أخفى ابتسامته وهو يرى عيناها تتحول من اللهفة إلى حنق وضيق. كاد أن يضحك عندما رفعت يداها لنرمين ترحب بها، ولكنه كان يعلم أن بحركتها تلك توضح ملكيتها فيه. اشتاق لها ولكنه قرر أن يحارب اشتياقه قليلاً. فالتفت نحو نرمين معتذراً بعدما حركت رأسها بإيماءة رقيقة مع ابتسامة صافية ترحب بمهرة التي تجلس حانقة من رقتها. "نكمل كلامنا بعدين يانرمين." صوته صدح بحزم، فأنصرفت نرمين بتفهم. ليغلق الباب خلفه مقترباً منها بهدوء.
"خير يامهرة هانم." هتف ببرود جعلها تغمض عيناها قليلاً كي تكمل مهمتها دون تراجع. ونهضت من فوق مقعده وحملت الهدية مقتربة منه. "جيت عشان اصالحك." ومدت يدها بهديتها. فنظر إليها ثم لما تعطيه له. فأبتسمت بتوتر وهي تتمنى أن لا يرفض ما تهديه. واتسعت ابتسامتها بعد أن التقط منها الهدية وزفرت أنفاسها براحة. فقد ذاب الجليد بينهم بعد تلك الفكرة الرائعة وهتفت داخلها: "أخيرا....
ولم تكد تكمل باقي جملتها. فوجدته يتخطاها ووضع الهدية على مكتبه ثم نظر نحوها. "في حاجة تانية؟ لم تفهم معنى عبارته إلا عندما أكمل بقسوة لا تعلم كيف يجيدها. "ورايا شغل مهم. لو مافيش حاجة تانية اتفضلي." فحدقت به بصدمة. أهذا هو ما كانت تنتظره منه؟
وفي صمت حملت حقيبة يدها وخطت ببطء مطأطأة الرأس تقضم شفتيها بقوة حتى لا تبكي ويرى ضعفها. ووقفت أمام الباب وهي تنتظر أن يجذبها إليه كما كان قلبها يخيل لها، ولكن لم يتحرك ولم ينطق بشيء. وقبضت على يديها وهي تشعر كأن شيئاً يخنقها. فاندفعت نحوه تضربها على صدره بغضب. "أنا مش هصالحك تاني. انت بتعاقبني كده ليه؟ أه ما انتوا بتخلونا نحبكم وبعدين تقهرونا."
وظلت تتحدث دون أن تعي ما تنطقه. وهو يتركها تفعل ما تريد ويستمع إليها في صمت. إلى أن وجدها تبكي. فضمها إليه فهو أصبح يعلم نوبات جنونها. "اهدي خلاص." فصاحت ببكاء: "خلاص أنا اعترفت بغلطي. عايز أعمل إيه تاني؟ وابتعدت عنه تدفعه بقبضتي يديها. ليقبض على يديها بحنق. "اهدي يامهرة وبلاش جنون هنا. وكمان ده غلط عليكي انتي. ناسيه إنك حامل." فأشارت نحو نفسها متسائلة وقد نست كل ما قاله. "أنا مجنونة."
فلم يجيب عليها. ثم زفر أنفاسه بقوة. "مبتكمليش حاجة للآخر صح؟ فحدقت به بقوة ثم نظرت لعلبة الحلوى فأخذتها. "مدام أنا مجنونة ومبكملش حاجة للآخر. هاخد بقى هديتي." وانصرفت من أمامه. ليقف مذهولاً مما فعلت وانفجر ضاحكاً. "مهرة خدي هنا. مهرة." وتابع وهو يحرك كفه على خصلات شعره. "أنا أكيد بكفر بجوازي منك على حاجة عملتها."
