انتهى كل شيء في غمضة عين. العرس الذي حلمت به مضى. سعادة والديها رغم حزنهم على شقيقها الذي لم يطيب حزنهم عليه بعد. كان حفل الزفاف بسيطاً للغاية، مجرد مظهر للفرح بين جيرانها وأحبابها. فكيف تعيش الفرح وشقيقها لم يمر عام على وفاته بعد.
ومع احتضان والدتها القوي لها، ثم أبيها، أدركت أن أجمل دفء هو دفء الوالدين. ليلتقط ياسر ذراعها بذراعه ويسير بها لسيارته. ومهرة تقف بعيداً بجانب رقية وجاسم، تنظر إليها بنظرات تخبرها أن صفحة جديدة من الكتاب ستفتح على لحن حياة جديدة من عمرها. ***
دَلفت للشقة خلفه وهي تحمل فستانها بأيديها. لم تكن عيناها مسلطة إلا على خطواتها المتثاقلة. وتقدم منها ياسر يغلق باب الشقة، ولم يكن أقل منها من مشاعر متخبطة. فمنذ الصباح والماضي يحوم حوله. عرس.. زوجه.. ليلة البناء.. حمل.. طفلة.. ثم موت. آلم الماضي يجثو عليه. ومع تعدد المشاهد بدأ قلبه يرسم له نهاية.
ما دخله بقدميه مرة أخرى. ووقف للحظات يعطيها ظهره. ولا أحد منهم يتفوه بشيء إلا صوت أنفاسهم يتعالى. فأرخي جفنيه ورطب شفتيه بلسانه ورسم ابتسامة مصطنعة على شفتيه جاهد في رسمها. وأقترب منها هاتفا بأسمها. "ريم" كانت الكلمات تقف على طرف شفتيه تأبى الخروج. وهو يطالعها كيف تقف تفرك يداها بتوتر بعد أن تركت طرفي ثوب عرسها. ولثم جبينها بقبلة طويلة لعله يخرج فيها أسفه. ثم تمتم بدفء. "كنتي جميلة قوي النهارده."
أراد أن يشعرها بأنها حقا عروس ويعطيها جزء من حقها كأي فتاة. فأغمضت عيناها من أثر تلك المشاعر. مشاعر مع رجل أحبته، ولكن هو لم يحبها. وعادت تستجمع قواها وفتحت عيناها وهي تعلم أنه سيخبرها أن زواجهم مؤقت ومجرد وقت، وكل منهم يعود إلى حياته القديمة. ليبتعد عنها متأملاً حالتها. وأخيراً خرجت الكلمات التي رتبها بصعوبة. "أنتي عارفه حياتنا هتكون إزاي." وقبل أن يبدأ بشرح أي شيء لها، تساءلت بوجوم.
"فين الأوضة اللي هتكون مكان إقامتي؟ فهم أنها أدركت سبب تخبطه. لينظر إليها طويلاً معتذراً. ووضع بكلتا يديه على ذراعيها. "ريم، أنتي فاهمه الوضع اللي اتحطينا فيه." فتعلقت عيناها على ذراعيه التي تحاصرها. فخطت للخلف. فأبتعد عنها مزيحاً يديه. "خلينا نكون أصدقاء ياريم.. أو أخوات." طعنة قوية طعنت قلبها. أخوه.. أصدقاء.. وهي تراه كحبيب. عشقته بقسوته وجموده. وعاد حديث مهرة لعقلها. فهتفت داخلها "أين هذا الحب الذي ظننتيه يا مهرة؟
وتمالكت إنهزامها ورجفت شفتيها. "متقلقش مش هتحس بوجودي.. كأننا شركاء سكن مش أكتر." وتابعت وهي تنظر حولها تتحاشى نظراته. "فين الأوضة من فضلك."
