يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا.
وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم أخبره أن الرجال لا يبكون. رفع صورة والده ببذلته العسكرية وقلبه يتقطر ألمًا، إلى أن شعر بيد جدته الحبيبة على كتفه الصغير. "مش هتبارك لماما يا جاسم؟
فرفع عينيه نحوها، فقد كانت تمسك بيدها أخيه الصغير "كريم" الذي يبلغ من العمر أربعة أعوام. شهقت بصدمة وهي ترى هيئته التي تُقطع البدن، وأسرعت في ضمه إليها، تربت على كتفه بحنان. ليسمع صوت والدته القريبة منهم، والتي ما إن رأت المشهد جثت على ركبتيها أمامه باكية. "أنا آسفة يا حبيبي، سامحني."
فأشاح وجهه بعيدًا عنها، ثم ترك أحضان جدته وركض نحو غرفته الصغيرة، ولم يخرج منها إلا عندما رحلت هي وزوجها وشقيقه الذي أخذته معها، وتركته طفلًا في الثاني عشر تحت رعاية جدته، وأصبحت علاقتهما مجرد زيارات حين يسمح عمل زوجها. ومن هنا بدأت حكاية "جاسم الشرقاوي". ***
بدأ الضجيج يعم منطقتها البسيطة الدافئة، وصوت العم إسماعيل يعلو وهو يهتف باسم الصبي الذي يعمل معه في ورشته الصغيرة. ففتحت عينيها ببطء وأخذت تشعث شعرها بحركة معتادة عليها منذ الصغر. ونهضت من فوق فراشها بمنامتها غير المتناسقة، فكل قطعة من منامة أخرى، وفردت ذراعيها وهي تهتف: "صباح الخير يا منطقتنا العظيمة." وسارت نحو تلك المنضدة الصغيرة التي تحمل صورة والدتها. "صباح الخير يا ماما، وحشتيني أوي."
وسقطت دموعها وهي تتذكر يوم وفاتها، والذي مر عليه أربعة أعوام. والدتها كانت امرأة عظيمة أفنت عمرها عليها وعلى شقيقتها التي تصغرها بعامين. ولكن الغلطة الوحيدة التي اقترفتها في حياتها أنها تزوجت من رجل متزوج يبحث عن زوجة كمجرد وعاء تحمل وتلد، اختارها من قبل زوجته المُحبة وابنة العم الغالية وأم الذكور حاليًا، والتي لم تكن تنجب.
وفور أن حملت والدتها بشقيقتها "ورد"، حملت الأخرى بالتوأمين "كرم وأكرم"، وكانت هذه كالمعجزة، فبعد عشرة أعوام من الزواج قد تحقق ما أملت به. ومع مرور الوقت، بدأت المشاكل تظهر، إلى أن جاء والدها ذات يوم وهي فتاة في الخامسة من عمرها، وما زالت تتذكر ذلك اليوم بشدة، فقد كانت تقف على أعتاب باب حجرتها تحمل دميتها بيدها، وتنظر إلى دموع والدتها وهي تخبر والدها أنها أحبته وراضية بأن يأتي إليها يوم واحد فقط بالأسبوع.
ولكن والدها العاشق لتراب زوجته الأولى كان رده الذي حفظته عن ظهر قلب. "الحياة بينا انتهت يا زينب، بناتي هبعتلك فلوس ليهم كل آخر الشهر وهبقى أزورهم من وقت للتاني." نطق وهو يزفر أنفاسه بقوة: "أنتِ طالق! لتفيق على صوت يهتف باسمها من أسفل البناية التي يعيشون فيها، وقد كانت إرث والدتها من والديها. "يا ست مهرة، يا ست الأستاذة مهرة... مش هتفتحي محل البقالة عايزين نشتري طلباتنا."
لتتذكر أمر بقالتها وتركض نحو المرحاض، وضحكات ورد تعلو المكان وهي تضع أطباق الفطار على المائدة. وبعد مدة كانت تقضم إحدى اللقم سريعا: "عندي جلسة في المحكمة بعد الضهر، أبقي اكويلي الروب وحضريلي الشنطة وحطي الأوراق بتاعت القضية جواها." لتضحك ورد وهي تطالعها: "حاضر يا حضرة الأفوكاتو." فضحكت مهرة وهي ترفع خصلات شعرها وتحكم في ربطها، فتبدو وكأنها ناظرة مدرسة. "أما أنزل بقى أشوف الواد بندق ده."
