"في هذه الحياة لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها". كانت هذه آخر عبارة دونتها في دفتر مذكراتي الذي لا يفارق يدي أبداً، وكأنه صديقي الوحيد. بعدها انطلقت بسيارتي، أو للتوضيح، بقايا سيارة والدي، فهي الذكرى الوحيدة المتبقية لي منه. اسمي يونس وليد، أنا في نهاية عقدي الثالث. تخرجت من كلية الفنون الجميلة قبل ثماني سنوات.
توفى جدي نصر قبل عشرين سنة، كنت حينها في عامي التاسع. توفى وحيداً بعدما تركته حبيبته وزوجته. تزوجها بعد قصة حب كانت تُحكى في الميادين والجلسات النسائية مرات ومرات. لقد حارب عشيرته لأجلها، كما أخبرني ذات مرة.
بعد ذلك الحدث بقرابة الثلاث سنوات، لقت أمي حتفها بعد صراع طويل مع مرض عضال. لم تكن قوية بما فيه الكفاية لكي تصارع مرضها. دخلت في حالة اكتئاب وحزن فاقت طاقتي. أمي كانت حبيبتي الأولى، ملاذي وركن الراحة خاصتي حين أتعب من هذا العالم. كاتمة أسراري، خاطفة قلبي الأولى وصديقتي المقربة.
كان والدي يعمل بالتجارة بجانب ثراء العائلة الفاحش. ولكن كل ذلك كان مجرد صورة للمجتمع الخارجي. لم أستطع تكوين صداقات حقيقية سوى واحد فقط، صديقي الوحيد معتز. من قوة وجمال صداقتنا كان يظننا البعض أننا إخوة. يعمل طبيب في إحدى المستشفيات الحكومية.
كان والدي بمثابة مرشدي الأول والأخير، مستشار قراراتي، ملهمي. بعد وفاة أمي تغير كثيراً، أصبح منعزلاً عن المنزل. لا يجلس رفقتي سوى بضع دقائق قليلة للغاية ويتركني بمفردي مجدداً. كان يغيب عن ناظريّ كثيراً، وعندما أسأله يخبرني أنه يبحث عن أمي. لم أشعر بشيء حينها سوى بعبراتي التي تتصارع على وجنتاي. أبي يكاد يفقد عقله بعد أمي. بعد ذلك زاد اختفاؤه كثيراً، حتى أضحى بالأيام في مكتبة جدي، كما أخبرني ذات مرة. ولكن كيف؟
وكل ما في مكتب جدي هو مكتب وكرسي وثيّر يقبع خلفه، بالإضافة إلى اثنين أمامه يوسطهما منضدة وأريكة بجانب الباب. إذاً أين تلك المكتبة؟ لم أشغل بالي كثيراً بخصوص ذلك الموضوع، ولكنه استولى على عقلي عندما ذهب والدي في إحدى رحلاته المجهولة ولم يعد. اختفى والدي بعد وفاة أمي بعامين. ولكن الغريب أن اسم أمي المنحوت على قبرها اختفى مع اختفاء والدي.
أضحيت وحيداً من جديد. ولكن تغير شيء مع اختفاء والدي. ذهبت الثروة الفاحشة، ذهب العمال والخدم. أصبحت مجرد شاب تعيس لا تختلف حالته عن أي قطعة أثاث تقبع في قصر. قصر ضخم خاوي مظلم لا يوجد به سوى شخص واحد. بالطبع سيكون مبتغى لكثير من اللصوص. سُرق مرات عدة. أحياناً وأنا بالخارج أتابع سير عملي كنادل في إحدى المقاهي القريبة، أو أثناء نومي أيضاً تمت سرقته. ساعدني معتز كثيراً في تأمينه بالأقفال من الأبواب الخلفية والنوافذ الحديدية من الأمام والخلف.