لينتبه ياسر لصوتها بعد أن كان سارحاً في ملامحها الحزينة. مؤنباً نفسه على ظلمها مع رجل مثله بماضي مظلم. متذكراً رفيف يلعنها عما فعلت. ولكن أصبح غليله يشفي عندما علم بزواج عمار منها. ورغبته في تأديبها بعد أن أخبره أن أذاها لم يصبه وحده. ووعد عمار بوظيفة جديدة مساعدة منه لأجل تخليصهم من سم رفيف. وتحرك أمامها وفتح باب الغرفة ثم أنار الإضاءة. "دي أوضتك لو حابة تغيريها مع أوضتي.. معنديش مشكلة."
فدَلفت للغرفة بصمت تطالع الأثاث الذي تركت له انتقاءه. "لأ.. الأوضة جميلة وعجبتني." فطالعها ياسر للحظات بعد أن جلست على الفراش. وكاد أن يخرج ويغلق الباب خلفه. "هغير هدومي وأجي أسخن الأكل." فابتسم متذكراً الطعام الذي بعثته والدتها مع شقيقها. وكأنهم اليوم سيكونون بمجاعة. ولكن هذه هي العادات كما أخبره شقيقها الصغير "علي". وأغلق الباب بصمت. لتلتف نحو الباب المغلق ثم انفجرت باكية. فلم تعد تحتمل قدرتها على تمثيل القوة. ***
أختلس النظرات إليها ضاحكاً. ولا يعلم كيف طاوع جنونها هذا. فبعد انتهاء عرس ريم وياسر.. أخذت تلح عليه كالأطفال بأن يصطحبها للسير في الطرقات. وانتهى الأمر بهم أمام عربة المثلجات. ومسح فمه بالمنديل وهو يتذوق ما يأكل بتلذذ. "طعمه حلو." فألتفت إليه بمتعة وهي مندمجة في لعق خاصتها ببطء. "عيب عليك.. عم مانجا أحلى واحد يعمل آيس كريم في المنطقة." ليضحك جاسم من قلبه على معرفة زوجته بكل شيء خاص بعالمها المتواضع.
"نفسي أعرف أنتي بتعرفي الناس دي إزاي.. ده أنتي ولا كأنك زبونة عندهم." فأسبلت جفنيها ببرآة. "تتسكع في الطرقات أكتر تعرف أماكن أكتر وناس أكتر." ألجمه تشبيهها. وفي ثواني معدودة كان يضحك بقوة حتى بدأ يسعل. "تتسكع وطرقات يا مهرة.. ماشاء الله أنتي موسوعة يا حبيبتي." فأرتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة وحركت كتفيها بفخر. "عيش واتبسط من غير تكلف." وتابعت بنبرة درامية مضحكة. "ده مبدأ في الحياة."
فحدق بها مبتسماً. الحياة بالفعل جميلة دون زيف أو تصنع. فعالم المال جعله يدرك الفرق. وعادوا يكملوا السير وهو لا يفعل شيئاً إلا مشاكساتها. ووقف أمامها يخرج من سترته منديلاً. وتقدم منها يرفع فكها بأنامله ويمسح جانب شفتيها مبتسماً. "كملي رغي يا أم مبادئ في الحياة." فضحكت بملء قلبها لتتعلق بذراعه. "اتعلم مني بقى." ***
تأففت بحنق من كم الدبابيس المثبتة بطرحتها. معاناة كانت مع سحاب الفستان وقد نجحت بأمره. ولكن الآن لم تعد تقوى على التحمل. فستقضي الليل بأكمله هكذا. لتسمع طرقات ياسر على الباب يسألها بقلق. "ريم.. أنتي كويسة؟ ونظر إلى ساعته. فساعتان بالغرفة ولم يسمع لها صوت. فقد سخن الطعام للمرة الثانية من أجلها. ولكن إلى الآن مازالت بحجرتها. ووجدها تفتح الباب له حانقة. "ممكن تساعدني.. أنا خلاص تعبت." فنظر إلى هيئتها مبتسماً.