وكادت أن تلتف بجسدها إلا أنها عادت إلى كوب الشاي خاصتها ترتشف منه القليل، ثم وضعته على المائدة مرة أخرى، ولكن ألتقطته ثانية تحت نظرات ورد. "لأ تعالا أنت معايا، محتاجة أكملك تحت." وانصرفت نحو الأسفل بهيئتها التي تشبه الصبية في الملابس، ولكن كملامح، رغم جمودها، إلا أنها تحمل وجهًا ملائكيًا تحاول أن تخفيه، فهي رجل هذا البيت، والرجال لا يحملون تلك الوجوه. ***
تردف بخزي أمام حارس تلك البناية الراقية التي لا يسكنها إلا أصحاب المال، وبعد برهة كانت تغادر المصعد وهي تضم كتبها بذراعيها وتقاوم دموعها. فوالداها أخبروها أن أحدهم تقدم لخطبتها. وأردفت لداخل الشقة التي شهدت حبهم المحرم، وابتسم وهو يسمع خطواتها بعدما أغلقت باب الشقة التي تملك مفتاحها. "جيتي ياحبيبتي."
فارتبكت مرام وهي تنظر إليه، فكيف ستخبره اليوم أن يتعجل في إخبار أخيه بحبهم وأن يأتي ليتقدم إليها. سبعة أشهر مروا على علاقتهما ولا جديد يحدث إلا تلك اللقاءات السرية التي تجمعهم. واقترب منها وقبّل وجنتيها ثم حاوط خصرها بذراعيه مبتسمًا، وبدأ يحرك قمة أنفه على أنفها الصغير مداعبًا إياها. "مالك يا مرام؟ حد في البيت عندك حس بحاجة؟ فحركت رأسها بنفي ونظرت لعينيه التي هي سبب في عشقه وتصديق كل وعوده.
"انت هتيجي تتقدملي امتى يا كريم؟ فابتعد عنها بضيق بسبب تلك الأسطوانة التي أصبحت ترددها يوميًا، وسار نحو المطبخ يعد لنفسه فنجان قهوة لعله يفيق من سهرة أمس. "قولتلك يا مرام لما أثبت نفسي لجاسم الأول." فتبعته برجاء وأحاطت خصره بذراعيها. "ما انت بقالك 3 شهور شغال معاه في الشركة.. حتى قولتلي إنه بدأ يتبسط منك." وطبعت بقبلة على ظهره وهي تهمس بحب: "مبقاش ليا مبرر في رفض العرسان.. دي آخر سنة ليا في الكلية."
لِيلتف إليها وهو يزفر أنفاسه ويطالع قسمات وجهها. فقد بدأ يمل من تلك العلاقة ولكنه لا يستطيع أن يتركها. فظن أنه عندما يحصل عليها سينتهي من تأثيرها عليه. ولكن كل يوم يرغب بها بشدة. وعندما ظهرت الرغبة في عينيه، نظر إلى ساعة معصمه وابتسم وقد أزاح حديثها خلف ظهره. "مش مهم أتأخر على الشركة ساعتين." وهتف وهو يسحبها خلفه نحو الغرفة: "انسى أي حاجة دلوقتي ومتفكريش غير في حبنا."
وضاعت معه في الطريق الذي دخلته هي بإرادتها. فمنذ أن دخلت الجامعة الأمريكية التي حصلت على منحتها من قبل الدولة كونها من أوائل الثانوية العامة، أصبحت نظراتها نحو طبقات الأثرياء إلى أن اقتربت منهم. وفي إحدى أعياد ميلاد زميلاتها والتي تعد ابنة أحد السفراء، تعرفت على كريم وبدأت حكايتهم منذ عام ونصف.
