الفصل 44 | من 63 فصل

رواية لحن الحياة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
35
كلمة
3,132
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

تنهيدة قوية خرجت من صدره وهو يستمع لسؤالها المقلق عن قدوم ورد. نظر إلى الفراغ الذي بين ذراعيه فأغمض عينيه متنهدًا أكثر، ولكن هذه المرة كانت حسرة على حاله. والليلة قد ضاعت. اعتدل في رقدته ونهض من فوق الفراش، يثبتها في مكانها بدلًا من دورانها العجيب حول نفسها. "إحنا لسا بنعرفش السبب ياحببتي، ممكن تكون زيارة مفاجئة مش أكتر. بلاش الافتراض السيئ اللي عمالة تفترضيه."

فنظرت إليه بهدوء، وداخلها متأكد أن كنان قد أحزن شقيقتها، والتي أصبحت في الآونة الأخيرة منطفئة الروح. ورغم سؤالها الكثير عن حالها، لا تحكي لها شيئًا حتى لا تحزنها. "قلبي حاسس إن فيه حاجة مش كويسة." فضمها إليه بدفء. "هننزل ونعرف منها، بس تمالكي نفسك كده وبلاش أول ما تشوفيها تندفعي بالكلام عن كنان."

فتنفست ببطء. فمنذ لحظات كانت تهذي بأن كنان هو السبب، بالتأكيد فعل شيئًا أحزن شقيقتها. ولكن بعد كلام جاسم الهادئ واحتوائه للأمر، هدأت. وابتعدت عنه هاتفه. "أنا نازلة أشوفها." وكادت أن تخطو نحو الباب، فقبض على مرفقها بضيق. "بالمنظر ده، انتي عقلك بيروح منك ساعات. روحي غيري هدومك." فنظرت إليه ثم إلى ملابسها، فشهقت بقوة ثم ركضت من أمامه. "إيه قلة الأدب دي؟ فتحول عبوسه إلى ضحكة خافتة، ضاربًا كفوفه ببعضهم.

"يارب الصبر من عندك، لاحسن قربت أتجنن." وعدل من هندام ملابسه، وأخذ يزرر أزرار قميصه بتنهد. فمهما كانت رغبته بزوجته، فالواجب أهم.

وهبط لأسفل قبلها ليجد ورد مطأطأة رأسها أرضًا وتفرك يديها، والسيدة هدى تضع أمامها كأسًا من عصير الليمون. وأكرم واقف يحرك يده على خصلات شعره، ناظرًا لشقيقته التي هاتفته في المطار تخبره أنها هنا وتريده ليأخذها. رفضت في البداية الذهاب لمهرة حتى لا تقلقها، ولكن أكرم أصر أن يذهبوا لها. فمهرة لو علمت بما فعلوه دون إخبارها، ستنقلب عليهم بأعصارها وستغضب، كم أن ورد بحاجة لها وهو بحاجة أيضًا لها ليعرف سبب قدوم ورد.

وسؤال يدور بداخله: "ماذا حدث؟ وعندما انتبه لخطوات جاسم، اقترب منه مصافحًا إياه. "إحنا آسفين إننا أزعجناكم في الوقت ده." فرفعت ورد عينيها نحو جاسم، الذي تمتم على الفور. "إزعاج إيه يا أكرم، إنتوا أصحاب بيت." ووقفت ورد عندما وجدت شقيقتها تهبط بخطوات سريعة على الدرج. وقد استمعت لجملة جاسم وابتسمت داخلها لما قاله لشقيقها. واندفعت مهرة نحوها تحتضنها بقوة وبكت بين ذراعيها. ومهرة تنظر لجاسم وأكرم وقد زاد قلقهم.