"مندتيش عليا من بدري ليه." ومسك يدها بحنو بعد أن شعر أنها أوشكت على البكاء. وأخذ يمازحها بلطف جديد عليه. "تعالى أما أساعدك.. بدل ما هتقضي الليل كله كده." وأجلسها على الفراش ليقف يزيل عنها الدبابيس المثبتة وهو يضحك. "إيه اللي بيعملوا فيكوا ده.. دول بيدبسوكم يا ريم." فضحكت على مزاحه ليبتسم على ضحكتها. "علبتين دبابيس للأسف.. أنا حاسة إني متثبتة على اتجاه واحد."
لتصدح قهقهته عالياً. فتعلقت عيناها عليه وقلبها يخفق بجنون. وأشاحت وجهها للجهة الأخرى بعد أن وجدته يسلط عيناه نحوه. وبعد وقت لم تشعر به كان يبتعد عنها مبتسماً. "المهمة تمت بنجاح." لتنهض ريم من أمامه تحرر شعرها من عقدته. فوقف سارحاً بخصلات شعرها السوداء القصيرة التي لاقت على ملامحها البسيطة. وفاق من شروده فيها هارباً من أمامها. مخبراً قلبه أن يتوقف عن رسمها كزوجة إليه. ***
وقفت رفيف أمامه بردائها القصير الشفاف. فأغمض عمار عيناه بقوة هاتفا بضيق بداخله. "أعمل فيها إيه دي.. أولع فيها وفي هدومها." وفتح عيناه بعد أن سمع صوتها. "عمار." ومع سمع صوتها تذكر أمر شقيقته التي لا يريدها أن تتفتح عيناها على هذا التبجح. ونهض من فوق الأريكة التي يجلس عليها وأمسك ذراعها بغضب. "أنتي إزاي تطلعي من الأوضة كده." فتأوهت بألم تمسك كفه المطبقة على ذراعها بإحكام تزيلها عنها. "أنت بتألمني عمار."
فدفعها أمامه بجمود. "وياريتك بتحسي بالألم.. ده أنتي حياتك كلها أذى في أذى." ودفعها للغرفة التي تشاركه فيها. "اللبس ده متخرجيش بيه من الأوضة دي.. وياريت متلبسهوش.. مش أنا الراجل اللي بيجري ورا شهوته." ما كان كلامه إلا يزيدها افتناناً به. ورغم آلم جسدها من أثر دفعاته اقتربت منه تقبله وهو ثابت بمكانه. فأزاحها عنه بغضب. وخرج من الغرفة صافعاً الباب بقوة.
ونظر إلى غرفة شقيقته المغلقة ثم خرج من الشقة بأكملها. لتضع علياء أذنها على باب غرفتها وهي تشعر بالقلق على شقيقها. وعادت تجلس على فراشها كما كانت تفكر في حديث صديقتها. *** صعدت الدرجات الرخامية ذو الملمس الرطب بعد أن خلعت حذائها العالي. فلم تعد تحتمل تورم قدميها. لينظر إليها جاسم مستمتعاً بمشيتها التي تشبه البطريق. فألتفت نحوه تسأله بحنق. "أنت بتضحك على إيه.. رجلي وجعتني ومش مستحملة أمشي بالجزمة."
ونظرت إلى قدماها. ثم لـ "هدى" التي فتحت له الباب مرحبة بهم مع ابتسامة ودودة على شفتيها. واتبعها ضاحكاً بعدما أبلغ هدى أن تذهب لغرفتها كي تستريح. "طيب رجلك وجعاكي وفهمنا.. ماشية تطوحي كده ليه زي البطريق." فوقفت أمام الدرج. تعض على شفتيها بقوة. ثم عادت إليه. "شايف أنا كنت ساكتة وزوجة مؤدبة.. وف حالي." فضحك على شراستها وهي تحدق به. "قصدك أن أنا اللي بشاكس.. لأ يا حبيبتي أنا بقول الحقيقة."
لتجذبه من عنقه بعد ضغط على زر الإنذار لديها. "شيلني يا جاسم.. عشان تقول عليا بطريق تاني." فصدحت صوت ضحكاته عالياً. ومدام في النهاية سيحملها فليداعبها قليلاً بمزاحه. "أشيلك إيه ده كان زمان.. أنتي بقيتي دلوقتي دبدوبة يا حبيبتي." فدفعته على صدره بوجه عابس. ومازالت تجذب عنقه إليها. "مدام دبدوبة مفيش تنازل إني أتشال يا جاسم."