لا يوجد أشخاص بحياتي سوى صديقي معتز وخطيبتي نغم. ألتقيت بها منذ حوالي سبع سنوات في مبنى المحاضرات. كانت في سنتها الأولى وأنا بالنهائية. تبادلنا الأحاديث والمقابلات إلى أن وقعت أسيراً لعينيها. أجمل شيء بها عينيها الزرقاء التي نادراً ما توجد. كانت كالملاك بالنسبة إليّ. ذهبت لخطبتها رفقة والد معتز، كان صديقاً عزيزاً لأبي. بعد الكثير من الحديث والإلحاح، وافق والدها على مضض. كدت أطير من فرحتي أثناء تبادل خواتم الخطبة سوياً. شعور رائع عندما تظهر حبك وتراه بأعين حبيبتك أمام الملأ.
والآن بعد سبع سنوات، أخذت علاقتنا مساراً مختلفاً. أكاد أخمن أننا على وشك الانفصال. نغم أضحت في الآونة الأخيرة قليلة الكلام، كثيرة الحجج بشأن علاقتنا وتكاد تنهيها. ولكني أحاول وأتمسك بها إلى النهاية، لا أستطيع تخيل حياتي بدونها. كأن الله أرسلها لي كهدية، لا أعلم ما قدمته لأحظى بها. وصلت أخيراً إلى وجهتي بعد حوالي ساعتين من القيادة. إحدى المعارض المرموقة. ترجلت من السيارة حاملاً خمس لوحات من أصل عشرة مغلفة بإتقان.
كان المبنى من الداخل رائع التصميم، بسيط الأثاث، مبهر اللوحات التي كانت بسيطة للغاية بالنسبة لفني المختلف. وجدت المكتب المنشود مكتوب عليه بخط عريض منمق "المدير". أمامه مكتب تقبع خلفه فتاة جالسة ترتدي زي العمل الرسمي. سألتها بتوتر غلفته بود: "كارم وليد، لدي موعد مسبق مع المدير." أجابتني بطريقة عملية بعد أن نظرت إلى الحاسوب أمامها لبضعة ثوانٍ: "أجل سيد كارم. سيدي في انتظارك، تفضل." دلفت في توتر وألم يعتصر
قلبي وأنا أقول في ذاتي: "لا عليك يونس، سيكون كل شيء على ما يرام. لا تبتئس، هذه محاولتك الأخيرة في هذا المجال." أفقت من دوامة أفكاري على صوت المدير وهو يسألني: "سيد كارم، تفضل." جلست في ارتباك ثم أردف: "أهلاً بك في المعرض، لقد سمعت الكثير عن فنك." "آمل أنه حظي على إعجابك سيدي؟ سألني: "هلا أريتني إياه أولاً لكي أقيمه بنفسي؟ أجبته: "بالطبع سيدي، تفضل."
أعطيته جميع اللوحات التي كانت بحوزتي. نظر لها بتدقيق قرابة الخمس دقائق ثم توجه بنظره لوجهتي وقال: "لوحاتك رائعة وأيضاً مختلفة." "أشكرك." ثم أردف بعملية: "لكن يؤسفني أن أخبرك أن هذا النوع من اللوحات لا يُعرض لدينا هنا. آسف حقاً." أجبتُ ببعض الحزن: "لا عليك سيدي." لملمت شتات أحلامي بحزن وعدت أدراجي بعد قيادة دامت لنفس المدة السابقة.
