جلستُ على الأرض مُمسكاً بذراعي بألم يفتك به، وضعتُ يدي اليسرى على الأرض اهتزت الرمال أسفلي وأنا أشاهد ما يحدث بتوتر. دائرة بيضاء تُرسم على الأرض الرملية الملساء لتتحول جميع الرمال إلى الأزرق القاتم. وضعتُ يدي عليها بحرص، كدتُ أسقط. يا للهول، لقد تحولت إلى رمال متحركة. نهضتُ محاولاً الفرار، أتراجع بظهري إلى الخلف. صدح بعد ثوانٍ صوت رنان قوي:
"اليوم هو اليوم المعهود، يوم لقاء النجم مع قرينه، يوم اجتماع العملتين، يوم التحرر من القيود. فليحيا الملك راكان، حامي البلاد، حافظ العهد والوطن والروح." شُلت حركتي من الخوف، لا أستطيع التفوه بأي كلمة. إلى هذا الصوت الذي تابع حديثه قائلاً: "اقترب موعد اللقاء، وهو ذاته الفراق. ليكمل الملك تحرير صديقه المسجون، وهو ما زال على عهده." ازدردت ريقي ثم قلتُ بهمسات خافتة: "من أنت وعما تتحدث؟
لم ألقى رداً لبضعة دقائق، ثم صدح الصوت مجدداً: "من أنا؟ فأنا حامي العهد. وعما أتحدث؟ أنت خير حافظ له. في التوقيت ذاته، هو يوم عودة النجم المنتظر لحماية أرضه، لبجشان." صمتُ، محاولة بائسة مني لفهم ما تفوه به هذا الصوت. لأسأله بتجهم هذه المرة: "أي نجم منتظر يا هذا؟ لا يوجد رد. نظرتُ إلى ساعدي الذي لا يزال الألم يتخلله، ثم إلى هاتفي القابع على الأرض الرملية أمامي. أخذته بوهن، فتحتُ عيناي على آخرهما وأنا أتذكر حديثه وكلمة
(لبجشان) نفس الكلمة التي كانت على ذلك الكتاب. دلفتُ الخيمة راكضاً، متحاملاً على نفسي. أخذتُ مفاتيح السيارة وقُدتها عودة إلى منزلي، ومنه إلى مكتبة جدي. وقفتُ أمام الرفوف التي تملأ الجدران بسخاء. يبدو أن أمامي يوماً شاق، بجانب ساعدي الموسوم حديثاً. هذا لن يُعيقني عن أبى، لن يُعيقني عن إيجاده بأي طريقة كانت.
شرعتُ في البحث لساعات، دامت إلى أن وقفتُ على السلم عند أعلى الرف الثالث. وجدتُ مبتغاي، مجلد ملئ بالأتربة وشباك العناكب، مدون عليه بخط منمق قديم (لبجشان) ، وأسفله كلمة أخرى غريبة بعض الشيء. لم أكترث كثيراً وأخذته وهبطتُ السلم الخشبي بحذر، حاملاً الكتاب. جلستُ على مكتب أبى بهدوء، فتحتُ أولى صفحاته. لا يوجد بها شيء سوى صورة للطائر ذاته. والصفحة الموالية كانت بنفس اللغة. وبعد ذلك بضعة كلمات باللغة العربية قرأتها تباعاً،
وكان مفادها: "تفتح جميع الأبواب يوم لقاء الفراق (ريديس) ريديس؟! هذا اسم مصري قديم. قرأتُ الجملة مرة أخرى وأخذتُ أتصفح الكتاب، ولكن دون جدوى، إذ أنه بنفس اللغة. خمنتُ أن يكون حل هذه اللغة مدون هنا مكان ما. شرعتُ بالبحث في جميع الأماكن المتوقعة، إلى أن رأيتُ شيئاً غريباً. جريدة صفراء قديمة بتاريخ لعام ١٩٢٦ عن خبر وفاة مُزارع هنا في القصر. ووجد على يده وسم، نفس الوسم الذي يزين ساعدي.