فحملها مرغماً عنه ضاحكاً وهو يخبرها أن وزنها قد زاد. أما هي كانت تتعلق بعنقه تدندن كي تلهي نفسها من مزاحه السيء الذي يدمر نفسيتها كأنثى. "قاتلتي ترقص حافية القدمين بمدخل شرياني... من أين أتيت؟ وكيف أتيت؟ وكيف عصيت بوجداني؟ ومع كل مقطع ومقطع من كلمات الغنوة كانت تصرخ بعلو صوتها. إلى أن سطحها على الفراش وضحكاته تتعالى. "بس كفاية يا مجنونة." لتتعالى نبرة صوتها ثانية. "من أين أتيت وكيف أتيت."
فألقى جاسم سترته واقترب منها. "ده شكل الليلة دي هتكون لطيفة يا حبيبتي." وأمتدت يداه نحو حجابها يزيله عنها مبتسماً. "كنتي جميلة النهارده أوي يا حبيبتي.. الفستان عليكي يجنن." لتتوقف عن التلحين مع نفسها مبتسمة. "بجد يا جاسم... يعني مبقتش دبدوبة." فتعلقت عيناه بها ومال نحوها يداعب وجهها بكفه. "مين المغفل اللي قال كده." فأنتعش وجهها بعد أن سب نفسه. "أنت ياحبيبي." وضاعوا بعدها في لحظاتهم الجميلة. ***
تسير في غرفتها دون هوادة وهي تتخيل لو كان كريم تزوج بسمة. تلك الصديقة الخائنة التي ائتمنتها على حياتها. وكلما عاد صوت كريم لأذنيها وهو يخبرها دون شعور بالجرم في حقها كان الغضب يتآكلها. مشاعر الغضب والغيرة تملكت قلبها. ولحظتها علمت أنها كانت أكبر مغفلة. ذهبت لمنزل بسمة لتواجهها. لعلها مازالت بكندا. ولكن لا أثر لها.
وهوت بجسدها فوق الفراش زافرة أنفاسها بقوة. ثم نهضت وهي لم تعد تحتمل كبت غضبها أكثر من ذلك. فمنذ أن أعترف لها بالحقيقة وهي منعزلة على نفسها صامتة. واتجهت لغرفته بخطى سريعة. لتجده يقف أمام المرآة يهندم ملابسه وينثر عطره دون أن يلتفت إليها.
حرب باردة أصبحت تدور بينهم. ولكن هي لن تحتمل. فقد لعب على أكثر وتر حساس لديها تجاهلها. فهي دوماً عاشقة للاهتمام والدلال. فقد الابنة الوحيدة لوالديها. ورغم قلة مواردهم إلا أنهم كانوا يعطوها كل ما رغبت حتى لو حرموا أنفسهم. فيكفيهم هي. "مش هتبرر غلطك يا كريم في حقي... المفروض دلوقتي نبقى متعادلين. أنت جرحتني زي ما جرحتك." كان لا يبلى بحديثها. فتركيزه جعله منصباً على ساعة يده. إلى أن وقفت أمامه غاضبة.
"أنت مبتردش عليا ليه.. أكتر حاجة عارف إني بكرهها التجاهل." وهنا انفجرت شفتيه بضحكة رجولية صاخبة. "التجاهل في الوقت ده أنسب حل يا حبيبتي.. واحمدي ربنا إن حياتنا وصلت للتجاهل بس." فدمعت عيناها وهي لا تريد شيئاً إلا حنانه عليها. "أنا مسامحاك في حقي يا كريم عشان أنا السبب... بس أنت كمان سامحني." عيناه تحجرت على دموعها. رغم أنه بدأ يغفر. إلا أن الدرس لابد أن يتقن تعليمه لها. "للأسف يا مرام.. أنني ضيعتي كل رصيد حبك."