وبعدما انتهت جولة العشق المحرم، أسرع في النهوض من جانبها لتغطي جسدها بأعين دامعة. وبعد دقائق كان يخرج من المرحاض وهو يدندن ناظرًا إليها يتفحص هيئتها أسفل الغطاء، غامزًا لها بمكر: "كده الواحد يبدأ شغله مع جاسم بطاقة." لتبتسم إليه بابتسامة ضائعة. تتذكر كريم شقيق ... فمن لا يعرف "جاسم الشرقاوي" في البلد؟
ذلك الرجل الذي أصبح اسمه مميزًا في الوطن، منذ أربع سنوات والكل يتكلم عن الرجل الثلاثيني الذي عاد من خارج البلاد يستثمر أمواله في وطنه بجانب أعماله التي ما زالت بكندا. *** بحضوره الطاغي يخرج من سيارته الحديثة، ينظر إلى البناء الضخم الذي يحمل اسم الشرقاوي، وبخطى دقيقة يسير نحو الصرح العظيم لمجموعته. يطالعه موظفوه برهبة، وآخرون بحسد، وأخريات بحالمية.
واقترب منه مدير أعماله يخبره ببعض المستجدات، إلى أن وصل للطابق الخاص الذي يقبع فيه مكتبه. فتقف مديرة مكتبه "مدام منى"، تلك المرأة الأربعينية والتي هي مثال للعقل المُحكم المُحنك، فقاعدتها في الحياة العمل ثم العمل. وبعد دقائق كانت منى تخرج من مكتبه بعدما طالعته على أوراق المناقشة الجديدة. ليرفع عينيه نحو مدير أعماله: "كريم لسه مجاش." فيحرك ياسر رأسه بنفي، ليزفر جاسم أنفاسه بقوة متمتمًا: "برضه لسه مع البنت دي."
فطأطأ ياسر رأسه وهو لا يريد فضح أمر كريم أمامه. ونهض من فوق مقعده بغضب: "الوضع ده لازم يتحط له حدود." وأشار لياسر بالانصراف، ثم التقط هاتفه وبعد ثوانٍ كان كريم يهتف بمرح: "جاسم باشا." وقبل أن يكمل باقي عباراته: "عشر دقايق وتكون قدامي يا كريم... مفهوم." وأغلق الهاتف، لينظر كريم لهاتفه ثم إلى مرام التي تجلس جانبه تتشبث بكتبها وتطالع الطريق بأعين شارده. وأخيرًا أوصلها كريم إلى جامعتها وانطلق نحو مقر المجموعة. ***
أردفت لداخل محل البقالة خاصتهم، تطالع شقيقتها التي تنظر إلى هاتفها باحثة عن وظيفة لا تطلب خبرة وتناسب شهادتها، ولكن كالعادة، كما هو، لا شيء يناسب مؤهلها. لتهتف مهرة بإرهاق: "هاتي الكرسي اللي جنبك ده يا ورد." فتنهض ورد بفزع فهي لم تشعر بقدوم شقيقتها. "بسم الله الرحمن الرحيم، انتي جيتي امتى؟ فتقذف مهرة بحقيبة أوراقها نحوها بضجر: "شايفني عفريت قدامك؟ فتطالع ورد هيئة شقيقتها في البذلة الرسمية التي تفتقر للأنوثة:
"لأ سمح الله، آسفين يا أستاذة مهرة." وجلسوا بجانب بعضهم، لتتساءل ورد: "عملتي إيه في القضية؟ لترفع مهرة جسدها بفخر: "طبعًا كسبتها." فتعاود ورد الضحك، لتنظر إليها مهرة بغضب وهي تضم حاجبيها. وتنهض ورد نحو الطفل الذي جاء يأخذ الحلوى ضاحكة: "نظراتك دي بتخوفني." فابتسمت مهرة على براءة شقيقتها.
ورد هي النقيض لها حتى في المظهر، ملابس أنثوية محتشمة وحجاب يغطي شعرها، وابتسامة ودودة دومًا على محياها ودفء يرسم على ملامحها وقلب هش. أما هي، كأمواج البحر، هادئة مع البعض وأحيانًا قطة متوحشة. ولكن كما تخبرها ورد، هي طيبة القلب، حنونة، تظهر عكس ما بداخلها، تساعد وتقدم قدر استطاعتها الخير، ولا ينقصها شيء إلا أن تكمل فرائض دينها وترتدي الحجاب، الشئ الوحيد الذي لم تتخذ فيه قرارًا إلى الآن رغم عمرها الخامس والعشرين.
وتلملمت في جلستها وطالعت شقيقتها التي وقفت ساكنة في مكانها بعد أن باعت الحلوى للصغير. فوقفت بدورها لتجد ما حطم فؤاد شقيقتها، فـ "ماجد" جارهم وكيل النيابة وحب شقيقتها وخطيبها السابق يخرج من سيارته هو وزوجته ابنة المستشار. فمن سيليق به غير تلك كما أخبرتهم والدته منذ عام.
