عدتُ للخيمة، جلستُ على الأرض الرملية البديعة أشاهد السماء والقمر اللامع. تنهدتُ وأنا أمسح حبات العرق المتناثرة على جبيني وتذكرتُ تلك الأعين القاتمة. وجدتُ رسالة من نغم: "لم نكن على وفاق من البداية، ألم تشعر يوماً بمعنى أن تكون مضحياً؟ ألم تشعر بآلامي يوماً؟
أنا حزينة ولكن ليس على فراقنا، ولكن على عمري الذي أفنيته سدى، على كرامتي التي وضعتها جانباً خشية على شعورك. أنا المخطئة، أنت لم ترتكب خطأ يوماً. أتمنى لك حياة سعيدة. سلامي لك يونس وليد. أختك في الله نغم." أنزلته بهدوء ناظراً أمامي في اللاشيء. لما أشعر بها حقاً؟ وأنا لا أريد أن أكون سبباً في زيادة ألمها، وأنا أتسبب لها بالألم يوماً بعد يوم.
أغمضتُ عيناي بإنهاك. يبدو أن التفكير الزائد رفيقي الليلة أيضاً، لا يتركني حقاً. أحمق هذا الشعور المقيت. جسد يئن وجعاً طالباً الراحة، وعقل يأبى الانفصال عن الواقع قليلاً. تأملتُ السماء المتلألئة والقمر المكتمل. رفعتُ سبابتي اليسرى أمامي وكان القمر خلفها. انطلق خيط أزرق بغتة يتصل بالقلادة المزينة لعنقي.
أصبحت الرؤية مشوشة بالنسبة إليّ. لا أستطيع الرؤية أبداً سوى فقط دائرة بيضاء أمامي والأرض ناعمة أسفل قدماي. أمسكتُ بالمجلد بحرص وأضحى رأسي يؤلمني بشدة. وأخر ما رأيته هو وجه أمي البشوش. ابتسمتُ لها بعدم تصديق. لم أستطع النبس ببنت شفة، ولكنني سمعتُ صوتها الهادئ الذي يلمس قلبي في كل مرة تلتقطه أذناي. "أنا بانتظارك يا بني، بانتظار الوصال." بعد ذلك، اختفى كل شيء كأنه لم يكن وألم رأسي أيضاً.
والآن هو موعد الشروق وما زال القمر يزين السماء والشمس تشق الظلام. تأملتُ السماء لوهلة. كان فوقي نجم لامع. شعرتُ بشيء أسفلي. لذا أمسكتُ بالمجلد سريعاً. الأرض تحولت إلى بحر من الرمال المتحركة، تبتلعني بهدوء وأنا عاجز عن الحراك. حبستُ أنفاسي قبل ابتلاع جسدي كاملاً، محكم القبض على حقيبتي التي تحوي المجلد والمذكرات. شعرتُ حينها بالاستسلام للمجهول فقط. (موفق)
اليوم هو تنفيذ حكم الإعدام على خونة الملك. كيف استطاع هؤلاء الأوغاد خيانته بأي شكل كان؟ لا بأس، سأذهب للمشاهدة ثم إلى سفينة الأخشاب المبحرة إلى إمارة الجنوب عن طريق محيط سمهاري العظيم الذي يجعل مملكتنا شبه جزيرة خلابة من الخارج، ولكن بداخلها متفرقة إلى أربع إمارات.
أتيتُ منذ ثلاثة أيام من الإمارة الجنوبية شيلا إلى إمارة الشمال لازورد. لم أتمنى قط أو أحلم حتى أن أدخلها في يوم من الأيام. حسناً، ليس كصبى مساعد لتاجر أخشاب، ولكن كشخص من شعبها المرفه. أعيش في الجنوب حيث الفقر والمجاعات وبيع الرجال لأولادهم الصغار في الثانية عشرة سنة كما فعل أبي. ولكن كنتُ حينها عشر سنوات فقط. واليوم أنا في العشرين. اعتدتُ على ذلك الفقر القارص كالنار التي تأكل في قطعة من الخشب بدون رحمة إلى النهاية لتصبح رماد.