"ورد حبيبتي اهدي." وضمتها إليها أكثر. "أنا تعبانة أوي يامهرة، وعايزة أقعد مع نفسي. لولا إصرار أكرم إني أجلك كنت هروح على شقتي في الحي." فنظرت لها مهرة بعتاب. "كده يا ورد، عايزة تكوني هنا وأنا معرفش بوجودك؟ واقترب منهم جاسم متدخلًا. "ورد، البيت هنا بيتك، ولا إنتي مش شيفاني أخ ليكي؟ فدمعت عينها وحركت رأسها بألم. "أبدًا والله." فأبتسم لها جاسم بلطف. "خديها تستريح فوق."

فأعترضت ورد، فهي تريد العودة إلى شقة والدتها حتى لا تكون ضيفة ثقيلة عليهم. ولكن مع إصرار جاسم، صعدت مع مهرة التي كانت تود الانفراد بشقيقتها لتعرف ما بها. ونظر أكرم صوبهم وهتف بأمل. "أتمنى متكونش مشكلة كبيرة بينها وبين كنان." فطالعه جاسم متنهدًا وهو يبحث عن رقم كنان. ولكن فكر قليلًا، كنان هو من لا بد أن يقلق على زوجته ويهاتفه. ***

كان كنان يركض في رواق المستشفى بهيئته المشعثة. لقد طعنت عائشة بالسكين. مازال صدى تنفسها وهي تهاتفه تطلب مساعدته يخترق أذنيه. كان في تلك اللحظة يدور كالمجنون من أجل أن يتبع زوجته. ولكن بعد هذا الخبر أصبح بين نارين. أيكون شقيقًا حقيقيًا وقد أتت الفرصة ليثبت لشقيقته أنه يحبها؟

لو كان يعلم بوجودها، لكن بحث عنها واعتنى بها. إلى الآن لا يعرف كيف عاشت والدته حياتها وهي تحمل ذلك الذنب. حتى والده خدعته. فقد أخذت واحدة من التوأم تربيها وتركَت أخرى لوالدتها. اشترت خالة شقيقتيه بالمال من أجل أن تخبرها أن إحدى التوأمين قد ماتت حين وضعتها. ولكن الخالة قد صحي ضميرها واعترفت بذنبها بحق شقيقتها التي توفت قهراً بعد أن طردتها والدته من عملها بالمزرعة وأقصتها لقرية بعيدة.

وانحنى للأمام ووضع يديه على ركبتيه يتنفس بصعوبة وهو يقف أمام غرفة العمليات. ليجد إحدى جارات شقيقته ومعها ابنها. فهو لم يلحقها، ولكن في طريقه هاتف المستشفى ويبدو أن جيرانها قد لحقوها. واقتربت منه المرأة تطمئنه. "لا تقلق بني، ستكون بخير." ثم سألته. "رأيتك من يومين عندها. هل أنت قريب لها؟ فحرك كنان رأسه مجيبًا بصوت يكاد أن يسمع. "أنا شقيقها."

لتنظر له المرأة بدهشة. فعائشة جارتها لعام، ولأول مرة تعرف أن لها شقيق. ومن هيئته علمت المرأة أنه ذو مكانة بالبلد. وهتفت تخبره بشكوكها. "طليقها هو من فعل ذلك، أنا متأكدة." ونادت على ابنها والذي يبدو بعمر العشرين. "ابني محمد رآه وهو عائد من عمله." فحرك الشاب رأسه مؤكدًا. "لقد كان سكيرًا." فشعر كنان بأن رأسه يدور. شقيقته مطلقة؟ ما تلك الحياة التي يعيشها؟ *** هتفت مهرة للمرة العشرين تسأل شقيقتها عن سبب مجيئها.

"يا ورد طمنيني طيب، وضعك وشكلك مش مريحني. ده مش منظر واحدة جايه زيارة عادية." فتسطحت ورد على الفراش الذي قد أعدته لها شقيقتها وضمت الوسادة لها. "أرجوكي يامهرة، خلينا نتكلم بكرة. أنا تعبانة." فأزداد قلق مهرة. "تعبانة؟ أخدك للدكتور طيب؟ طب أخلي جاسم يطلبلك دكتور؟ وكادت أن تذهب وتخبر جاسم، إلا أن صوت ورد أوقفها. "مهرة، أنا محتاجة أنام في حضنك، محتاجة أرتاح."