فسخت خطبة ابنها بشقيقتها لكونها لن تنفعه مستقبلًا. فهي تريد لابنها زوجة من عائلة عريقة تليق به وبمكانته وترفع مستواه، وليس هم بنات رجل هجر والدتهم وتركهم يصارعوا الحياة بمفردهم ولا يسأل عنهم إلا كلما رغبت زوجته وأعطته الإذن. حتى الأموال مع الوقت بدأ لا يتكفل بهم، فزوجته رأت أن كل قرش يذهب إليهم من حق أولادها، رغم أن وضع والدهم ليس بسئ، فهو لديه متجران لبيع الأجهزة الكهربائية وأيضًا يعيش في منطقة تعد من المناطق الراقية. ولكن هم ليس من حساباته كما أصبح هو بعيدًا عن حساباتهم.
وربتت على كتف شقيقتها قائلة بدعابة كي تهون عليها: "حد يزعل على واحد ابن أمه." "وكمان الواد ده مبينزليش من زور." فابتسمت ورد بشحوب: "الواد ده بقى يتقاله ياباشا." فأمتعض وجه مهرة ومصمصت شفتيها بطريقة مضحكة: "باشا الله يرحم." وبدأت تسرد مواقفه المضحكة إلى أن ضحكت ورد ووضعت يدها على فمها: "بس كفاية." فابتسمت مهرة وهي تضمها لحضنها:
"أنا الود ودي أروح أضربه بوكس في وشه هو والست أمه اللي بقت في الرايحة واللي جاية أنا أم حضرة المستشار." وعندما وقعت عيناها على تلك السيدة التي تهتف بصوت عالٍ: "أهلاً ببنت الناس الأكابر." لتزيح ورد بعيدًا عنها وترفع أكمام سترتها: "لأ وسعيلي كده بقى.. عشان هي جابت آخرها معايا هي والنغة ابنها." لتجذبها ورد هاتفة برجاء: "الله يخليكي يا مهرة ملناش دعوة بيهم." فعادت مهرة للهدوء مجددًا تضمها إليها بحب.
"بكرة يجيلك سيد سيده وهقعد وأتشرط وأحط رجل على رجل وفي الآخر هارفضه." فضحكت كل منهما. لتسقط عين مهرة على مرام التي تقف على مقربة منهم بوجه شاحب. فمرام تقطن معهم في بنايتهم في الطابق الذي يعلوهم، وتحبها مثل ورد شقيقتها، رغم أنها بدأت تبتعد عنهم وتصنع لنفسها عالمًا وسط أناس تخشى عليها منهم.
وتكمل مرام سيرها، إلى أن وصلت لشقتهم فتجد والدتها ووالدها جالسين يحتسون الشاي. وعندما رأوها نهضت والدتها تلك المعلمة الفاضلة. فوالدتها ووالدها يعملون بمجال التدريس، وقد جاؤا منذ أكثر من عشر سنوات إلى القاهرة مبتعدين عن المشاكل بين عائلتهم متطلعين لابنتهم بحياة أفضل. وعاشوا في تلك الشقة التي أعطتها لهم زينب أم مهرة وورد. فوالدتها كانت من أقاربها ويكنون لبعض المودة، وهكذا أصبحوا يعيشون في نفس المنزل كل واحد بشقة يدفعون أجر زهيد قد حددته زينب رحمها الله، فهي تعلم بحال صديقتها وزوجها.
"اتأخرتي كده ليه يا حبيبتي." وطالعت وجهها بقلق: "مالك يا مرام." وشك أصفر كده ليه، وربتت على كتفها بحنان: "لو على العريس شوفيه بس يا حبيبتي واحنا مش هنغصبك على حاجة." لترفع مرام عيناها نحو والدها الطيب ليبتسم لها مؤكدًا كلام والدتها. *** أغلقوا محل البقالة سويًا وصعدوا نحو شقتهم ووقفوا يعدون الطعام معًا إلى أن جلسوا يأكلون بصمت. فتأملت ورد ملامح مهرة الشاردة. "مالك يا مهرة." فرفعت عيناها نحوها هاتفة بقلق:
"مرام بعدت عننا أوي يا ورد.. حاسة إن فيها حاجة." فأشاحت ورد عيناها وهي تتذكر نفور مرام منها ومن صداقتها رغم أنهم كانوا كالأخوة. "هي اللي اتغيرت وبعدت عننا." ونظرت كل منهما لطبقها. "قربي منها يا ورد من تاني... ده انتوا كنتوا أكتر من أخوات." فحركت ورد رأسها، إلى أن نهضت مهرة قائلة بشبع: "هدخل أريح شوية عشان أنزل بعدين المكتب بتاعي." فابتسمت ورد وهي تحمل الأطباق: "معنى كده إني آخد تلاميذي وأدرسلهم فوق السطوح."