كنتُ أتجول في السوق مرتدياً رداء أسود كبير فوق ثيابي البالية الرثة، أشاهد ما يعرض للبيع من أطعمة، ومن الملابس والحلي، وكذلك المشغولات اليدوية المطعمة باللازورد والمعادن الثمينة. كسائر حياتنا، فاللازورد حجر الأساس لمملكة لبچشان الحبيبة.
شردتُ قليلاً في الضابط يعقوب الذي يتجول كل يوم للاطمئنان على أحوال الإمارة. نظرتُ للأرض خشية أن يرى عيناي البيضاء. الوسم والعملة أسفل ثيابي على ساعدي، ولكن عيناي ستفتضح أمرهما بكل تأكيد. مر بجانبي بهدوء شديد على جواده الأسود. هذه هي المرة الأولى التي أراه بها. كان طويل القامة، أبيض الوجه، بعينيه الزرقاء القاتمة المخيفة في الآن ذاته. حقاً هذا الرجل تحيط به هالة من الكبرياء والقوة.
كنتُ على دراية بقصته المضحية النبيلة حيث ضحى بصديقه الخائن لينقذ الأميرة عنود أخت ملكنا، والتي سيعقد قرانهما صباح الغد. القوة ليست في التمسك بمن نحبهم، ولكن القوة بالتخلي عنهم بعد تذوق مرارة الخيانة. عبر من الطرقات وخلفه الحرس خاصته، كلا على جواده بزيهم العسكري الأزرق. شعرتُ بيد غليظة توضع على كتفي. ابتلعتُ ريقي بتوتر ونظرتُ لليد، ثم استمعتُ إلى الصوت الغليظ خلفي: "أيها الشاب، هل تريد المساعدة؟ أجبته دون إدارة وجهي:
"لا يا سيدي، أنا على ما يرام." "حسناً، ولكن عليك الذهاب يا سيد، ستُغلق المحلات خلال نصف ساعة." نسيتُ لوهلة لون عيناي واستدرتُ له قائلاً: "شكراً لك يا سيد." تبدلت معالم وجه الرجل من الثبات إلى الغضب المشتعل من عينيه الزرقاء السماوية، صارخاً بعدما أمسكني من تلابيدي يهزني بعنف: "إنه لص! ساعدوني، لص من العبيد! أمعنتُ النظر خلف الرجل لأرى الوفود المتدفقة جهتنا. قلتُ بعدما ابتعلتُ ريقي قلقاً: "يا ويلتي يا أمي! (يونس)
فقدتُ وعي لا أعلم إلى متى، ولكنني استيقظتُ على ماء بارد جداً يُسكب فوقي. شهقتُ بعنف من البرد الضارب لحرارة جسدي الملقى على أرض طينية. لا شيء سوى القلادة والخاتم، حتى أن حقيبتي لم أجدها والمجلد لا أعلم أين هو؟ أفقتُ من شرودي على صوت غليظ يقول: "استيقظ يا غبي، حان موعد الاستعداد." رمشتُ عدة مرات لكي أستوعب ما قاله هذا الرجل الضخم ذو اللحية السوداء وبشرته المماثلة. وسألتُ بتلعثم: "أنا، أين أنا؟
"أنت في قاعة التدريب أيها الحارس الأبله، هيا إلى موضعك لتبديل ثيابك."
أمعنتُ النظر في المكان. كان بسيطاً من الأخشاب، الجدران من اللون الأزرق والأبيض والسقف خشبي والأرض رطبة. استنتجتُ أننا في فصل الشتاء من السقف المبلل بكثرة، يكاد يسقط فوق رأسي. أمامي الكثير من الأبواب وأصوات متداخلة لرجال. نظرتُ في زاوية بعيدة بعض الشيء ورأيتُ حقيبتي الرياضية. ركضتُ ماسكاً إياها. كانت كما هي بداخلها هاتفي والمجلد ومذكرات والديّ. حمدتُ الله كثيراً.