ووقف يفكر للحظات عن الشيء الذي فعله متذكراً النساء اللاتي وقعن بحبه وفي النهاية كان نصيبه تلك الشرسه. وتنهد بيأس. "أعاقبها إزاي دي؟ وأخذ يهندم سترته ويعدل ربطة عنقه من عاصفة جنونها التي أخرجتها عليه. ********************** خرجت من الشركة تحمل علبة الحلوى كما دخلت بها تزفر أنفاسها بغضب. حتى أن مني تعجبت من خروجها من مكتبه هكذا دون أن تحادثها.
ورن هاتفها لتنظر إلى رقم ريم متذكرة موعدهم اليوم من أجل شراء فستان لها يناسب الحفل التي سيقيمها ريان بمناسبة إحدى الصفقات التي حققها الفرع الجديد من الشركة الأم والتي يديرها زوجها. "سيد بارد." أعجبها ذلك اللفظ عليه وابتسمت. وقد نست أمر هاتفها الذي يصدح رنينه للمرة الثانية. ففتحت الخط سريعاً. "أيوة ياريم. هتتأخري ساعة؟ خلاص هستناكي. تمام اتفقنا." وأغلقت معها لتجد هاتفها يدق برقم رقية التي هتفت على الفور.
"مهرة أنا محتاجة أخرج غضبي وخنقتي مع حد ومافيش غيرك." فضحكت مهرة وهي تود أن تقول لها أنها هي الأخرى ترغب بذلك وهتفت بصوت خافت. "اتلم المتعوس على خايب الرجا." لتسألها رقية. "بتقولي حاجة يامهرة؟ فتمتمت وهي تبتسم. "لأ. متاخديش في بالك." **********************
جلسوا في أحد المقاهي التي تطل على مياه النيل وكل منهن تزفر أنفاسها ببطء. لتنظر رقية إلى العلبة التي فتحتها مهرة وأصبحت الحلوى من نصيبهم. فأشارت لها مهرة برأسها أن تبدأ بالهجوم عليها، لعلهم يخرجون حنقهم فيها. وألتهمت رقية واحدة مستمتعة. "شفتي يامهرة يامراد بيتعامل معايا إزاي؟ فألتقطت مهرة واحدة وتمضغ بفمها أخرى. "عمل إيه تاني مراد؟ مش أجلتي ميعاد الفرح؟ فحركت رأسها وهي تأكل الحلوى بشراسة.
"عايزنا نتجوز في الشقة اللي كان متجوز فيها قبل كده." فهتفت مهرة بأستمتاع. "طعمها حلو الشيكولاتة ديه." لتنظر لها رقية مؤكدة. "أه. جميلة." ثم تابعت بحنق. "يامهرة ركزي معايا." لتمضغ مهرة ما بفمها مستمتعة أكثر بطعم الحلوى. "ما أنا مركزة أه." ورفعت إحدى حاجبيها بضيق. "انتي اللي محتاجة تركزي. مش ده مراد اللي كنتي نفسك تتجوزيه حتى لو في خيمة؟ إيه اللي فرق شقة من شقة؟ وكمان ماتتفاهمي معاه بالعقل مش بالغضب والصوت العالي."
واسترخت بجسدها بزهو متذكرة ما فعلته مع جاسم. فمن يسمعها الآن يرى كل النضج بها وهي من تحتاج النصح. "انتي ليه ديما مع مراد مش معايا يامهرة؟ هتفت بها رقية بحرقة. لتُدفع مهرة إليها إحدى قطع الشوكولاتة. "أكدب عليكي وأقولك إنك صح وتخسري حبك بالعند الطفولي اللي انتي عايشاه فيه." وعندما شعرت بحزن رقية. دفعت نحوها بعلبة الحلوى كلها ونظرت نحوها. "هي ريم اتأخرت ليه؟ أنا جعانة محتاجة أطلع غضبي في الأكل."
لتحدق بها رقية بأعين متسعة. "انتي زعلانة انتي وجاسم؟ لو متخانقة معاه ومن غير ما تحكيلي انتي أكيد اللي غلطانة." لتلوي مهرة شفتيها باستياء. "ياسلام. ليه يعني؟ فأبتسمت رقية بانبهار. "لأ انتي مش عارفة قيمة جوزك خالص. ده أنا كل صحابي بيحسدوكي عليه. يامهرة انتي مش متجوزة أي حد." وضحكت وهي تنظر لمهرة التي كانت تطالعها بشر. "عندي إحساس إنك هتحدفيني بجذمتك." لتنظر لها مهرة بصمت. ثم جذبت علبة الحلوى التي أمامها.