التقطتها سريعاً، قارئاً إياها بدهشة. وجدتُ بها: "قُتل المزارع طه محمود في ظروف غامضة، إذ وجد منزوع الرأس أمام قصر يعود إلى إحدى العائلات، وموسوم على ساعده صورة لطائر البوتو العظيم." "يا إلهي، الرسمة ذاتها! هل معنى ذلك أنني سأُقتل؟ أخذتُ الجريدة وركضتُ للخارج بملابسي الرثة وشكلي المشعث. وصلتُ إلى وجهتي، إلى منزل معتز، لأسأله عن عائلة هذا القتيل في قصري قبل أعوام مضت. قال في تفاجؤ: "يونس؟ ماذا هناك؟ هل حدث لك شيء؟
"لا يا صديقي، فقط أود سؤال أبيك عن أمر ما." قال وهو يشير إليّ بالدخول بحبور: "يا رجل! أخفتني حقاً، بالططبع تفضل." دلفتُ بهدوء وجلستُ على أريكة البهو، أحرك ساقي بتوتر بادٍ. أتى والده بعد دقائق، رحب بي ثم سألته: "عمي، إذا سمحت لي، هل تعرف طه محمود القتيل قبل أربعة وتسعين عاماً؟ تجهمت ملامحه بتفكير، ثم قال بعدما صمت هنيهة: "نعم، أعرف. حفيد أخيه يدعى صالح، ولكن لما؟ أجبته وأنا أهم بالنهوض:
"لا شيء، فقط بعض الأسئلة عن حادثة جده." أومأ، وما زال على هيئته المتجهمة. خرجتُ وهمست لمعتز قائلاً: "لقد أمسكتُ بطرف الخيط لإيجاد أبي." رمقني بتوتر هاتفاً: "أمازلت تبحث عن والدك الذي اختفى منذ أكثر من عشر أعوام؟ ربتُ على كتفه وقلتُ باسماً: "ولو مر مائة عام يا صديقي، سأجده مهما كلفني الثمن." بادلني بابتسامة داعمة، وكانت هذه آخر مرة أرى فيها أخي وصديقي الوحيد معتز.
ذهبتُ إلى العنوان الذي دلني عليه والد معتز. كان منزلاً بسيطاً للغاية. طرقتُ الباب بهدوء وانتظرتُ بضعة دقائق. فُتح الباب وظهر رجل طويل القامة، قوي البنية، أسمر البشرة، يرتدي جلباباً. وقال بعصبية طفيفة لا أعلم ماهيتها، أهو انزعاج أم تعالي: "ماذا تريد؟ ازدردت ريقي وأجبته ببعض التوتر: "أليس هذا منزل طه محمود؟ "بلى." "حسناً يا سيد، أريد أن أسألك بعض الأسئلة." "حسناً، لا مشكلة. انتظر هنا."
دلف إلى المنزل لثوانٍ، ثم عاد يُشير لي بالدخول. جلستُ على الأريكة البسيطة ليقول هو بصوت أجش منزعج: "والآن، ماذا تريد؟ "أريد معرفة قصة مقتل جدك طه محمود." "ولما تريد ذلك؟ لقد تم إغلاق القضية ضد مجهول." "أنا صحفي يا سيد، وأريد تدوين قصص للجرائم الغامضة التي حدثت في القرن الماضي." لم أجد منه أية إجابة أو رد فعل، لأكمل: "وأيضاً مكافأة لأهالي المجنى عليهم." انفرجت أساريره بطمع بادٍ ليقول: "وما هي؟ "مكافأة مالية يا سيد."
أومأ إلى علامة على البدء في الأسئلة. سألته بإيجاز: "والآن، أريد معرفة كيف توفى جدك طه؟ تنهد بعمق وقال:
"قُتل في ظروف غامضة، هذا ما قصه عليّ أبي. أنا حفيد أخيهما حسن. كان الأخ الأكبر لجدّي طه بقرابة الثلاث سنوات، وكان أخاه مصطفى الأصغر. رآه في ليلة وهو يعود من عمله بالحقل كالعادة، ولكنه غير مساره إلى ذلك القصر الخاوي. هذا ما رواه جدي إليّ رفقة إخوتي. قال أنه تبعه إلى القصر، ولكنه لم يستطع الولوج لسبب يجهله. قال أن قدماه توقفت بلا إرادة منه، وكأنه مقيد، وهو يرى أخاه الأكبر يدلف بخوف ورعب، والباب مفتوح على مصرعيه. حاول
الصراخ عليه ولكن دون فائدة. رآه يصعد الدرج الداخلي ثم اختفى عن ناظريه، تزامناً مع توهج ضوء أزرق من نافذة إحدى الغرف في واجهة القصر الرخامية. ثم تبعه صوت صرخات جدي طه، والتي شقت صمت الليل. ولكن الغريب، بالرغم من وجود المنازل الكثيرة بالقرب من القصر، فلا يوجد شيء غريب ولا حركة، كأن شيئاً لم يكن. ثم رأى الظلام الحالك وعودة الهدوء بعد بضعة دقائق، وسقط شيء من النافذة في الظلام أمامه على بُعد خطوات. أستطاع الحراك من موضعه
ونظر إلى الشيء الساقط أمامه على الأرضية الصخرية القاسية. صرخ وهو يرى جثة أخيه قابعة أمامه بلا حراك وبلا رأس. صرخ بكل قوته وبكى إلى أن خسر صوته لبضع سنوات."