فتحتُ أول الأبواب. كانت غرفة مشتركة بها أكثر من فراش بسيط وله بعض المقاعد الخشبية. أتى الرجل مجدداً وقال وهو يرمي بحزمة قماشية في وجهي: "هيا أيها القبيح، استعد. سنتحرك في غضون ساعة من الآن." تنهدتُ بضجر. ما الذي أوقعت نفسي به الآن؟ بالطبع هذا الرجل مجنون لا محالة، أو أنه حلم بكل تأكيد. الأمر برمته مقلق.
دلفتُ إلى الحمام المرفق بالغرفة. اغتسلتُ بدون النظر إلى المكان حتى. ثم وقفتُ أمام المرآة بعدما بدلتُ ثيابي إلى أخرى عسكرية من اللون الأزرق القاتم. عبارة عن قميص يوجد عليه شارة واحدة وهي رسمة الوشم ذاتها. كانت فضية وبنطال بنفس اللون. حزام جلدي أبيض سميك وحذاء بنفس اللون. كنتُ أريد ترتيب خصلاتي المبعثرة حينما وقفتُ أمام المرآة تجمدت أوصالي. من هذا الذي بالانعكاس؟
هذا ليس أنا. كان الانعكاس لشاب طويل وعينيه بيضاء والغريب أنني أرى بكل وضوح. ملامح متعبة بعض الشيء وشعره أسود أشعث. هيئتي تغيرت لسبب أجهل ماهيته. عدا القلادة لازالت كما هي والخاتم في موضعه. يبدو أنهما يأبيان تركي. عيناي بيضاء، لا وجود للنني أبداً. لينعكس اللونان في عيناي ويظهرا بشكل مخيف. ملامحي القاسية، فك بارز ولحية خفيفة، أنف كالسيف وحاجبان كثيفان.
ارتديتُ الحذاء وخرجتُ إلى المكان الذي استيقظتُ به للتو. وجدتُ الرجل ذاته ولكن عيناه زرقاء بعض الشيء، أي بها النني. سألته بتوتر: "سيدي، هلا أخبرتني أين نحن؟ ضحك بصخب وأجابني قائلاً: "ماذا دهاك يا يونس؟ نحن بـ (جيكا) يا فتى." ضممتُ ما بين حاجبي وسألته مجدداً: "ما هذه جيكا؟ نظر إليّ باستهزاء بادٍ وقال: "بيت ماما يا حبيب ماما." رمقته بغضب لاستهزائه وقلتُ: "أخبرني ما هذه جيكا، وفي أي عام نحن؟ قال بعصبية طفيفة:
"أنت تتحدث مع قائدك. جيكا هي الإمارة الغربية العسكرية للِبچَشان، ونحن في عام 991 ب.ك" "ماذا؟ "ثانياً، التزم حدود وظيفتك أيها الغبي، وإلا تركتك في هذه الصحراء لتكون وجبة للذئاب والحيوانات المفترسة."
تركني وغادر. أخرجتُ هاتفي الجوال. كان به طاقة كافية للتشغيل. فتحتُ تطبيق الكاميرا وخاصةً الأمامية ورفعتها أمام وجهي لأرى أنني كنتُ بالهيئة ذاتها عندما كنتُ في رحلة التخييم. أغلقتُ الهاتف وفتحتها ثانيةً رغبة مني في التأكد. لا اختلاف. يونس يناظرني بهدوء. لنحظى بمغامرة شيقة إذن، ولكن بهيئة يونس العسكرية.