"صحابك بيحسدوني عليه. أومال محدش بيحسده عليا ليه؟ فأنفجرت رقية ضاحكة وحركت كتفيها بمشاكسة. "ما انتي عارفة كل سيدات المجتمع كانت أما عايزة تتجوزه أو تجوزه بنتها. لأ. انتي فعلاً مش عارفة قيمة جوزك ووضعه. وأنا لازم أوعيكي وأفهمك." واتسعت ابتسامة رقية وهي تجدها تضغط على أسنانها بغضب. "أنا بقول آخد بعضي وأمشي." فصرخت بها مهرة بعدما وجدتها تنهض. "اقعدي عندك. يعني تحرقي دمي وتمشي."
لم تكن رقية تعلم بخلافهم. فضغطت على الجزء الذي تخشاه بأن يفيق جاسم ذات يوم فيكتشف أنه لم يتزوج الزوجة التي تليق به. تخاف من ذلك اليوم فهي عملت معه وتعلم مكانته ووضعه. من يصدق أن الفتاة الشرسه التي كانت ترتدي ملابس غير مهندمة تشبه الصبية ونظارة وتعقد شعرها كالناظرة تكون هي من نالته في النهاية. أفكار سوداء بدأت تقتحمها. وخاصة كلما تذكرت جملة والدتها عن والدها بعد أن عاد لزوجته.
"كان بيعملني كويس أوي وأنا حامل فيكي. حتى قبل حملي بورد. كان بيقولي إنه عرف الحب معايا. كان بيحبني يابنتي وفجأة كل حاجة ضاعت." مازال صوت والدتها المنكسر الحزين يقتحم عقلها. تخاف من ماضي عاشته أقرب من كانت إليها. لتفيق على يد رقية الحانية تربت على يدها ونبرة صوتها الدافئة. "مهرة أنا كنت بهزر معاكي. أنا آسفة. متزعليش مني. انتي عارفة أنا بحبك قد إيه."
فأبتلعت مهرة غصتها ونظرت لها بشرود ثم ابتسمت وعادت إلى طبيعتها بعد أن امتلكت نفسها. "لأ يارقية أنا مش زعلانة. متقلقيش." فأبتسمت رقية بمحبة ثم غمزت لها. "تعالي أقولك على شوية نصايح حلوين. ديه نصايح خالتو خدي بالك." ومالت نحوها هامسة. "اسمعي مني بقى وقربيلي كده وركزي." فوضعت مهرة كامل تركيزها وعيناها متسعة. "ديه نصايح خالتك." فأخذت رقية تحرك رأسها. وتكمل ما بدأت. وبعد وقت لا بأس منه كانت ريم تتقدم نحوهم.
******************************* وقفت ريم تنظر إليهم متسائلة عن نظرتهم للفستان الذي ارتدته. فنظرت رقية لمهرة تناقشها قليلاً. وعادوا ينظرون إليها مشيرين لها بالنفي. فزفرت ريم أنفاسها بإرهاق. فهذا هو الفستان العاشر الذي ترتديه. اليوم كان طويل ومرهق. ولكن في النهاية اختاروا معها فستان أنيق ومحتشم. حتى أن ريم كانت سعيدة بالأمر بشدة.
وعادت مهرة من جولتها بتعب شديد. لتجد جاسم ينتظرها في غرفتهم. فألقت حقيبتها وخلعت حذائها بصمت ثم حجابها وتسطحت على الفراش دون أن تعيره أي اهتمام. لينظر لها جاسم بضيق. "ممكن أعرف الهانم كل ده كانت فين؟ فأغمضت عيناها بألم بظهرها وأقدامها. "كنت مع ريم ورقية. وبعتلك رسالة على تليفونك." لتقول إنها زوجة غير مسؤولة. كان يعلم بوجهتها. ولكن تأخيرها وهيئتها الآن زادت حنقه. "وآخرت التنطيط ده إيه؟ انتي ناسيه إنك حامل."