فلمعت عين مهرة بألم وداخلها يقسم حين ترى كنان ستنقض عليه لما فعله بشقيقتها. وجلست جانبها وضمتها لها وأخذت تحرك يدها على ظهرها بحنو إلى أن غفت. ولم تشعر بغفوة شقيقتها فقد كانت بعالم آخر تفكر هل موافقتها على زواج شقيقتها من رجل من بلد أخرى كان خطأ؟ هل سيترك كنان شقيقتها بعد أن أصبح داخلها جنينًا منه؟ هل ستكون ورد هي والدتها ويحدث لها مثلما حدث؟

وخرجت تنهيدة عميقة منها وهي تتمنى أن يكون كل ما يدور داخلها خطأ، ولا يخذل كنان شقيقتها. *** اردفت لغرفتها فوجدت جاسم يجلس على الفراش يضع وجه بين كفيه ويبدو على ملامحه الإرهاق. "هو أكرم مشي؟ فرفع عينيه نحوها محركًا رأسه بالإيجاب. لتجلس على الفراش جانبه. "حكتلك حاجة؟ فتنهدت بيأس من صمت شقيقتها. "لأ، مردتش تحكي. قالتلي محتاجة ترتاح." فنظر لها بتفهم وتسطح على الفراش ومد ذراعه. "تعالي ياحببتي."

وفور أن دعاها لحضنه، انضمت إليه ودفنت وجهها بتعب بصدره. "قلقانة عليها أوي يا جاسم. ورد غيري، ورد كتومة وبتيجي على نفسها عشان تسعد اللي قدامها وبتعمل تنازلات كتير عشان ترضي غيرها، وده مخليني متأكدة إن كنان جرحها قوي." وابتعدت عنه قليلًا ورفعت جسدها عن حضنه وهتفت بشراسة وهي تضغط على أسنانها. "آه لو قدامي دلوقتي كنت... وقبل أن تكمل باقي عباراتها، جذبه نحوه ضاحكًا. "إيه الشر اللي إنتي فيه؟

وعلى فكرة كنان اتصل بيا من شوية وكان باين على صوته اللهفة. وأقدر أقولك إن الموضوع فيه سوء تفاهم مش أكتر. كنان بيحب ورد، أنا متأكد من كده." فنظرت إليه قليلًا وقد أراحها ما أخبرها به بعض الشيء، ولكن مازالت تتوعد لكنان. وأبتسم بعدما وجدها استكانت كالقطة الوديعة بين ذراعيه، تحرك يدها على صدره. "مهرة." فنظرت إليه بضياع. فمال نحو جبينها يطبع بقبلة دافئة عليه.

"متفكريش كتير في الموضوع، وتأكدي إن ورد أختي ومش هرضى ليها بأي إهانة من أي حد حتى لو كنان." فأبتسمت وهي متيقنة بذلك. فبعد استقباله لشقيقتها وجملته التي قالها لها، تأكدت أي رجل هو زوجها الذي أصبحت غارقة في عشقه. "فالحب ليس كلمات فقط، بل مواقف تظهر أفعال. وهنا ينحسم الأمر وتتأكد من حقيقة من أحببته. وتدرك إذا كان ما تعيشه سراب أم حب حقيقي." ورفعت عينيها نحوه ثم طبعت بقبلة على خده برقة متمتمة. "بحبك أوي يا جاسم."

وابتعدت عنه قليلًا واعتدلت في جلستها فوق الفراش ووضعت بيدها على بطنها مبتسمة. "أنا نفسي يكون ولد ويكون شبهك في كل حاجة." ونظرت لبطنها داعية. "نفسي أجيب تلات ولاد ويكونوا نسخة منك إنت وبس، وأجيب بنت شبهي في كل حاجة." قالتها بفخر، فضحك وهو يضمها إليه. "وليه نبلّي العالم بـ"مهرة" تانية؟ كفاية واحدة." فتملصت من بين ذراعيه. "يعني أنا بلوة؟ يعني إنت شايفني كده؟ وكادت أن تكمل ما تتفوه به، فوضع بكفه على فمها سريعًا.