خرجتُ من المبنى إلى الخارج. فناء رملي شاسع والكثير من الجنود الذين يرتدون ملابس مماثلة لخاصتي. وجدتُ شاب في الصفوف الأمامية يشير لي بالاقتراب. خطوتُ بتربص حذر، فما زلتُ لا أفقه شيئاً هنا. وقفتُ بجانبه. صافحني بابتسامة حماسية قائلاً: "لما تأخرت يا يونس؟ لابد من التحرك لمشاهدة الإمارة المرفهة. هل تجولت بها من قبل؟
عقدتُ حاجبي بتعجب من ثرثرته، ولكن أظنها عفوية وأن يونس هذا كان ثرثاراً أبله كما نعتني ذلك الرجل ذو العينين الزرقاء. كانت هيئته مماثلة لخاصتي بعض الشيء، ولكن أقصر قليلاً وعينين بيضاء وجسد نحيل. قلتُ له: "لا، لم يحالفني الحظ بعد." "وها قد حالفنا يا يونس العزيز، سننال شرف حمايتها في مثل هذا اليوم الهام." "وماذا سيحدث اليوم؟ "اليوم هو زواج الأميرة عنود وقائد الجيش الضابط هادي."
"لابد أنني انشغلت في بعض الأعمال لهذا لم أتذكر شيئاً مما قلته." يجعد وجهه بتعجب قائلاً: "أنت من أخبرتني بكل ذلك يا رجل، كنت متحمساً حينها." توترتُ قليلاً ووضعتُ يدي بجيب بنطالي القماشي خوفاً من كشف أمري وسألته بهدوء: "لا يا صديقي، بالطبع أتذكر، ولكن كما تعلم كنت مريضاً في الآونة الأخيرة لذلك استحوذ المرض على عقلي وتفكيري." ظهرت علامات الحزن على وجهه وربت على كتفي بحنو قائلاً:
"حمد لله على سلامتك، كانت فترة مزعجة أعلم ذلك." ابتسمتُ له بثناء حقيقي على دعمه لي وكدتُ أتحدث إلى أن صدح صوت شخص خلفنا هاتفاً: "صديق، يا رجل، هيا نحن بانتظارك." لوح له صديق بهتاف مماثل: "حسناً، كما اتفقنا." رفع الآخر يده علامة على الموافقة وعاود صديق النظر إليّ قائلاً: "عمن كنت تسأل؟ "عن الضابط يعقوب؛ هل هو بالأرجاء؟
"لا، هو قائد الجيش، لا يأتي إلى هذه الإمارة فقط يمكث في الإمارة الشمالية حيث الأشراف والعائلة الملكية والوزراء." أومأتُ بخفة ثم أردفتُ: "والشعب أين يمكث؟ هل المملكة لا تسمح بالاختلاط؟ وما اسم هذه المملكة والإمارات المجاورة؟ ضحك ثم ضربني على كتفي هاتفاً: "يا رجل، تتحدث كأنك من مملكة أخرى." لم أعلق، ولكن نظرتُ إليه بصمت ليتنهد ثم يستأنف الحديث:
"حسناً، في مملكة لبچشان أربع إمارات. الشمالية لازورد حيث العائلة الملكية والوزراء والأشراف، أي الطبقة الأولى من هرم الطبقات. ثم الشرقية (باقر) حيث العامة ذوي الأعين الزرقاء السماوية، وكذلك لازورد ولكنهم ذوي أعين زرقاء قاتمة. الجنوبية (شيلا) حيث التجارة وصناعة الأخشاب والقوافل التجارية عبر البر، والبحرية عبر محيط سمهارى الذي يحيط
بلبچشان من ثلاثة جهات: الشمالية والشرقية والجنوبية. يحيط بنا صحراء ريديس العظمى. وأخيراً إمارتنا (جيكا)
الغربية حيث الجيش والتدريبات الشاقة لحماية البلاد، وتحيط بنا الصحراء للاعتياد على الأجواء القاسية. ولكننا من العبيد ذوي الأعين البيضاء الحجرية مثل إمارة شيلا الجنوبية. يتم التفرقة ومعرفة الطبقات بدقة متناهية عن طريق عملة يتم تصميمها خصيصاً لكل طبقة، تُعطي إشارة لجهاز يحمله القادة العسكريون وحراس الطبقات على البوابات الخاصة بكل إمارة. ولون العين الطريقة المباشرة والغير دقيقة لمعرفة طبقتك الاجتماعية، ولكن العين نافذة للروح وليست للتفرقة بين البشر."