ففتحت عيناها بعد أن استرخت قليلاً. "هي الحامل يعني مبتتحركش؟ كان يود لو يهشم لها رأسها. ولكن غادر الغرفة بحنق متمتماً بوعيد. "ماشي يامهرة. الصبر ليه حدود." وكادت أن تغفو. وفجأة رن بأذنيها نصائح رقية لها. لتتسع عيناها. "إيه ده أنا نسيت نصايح رقية." ولكن جفونها أرتخت. فغفت دون شعور. ************************************
نظرت فريدة إلى ورد بشكر لكل ما فعلته معها. كانت تظن أنها ستشمت بها في مرضها. ولكن ورد راعتها وكأنها لم تهينها يوماً. "هل يؤلمك شيء؟ فدمعت فريدة وهي لا تشعر بساقيها. "ساقي ورد. لا أشعر بهم. هل سأظل الباقي من عمري هكذا؟ نهايتي سأكون عاجزة." فدمعت عين ورد واقتربت منها تمسح دموعها برفق. "ستشفي وستسيرين مجدداً وستعودين فريدة خانو التي نعرفها." فطالعتها فريدة بأمل. حتى لو كان كذباً. وظلت برفقتها بالمستشفى إلى أن أتى كنان.
كانت فريدة قد غفت. فأنحنى نحوها يقبل جبينها. ثم نظر إلى ورد التي أول ما رأته أشاحت عيناها بعيداً عنه. تتمنى داخلها أن تخرج فريدة من المستشفى لترحل حيث وطنها. وجاء ما تمنت. "ستخرج بعد يومين من المستشفى." لتنظر إليه ورد. ثم ابتسمت وغادرت وهي لا تفكر في أحد سيساعدها غير ليليان. ***************************************
تمددت عائشة على فراشها بشرود متذكرة حديث كنان معها اليوم. أخبرها أنه يعلم بالحقيقة. كل شيء أصبح واضح تماماً. لو كانت الحقيقة ظهرت في وقت آخر لكانت ثارت عليه وعلى والدته تلك المرأة الماكرة. ولكن الآن والدته عاجزة. لأول مرة تشعر بالراحة منذ أن علمت بحقيقة نسبها. سنون مضت وهي بكنية رجل آخر. تسطحت على الفراش بإرهاق، ومدت يدها نحو بطنها تطمئن جنينها: "إن كل شيء سيكون بخير. سأصبح قوية من أجله."
لتنتبه لخروج كنان من المرحاض يجفف شعره. فأزاحت يدها سريعاً عن بطنها حتى لا يشك بالأمر. فإلى الآن لا أحد يعلم غير ليليان، التي لم تعد تفهم سبب إخفائها. وتسطح جانبها، ثم مد يده نحوها ليقربها منه. "سيقتلني صمتك يا ورد. ما بكِ، أخبريني." فأغمضت عيناها وهي تود أن تخرج كل ما بداخلها، ولكنها ستجعله يذوق ما فعله بها. كان يصمت وهي تتحدث، تقترب تسأله عن ما يروقه. ولكن في النهاية، ماذا حدث؟
خانها وتركها في حيرة تبحث عن سبب بعده عنها. وتنفست بصعوبة وهي تشعر بقبلاته على عنقها، ويديه تضم خصرها بتملك. لتترك له نفسها. فلا بأس أن تمنحه جسدها الليلة. نظر ريان إلى ريم التي تعطيه أحد الملفات كي يوقعها. فطالعها ريان متسائلاً: "ستأتين الحفل يا ريم، أليس كذلك؟
فرحّكت ريم رأسها بارتباك. فلاول مرة ستحضر حفلاً هكذا. في البداية ظنت أن والديها سيرفضون الأمر لخوفهم عليها من ذلك العالم، ولكنهم وافقوا. فهم أصبحوا يشفقون عليها بعد أن أصبح كل شيء على عاتقها. فأبتسم ريان وناولها ما وقعها. واسترخى بجسده، يحدق بها وهي تغادر ويفكر في أمرها. فريم لن تأتي إليه بسهولة، ولن يتركها لغيره.