"لسانك ده مدفع بيشتغل، لو استنيتي أكمل كلامي كنت هقولك إنك أحلى وأطعم وأرق بلوة." هتف بتلك الكلمات المتقطعة وهو يطبع بقبلات رقيقة على عنقها وكأنه يدغدغها. كانت بعالم آخر بين كلماته الهامسة وشفتيه التي تتحرك على عنقها. وفجأة وجدته يدفعها برفق عنه بعد أن صدح تنبيه هاتفه باقتراب موعد أذان الفجر. "ابعدي عني دلوقتي ياحببتي عشان الشيطان شاطر."

طالعته دون فهم، ولكن عندما وجدته ينهض من فوق الفراش ويتجه نحو المرحاض، فهمت مقصده وابتسمت وهي تضع بيدها على قلبها. "هو أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان أستاهل أتجوز الراجل ده؟

ومالت نحو الفراش تنتظر هي الأخرى أذان الفجر، فقد اعتادت منذ زواجها منه أن تصليه في موعده. فهو يوقظها معه كما كانت تفعل ورد معها. في البداية استغربت من الأمر، ولكن مع مرور الوقت اكتشفت أن زوجها تربى على ذلك منذ أن كان يذهب مع والده وهو طفل صغير ليصلي، ومن بعده جدته التي كانت توقظه معها للصلاة. نشأة شكلت رجلًا حقيقيًا، ورغم كل ما يحيط به، إلا أنه يجاهد أن يبتعد عن الحرام والتحرر الذي يعيش فيه أغلب طبقته.

نظرت إلى فراش شقيقتها المترب والغرفة فارغة، وما زالت حقيبة ملابسها موضوعة جانبًا. فعلمت أنها استيقظت، وبالتأكيد تجلس بالأسفل، فهي قد تأخرت عن موعد استيقاظها، حتى أن جاسم لم تشعر باستيقاظه وذهابه لعمله. وهبطت الدرج لتجد جاسم ما زال في المنزل، وورد تجلس أمامه تمسح دموعها، ومن هيئتها تلك أدركت أنها أخبرت جاسم بكل شيء. واقتربت منهم متسائلة: -هفضل في قلقي لحد امتى؟ ونظرت لشقيقتها بلوم: -كده يا ورد تحكيله هو وأنا لاء؟

فلم يتحمل جاسم رؤيتها بتلك المسكنة، وكأنها ستبكي، فضحك وهو ينهض نحوها، ناظرًا لورد التي تجفف دموعها، وكانت ستعتذر من شقيقتها، ولكن جاسم سبقها: -ياحببتي ورد حكتلي الأول عشان عارفة إني هتفاهم معاها بالعقل، وخافت عليكي من اندفاعك وردود أفعالك. ورفع وجهها إليه بمشاكسة كتلطيف للوضع: -ده أنتي ممكن تاخدي أول تذكرة طيارة على تركيا وتروحي لكنان، ونتفضح على الفضائيات. استاءت من سخافته وأشاحت بوجهها عنه، وطالعت شقيقتها:

-مهرة أنا خوفت عليكي لأني عارفة إنك مش هتستحملي عليا حاجة... أكيد مش هخبي عنك حاجة، بس جاسم كان لازم يفهم الوضع، لأن كنان أكيد هيتواصل معاه. واقتربت منها تحتضنها: -كان عندك حق لما خوفتي عليا إني أعيش في بلد غير بلدي.