ترجلت إلى داخل سور القصر الحديدي ووجدت نغم تجلس بملل على الدرج الخارجي للقصر تتصفح هاتفها بملل. كانت خاطفة للأعين بوجهها الطفولي الجميل وملابسها الفضفاضة وحجابها الذي تداعبه الرياح ليتطاير خلفها بحرية ثائرة، وبحر عينيها أكاد أقسم أنه محيط يجذبك لكى تستكشف أعماقه أكثر وأنت تغرق به بصدر رحب. وها أنا ذا غارق في هذا المحيط، متأكد أنني لست الغارق الأول، ولكنني أتمنى أن أكون الأخير. ما إن رأتني حتى همت بسؤالي:
"كارم، ماذا حدث؟ أخبرني، أكاد أموت من فرط دقات قلبي المتوترة." أجبتها ببعض التوتر: "تم رفض اللوحات من جديد." قالت بوجه متجهم خالٍ من أي تعابير تُذكر: "حسناً، أظن أننا وصلنا إلى نهاية المطاف. نهاية الرحلة التي لم ولن تبدأ من الأساس." سألتها بعدما نشبت حرب بداخلي: "ماذا تقصدين نغم؟ أجابتني بنفس الملامح: "لن أستطيع الزواج منك يونس، أعتذر." خلعت خاتم خطبتنا ووضعته في كفة يدي اليمنى وهمت بالذهاب. ولكني أوقفتها قائلاً:
"لقد حاولت معك للنهاية. لقد أحببتكِ قرابة الثماني سنوات. حاربت كل شيء لأجلك. أحلامي التي دُفنت تحت قدمي الآن. كما تريدين." استدرت سريعاً ثم سمعت صوت الباب الحديدي الموصد يُفتح ويُغلق. علمت أنها رحلت. أنهت قصة حب في مهدها وأنا من كنت أحضر للزواج بها. تركتني في تعثراتي. يا الله، لقد تركني الجميع. لم يبق لي سواك. هون على قلبي الذي ينزف دماً وندماً على هذا العشق الخاسر. هون على عبدك يا الله، لقد أتعبتني سقائل الحياة.
لم أشعر بشيء سوى بعبراتي وأنا أدلف إلى البهو الفارغ الموحش. تهاوت قدماي وسقطت على الأرض جالساً على ركبتي، أبكي على أحلامي، عائلتي، حبي، وحدتي، ونفسي. ماذا فعلت لكي أنال هذا الاختبار الصعب؟ بكيت إلى أن سقطت، لا أعلم نائماً أم فاقداً للوعي من شدة التعب والإعياء. استيقظت في تمام الساعة السابعة صباحاً لليوم التالي لأجدني بنفس موضعي. ضحكت بسخرية على نفسي. لو مت في يوم لن يشعر بي أحد.
بعد حوالي ثلاث ساعات، حيث كنت جالساً في الردهة أتأمل خاتم والدي الذي تركه لي، والذي تركه جدي كإرث للعائلة. إنه حقاً لعنة لحاملها. أمعنت النظر بعلبة الخاتم الفضية، مثله تماماً، كانت جميلة للغاية، ذات طابع رائع، كأنها إحدى مقتنيات عائلة ملكية. عند هذه النقطة ضحكت بكل ما أوتيت من طاقة. فجدي كان يهذي في آخر أيامه، دائماً ما يقول أننا عائلة ملكية. لم يصدقه أحد بالطبع، فكان في أواخر أيامه مريضاً بمرض الزهايمر. لأعاود النظر
إلى العلبة، كانت مغلفة بالرسومات الرائعة. في الجانب الأيسر من واجهتها الأمامية دائرة زرقاء غاية في الروعة، يوسطها رسمة طائر غريب للغاية. في الغطاء أربع دوائر زرقاء مماثلة للسابقة. في كل دائرة رسمة غريبة أيضاً، وكأنها لغة مختلفة. يتوسط الغطاء الفضي دائرة مقعرة بمنتصفها ثقب دقيق للغاية تتصل بالدوائر الأربعة عبر أربع خطوط دقيقة للغاية ممتدة من أطراف الدائرة المقعرة لتتصل بالدوائر الأربع الأخرى لتكون أربع قنوات دقيقة
للغاية. فتحتها ولكنها فارغة. لا يوجد بها شيء من الداخل. فارغة كهذا القصر الخاوي تماماً. لتعاودني الهواجس بشأن أبي واختفاء اسم أمي من على قبرها. انفصالي عن نغم التي قررت الارتباط بدكتور في الجامعة بعد انفصالي عنها. أيقنت حينها أني المغفل الوحيد في هذه الحياة. وكل هذه الأحداث التي شهدتها في بداية شبابي، أيام مراهقتي التي بالمفترض أنها أيام اللهو واللعب مع أصدقائي وأقراني. وجدت أحداً ما يدلف من بوابة القصر الداخلية. لم
يكن سوى معتز الذي أتى لتوه من عمله.