علمت منه في آخر لحظة بالحفل الذي هي مدعوة به معه. حالهم كما هو، ينام كل منهم بغرفة. فيبدو أن فعلتها الأخيرة زادت من رصيد غضبه عليها. ووقفت أمامه بعد أن هبطت الدرج ببطء، ونظرت إليه بتحديق وقلبها يدق بعنف وداخلها ألف سؤال. هل هذا الرجل الوسيم هو زوجها؟ أم حملها أصبح يظهره لها هكذا؟ أم أصبحت عاشقة لتلك الدرجة؟ واقتربت منه بخطى متمهلة، تنظر إليه. ثم تذكرت نرمين والنساء اللاتي سيكونون بالحفل. "هو لازم نروح الحفلة دي؟
فرفع وجهه عن هاتفه بعد أن كان مشغولاً به. "لو تعبانة ومش عايزة تيجي، مافيش مشكلة." فتعلقت بذراعه هاتفة: "تعبانة إيه ده؟ أنا رجلي على رجلك بعد كده." فضحك على ظرافتها التي أصبحت تبهره بها. "ظريفة يا حبيبتي." فأبتسمت بغرور وجذبته نحوه، وقبلته على خده بتملك. "مش هتصالحني بقى؟ فحدق بها بجمود، وأبعدها عنه قليلاً. "هو مين اللي يصالح مين يا مهرة؟ فعادت تقترب منه وتجذبه إليها. "انت اللي صالحني لأنك جنتل مان يا حبيبي."
فأعجبه الحوار الذي يدور بينهم، غامزاً إليها. "عايزة إيه يا مهرة؟ عشان هنتأخر على الحفلة." فلمعت عيناها بدهاء، وكادت أن تطلب منه أن لا يذهبوا للحفل، ولكن رنين هاتفه قطع كل شيء. وأنهى حديثه مع ريان. لينظر لها: "هتيجي معايا ولا... وقبل أن يكمل باقي جملته، تعلقت بذراعه. وهكذا كانت إجابتها.
نظرت رفيف إلى صديقتها ناريمان بضيق بعد أن قصت عليها رفض عمار لعرضها. لترتشف ناريمان من كأس عصيرها وعيناها مثبتة على ريان الواقف مع أحد ضيوفه. فهتفت رفيف بحنق: "فكري معي يا ناريمان بالأمر، بدلاً من تحديقك بأخي." فتنهدت ناريمان ومازالت عيناها عالقة على ريان. "شقيقك أصبح بعيداً للغاية يا رفيف. لم يعد ريان الذي عرفته."
وعندما وجدت ريم تردف للحفل بخجل وتنظر حولها، وقد كانت تسير مع إحدى رفيقاتها بالعمل. حدقت بها بقوة وهي تتذكرها وأشارت لرفيف تسألها: "ما اسمها تلك الفتاة يا رفيف؟ كانت رفيف تتأفف بضيق، فهي تفكر بعمار ولا صديقتها منشغلة بتلك الفتاة. وكي تريح فضولها: "اسمها ريم. ناريمان، هل ارتحتي الآن؟ لتشرد ناريمان في تلك الليلة التي قضتها بين ذراعي ريان. كان معها بجسده، ولكن عقله كان مع تلك الفتاة. فقد كان يهتف باسمها وكأنها هي.