وبكت بحرقة تتذكر كل ما عانته من بطش فريدة، وكلمات سيلا حينما كانت تأتي لمطعم ليليان تخبرها عن النساء اللاتي عرفهن زوجها وأقام معهن علاقة، لم تفهم مقصده إلا عندما أوضحت لها سيلا من دون خجل، فزوجها عاش لفترة بأمريكا... وكانت الصدمة حينما أخبرتها أنها حملت من كنان، ولكن أجهضت الطفل، ولو كانت تعلم أن خطبتهم ستنتهي، ما كانت تخلت عن الطفل.

ينظرون إليها باستياء، أنها هي من تزوجها كنان كمال الدين، الرجل الذي دومًا اسمه يلمع في الصحف. لم تشعر بالحب إلا مع ليليان والسيدة عظيمة. صبرت على كل هذا من أجله، وحاولت على تغييره، فهو يعيش بفكر أوروبي، مع أن وطنه يوجد مسلمون حقيقيون. هذه كانت العولمة التي عرفت اسمها، ولم تفهم معناها إلا عندما دخلت داخلها. فتجمدت ملامح مهرة وأبعدتها عنها برفق: -لاء أنا لو معرفتش اللي عمله فيكي دلوقتي... هسافرله تركيا.

ونظرت لجاسم الذي كان يتابعهم بصمت، وكأنه يفكر بالأمر. وأشارت لجاسم: -هتحكيلي ولا هي اللي هتحكي؟ فأبتسم ومال نحو جبينها يطبع بقبلة عليه: -لاء أنا عندي اجتماع مهم. وانصرف من أمامها هاربًا، لتحدق هي بشقيقتها. فعلمت ورد لا مفر. عادت من العمل مرهقة، تشعر بألم أسفل ظهرها. تنظر للوقت في ساعة هاتفها، ف الليلة ستجري عملية الإجهاض بعد أن يرحل كريم. وأردفت للغرفة لتجد كريم يجهز حقيبة سفره. وعندما رآها، نظر إلى وجهها الشاحب:

-مرام إحنا لازم نروح الدكتور.. شكلك تعبان ومرهق. ونظر لساعة يده: -لسا معايا وقت لميعاد الطيارة. فنظرت له بارتباك، فتعبها تعرف سببه، ولكن كريم شك بالأمر ليلة أمس، ولكن أخبرته أنها متأكدة أنها ليست حامل. وعانقته بدلال رغم الألم الذي يزداد: -هتوحشيني ياحبيبي. فأتسعت ابتسامته وقربها منه أكثر: -أنتي وحشاني وأنتي معايا... ولولا ضرورة سفري مكنتش سيبتك وأنتي تعبانة كده. فرفعت كفوفها الناعمة تحتوي وجهه بينهم:

-لاء سافر ياحبيبي وأنت مطمن. ازداد الألم أكثر، ومع شعورها بيد كريم على ظهرها، كانت تشعر بشيء يتدفق من بين أقدامها، وصرخت من الألم. ليابتعد عنها ناظرًا إليها بصدمة، وعيناه مركزة على يدها التي تضعها على بطنها، والدماء التي تسيل منها، وهنا لم يحتج لتفسير الأمر. اصطحبهم جاسم للعشاء خارجًا، رغم رفض ورد، إلا أن في النهاية خرجت معهم لكي ترضيهم، حتى أنه دعا أكرم وخطيبته. كانوا يضحكون من أجلها لتخرج من حزنها قليلًا.

وتعالى رنين هاتف جاسم، فالتقطت مهرة الاسم قبل أن ينسحب من على الطاولة، واستأذنت هي الأخرى، فقد كان المتصل كنان، وأرادت أن تعلم بما سيتحدثون. وشعر بها جاسم خلفه، وأشار لها بأن تصمت، فصلت رغمًا عنها تستمع لحديثهم. وبعد أن أنهى الاتصال، حدق بها بحنق: -خرجتي من المطعم ليه؟ فضولك ده هيموتك في يوم. فعقدت ساعديها أمام صدرها هاتفه: -قلقانة وعايزة أفهم ليه الأستاذ منزلش مصر؟ ها ليه؟ فأبتسم على حديثها:

-عارفة يامهرة إن نفسي أعلقك، بس اللي منعني إنك حامل. تولدي بس وهعيد إصلاحك من أول وجديد. فأبتسمت برقة وداخلها يضحك. واقتربت منه خطوة، ووضعت يده على خده تداعبه: -أهون عليك ياحبيبي؟ ده أنا مراتك حبيبتك الهادية المطيعة. طب شوفت كل ما يتفتح موضوع كنان وورد، وأجي أتكلم تبصيلي وأسكت؟ وتابعت بوداعة تعجب منها، ورفعت كفها الثاني تداعب خده الآخر: -بس أنت حلو النهارده كده ليه؟ فضحك باستمتاع وهو ينظر لوقوفهم هذا:

-لاء ده أنتي النهارده مش مراتي اللي أعرفها. ومال نحوها هامسًا: -نتلم ياحببتي لحد ما نروح بيتنا. واكمل بتحذير: -بس عارفة لو نطقتي وقولتي هنام وتعبانة وعندي محكمة الصبح، والحوارات اللي بتعيشي فيها ديه... هتجني على نفسك. فأرتبكت من كلماته وابتعدت عنه تنظر حولهم: -إحنا اتأخرنا عليهم، كده يقلقوا علينا. وسارت أمامه، فابتسم على هروبها. يعلم أن ما تفعله ما هو إلا بسبب هرمونات الحمل.

لغى رحلة سفره، ووقف يدور بالمشفى كالمجنون، ينتظر أحدًا يطمئنه. لتخرج الطبيبة تنظر إليه بأسف لا يحتاج للفهم: -الحمل كان ضعيفًا. ولكن زوجتك بخير. وانصرفت الطبيبة بهدوء. فوقف كالتائه، مرام كانت حامل. مرت خمسة أيام، وما زال كنان مع شقيقته بالمشفى. خرج من غرفة عائشة، ونظر إلى بشير وهو آتٍ نحوه وبجانبه ليليان. واحتضن كنان معتذرًا: -فور أن وصلت من سفري جئت إليك. وابتعد عنه، ونظر لشقيقته بضيق:

-اعتذر منك صديقي. عما فعلته تلك الخرقاء. فتهجم وجه ليليان، فطيلة الفترة الماضية تتلقى توبيخًا من شقيقها عبر الهاتف، رغم أنها اعتذرت آلاف المرات، لأنها لم تكن تعلم أن عائشة شقيقة كنان، فهو المخطئ، ولكن لن تتحدث مجددًا. فبعد رؤيتها لوجه كنان، علمت مدى حبه لورد. حتى أنها قصت لورد كل شيء عبر الهاتف، وأن عائشة شقيقة كنان، ولكن كيف هذا لا تعرف، فجميع الحكاية لدى زوجها.

وطلبت منها أن تظل صامدة، ولا تخبره أنه علم بشيء، إلى أن يوضح لها كل شيء ويعرف خطأه، لأنه لو كان أخبرها بالأمر، ما كان حدث كل هذا. وشهقت بفزع بعد أن دفعها بشير للأمام هاتفا بها: -اعتذري ليليان. فهتفت بغل وضيق، فهي تكره أمثال كنان وشقيقها والرجال جميعهم، لعقم وسطحية تفكيرهم. -بماذا أعتذر؟ أنا لم أخطئ. لأنني ببساطة لم أكن أعلم أنها شقيقته. ولم تصمت على هذا، بل أخبرته بكل شيء تعانيه ورد، وأين هو من كل هذا.

كان كنان يقف يستمع لها بحزن، أما شقيقها أخذ يطالعها بوعيد. نظرت مهرة لهدوء شقيقتها، فكلما هتفت بشيء عن كنان، كانت وكأنها مرتاحة من الأمر، ولا يشغل بالها شيء. واقتربت منها تتفرس ملامحها: -ورد أنتِ مخبية إيه؟ فأبتسمت ورد وهي تحمل حقيبة يدها من أجل أن تخرج مع أكرم وخطيبته. -هخبي إيه يعني عنك، بس كل الحكاية بحاول أكون قوية. فأرتاحت مهرة وتنهدت: -طمنتيني، أنا أهم حاجة عندي راحتك. قبلتها على وجنتيها: -خلي بالك من نفسك.