بعد السلام، جلسنا قليلاً ليفاجئني بسؤاله: "كيف سارت مقابلتك الأخيرة في معرض اللوحات؟ أجبته بنبرة كساها الحزن وفقدان الأمل، بالإضافة إلى شعور الخذلان من قبل نغم، لقد تركت بداخلي جرحاً لن يداويه الزمن مهما مر وطال. "لم تختلف عن المرات السابقة." قال ببعض الحزن: "رُفضت من جديد." أجبته بإيماءة بسيطة برأسي. ليربت على كتفي داعماً ويقول بابتسامة: "رب الخير لا يأتي إلا بالخير يا صديقي." اكتفيت بإيماءة بسيطة مع ابتسامة.
صمت مجدداً ثم قال بعد وقتاً بسيطاً وهو يتصفح إحدى المواقع الإلكترونية: "لقد وجدتها." سألته بملامح متعجبة: "ماذا وجدت؟ قال بحماس شديد وهو يعاود النظر للهاتف ويديره لوجهي لكي أرى ما الذي يتحدث عنه: "هذا معرض فني إلكتروني. صاحبه يهتم بهذه الأمور والمواقع الإلكترونية والتكنولوجيا، ودائماً ما يقول:
'التكنولوجيا هي المستقبل. لماذا أتعب في العمل وأجاهد في تصميم جالييري وأنا بإمكاني القيام به وبدقة أكثر من مكاني. هذا الموقع هدفه مساعدة الشباب الحالم لكى ينشر أعماله هنا'." ابتسمت ونظرت لمعتز بأمل جديد لأقول: "وهل يقبل هذا المعرض أعمالي المتواضعة؟ ضربني معتز بخفة على ذراعي وقال بمرح: "تباً لتواضعك يا رجل." سألته: "هل هناك مقابلات أو شيء من هذا القبيل؟ أجابني: "لا، فقط سترسل صورة للوحة وسيقوم بالرفض أو القبول."
فكرتُ كثيراً في الأمر ثم هممت بالوقوف. غبت لبضعة دقائق ثم عدت حاملاً لوحة خاتم اللازورد وقمت بتصويرها وإرسالها على البريد الإلكتروني رفقة معتز، الذي جلس يحادثني عن عمله وما يلقاه من بعض اللكمات أحياناً جراء العمليات البسيطة التي تتطلب فقط الاهتمام بالمرضى، وأيضاً بعض المرضى الذين يذهبون للمشفى ولكن لسبب تافه، والكثير من هذه المواقف منها المضحك ومنها المحزن. سألته بعد وقت بهدوء:
"ما طبيعة سير الأمور في ذلك المعرض الفني؟ أجابني باسماً: "بسيطة للغاية. ستقوم بتصوير جميع هذه اللوحات وتعرضها على الصفحة الخاصة بالمعرض على مواقع التواصل الاجتماعي. وعندما يرغب أي شخص في الشراء، تقوم باتفاق بسيط مع إحدى شركات الشحن ويتم توصيل اللوحات المطلوبة إلى منزل المشتري. ها ما رأيك؟ عبستُ في حيرة صامتة ليردف: "حسناً، لدينا الكثير من العمل. هيا بنا لنبدأ بتحقيق أحلامك يا رجل."
ابتسمت في امتنان ووقفت أساعده في تصوير معظم اللوحات. كان من بينهم لوحة للعلبة الفضية والخاتم أيضاً. رحل بعد جلسة دامت لساعات. اتفقنا على رحلة سفاري بعد الغد للقيام ببعض الاستكشاف بعيداً عن قرية النمسا قليلاً. ودعته وعدت أدراجي مجدداً. فتحت ذراعي في الهواء وقلت باسماً وأنا أدور حول نفسي: "ها قد عدنا يا وحدتي الغالية."
بعد حوالي أسبوع من عرض اللوحات، لم يتم بيع سوى عشر لوحات. حسناً، عدد لا بأس به كأول مرة في غضون ثلاثة أيام فقط. بعد ذلك لم يتم استقبال أي طلبات للوحات. تخلل اليأس إلى قلبي وعقلي. أصبح كالمرض الخبيث الذي ينهش في جسدك يوماً بعد يوم وأنت لا تستطيع المقاومة سوى ببعض الصبر والثبات إلى حين إشعار آخر.