لتومئ مهرة برأسها ضاحكة: "كلك إحساس والله." وما من ورد إلا أن ضحكت. لتفتح مهرة ذراعيها بإرهاق: "جايلك يا فراشي العزيز."
فعادت ورد تضحك على شقيقتها متقلبة الأطوار تتمنى لها السعادة. ونظرت للساعة المعلقة، فالوقت قد اقترب على وصول أبناء الجيران لتذاكر لهم بمبلغ من المال، رغم قلته إلا أنه يسد حاجتهم بجانب محل البقالة وثمن إيجار شقة الأستاذ عادل والأستاذة صفاء والدي مرام وبعض القضايا الصغيرة التي توكل إلى شقيقتها من أهل منطقتها والمناطق المجاورة، وكلها قضايا لا تذكر ولا يخرج منها المال إلا القليل، وها هم يعيشون بسعادة حامدين الله على رزقه ونعمه.
*** جلس باسترخاء يحتسي قهوته ويقرأ أحد الكتب الاقتصادية وهو يضع ساقًا فوق ساق. إلى أن وجد كريم يهبط الدرج وهو يصفر ويعدل من هندام ملابسه. ليزيح نظارته الخاصة بالقراءة عن عينيه ويطالع شقيقه: "طبعًا سهر وشرب زي كل يوم." فحرك كريم رأسه بالإيجاب: "متحاولش تتعب نفسك معايا يا جاسم.. وفر كلامك ونصايحك." فضحك جاسم بتهكم: "وياريتك بتعمل حاجة بيهم." فتنهد كريم بضجر: "عجباني حياتي كده.. خليك أنت في نجاحاتك وشغلك." وسار نحو
الخارج ليهتف جاسم ببرود: "تقطع علاقتك بالبنت اللي بتجيبها شقتك.. مفهوم." ولم يلتفت إليه كريم. "لأ إلا همنع عنك الفلوس وكل الرفاهية اللي عايش فيها."
فأغمض كريم عينيه، فكل هذا الذي يعيش فيه هو من سنين غربة شقيقه وتعبُه. وشرد في الثلاث سنوات الماضية يوم أن توفت والدته وشقيقته التي أنجبتها من زواجها الثاني وزوجها الذي كان يعده كأب له. كانت لحظة فاصلة في حياته، حولته من كريم المهذب المجتهد إلى مجرد شاب يلهو بالأموال ويشرب المخدرات والخمر. وقبل أن تهبط دموعه، انصرف من أمام شقيقه وصوت جاسم يعلو: "البنت دي تنهي علاقتك بيها.. لأ إلا أنا هتصرف."
وزفر أنفاسه وهو يضم قبضتي يديه بقوة. *** جلست مهرة في مكتبها الصغير الذي كان في الأصل مخزن بضائع للبقالة. ورغم عدم رفاهية المكان إلا أنه كان نظيفًا، تملأه كتب القانون. وخلعت نظارتها بعد أن أنهت قراءة أحد الكتب وأخذت تفرك عنقها. لتجد مرام تتقدم نحوها بأعين باكية، فكريم بالأمس أنهى علاقتهما وتركها دون رحمة. وعندما رأتها مهرة بتلك الهيئة، نهضت من فوق مقعدها الخشبي وأقتربت منها بقلق. "مرام انتي بتعيطي؟
طنط صفاء حصلها حاجة؟ طب عمي عادل؟ فتعالت صوت شهقات مرام، فازداد قلق مهرة، وكادت أن تركض لأعلى كي تطمئن عليهم إلا أن يد مرام أوقفتها. "أنا ضعت يا مهرة." وتابعت وهي تنظر لعين مهرة قبل أن تسقط أرضًا: "أنا.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!