عقدتُ حاجبي ووجهتُ نظري إلى ساعده العاري أسفل القميص قائلاً: "وماذا عن هذا الوسم؟ "إنها لعنة ريديس." رفعتُ حاجبي مستنكراً لما قال وصمتُ وأنا أشاهد شاب مثلنا. أدركتُ أنه ضابط يقوم بتوزيع أسلحة علينا جميعاً، أي الجنود. كلا منا له سيف وخنجر. حالما انتهى قال القائد بهتاف:
"اليوم هو اليوم المنشود، يوم تحقيق العدالة لمملكتنا الحبيبة. سيُعدم خونة ملكنا من حاول اغتيال أميرنا زايد الهاربان. سنجدهما ولكن إلى حينها سنظل حافظين للعهد، عهد الحفاظ على الأمن والنظام داخل الإمارات الأربع. أنا أعلم أنكم رجال يوثق بهم، لذلك سينال كل فرد منكم بعد انتهاء الاحتفال عملتان من الذهب." تعالى صوت الهتاف بحماس وأنا أقف كالطفل بين الكبار لا أفقه شيئاً من الحديث. إلى أن لكزتُ صديق في خصره، صاح بضجر قائلاً:
"ماذا؟ همستُ: "أي عملة وماذا نفعل بها؟ قلب عينيه بملل. أعلم أنني ممل اليوم، ولكن لا أريدني أن أظل جاهلاً لما حولي هكذا. أجاب: "العملة الذهبية لا يمتلكها سوى الأشراف والعامة. وبما أنه قال هذا فإن اليوم الملك سعيد ومسرور للغاية لزواج شقيقته سمو الأميرة. سنحظى بموجبة دسمة لشهر كامل من الآن." وددتُ ضرب هذا الصديق الجائع، ولكن تريث يا يونس، الآن علينا بالتروي لإيجاد ما نبغي إليه.
شعرتُ بحرق في ساعدي. تسللتُ من بين الحشد إلى خلف جدار بالجوار ورفعتُ كم القميص. وجدته يتوهج بزرقة كالمعتاد وجلدي يحرقني. تحاملتُ على نفسي وسرتُ جنباً إلى جنب صديق إلى إمارة لازورد سيراً على الأقدام من الغرب إلى الشمال. حسناً، لا بأس ببعض الرياضة، فالسير مفيد جداً للجسد كي لا أسمن من فرط الراحة.
استمر السير ليوم كامل دون انقطاع للراحة حتى. اشتقتُ كثيراً إلى حياة الفنان المنبوذ. هكذا نحن البشر، عند توافر أي شيء كان، شخص، عمل، مسكن، راحة، لا نقدرها إلا عن فقدانه. ولكن لما لا نحافظ عليها قبل فوات الأوان؟ قلتُ في ذاتي: "آسف، آسف يا نغم. أتمنى لكِ حياة سعيدة مع من اختاره قلبكِ."
لم أعتد عندما كنتُ طفلاً أن أُظهر مشاعري لأياً كان. البعض يعتقد أنه خجل، ولكن في الحقيقة ليس خجلاً، ولكن جفاء وألم. لكل فعل رد فعل، وأنا دائماً كنتُ رد الفعل. ولكن الآن أن الفعل. لا فراق ما دام الله معي. أتوكل عليه.