أصبح الفراغ والملل رفاقي والتفكير الزائد الحائل بيني وبين راحتي ونومي الطبيعي. لا أستطيع النوم سوى مع شروق الشمس لبضعة سويعات قليلة. أتذكر نغم، الحب الوهمي. تركت يدي وأنا من كنت أتمسك. لا أبوح عن آلامي لأياً كان، ولكن لا بأس ببعض الندم بمفردي. هل كنت سيئاً في نظرها إلى هذه الدرجة؟ نغم.. اسم يدخل قلبي دون سابق إنذار.
هذا هو الحب الذي كنا نقرأ عنه دائماً في الروايات وقصص الشعر. إنه شيء واحد، كابوس مُهلك لصاحبه إن لم يكتمل. عاودت التدريبات اليومية. أفرغ طاقتي السلبية المكبوتة بها. هذه عادتي منذ نعومة أظافري. كنت المتدرب الطفل الأول في العائلة. جدي كان يحافظ على لياقتنا البدنية بدرجة كبيرة. كان مولعاً بالرياضة. تدربت على أساليب قتال عدة والفروسية، رفع الأثقال، المبارزة بالسيف والرمح و... و...
توقفت حين سمعت رنين هاتفي. كان السيد أيمن صاحب ذلك المعرض الذي أقوم بنشر لوحاتي على مواقعه. أجبته بود: "صباح الخير." "صباح الخير، كيف حالك يا يونس؟ "بخير سيد أيمن." انتظرت قليلاً حتى يخبرني سبب هذا الاتصال المفاجئ ليقول بعد برهة بجدية: "كارم يا بني، لقد قمت بنشر بعض لوحاتك على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بمعرضي." أجبته بهدوء: "أجل يا سيد أيمن، هل تود شراء واحدة أم ماذا؟ قال بمزاح:
"ولما لا، ولكن هي واحدة فقط جذبت انتباهي." قلت مازحاً: "ومن هي سعيدة الحظ؟ ضحك وقال بجدية بعدما صمت قليلاً: "أريد لوحة العلبة الفضية وخاتم اللازورد." قلت في نفسي: "تباً لما قمت بنشر تلك اللوحة الغبية." أفقت من أفكاري على صوته: "كارم، هل ما زلت معي؟ "أجل سيدي، ولكن لما هذه اللوحة؟ "لا أود الشراء. أنا أخبرك بحذفها والآن من على جميع مواقع التواصل. وهذا لمصلحتك أنت، ووالدك." "والدي!
حذفت الصورة من على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أمر السيد أيمن. لا أعلم لما كل هذا الحذر. إنها لوحة عادية في نظري، علبة بالية قديمة جعلت لها قيمة لا أكثر. كانت الساعة قرابة الخامسة صباحاً. مبكر جداً، ولكن هو من عرض علي المجيء مبكراً وبحوزتي العلبة لكى يخبرني بشيء مهم بخصوصها وأبي أيضاً. وما صلته بأبي من الأساس؟
سأفعل أي شيء في سبيل عودة أبي إليّ سالماً. أبي كان قاسياً مع جميع من بالخارج، ولكن معي أنا على النقيض تماماً. كان الأخ والأب والصديق، داعمي، معلمي، كان كل شيء. كان كل من أحتاجهم هو أبي. ضغطت زر الجرس، فُتح بعد دقائق بواسطة السيد أيمن. كان بملابس النوم خاصته، ويفرك عينيه بتثاقل: "مرحباً يونس، انتظرتك كثيراً إلى أن غلبني النعاس." قلت بسخرية: "أرسم لمدير المعرض الفني الذي أعمل به. إنه ظالم للغاية." ضحك باستفزاز وقال:
"حقاً قاسي، لما لا تترك هذا الجاليري؟ "ترأفاً بحالته لا أكثر." رمقني بغضب وأشار للدخول. جلست على الأريكة في الردهة وقلت بتعجب: "لقد نفذتُ طلبك بحذف الصور، والآن حان وقت معرفة سبب هذا الطلب غير المحبب! أجابني بهدوء وهو يجلس: "هذا خاتم يعود إلى متحف في الدولة المجاورة لنا من جهة الشمال." "وما دخلي في كل هذه الترهات؟ "الخاتم مصنوع من اللازورد المضيء، حجر سحري على عكس طبيعة حجر اللازورد المعتمة."