وتخطاها كي ينصرف من أمامها. فقبضت على ذراعه بضعف. "أنا كنت عايزة أنجح وأوصل عشانك.. عشان متجيش في يوم تعايرني بفقري وتسبني زي ما سبتني زمان." وبدأت تذكره بالماضي. يعلم أن أكبر غلطة فعلها بحياته هو بداية الزواج العرفي منها. ولكن الماضي انتهى. وهو عاد كريم القديم مجدداً معها قبل أن يشوه فقد عائلته. وشعر بيديها على صدره تطلب منه اللجوء لدفء أحضانه. ألا أنه أبعدها عنه بجمود.
"عمرك ما فهمتيني يا مرام.. أنتي عجبك كريم الشرقاوي الراجل الغني." وانصرف من أمامها وقد تجمدت ملامحه. هي من سعت للفت أنظاره بكل الطرق فور أن علمت بمكانته وأنه شقيق من.. ولكن كل هذا لم يفرق معه. لأنه أحبها بقلبه القديم الحنون وليس بقلب الشاب العابث. *** نظرت رفيف لطعام الفطور الذي تذمرت عليه الأيام الماضية. ولكن قررت أن تعتاد على الأمر رغم أن معدتها لم تعتد. لتضع علياء طبق الفول أمامها ومعه أقراص الفلافل الساخنة.
ثم أتت بطبق الجبن وشرائح الطماطم. "أنا بخدم عليكي الأيام دي وبقول عروسة." هتفت علياء عبارتها باستنكار. لترفع رفيف الخبز من أمامها بحنق. فلولا أنها جائعة ما أكلت. "وماذا سأفعل بعد ذلك يا سيدة علياء.. أنسيتِ أنني زوجة شقيقك وخدمتك لي واجبة عليكي." فنهضت علياء مزمجرة. فقد كانت تخدمها بطيب خاطر من أجل شقيقها. ولكن الآن. "خدمة مين اللي واجب.. أنا بخدمك ذوق مني بس عشان أعرفك أصول الاحترام والذوق." وأشارت لنفسها.
"بس أنا غلطانة من النهارده مفيش ذوق.. في مبدأ اخدم نفسك بنفسك.. آه نتبع النظام الأوروبي اللي أنتي عايشة بيه." وتابعت وهي تنظر للمطبخ. "عليكي غسيل الأطباق اللي هناكل فيها بعد كده." فطالعتها رفيف حانقة. "أنا رفيف.. أجلي أطباق.. نووو نوو." لتضيق عين علياء بشراسة. "مهما نونوتي هتغسلي الأطباق." وأصبحت تلك عادتهم اليومية. ليخرج عمار من غرفته صائحاً بهم. "مش كل يوم صوتكم هيسمع الجيران."
فصمتوا على الفور بعد سمعوا صوته. لتحدق علياء برفيف متمتمة. "قلبتي راحتنا." فأسبلت رفيف أهدابها واقتربت منه تعانقه وتطبع على خده قبلة سريعة خائفة من غضبه. فهي تستغل وجود علياء حتى لا ينفرها كالعادة. "صباح الخير حبيبي." فلوت علياء شفتيها بامتعاض بعدما طالعتها. وحملت دفاترها وحقيبتها هاتفة بصوت خافت. "حبيبك.. حبك برص." وأغلقت الباب خلفها. ليدفعها عمار عنه. "بلاش أساليبك الرخيصة دي قدام أختي."
ليحتقن وجه رفيف من إهانته التي أصبحت لا تسمع غيرها. وانصدم وهو يجدها تجذبه إليها وتقبله. وابتعدت عنه تلهث أنفاسها متمتمة. "ستحبني عمار مثلما أحبك.. أنا لا أخسر." وانصرفت من أمامه ليقف مصدوماً من فعلتها. *** تأمل كنان زوجته وشقيقته كيف يتمازحون. وجواد الذي عاد أخيراً من إقامته مع عمه راغباً في العيش بينهم. مندمج معهم. حتى والدته عادت معهم من الضيعة وتجلس بينهم بمقعدها تتناول فطورها وتبتسم على حديثهم.