حان وقت الغروب ونحن ما زلنا نسير في الصحراء خلف القادة الذين يمتطون أحصنتهم بكبرياء. قال رجل أدركتُ أنه القائد، حيث أنهم من ذوي الأعين الزرقاء. أخبرني صديق أنهم ضباط معاقبون، لذلك تم إرسالهم إلى هنا إلى قيادة العبيد. ولكن الغريب أن الجميع سعيد وكأنهم ملوك يتوجون. قرأتُ عن القناعة والصبر كثيراً، ولكن لكل منا حدوده وقدرة للتحمل. وأمامي الآن قوم يسرفون بسخاء في صبرهم وقناعتهم. قال القائد:
"سنُخيم هنا إلى الصباح. أصبحنا على مشارف لازورد، والآن فليأخذ كلاً منكم موضعه." امتثل الجميع لأوامره، وكذلك أنا وصديق أخذنا موضعاً بجانب بعضهما وانضم إلينا ثلاثة آخرون. أشعلتُ النيران في الأرجاء وكنا ملتفين حول الحطب الذي يطلق شرارة اشتعاله الحمراء لتنطفأ في عنان السماء السوداء. نظرتُ إلى القمر، لا يزال مكتملاً بالإضافة إلى النجم المتوهج. أفقتُ على لكزة في خصري من صديق الذي قال هامساً: "لما تُخفي وسمك؟
الأوامر صارمة بعدم تغطيته تحت أي ظرفاً كان." "ما الداعي لهذا التحفظ الصارم؟ "هذه قوانين المخطوطة ثمانون، مخطوطة عهد ريديس، وهي قانون لبچشان أيضاً، وهذا ما نصت عليه المادة الثلاثون منها." "وما هذا عهد ريديس؟ "هذا هو مكتشف المملكة قبل قرون، مؤسسها، وهو كذلك من وضع قوانينها. وتم تسمية المخطوطة باسمه تخليداً لذكراه." "وكيف علمت بكل هذا؟
"هذا قانون سارٍ في البلاد، ولكن لا أحد يستطيع مطالعة المخطوطة سوى السحرة والأسرة الحاكمة والوزراء طبقاً للمادة الأولى منه، كما سمعتُ ذات مرة من أحد القادة المعاقبين لدينا." نظرتُ أمامي بهدوء. يبدو أن لبچشان مملكة مبهمة. رفعتُ كم القميص لكي يظهر الوسم كما قال صديق. ما إن رأى ساعدي حتى صاح: "ما هذا؟ نظرتُ بتوتر قائلاً: "ماذا؟ "هذا ليس وسمنا." "لا، إنه مطابق لخاصتك؛ ألا ترى يا صديق؟
"بلى، ولكن يبدو أنه رُسم حديثاً فهو ملتهب بشدة." قلتُ دافعاً إياه لكى أبعده عن ساعدي: "لا، إنها فقط حساسية لا أكثر، ولكن كيف علمت بالالتهاب؟ فجلدي لا يظهر عليه شيء." ابتسم بترفع وهو يضع كفه على موضع قلبه بحركة مسرحية قائلاً: "لأنني طبيب." "كيف؟
"لقد كنتُ مساعداً لطبيب قبل زمن في الأيام الخوالي. آه يا صديقي، وما أدراك ما الأيام الخوالي؛ هو من علمني مثل هذه الأشياء. كما تعلم، فالفوارق هنا كثيرة وكان لابد من تعلم بعض الخدع." "مثل؟ استأنف حديثه: "صناعة عملة الميلاد وكذلك الشراب الخاص بالطوابق الملكية. تعلمتُ صنعها على يد أستاذي رحمه الله." "عملة الميلاد؟ مدَ يده داخل قميصه وأخرج عملة نحاسية وقال باسماً: "أجل، هذه العملة."