فقبلتها ورد بحب: -متقلقيش عليا يامهرة، أنا اتعلمت من اللي حصلي. وأنا مرتاحة وأنا وسطكم، ومش هرجع لكنان غير بنت يعترف بغلطه. فدفعتها مهرة بيدها برفق صارخة بها: -ترجعي لمين؟ ده خانك مع المساعدة الشخصية بتاعته. أنتي هبلة يابنت زينب. فهتفت ورد قبل أن تركض من أمامها، فهي لا تستطيع أن تخفي عليها شيء: -البنت طلعت أخته. لتقف مهرة مذهولة للحظات، تسأل نفسها: -أخته؟ وأخذت تحك فروة رأسها وتتساءل ثانية: -أخته طب إزاي؟

ونظرت حولها لتجد الغرفة فارغة، وورد انصرفت. وخرجت من الغرفة حانقة متجهة لغرفتها، لتجد جاسم يقف أمام الشرفة يتحدث مع نرمين من أجل السفر لكندا. وانتظرت أن ينهي مكالمته، وعندما التفت نحوها، حدقت به متسائلة: -مين هيسافر مع مين؟ فضحك بمتعة وهو يطالعها: -نرمين وريان. فتنهدت بارتياح. فأبتسم على هيئتها، ثم التقط ذراعها: -ورد مع أكرم مش كده؟ فأجابت دون أن تعي مغزى سؤاله: -آه، بس بتسأل ليه؟ فجذبها أكثر إليه:

-هتفهمي دلوقتي ياحببتي. وانتهى حديثهم حينما فهمت. ابتسم ريان وهو يخرج العلبة التي تحتوي على خاتم الزواج، وعيناه تلمع. ريم لن تأتي إليه إلا إذا تعجل بذلك الأمر. فكل النساء اللاتي عرفهن بحياته، إما كانوا يأتون لفراشه راغبين بماله ووسامته، أو لمجرد أن يظهروا معه كنجمات مجتمع. ولكن ريم شيء مختلف. وانتبه لجرس المنزل، فأغلق العلبة ووضعها بالدرج جانب الفراش. وذهب ليفتح الباب، فوجد ناريمان أمامه بهيئتها المغرية، فتنهد بسأم:

-ناريمان لست بمزاج يسمح لأي شيء. لدي طائرة غدًا. فدفعته ناريمان برفق للداخل وضحكت بدلال: -جئت من أجل توديعك حبيبي. وأغلقت الباب خلفها وتعلقت بعنقه: -أنا أيضًا راحلة لباريس. وأخذت بعبث بأزرار قميصه. ودفعها نحوه: -انتهى كل ما بيننا ناريمان افهمتي. فتقدمت منه بهدوء، ووقفت أمامه مجددًا: -ليلة واحدة ريان. ولم تتركه ينطق بعدها، فقد أطبقت شفتيها على شفتيه. لتنتهي تلك الليلة كما أرادت.

واستيقظت صباحًا لتضم جسدها بالغطاء، وهي تستمع لصوت المياه، فقد استيقظ قبلها نافراً منها ومن نفسه. وتمطت بسعادة لما حدث، ومدت يدها نحو أحد الأدراج تبحث عن علبة سجائره، لتقع عيناها على علبة زرقاء، فالتقطتها لتعلم إجابة لم ترغب في تصديقها. "ريان سيتزوج ومن غيرها، فبالتأكيد تلك الفتاة التي جعلت إحداهن تراقبها بالشركة التي يديرها هو حاليًا." نظر كرم للسيجارة التي يعطيها له نادر، ووضعها بين شفتيه. فسحب نفسًا منها ثم ضحك:

-لاء حشيش أصلي ده. فضحك نادر، ثم تذكر عدم مساعدة كرم له في الوظيفة: -فين الوظيفة يا كرم؟ لو مش هتساعدني قول ياصاحبي. ليتذكر كرم الخلاف الذي نشأ مع شقيقته بسبب استهتاره. -ما انت عارف يانادر مقدرش أساعدك... جوزها مش بيطقني. غير آخر خلاف بينا ضيع الدنيا. وزفر أنفاسه من الدخان وضحك بأستمتاع. -لفيلي سجارة تانية وكله بحسابه. ***

دار كريم بمقعده بعد أن سمع طرقات على باب مكتبه. لتقع عيناه على بسمة التي اقتربت منه تتسأل بجدية. -كنت عايزني في حاجة يابشمهندس؟ فطالعها كريم وما زال كل شيء يمر أمامه كالفيلم. متذكراً تلك الليلة التي أجهضت فيها مرام وعاد لمنزله كي يجلب لها ملابس. كان هاتفها لا يتوقف عن الرنين. ليفتح الخط وقبل أن يعلم هوية المتصل لم يصدق ما سمع.

"أحداهن تسأل زوجته لماذا لم تأتي للموعد". في البداية لم يكن ما يسمعه شيئاً غريباً إلا عندما سألتها تلك المرأة إذا كانت غيرت رأيها بأمر الإجهاض. وانتبه على صوت بسمة. -بشمهندس. فوقف كريم واقترب منها. وخرجت آخر كلمة كانت تتوقع سماعها. -تتجوزيني يابسمة؟ *** ضحكت بأستمتاع وهو يدغدغها بلطف. -جاسم أبعد انت بتعمل إيه؟ فأبتسم بمشاكسة. -سيبي ورق القضية اللي في إيدك واهتمي بيا شوية.

فأبتسمت وهي تشعر وكأنه طفل صغير. ووضعت الأوراق جانبًا بعد أن رتبتها. -نعم يا سيدي. فقربها منه غامزاً. -بتحلوي كده ليه؟ فدفعته برفق على صدره. -قصدك بتتخني كده ليه؟ وأشارت لجسدها بتذمر. -أنا اتخننت أوي صح؟ قولي إن ديه تهيؤات. فضَحِكَ على هيئتها. -يعني شوية. فلمعت عيناها وهي تنظر له. -طب شيلني ونشوف. فتعالت صوت ضحكاته. -هو أنا ميزان ياحبيبتي؟ فتعلقت بعنقه وهي تهتف بحنق. -شيلني يا جاسم ياحبيبي لاحسن هفضل أزن للصبح.

فأبتسم وهو يحملها وأخذ يشاكسها بمكر. -لاء وزنك زاد يامهرة. وعندما شعر بأسنانها على كتفه. -آه ياعضاضة. أومال لو مجوعك هتعملي إيه؟ فضحكت وهو ما زال يحملها. -هاكلك. ده انت بقيت حلو أوي. وسألته برقة. -هو انت بتحلو ولا ده من أثر الحمل ياحبييي؟ فضَحِكَ على ظرافتها التي ستقتله يوما. -وده سؤال يتسأل طبعاً. أنا اللي حلو. فأبتسمت بعدما وضعها على الفراش ثم هتف متسائلاً. -محدش هيخبط علينا صح؟

وقبل أن يستمع لردها جذب هاتفه وهاتفها وأغلقهما وأبتسم بأرتياح. -تعرفي لو اللحظة ديه انقطعت... هخنقك يامهرة. كانت تكتم ضحكاتها بصعوبة ولكن لم تعد تحتمل فأنفجرت ضاحكة. -وأنا ذنبي إيه؟ ودقائق مرت وهو يبثها مشاعره بكلمات رقيقة ولكن كما المعتاد... طرقات على باب غرفتهم وصوت ورد تلك المرة يهتف قبل أن تتحرك من أمام الباب وتهبط لأسفل. -مهرة كنان تحت. لم يجد إلا الوسادة فدفن وجهه بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...