كانت عائشة تتحدث مع ورد من أجل الذهاب للتسوق لجلب ملابس للطفل القادم. رغم أن الوقت مازال مبكراً. فهي للتو بدأت بشهرها الخامس. وتوقفوا عن حديثهم بعد أن سمعوا صوت كنان. "اتركوا حديثكم جانباً الآن أيتها الثرثرات وانتبهوا لي." لتضحك كل من عائشة وورد. وأيضاً جواد الذي ترك كأس الحليب خاصته ليستمع إليه. أما فريدة تنتظر أن تعرف ما سيخبرهم به ابنها. "سننتقل لمنزل آخر أكبر من هذا." فصفق جواد بيديه فرحاً بذلك الخبر.
"وبحديقة أكبر أليس كذلك خاله." فضحك كنان على حماسه الذي اشتاق إليه. "نعم حبيبي." لتتسأل ورد فقد اعتادت على هذا المنزل. "ما السبب كنان.. المنزل رائع." فأرتسمت على شفتيه ابتسامة حانية. "لقد أصبحنا أسرة كبيرة ورد.. غير الضيف القادم." فهم أنه يقصد طفلهم بذلك. لتحرك رأسها في صمت. إلى أن انتهى فطورها وجاء موعد مغادرة كل من عائشة وكنان للعمل. فتعلق ورد بعنقه قبل أن يتجه نحو سيارته. "أتيت لي بالحلوي كنان."
فضحك وهو ينحني نحو وجنتها يقبلها. "سأجلب لكم جميعاً يا ورد.. فأنا أصبحت أباً لثلاث الآن والرابع قادم في الطريق." واتجه لسيارته تحت أنظارها المحبة. وعائشة تلوح لها بيدها وهي تصعد السيارة جانبه. *** انفردت بها والدتها جانباً تسألها بلهفة أم. "طمنيني يا ريم كل حاجة تمام يا بنتي." لم تفهم في البداية سؤال والدتها. إلا عندما حركت لها عيناها كي تطمئن قلبها. ومع صمت ريم للحظات. هتفت والدتها.
"أكيد اتكسفتي يا بنتي وأنا عارفاها." وبدأت والدتها تستنكر فعلتها وتخبرها أن هذا لا يصح. فهو زوجها والرجل لا يصبر على زوجته كثيراً. وريم تقف لا تعرف كيف تجعلها تنتظر أن تسمع منها الإجابة. وقبل أن تخبر والدتها كاذبة أن كل شيء على ما يرام.. صدح صوت والدها بأن يكفيها الثرثرة وتترك ابنتها وزوجها. لتتحرك والدتها من أمامها على مضض. ومع انشغال ريم مع والدها وأخيها. وياسر الذي كان يقف يطالعهم مبتسماً. اقتربت منه مشيرة له.
"قرب يا ياسر ياحبيبي." فمال نحوها ياسر بتوجس. لتهمس له ببعض الكلمات. ثم ابتعدت عنه بعد وجدت ريم تقترب منهم تنظر إليهم بتعجب. وانصرف أهلها. فوقفت تطالعه. "هي ماما كانت بتقولك إيه." فنظر إليها ياسر طويلاً متذكراً حديث والدتها. ثم ضحك. "كانت بتوصيني عليكي." وانصرف بعدها من أمامها قبل أن يخبرها صراحة بالأمر. ***
بكت مرام بحرقة وهي تغلق الهاتف بعد أن تحدثت مع مهرة طالبة منها أن تجعل جاسم يطلب من كريم أن يأتوا إجازة للوطن. شعرت مهرة بوجود خطب ما بينهم. ولكن مرام لم تصرح لها بشيء. أصبح لديها أمرين ترغب في إخبارهما لجاسم. وبالأصح سؤال وطلب. سؤال عن الماضي العالق بين حياة ريم وياسر. ومهاتفنه بشقيقه لأخذ إجازة قصيرة دون أن توضح له أن هذا طلب من مرام.