أمعنتُ النظر للعملة المثقوبة ومعلقة حول نحره، كانت لامعة نتيجة لانعكاس الضوء الصادر من الموقد أمامنا، وبها الطائر وبعض الكلمات المبهمة. هذا الطائر يحظى بمكانة مرموقة هنا على هذه الأرض الزرقاء. قال بتوضيح: "يتم صناعتها في منجم ثروان الخاص باللازورد الخالص. تُصنع من قبل أكفأ عمال المملكة. يتم إرسال عدداً منها بداية كل عام لمختلف الطبقات. وهو مكان مكوث السحرة نظراً لكميات اللازورد الضخمة هناك." سألته:
"وهل يمكننا الذهاب هناك يوماً؟ "لا، هذا ممنوع. لا أحد يستطيع الولوج سوى العمال والكهنة وبعض قادة الجيش." "حسناً، معلوماتك مفيدة حقاً لمبتدئ." ابتسم لي بهدوء علامة على الدعم وهمس: "على الرحب والسعة، أنت أخي يا يونس." بادلته الابتسامة وقلتُ: "كيف أصبحنا أصدقاء؟ ضحك وهتف: "يبدو أن المرض تمكن من ذاكرتك بدرجة بالغة يا صاح." ضحكتُ معه: "حقاً لا أمزح، كيف أصبحنا أصدقاء؟ قال بهدوء وهو يلقي بقطعة حطب بداخل النيران:
"منذ أسبوع في الصحراء." "في الصحراء؟ "أجل، كنت صياد متمكن ولكن لهيئتك تم اعتقالك نظراً لاعتقادهم أنك جندي هارب أو عبد سارق. رأيتك تنازع ببسالة وصحت بالجميع قائلاً أنك من الأشراف. ضحك الجميع على هذه العبارة فلا يوجد شخص هكذا من الأشراف الذين يتميزون بالعيون الزرقاء." قلتُ بشرود: "ربما! ، تعلم؟ ضحك بخفوت وقال: "لا."
"العيون الزرقاء تشكل ما بين ثمانية إلى عشرة بالمائة فقط من سكان العالم. وهنا في لبچشان تشكل أكثر من خمسين بالمئة." "أي عالم؟ لا عالم لدينا سوى لبچشان، وخاصةً جيكا الحبيبة. ولكن حقاً كيف لا تتذكر هذه الأشياء؟ " ثم صمت لبرهة وبدت على وجهه علامات الامتعاض والتذمر: "كنتَ تحادثني بعجرفة في بداية الأمر، حتى أنك زعقت بوجهي ذات مرة لأنني لم أطلب لك حساء الخضروات." لوى شدقه باستنكار ساخر واستأنف الحديث:
"تتحدث كالسيد ونحن العبيد، حقاً غليظ متعجرف." ضحكتُ بعدم تصديق وهتفتُ بعد ضربي لصديق في كتفه بخفة: "لا متعجرف هنا سواك أيها الصديق." "يا رجل، أنا رمز التواضع ووسام المرح." ضحكتُ وقلتُ: "وهل لي أن أنال شرف صداقتك؟ ابتسم وقال بحبور: "بالطبع يا صديقي، أنت أخي الصغير يا رجل." رفعتُ حاجبي مستنكراً وقلتُ: "أخوك الصغير؟ "نعم." "لأنني أكبرك بشهرين وكما تقول القاعدة الشعبية: من يكبرك بيوم يعرف أكثر منك بعام."
ضحكتُ على هذه الجملة غير المنمقة. تبادلنا الكثير من الأحاديث وبالطبع الطرفات البشعة من صديق والقليل من الصمت والشرود. حقاً الصداقة دواء لندوب الروح. تذكرتُ معتز وموقف جمعنا بالماضي عندما حدثني صديق عن حزنه بترك منزله وأنه يريد الترويح عن ذاته، ولكن ليس بجانب حفنة الروث هذه. تذكرتُ آخر نزهة لنا في السفاري. اعتدنا على ذلك منذ الصغر، كنا نتحدث عن حزننا بالفراق وما نفعله لتخفيفه والتربيت على قلوبنا.