بدأ الحفل، ووقفت مهرة بجانب ريم التي كانت تبحث عن شيء. فنظرت لها مهرة بشك: "بتدوري على إيه؟ فأرتبكت ريم، وعندما لمحت رقية تسير بجانب مراد، أشارت نحوهم. فنظرت لها مهرة غامزة ثم أشارت نحو جهة أخرى. "وياسر فين؟ فأخفضت ريم عيناها. لتبتسم مهرة هامسة: "وعلى فكرة، هو كمان كان بيدور عليكي." فنظرت إليها ريم وهي لا تصدق، ولكن ابتلعت كلامها عندما وجدت رقية تقترب منها. التي فور أن اقتربت منهم، أشارت لمهرة بضيق:
"هي دي النصايح اللي بتعملي بيها؟ مين البنت الحلوة اللي واقفة جنب جوزك دي؟ فعضت مهرة شفتيها بضيق. "دي نرمين، مديرة العلاقات العامة في الشركة." فحركت رقية رأسها بحنق طفولي. "لأ، محتاجة دروس مكثفة يا مهرة، ولازم تاخدي من خبرتي." لم تشعر رقية بوجود مراد خلفها، إلا عندما ضحكت ريم واتبعتها مهرة ضاحكة. "دروس وخبرات كمان؟ فألتفتت نحوه رقية بتوتر وهتفت بتعلثم: "خبرتي في الحياة."
وعادت ضحكات ريم ومهرة تعلو. ولكن زوج من عيون كانت تحدق بتلك التي أصبحت فاتنة اليوم ببساطتها وضحكتها. ريان، الذي كانت عيناه كالصقر على فريسته. وياسر، الذي وقف يتأملها بمشاعر غريبة عليه. وابتعدت عنهم ريم وخرجت من القاعة كي تهاتف شقيقها وتخبره أن يخرج من منزلهم ويأتي إليها للمكان الذي أخبرته به من أجل أن يصطحبها في العودة لتأخر الوقت.
ولم ترَ ذلك الذي ترك كل شيء وخرج خلفها. ولكن ناريمان كانت تقف تتابع كل نظرة منه نحوها. أما ياسر، فنفض تفكيره فيها. فالوقوع بفخ الحب نهايته معروفة، زواج ثم عائلة ثم حرمان، كما حدث بالماضي. وقف ريان خلفها يستمع إلى مكالمتها مع شقيقها. لتلتف ريم عائدة إلى الحفل بعد أن أنهت المكالمة. فنظر إليها مبتسماً وهو يضع كلتا يديه في جيب سرواله. "تبدين اليوم جميلة يا ريم." فخجلت ريم من مدحه بعد أن استعادت أنفاسها. "شكراً سيد ريان."
فأقترب منها ريان خطوة، هاتفا بهدوء وهو يتجول بعينيه على ملامحها. "ريان فقط يا ريم." وعندما رأى صدمتها، ابتسم متابعاً بتوضيح. "ما دمنا لسنا بالعمل، تناديني ريان." وضعت ورد اختبار حملها فوق الفراش مع رسالة تودعه فيها. فقد أتت فريدة في الصباح وانتهى واجبها. والآن ستغادر حيث ليليان التي تنتظرها بسيارتها. لا تصدق إلى الآن أن كلام سيلا صحيح.
كانت تبكي وهي تحمل حقيبتها وتودع كل ركن من أركان المنزل. فقد حان وقت العودة. ستبتعد لتعرف أين مكانتها داخله. هل كانت لمعاناً وقد انطفأ؟ أم أحبها مثلما أحبته؟ بدلت ملابسها بغضب وهي تتذكر تلك الرقصة التي رقصها جاسم مع رفيف. التي عرضت عليه أن يراقصها وطلبت ذلك أمامها ومنها، بل واكملت طلبها ساخرة منها: "بالتأكيد يا مهرة لا تعلمين الرقص يا جاسم."