ووقفت مع نفسها قليلاً تفكر. كيف ستبدأ الحوار معه. فجاسم يحلل كل شيء بطريقة سريعة. وبالتأكيد سيشك في اقتراح مهرة بجعل كريم يأخذ إجازة ليراه. وبعد دقائق حسمت أمرها وقررت أن تصنع له مشروب ساخن وتذهب لغرفة مكتبه. ودلفت بتمهل وهي تحمل المشروب الساخن هاتفه بابتسامة هادئة على شفتيها. "ممكن أعطلك ياحبيبي لدقائق." فرفع جاسم عيناه نحوها مبتسماً. "ممكن واعطلك وحبيبي.. كل الكلمات المؤدبة دي في قاموس مراتي."
ونظر إلى ما تحمله وقد اشتم رائحة مشروب الشوكولاتة الساخن الذي يعشقه. "لأ أنا كده قلبي مش مطمن.. عملتي مصيبة إيه ولا هتعملي إيه." فأقتربت منه وقد لوت شفتيها بامتعاض. "ديماً كده واخد عني فكرة وحشة." ليضحك على عبوسها الطفولي. تاركاً الملف الذي كان يطالعه جانباً. "تعالى يا مهرة كل أذان صاغية ليكي."
وفور أن أشار إليها بالأقتراب جانبه واعتدل في جلسته. خطت سريعاً نحو الأريكة الجالس عليها ووضعت ما تحمله على الطاولة التي أمامه. وجلست على فخذيه تعانقه بمرح. "لأ أنا قررت أقعد هنا." فضحك على فعلتها الطفولية محيطاً خصرها بذراعه. "خير يا مهرة." فأخذت تلاعبه قليلاً. قبلة تطبعها على خده هذا ثم خده الآخر. "وحشتني ياحبيبي." وداعبت لحيته ببطء وهو سارح في أفعالها رافعاً حاجبيه منتظراً نهاية الدلال ورقتها.
"تعرف أنت الأيام دي بتحلو وبتصغر." فأتسعت بؤبؤي عيناه هاتفا. "حلو وبصغر يبقى المصيبة أكبر." ليتأوه بعدها.. بعد أن دفعته على صدره. "شوف أه أنت اللي بتضيع اللحظة الحلوة." وكادت أن تنهض عنه إلا أنه عاد يجذبها إليه ضاحكاً. "لأ عندك حق.. خليني أدلع شوية." وسايرها كما تسايره إلى أن أخرجت ما في جعبتها. "جاسم عندي سؤالين... قصدي سؤال واقتراح." فهمس وهو يجذبها أكثر إليه ويداعب عنقها. "سمعك قولي."
ومع سماع اسم ياسر فهم مغزى سؤالها. "انقلي على الاقتراح... لأن إجابة السؤال ده مش عندي." فتأوهت حانقة. "ليه مش عندك.. أنت أكتر واحد عارف ياسر.. أنا عايزة أساعدهم يا جاسم." وتوقفت عن جدالها عندما أنهى مناقشتهم بتحذير. "مهرة قلتلك مليون مرة ياسر هو اللي يقدر يحكي لريم عن ماضيه.. هييجي وقت وكل حاجة لوحدها هتبان." تابع وهو يحرك يده على خصلات شعرها. "اعدلي وشك الجميل ده وقوليلي الاقتراح."
فتنهدت بسأم بعد أن تأكدت أنه لن يخبرها بشيء. "كريم ومرام." فحدق بها جاسم بقلق. "ماله كريم." لتنظر إليه بهدوء تطمئنه. "مفيش حاجة متقلقش.. بس إيه رأيك ينزلوا أسبوع كده إجازة ونشوف التوأم." فأبتسم جاسم على ذكر الصغار. فهو يجعل كريم دوماً تصويرهم وسماع صوتهم. "هكلمه وأشوفه.. مع إني من فترة اقترحت عليه ينزل يستقر هنا لكن رفض.. شكل الحياة هناك عاجباه."