"وماذا أفعل بهذه المعلومات؟ "أنا أدعوك لكى أقص عليك قصة خاتم من اثنين فقط في العالم، وأنت تقول ماذا أفعل؟ حكم عقلك يا فتى، إن قمت ببيع هذا الخاتم ستجني الكثير." والآن فهمت، هو يريد المال لا أكثر. قلت بهدوء: "وأنا يستحيل عليّ بيعه. وأنت إياك وإخبار أياً كان عن هذا الخاتم، أسمعت؟ أجابني ببعض الغرور: "كما تشاء أيها الفنان الشاب."
دلفت للخارج بعصبية من ذلك الرجل وفكرت ملياً في أمر الخاتم واللازورد السحري، ولكن حسمت أمري بعدم التفكير في مثل هذه الأمور مرة أخرى. نظرت في ساعة هاتفي الخلوي. كانت الساعة قرابة السابعة صباحاً يوم ١٤ يوليو لعام ٢٠١٤. يوم مولدي، يوم لقاء أبي بأمي، ذكرى زواجهما، يوم وفاتها، يوم فقده.
قُدتُ سيارتي إلى المنزل أجلب بعض الحاجيات للعودة مجدداً إلى نفس الطريق ولكن الوجهة مختلفة. سأذهب في رحلة سفاري كما اعتدت في نفس اليوم من كل عام، كما كان يفعل والديّ.
عندما دلفت إلى القصر وبالتحديد إلى مكتبة جدي، تذكرت عندما حاولت الوصول إلى قصة طفولية وأنا بعمري الخامس لكى أُسلي وقتي وأتخلص من هذا الملل الذي يحاوطني من كل جانب. كانت قصة تتناول أميرة صغيرة تلتقي ببستاني فتقع في حبه، ولكنهما يفترقان بسبب الفوارق والعنصرية الطبقية والاجتماعية، ولأنه كان من حاشيتها.
دائماً ما كان هناك فوارق بأي شكل كان في قصص الطفولة التي تُحكى قبل النوم. كسندريلا والشاطر حسن، الفارس المغوار الذي يتغلب على كل من يقف في طريق زواجه من حبيبته الفقيرة وينتصر في النهاية. ولكن الحقيقة تختلف، فعنتر لم يتزوج عبلة أبداً على الرغم من انتصاره على كل من وقف في طريقه.
أنا كنت مختلفاً في طفولتي بعض الشيء. كنت أحب القراءة، بل أعشقها حد النخاع. جذبت كرسياً خشبياً كان قابعاً أسفل الرف الضخم الذي يحوي عشرات الكتب.
حاولت الوصول، ولكن في اللحظة الأخيرة سقطت على ظهري وسقط فوقي كتاب ضخم. ظننت أنه أسود اللون، ولكن تأكدت بعد ذلك أنه أزرق قاتم. حاولت قراءة عنوانه، ولكن دخول أبي القلق أعاقني عن ذلك الكنز المبهم. لاحظت توتره قليلاً وهو يوجه أنظاره إلى الكتاب. حمله إلى غرفته، وقامت أمي بالإسعافات الأولية اللازمة من تضميد لجرح رأسي السطحي. بعدما تعافيت، حاولت البحث عن ذلك الكتاب ذي العنوان الغريب، ولكنني لم أجده أبداً.
وصلتُ إلى وجهتي وترجلتُ من السيارة ثم شرعتُ في نصب الخيمة الصغيرة خاصتي. يبدو هذا المكان مناسباً بين أحضان الطبيعة. لابد أنني سأستمتع بوقتي كثيراً. بعد وقت، كنت جالساً أمام الخيمة البنية الصغيرة أحتسي كوباً من القهوة وأنا أشاهد غروب الشمس في مشهد بديع. لحظة موت الشمس ليحيا القمر على حبها الذي ينيره، والنجم الأبيض الذي يتوهج بجانبه تراقصاً على انعكاس حبهما.