صمت مراد وهو يروي على مسامعي هذه القصة المأساوية الغامضة، ثم قال: "أُغشي عليه بجانب الجثة. استيقظ صباحاً وهو مكبل اليدين والقدمين. حاول التحدث ولكنه لم يستطع، كان يريد إخبارهم بالقصة كاملة." صمت هنيهة وهو يفرك ذقنه بإبهامه وسبابته بتفكير: "أجل، أراد إخبارهم أنه رأى شيئاً يضيء على ساعده، كانت رسمة غريبة بعض الشيء، متوهجة بزرقة لامعة. وهذه هي القصة كاملة يا سيد... "مراد... مراد مرشد."
ثم وقفتُ سريعاً لكي لا يتعرف عليّ أكثر من ذلك، واعداً إياه بإرسال مكافأته في أسرع وقت. والآن فهمت بعض الأمور، لم يكن مقتل طه محمود طبيعياً، ولا اختفاء والدي أيضاً، وبالإضافة إلى اختفاء اسم أمي من على القبر. عند هذه النقطة أوقفتُ سيارتي وسألتُ ذاتي: "أيعقل أن يكون ما يجول بعقلي الآن حقيقياً؟
قُدتها سريعاً إلى مكان المقابر الخاصة بالعائلة. كانت الساعة حوالي التاسعة مساءً، بدون نوم منذ يومين، وبدون عمل أيضاً. لقد قدمتُ على طلب إجازة لثلاثة أيام، وهذا يعني أن اليوم هو الأخير في عطلتي القصيرة، ويجب بذل قصارى جهدي لحل لغز اختفاء أبي غير المنطقي. كانت المقابر في مثل هذا الوقت خالية، لا يوجد بها زائرين، وكذلك مقابر عائلتي لم يكن بها أي شخص.
أمسكتُ بمصباح زيتي معلق من الداخل، البوابة الحديدية المؤصدة، وأشعلته بواسطة القداحة خاصتي. لا يوجد شيء غريب، المكان كعهده مثلما تركته آخر مرة قبل سنتين. ولكن لفت نظري شيء يتوهج أسفل القبر. خطيتُ بخطوات ثابتة، لا يوجد شيء غريب، ولكن الأرض رطبة للغاية أمام القبر، وكأن بداخلها صنبوراً من المياه.
جثوتُ على ركبتيّ، واضعاً المصباح جانباً، وأبعدتُ الوحل بهدوء، متوتراً من المنتظر. أنا في المقابر في هذه الساعة، ولا وجود لأي حياة هنا. إنه المنزل الأخير، شعور بالهدوء بين مقابر من سبقونا. مقابر مليئة بالأحلام الموءودة، تنزف الشوق ليفتك بقلب أحباءٍ يزرفون الدمع رغبة في اللقاء، ولكنهم على العهد باقون للنهاية. "وأنا أيضاً يا أمي، على عهدنا إلى النهاية." تلطخت يداي بالوحل وملابسي. أبعدتُ الحجارة الرطبة من مدخل القبر.
أمسكتُ المصباح رافعاً يدي أمام وجهي، صرختُ فزعاً وأنا أرى عينين زرقاء قاتمة تنظر إليّ. صرختُ مرة أخرى وأنا لا أرى جسداً، فقط عينان مضيئتان وسط الظلام. حاولتُ الخروج من القبر الذي أضحى مغلقاً من جميع الجوانب والثغور. كيف حدث ذلك؟ بالإضافة إلى المصباح المطفي بفعل المياه الراكدة أسفله، وتلك العينان تقترب من وجهي. كان جبيني غارقاً بالعرق كسائر جسدي تماماً. شعرتُ بأنفاسٍ باردة تلفح وجهي كصقيع هذا القبر تماماً.
شعرتُ بيدي اليسرى تُرفع بدون إرادة مني، ورُفِعت أمام تلك الأعين، وتوهج الوشم تزامناً مع الخاتم تماماً. اختفى خوفي لدقائق، قبل أن يتجهم وجهي سائلاً بتعجب: "ماذا؟ "اليوم هو اللقاء." "أي لقاء يا هذا؟ لم يجيبني على سؤالي، ولكنه رفع أمامي ساعدي قلادة بها شيء أزرق متوهج أيضاً، والقلادة توضع حول عنقي. صرختُ مرتعباً وأنا أستمع إلى كلماته الغريبة، لا إجابة. اختفى، وأيضاً خيم الصمت والظلام الموحش ثانية.
حاولتُ فتح القبر ونجحت هذه المرة. لا وجود لجثمان أمي أو لاسمها. القبر خالٍ! أي لعنة أصابتني اليوم؟ قررتُ العودة للتخييم مجدداً، رفقة تلك القلادة التي تأبى ترك عنقي، وأيضاً رفقة مجلدي العزيز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!