فصمتت وهي تستمع إليه ولم ترغب في بث القلق إليه عن شعورها بخلاف بين كريم ومرام. *** استمعت عايدة بملل للحديث الدائر بين السائق الجديد ومن يحادثها على الهاتف بعد أن سمحت له بأن يتحدث وهو يقود بها. ولكن لم تهتم بالأمر إلا عندما بدأ يثرثر مع حاله. "مش عاجبه الشغل في متاجر أبوه.. وعنده أخت متجوزة رجل أعمال تركي والتانية مرات جاسم الشرقاوي.. اللي إزاي يعمل إيه يولع في نفسه." فأنتبهت عايدة لسماع اسم جاسم.
"أنت تقصد جاسم الشرقاوي مين." فتعلثم نادر في الحديث بعد أن أدرك حماقته في الثرثرة. "أنا مقصدش يا هانم متاخديش في بالك." لتهتف عايدة بجمود. "جاسم مين اللي تقصده.. ومين اللي كنت بتتكلم عنه." فشعر نادر بأن لا مفر من إخبارها عن كرم صديقه وشقيقتيه. ***
حسمت علياء قرارها وقد اقتنعت بفكرة صديقتها. فلا بأس أن تطلب منه المساعدة بعد أن يأست في الحصول عن وظيفة تناسب وضعها. ورغم أن لقائها بـ "ريان" اقتصر على مرة واحدة إلا أنها ستذهب للشركة التي ذهبت لها من قبل وستنتظره بالخارج. كل ما كان يشغلها أن تزيل عبئها عن شقيقها. صحيح عاد لعمله بمساعدة شخص ما. ولكن شقيقها الآن أصبح لديه زوجة أحق منها فيه. فيكفيه كل ما يفعله من أجلها إلى الآن.
كان الوقت يمر وهي تنتظر خروجه من الشركة بعد أن علمت من حارس الأمن موعد انصرافه. ورغم تأخيره عن الموعد الذي أخبرها به الحارس إلا أنها انتظرت تحت أشعة الشمس المحرقة تقزقز حبات اللب بملل. وعندما لمحته يخرج دفعت حبات اللب المتبقية في حقيبتها وعدلت من هندامها واتجهت نحوه. "بس بس." صوت عجيب سمعه على مقربة منه. ولكن لم يهتم بالأمر. وكاد أن يدلف لسيارته إلا أنه فجأة وجدها أمامه تهتف بحنق.
"عمالة أسبسب أسبسب مفيش أي التفاتة منك." كان ريان يحدق بها وهو حانق. ففي النهاية أخاها تزوج شقيقته. "ماذا ترين يا فتاة السوق." فتهجم وجه علياء من نعته لها بذلك. "هعديلك غلطك.. عشان في مثل عندنا بيقول لو ليك حاجة عند.. " وبترت إحدى الكلمات وأكملت "يقوله يا سيدي." فأزداد وجه ريان احتقاناً من لسانها هذا. "ابتعدي عن السيارة يا فتاة.. لست أملك الوقت مثلك." ووضع قدمه داخل السيارة. ولكن وجدها تجذبه من ذراعه.
"سيد ريان عايزة خدمة منك قد كده." وقربت إصبعيها لبعضهم. لتريه حجم طلبها الصغير بينهم. فحدق ريان بقبضتها على ذراعها. فوجدها انتبهت لفعلتها المتهورة وتهتف ببرآة ووداعة لا تليق بها. "هتساعدني صح." لم يكن يعلم ماهي الخدمة التي تريدها منه. ولكن مع تحولها لقطة هادئة وديعة تحت أنظاره. جعله يتقبل منها أي شيء في تلك اللحظة. "ما الخدمة التي تريدينها مني." لتتهلل أسارير علياء وتلمع عيناها. "عايزة شغل يناسب وقت دراستي."
فدار بعينيه على صفحات وجهها البريء. وحماسها الذي يشبه حماس الأطفال. ولرغبة ملحة لا يعلم مصدرها قرر أن يساعدها في خدمتها الصغيرة ودخولها لقفصها الجديد معه. *** كانت السعادة تطل من عينيها وهي ترى فرحة رقية بجانب مراد. رقية المشاغبة أخ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!