نهضتُ لكى أستريح قليلاً من عناء هذا اليوم. أسدل الليل ستائره المتلألئة. كنت جالساً أستند بظهري على جذع شجرة قريب من الخيمة. نظرتُ للظلام الدامس أمامي لأتنهد ببطء وتروٍ، وكأن هذه التنهيدة هي التي ستخفف من حزني والنار التي تأكل جوفي. الصمت أحياناً هو الاختيار الإجباري لكى لا تكون لقمة سائغة في أفواهٍ تتمنى رؤيتك متألماً، ولكن التنهيدة هي لغة الصمت للتعبير عما لا نستطيع البوح به.
فتحتُ دفتر مذكرات والديّ لأقرأ بصوت عالٍ لعلى أنتشي قليلاً من حنانهما: "كن على يقين دائماً بأن الله يخبئ لك الأجمل، شيء يفوق توقعاتك. ولكن لكى تصل عليك بالسعي والتحلي بالصبر." قلبتُ الصفحات تباعاً لأقرأ: "لا توجد شجرة لم يهزها ريح، ولا يوجد إنسان لم يهزه فشل. لكن توجد أشجار صلبة ويوجد أشخاص أقوياء. فهذه هي الحياة يا بُني، لكي تصبح قوياً يجب تذوق صعوباتها وتخطيها بجدارة."
تأملتُ صورة أمي على هاتفي الجوال ألمسها بأناملي بخفة. اشتقتُ لها كثيراً. أخذتُ أتصفح الصور التي بهاتفي. وجدتُ صورة تجمعني بنغم تبتسم بعفوية وأنا أناظرها بحب. أغلقتُ عيناي واستغفرتُ ربي على هذه المشاعر. فبالنهاية قلبي ليس ملكي، لا يوجد زر للتحكم في مشاعري، ولكنني أحاول جاهداً تنَسيها.
ألقيتُ بالهاتف بغضب من تذكري لخطيبتي السابقة التي بالمفترض أن تكون الداعمة لي. لقد اكتفيتُ. حلمي الضائع، حبي الخاسر، علاقاتي التي كان مصيرها الفشل المحتوم مع أصدقائي وزملائي. ما زلتُ أتذكر أيامى الجامعية الأولى عندما كنتُ أجلس وحيداً أشاهد مجموعات الأصدقاء وهم يتسامرون بمرح هنا وهناك.
حتى أن الجميع ينعتني بالأبله البارد. كنت بارد المشاعر قليلاً، متجهم الملامح وأنا أناظر الأشخاص. لا أحد يعلم أنها شخصيتي وطريقة تعاملي مع غيري. لم يخفف عني مأساتي سوى صديقي معتز. كيف يكن بإمكان المرء الابتعاد قليلاً والاختلاء بذاته والتعمق في الوصول لأقصى درجة من السلام الداخلي لكى يصل لأسمى مراتب الحياة هدوءً.
نظرتُ لخارج الخيمة وهممتُ بالنهوض عازماً على إيجاد الهاتف الذي ألقيته بعيداً. تقدمتُ بخطوات ثابتة وأنا أتفحص الأرض المظلمة تحت ضوء القمر الساطع في العراء الموحش، ولكنه يروقني كثيراً. وجدته أخيراً إثر بريق انعكاس ضوء القمر على شاشته. التقطه ولكن تجمدت أوصالي وأنا أشعر بشيء على ساعدي الأيسر. حرق مؤلم والخاتم يضيء باللون الأزرق الخافت. رفعتُ ساعدي الذي تباين ما يحدث به.
دائرة صغيرة في منتصف ذراعي تُضيء بتوهج أزرق وبمنتصفها صورة لطائر غريب. صرختُ بكل ما أوتيت من قوة، وأمسكتُ بساعدي الذي يعتصر ألماً. ولكن لا أحد في هذه الصحراء الجرداء ليساعدني. جثوتُ على ركبتي من فرط الألم والصراخ الذي مزق حنجرتي وأنا أرى الدائرة تتصل بالخاتم بشريط متوهج دقيق خرج من منتصفه إلى منتصف الرسمة من تجمع الخطوط الحمراء الدقيقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!