» كنا نقف أعلى تلة من الكثبان الرملية الرائعة، نناظر الصحراء التي تلتقي مع قبة السماء ليختلط اللونين الأصفر والأزرق السماوي في خط أصفر لامع أثناء لحظة الغروب. كان حينها تعرض لانفصال عن الفتاة التي يحبها. كان الحزن بادياً على ملامحه المرهقة مع تلك الدوائر السوداء التي تحول عينيه. قطع شرودي في القرص الذهبي الخافت قوله: "عندما أشعر بالحزن، تعلم ما الذي أفعله؟ "ماذا تفعل؟ قال بشرود:
"أستمع إلى الموسيقى لتخفف حزني. وعندما أشعر بالحنين، تقطع هي مسافات الشوق. عندما أشعر بالسعادة، تزيد هي سعادتي لأضعاف. عندما أرى ندوبي القديمة، تخفف عني ثقل الخذلان. فهي صديق وحدتي ورفيق مشاعري." "أنا على النقيض تماماً، أفعل شيئاً مختلفاً." "وما هو يا ترى؟ "لا أستمع إلى الموسيقى أبداً، فالأمر غير مهم برمته." "لماذا؟
"الموسيقى ليست سوى مجرد كذبة، مشاعر عابرة، أوقات زائفة نقضيها في سماع الأوهام على حد علمي بما قلته لتوك، فأنت تتجه إلى الموسيقى والعزلة." "لا أعلم كيف تعمل بالرسم وقلبك حجر كالجليد." أفقتُ من شرودي الذي أضحى يداهمني كثيراً على صوت غليظ. كان القائد هاتفاً: "الجميع إلى النوم. سنتحرك في غضون ساعتين، هيـــا! ساعتين؟ حقاً يمزح هذا الرجل البدين. تأففتُ بامتعاض وخلدتُ إلى النوم.
مرت خمس ساعات سريعة ونحن الآن في سوق لازورد. نتحرك في صفوفٍ منظمة بجانبي صديق بالطبع. أتأمل المدينة الزرقاء الرائعة. توقفتُ عن السير حين سمعتُ صوت ضحكات من خلفي في تجمع من الناس حول شيء ما. تركتُ الصفوف سريعاً وركضتُ إلى هناك غير عابئاً بنداء صديق المستمر باسمي.
أزحتُ التجمع لأقطع الدائرة وأجد شاب صغير عاري الصدر. أيقنتُ أنه من العبيد نظراً للون عينيه. صرختُ في هؤلاء الأغبياء لكي يتركوه. الفتى ينزف من أنحاء متفرقة بجسده بشدة نتيجة للضرب المبرح الذي تعرض له. "أتركوه يا أغبياء، أُقسم أنني سأقتلكم جميعاً، أتركوه."
لم يستجب أحدهم لذا أخرجتُ سيفي من غمده ووضعته على عنق رجل كان بجانبي يشاهد ما يحدث باستمتاع. صرخ بذعر واتجهت جميع الأعين إلينا. تركوا الشاب أخيراً وأنا تركتُ الرجل بالمقابل لكى أساعده على النهوض. أوقفتني يد رجل ما قائلاً بوعيد: "العبيد ليس لها رأي في أي شيء، فقط تشاهد مثل كلب الحراسة أيها القبيح." فاض بي الكيل عند هذا الحد. أمسكته من تلابيبه جاذباً إياه بعنف. صككتُ على أسناني بغل وهمستُ:
"أعد ما قلته، وأعدك بأنك لن ترى المساء يا أخرق." ابتلع ريقه بتوتر وأومأ كي أتركه. فتركته وركضتُ إلى الشاب ساعدته على النهوض. خرجتُ من التجمع لألحق بالصفوف ولكن لا وجود لها. همستُ بغضب: "لقد تركوني وأكملوا السير. صديق ذلك الغبي، سأقطع رأس الطماطم خاصته حالما أجده."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!