمن سيشارك حزنها؟ وقبل أن يهبط بسوطه أوقفته بإشارة من يدها. عقد "أصهب" ما بين حاجبيه وهو يحدقها بعينين حادتين. رفعت "تيجان" ذقنها قليلاً قبل أن تقول بصوت قوي: -بأي حق؟
بأي حق تفكر تجلدني وأن هذا هو عقابي؟ بأي حق تعاقبني وأنت لست في يدك أي دليل على خيانتي؟ تراخى حاجبيه وهو يحدقها بنظراته القاسية. تابعت "تيجان" بحدة: -أنت ما ينفعش تعاقبني إلا لما يكون في يدك أي دليل. أنت حكمت بعد ما سمعت من الطرف الأول بس، فين اعتراف الطرف الثاني؟ فين الدليل اللي شايف نفسك بتحكم بالعدل؟ نظر إليها طويلاً وكلماتها تتردد في عقله المظلم، كانت كلماتها كالنور الذي بدأ ينير عقله. فأخفض يده الممسكة بالسوط.
حدقته بنظرات مليئة بكره غريب، كفى أنها تجلس في مكان تم تخصيصه للزانيات وباتت بالأسم واحدة منهم بدون دليل. صمت طويل ساد بالمكان قبل أن تقطعه "تيجان" بصوت مغلول: -روح اسأله، اسأله اتجوزني ليه؟ دور على الإجابة هتلاقيها عنده أو عند أمه، غير كده لأ. تساءل "أصهب" بهدوء: -اتجوزتوا ليه؟ ابتسمت بمرارة قبل أن تقول بتهكم: -اتجوزته لأني كنت مغفلة، وعميانة بحبه وبحبي. إنما هو اتجوزني عشان انتقام، عشان ينتقم مني.
تساءل ببسمة ساخرة: -وهو ينتقم منك ليه؟ صمتت قليلاً مجيبة: -خد منه الإجابة مش مني أنا، لأني مش هقول حاجة إلا لما تصدقني. سارت نحوه عدة خطوات قبل أن تنظر له بتحدٍ سافر هاتفة بثقة: -ولو عايز تجلدني... اجلدني، مش هقولك بتعمل إيه؟ أنت على أي حال ظالم وأنا المظلومة، فـ حقي هيرجعلي في الآخر وبطريقة هتخليك تندم أشد الندم يا ابن الهامي.
حدق في عينيها مباشرة بنظرات مخيفة تجعل المرء يرتجف من كثرة الرعب، إلا هي تخفي، كما تخفي دائمًا. بل اتسعت ابتسامتها المثيرة للاستفزاز فاستشاط غضبًا. كانت أنفاسه اللاهبة تحرق وجهها قبل أن يقول بهمس مخيف: -أنتِ اللي هتندمي لو طلعتي بتلعبي بديلك. ردت عليه بأنف مرفوعة: -هتقتلني؟ أظن أنت المفروض كنت هتعملها وأنا سلمت نفسي للموت، تفتكر بقى هخاف دلوقتي من الموت ولا منك؟ أومأ رأسه بابتسامة قاسية وهو يجيب بهمسه:
-كلامك صح، بس هتتمني الموت ومش هتطوليه؟ تساءلت "تيجان" بتهكم: -هتعمل إيه يعني؟ ابتسامته القاسية اتسعت قليلاً قبل أن يقول ببساطة: -هغتصبك مثلاً؟ جحظت عيناها بذهول وهي تتراجع للخلف. حركت رأسها بالسلب وهي تهمس: -لأ، أنت مش سافل للدرجة دي؟ أنت... قاطعها وهو يهز يديه بهدوء: -إذا كنت بقتل بدم بارد مش هعمل حاجة زي دي؟ لم تجبه بل ظلت تحدقه بنظرات خالية من الحياة.