سخريتها مازالت بعقلها تزيدها حرقة. لم يكفها نرمين وأيضاً رفيف الذي تعلم هدفها، فلا تريد إلا شيئاً واحداً، تذكرها أنه كان يوماً خطيبها ويخططون للزواج. لم تأخذ الرقصة إلا دقائق، ولكنها كانت تحترق بشدة، فلم تعد تتحمل الضغط العصبي الذي أصبحت فيه تلك الفترة. ووجدت هاتفها يدق. فنظرت لرقم رقية للحظات ثم فتحت الخط لتهتف رقية بتحذير:
"أوعي يا مهرة تتخانقوا. ده هدف رفيف على فكرة. انتي مشوفتيش نظرة التحدي اللي كانت في عينيها. ده جوزك انتي." وتابعت بعد أن سمعت تنفس مهرة البطئ. "مكنتش سامحة ليها ترقص معاه. جاسم كان مستني ترفضي، بس انتي وقفتي ساكتة. مهرة، الليلة دي صالحي أي خلاف بينكم." وأغلقت رقية الهاتف بعد أن علمت أن رسالتها قد وصلت. وقررت أن تتزين له وتذهب إليه، ناسيه كل شيء.
نظر كنان إلى الرسالة وتلك الورقة التي علم منها بحملها. بحث عنها كالمجنون إلى أن انتبه للرسالة التي تركتها له. نظر إلى كل كلمة كتبتها له منذ أن أصبح يبتعد عنها وكيف كان شعورها. نسي أنها أتت معه لبلد وحياة غريبة من أجله. خذلها، جعله أضحوكة. أخبرته أنها تعلم بتلك التي تشبه شقيقته، وبالتأكيد وجد معها الحب. أخبرته عن لحظة رؤيته بالمطار وهو يحتضنها. كان مع كل كلمة يقرأها يشعر بما عاشته. فهو المخطئ ليجعله تعيش وسط تلك الشكوك والخوف من أن يأتي اليوم الذي يخبرها فيه أنه انتهى صلاحيتها لديه.
وقبض على الرسالة بقوة، متذكراً ليليان. فمن غيرها تعرفها ورد هنا؟ فبشير في رحلة عمل، ولولا ذلك لكان هاتفه هو أولاً ليسأل شقيقته. "مرحباً ليليان. أريد أن أسألك عن ورد." خرجت الكلمات بصعوبة من حلقه. ليسمع آخر شيء كان يريد سماعه. ورد رحلت لوطنها. نظرت مرام للرسالة التي بعثتها لها إحدى معارفها، وقد اكتسبت صداقتها من إحدى الحفلات والمؤتمرات التي أصبحت تذهب إليهم.
كانت تخبرها في الرسالة عن الموعد الذي أخذته لها من الطبيبة التي قد أجرت لها عملية إجهاض من قبل. فزفرت أنفاسها براحة وهي تمسح الرسالة مطمئنة بأن الموعد قد أتى مع رحلة كريم التي ستستمر لثلاثة أيام. وجدته يقف أمام الشرفة يتأمل الظلام بسكون. فأقتربت منه تفرك يديها بتوتر وخجل مما ارتدت. "جاسم." فألتف إليها جاسم بصمت محدقاً بها بهدوء. ثم عاد يطالع ما كان يحدق به.
كان قد تخلى عن سترته وأحل أزرار قميصه الأمامية مما زادها توتراً. واقتربت منه أكثر إلى أن طوقت خصره ووضعت رأسها على ظهره. "مكنتش عايزة أريد ترقص مع رفيف." وأخيراً خرج صوته الجامد. "ومرفضتيش ليه؟ ولا أنا في نظرك راجل عابث تحب الستات تبقى حواليا؟ فتسعت عيناها وهي تتذكر ما هتفت به وهم عائدون. لم تكن تشعر بما تقوله، ولكن حدث ما حدث. "مكنتش أقصد حاجة. غصب عني، معرفش قولت كده إزاي." فهتف ساخراً وهو يتذكر عبارتها.
"دلوقتي رفيف ونرمين. فاضل مين هيظهر في حياتك؟ وزاح يديها عن خصره متمتماً بضيق. "روحي أوضتك يا مهرة، لأن أي اعتذار منك دلوقتي ملوش لازمة." فعادت تطوق خصره مجدداً، إلا أنه نفر منها. وابتعد عنها تاركاً لها الغرفة بل الطابق بأكمله. نظر ياسر إلى هاتفه نحو الصور التي أخذوها برحلة شرم. لم تكن عيناه تحدق بباقي الصورة إلا عليها وكيف تبتسم. وأغمض عينيه متنهداً بيأس. "لازم تخرجي من تفكيري يا ريم."
ووضع بيده على قلبه وعاد ينظر إلى ملامحها. "ده مات من زمان خلاص." نظر لها وهي جالسة على الفراش تقضم الوسادة وكأنها تخرج غضبها منه فيها. وأقترب منها وهو يشعر بالذنب. متذكراً هيئتها المغرية التي مازالت عليها عندما أتته غرفته تصالحه، ولكن نفرها رغم أنه يحترق من الداخل ليضمها بين ذراعيه. "مهرة."
فرفعت عيناها التي أخفتها خصلات شعرها وأشاحت وجهها بعيداً عنه. تفعل كل شيء لترضيه، وهو يعلم طبيعة ما كانت عليه. فهي تتغير من أجله، رغم أن التغير يحدث ببطء، ولكنها تحاول. تريد منه بعض الصبر الذي كان يمنحها إياه ببداية زواجهم. اليوم أدركت أنها لم تعد مهرة القديمة التي كانت تقف صامدة أمام حزنها. وجلس جانبها على الفراش يضمها إليه. -هتفضل حياتنا كده لحد امتي؟ وتابع وهو يمسح على ظهرها برفق يسمع شهقاتها.
-أنا اخترتك إنتِ بعد ما كنت بحسب كل حاجة بالمكسب والخسارة. بس معاكي نسيت كل حساباتي. نسيت إني في يوم كنت بفكر أتجوز جواز بيزنس. أنا عارف إن الحياة اللي عيشتيها كانت صعبة، بس أنا مش والدك يا مهرة، مش هتخلي عنك زي ما اتخلي عن والدتك. لم تشعر بنفسها إلا وهي تدفن وجهها بين أحضانه. -غصب عني.. جاسم متسبنيش، أوعدني إنك مش هتسبني. وابتعدت عنه تمسك كفه تضعه على بطنها. -مش هتسبنا، مش كده؟
لم يتحمل تلك النظرة التي كان والدها هو السبب بها. وعاد يضمها إليه بحب. -عمري ما اتخلي عنكم. أنا عيشت أحلم باليوم اللي هيكون ليا فيه عيلة وأعوض ولادي بالحياة اللي اتمنيت أعيشه. ولم تشعر بعدها بشيء إلا وهي غارقة بين ذراعيه. وأنعدمت المسافة بينهم حتى اختلطت أنفاسهم وأخذ قلبها يدق بقوة وهي تهتف باسمه. -جاسم، إنت لسا زعلان؟ فمال عليها أكثر يطبع بقبلات رقيقة على وجهها. ثم ابتعد عنها قليلاً متمتماً.
-هووس، خلينا مستمتعين بالليلة دي وانسي كل حاجة. فأبتسمت وهي تعلم أنه سامحها أخيراً وشعرت بيديه على ذراعيها فأرتجفت وهي تطالع وجهه الذي اشتاقت إليه بأدق تفاصيله. ولثم جانب فكها بقبلة بطيئة تسير نحو شفتيها ولكن... طرقات على الباب أوقفت كل شيء وانقطع سحر اللحظة. -جاسم بيه. كانوا بعالم آخر لا يريدون الخروج منه. وكاد أن يعود لما يفعله ونظر إلى مهرة التي أخذت تحرك جفونها بخجل وهمس. -أنا بقول نكمل مشوارنا.
فحركت رأسها إليه. فأبتسم لها. فعاد صوت هدى يعلو. -جاسم بيه، أخوات مدام مهرة تحت، أستاذ أكرم ومدام ورد. وهنا اتسعت عيناها ودفعته من فوقها تنظر إليه بهيئتها المشعثه. -ورد هنا إزاي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!