رمقه بنظرة أخيرة قبل أن يخرج من المكان بهدوء، هدوء ما قبل العاصفة. *** جلست "سميحة" على الأريكة بعدما تجهم وجهها بطريقة مزعجة. جلس ولديها كل من "ثاقب" و"وافي" على الأريكة أمامها. كانت ملامحهم قاسية للغاية إلا "وافي"، بل مذهولة، مبهوتة. لمعت عيناه بالدموع ولكن حبسها بقوة حتى لا يراها أحد منهما، خاصةً بعدما رأى ردة فعلهما باردة وقاسية للغاية. سمعت صوت والدته وهي تهتف:
-كويس أن ابن الهامي عملها، خد عار بنتنا اللي فضحتنا وجرستنا، وخلت سيرتنا على لسان كل اللي يسوى وما يسواش. هب "ثاقب" واقفًا وهو يقول بغضب جامح: -المفروض كنا إحنا اللي ناخد عارنا، مش كفاية أنها هربت من البيت عشان تتجوز اللي اسمه ساهد ده، لأ... دي طلعت كمان *****، سلمت نفسها قبل الجواز، وأهو جوزها رماها، المفروض إحنا اللي كنا نجيبها ونخلص عليها مش أصهب! هتفت "سميحة" بجدية:
-لأ كويس كده يا ثاقب، أنا مش ناقصة إنكم تروحوا مني، كويس أوي كده، لأني مش مستغنية عنك ولا عن وافي. التفتت برأسها نحو "وافي" الذي يرمقهما بذهول ثم تساءلت بنبرة ذات مغزى: -ولا إيه يا وافي؟ وثب واقفًا قبل أن يقول بكره: -أنا بلعن نفسي ألف مرة إني مخرجتهاش من البيت زمان، حسبي الله ونعم الوكيل. قالها وهو يغادر من المنزل بأكمله. ظلت أنظاره والدته الممتعضة تلاحقه قبل أن تقول بقسوة:
-ده القانون، وكان لازم يتنفذ، وتيجان عملت جريمة بشعة يبقى تدفع ثمنها ولوحدها، هي اللي جابته لنفسها. كانت تحدق بالقضبان بنظرات غاضبة. أغمضت عينيها تزفر بعنف. لأول مرة تشعر بهذا العجز، تشعر أن ما هو قادم أعمق وأسوأ مما تصورت، عميق وملطخ بسواد لا يوازي سواد حياتها أبدًا بل أشد. هبت واقفة تصرخ عاليًا: -أنت اللي برا، أنت يا بني آدم، أنت يا زفت. وفجأة وجدت شخص ما ضخم يدخل نحوها يرمقها بنظرات مظلمة. صاحت فيه "تيجان" بحدة:
-هو أنت أطرش، بقالي ساعة بنادي وإنت ولا هنا، فين المتخلف التاني اللي مشغلك ده، روح نادي عليه حالاً وإلا... شهقت بعنف حينما صفعها بقسوة عنيفة دون مقدمات. وضعت يدها على وجنتها تنظر أمامها بنظرات حادة رغم تلك الارتجافة التي سرت عليها للحظة. بلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له بغضب جامح. وقبل أن تتحدث وجدت من يجذب ذلك الحارس من تلابيبه ويوجه له لكمة عنيفة في فكه. همست بعدم تصديق: -أصهب!
دفعه "أصهب" نحو الحائط بقسوة حتى كاد الحارس أن يسقط أرضًا. لكمه مرة أخرى بعنف أشد وهو يهدر بنبرة جهورية صارمة: -إياك، إياك تمد إيدك عليها وإلا هقطعهالك، سااااامع. أومأ الحارس رأسه سريعًا قبل أن يتركه "أصهب" وهو يحدجه بنظرات مظلمة. خرج سريعًا حتى لا يقف مع ذلك الوحش. التوت شفتاه بابتسامة سوداء وهو يدنو منها هاتفًا بصوت جهوري: -أنتِ إيه؟ لسانك إيه؟ بطوليه ليه؟ هو أنتِ عاوزة تتعاقبي وخلاص؟
لو عايزة قوليلي وأنا هحقق رغبتك! هدرت "تيجان" بقوة وهي تشير بإصبعيها: -اسمع بقى، قسمًا بالله لو فكرت تأذيني لأقتلك يا ابن الهامي وأخلص العالم كله من الأشكال اللي زيك. قبض على فك وجهها بقسوة وهو يقول: -لسانك ده شكلي هيتقطع على إيدي، وده تخصصي أصلاً، تقتلي مين؟ هتفت بقوة: -أيوه هقتلك يا ابن الهامي. ابتسمت بشراسة وهي تتابع بثقة: -أصل أنا مقولتكش إني قتلت أخو ساهد قبل كده، وقتلته بدم بارد كمان. اتسعت ابتسامتها مضيفة:
-وأظن اللي يقتل مرة يقتل تاني عادي، يعني إذا كان ده تخصصك فهو تخصصي أنا كمان يا ابن الهامي يا... يا كينج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!