عيناها لم تتلاقى إلا بتلك التي ترغب بزوجها. في البداية ظنت أنها غيرة عمياء، ولكن الآن ترى كل شيء بعينيها. رغبة، مشاعر انبهار وأنانية في امتلاك ما ليس لها. ومع تعلق عيناهما، أشاحت نرمين عيناها بعيدًا عنها كأنها لم ترها. وبخطوات جامدة وصوت يخفي خلفه الكثير، قالت: -جاسم. التف سريعا على سماع صوتها وكأنه وجد أخيرًا ملاذه، وأبعد نرمين عنه ببطء. -مهرة، تعالي خليكي جنب نرمين لحد ما أشوف شهاب.
فأرتبكت نرمين على سماع اسم شقيقها، فهي لم تفعل ذلك لينتهي الأمر بقدوم شقيقها. كانت تود أن ترحل معه هو وتشعر باهتمامه الذي لا يخص به إلا زوجته. وبأنفاس مضطربة هتفت: -أنا كويسة، مافيش داعي. فأختلس جاسم النظرات نحوها سريعا، ولكنه انصرف لداخل القاعة التي يقام بها الحفل. فوقفت مهره تتفحصها بتمهل، ونرمين تتحاشى النظر إليها وتضع بيدها على جبينها تفركه بتوتر. -تعرفي إنك تنفعي تبقي ممثلة هايلة يا نرمين.
واقتربت منها حتى تلاشت المسافة بينهما. -فوقتي ولا تحبي أنا أفوقك؟ فألتفت نرمين بجسدها دون كلمة. -مش عارفة تردي، أكيد. عارفة ليه؟ لأنك مش صاحبة حق. عادت نرمين تحدق بها بارتباك تخفيه خلف قناع هدوئها. -مدام مهرة، أنا مش فاهمة انتي تقصدي إيه. وحركت يدها على خصلات شعرها المصففة. -أكيد انتي فاهمة حاجة غلط. فضغطت مهرة على شفتيها بحنق وهي لا تصدق نبرة البراءة التي تتحدث بها.
وفجأة، وجدتها تميل عليها وتعود لضعفها. فعلمت أن جاسم وشقيقها يتقدمان منها، فأزداد غضبها. لترفع يدها حانقة تلطم وجنتها بقوة. -نرمين، فوقي يا حبيبتي. ودفعتها نحو شقيقها الذي اقترب منهم. -مش راضية تفوق، مش عارفة ليه. كانت الدفعة قوية جعلت نرمين تشهق بفزع، حتى شقيقها نظر لها بتحديق وضم شقيقته له يسألها عما بها. لتنظر مهره لجاسم الذي وقف يطالع الموقف. -لأ، شكلها مش هتفوق كده.
فطالعها كل من جاسم وشهاب الذي أخذ يمسح على وجه شقيقته بقلق. فألتقطت زجاجة المياه التي كانت بيد نرمين، وفي لحظة لم يتوقعها أحد، نثرت المياه على وجهها دفعة واحدة هاتفة بوداعة ولطف. -هي كده هتفوق كويس أوي. *** قهقهته العالية تصدح حولها ولا تزيد منها إلا قضم شفتيها بقوة لعلها تخرج حنقها منه هكذا. -عنيفة انتي يا حبيبتي. فألتفت إليه بعد أن كانت تطالع الطريق. -أنا عنيفة ولا هي اللي بتتمسكن وبتدلع؟
فأختلس بعض النظرات إليها ومازال يتذكر مشهد المياه على وجه نرمين لتجعلها تفيق. وتابعت وهي تحدق به بشراسة: -رد عليا يا جاسم، أنا عنيفة ولا هي اللي بتتمسكن؟ فضحك بمتعة وهو يراها هكذا. -لأ، هي اللي بتدلع. انتي أرق من النسمة يا روحي. فأسدلت جفنيها ببطء وحلقت في الطريق. -سوق بسرعة يا حبيبي عشان محتاجة أرتاح. فأنتبه لنبرة حديثها ورفع حاجبيه بقلق. -مش عارف ليه مش مرتاحلك يا مهره. ربنا يستر. ***
دلفت ريم للشقة بأرهاق. ونظرت إليه قبل أن تتحرك نحو غرفتها. -محتاجة مني حاجة قبل ما أنام؟ وقبل أن تستمع لرده هتفت وهي تتحرك. -أكيد لأ. يلا تصبح على خير. لتجد يد ياسر تجذبها نحوه بحنق وغضب. -طول الفرح بتوزعي ابتسامة للي رايح واللي جاي، لأ وتقفي تتكلمي عادي مع أي حد ولا كأنك بتلفتي نظر اللي في الفرح ليكي. إيه؟ بتدوري على عريس يا هانم؟ أوجعتها كلماته أكثر مما وجعتها قبضة يده على ذراعها. فدفعت يده عنها بقوة.
-أيوه بدور على عريس وبلفت الأنظار. شكرا إنك شايفني كده. ودمعت عيناها وهي تتذكر كيف كانت تبتسم للجميع لعلها تداري كسرتها وحزنها كلما وقعت عيناها على إحداهن تتعلق بذراع زوجها أو تقف جانبه. أم هي كانت تقف تنظر إليه وهو منشغل عنها، تخشى أن تقترب منه فمن هي لتقترب؟ هي مجرد فتاة أشفق على سمعتها ليتزوجها.
فوقف يحدق بها بألم، فهو لم يقصد جرحها هكذا ولا أحزانها. ولكن كلما تذكر ابتسامتها وحديثها مع البعض وأعين الرجال تلتف إليها لمرحها يزداد جنوناً. وفاق على اندفاعها نحو غرفتها. ليزفر بضيق مما فعله واتجه خلفها. فوجدها متكورة على نفسها فوق الفراش وتدفن وجهها بالوسادة وصوت شهقاتها يعلو. فأقترب منها بهدوء وهو يرتب بعض الكلمات. -ريم، انتي عارفة إني ماكنتش أقصد بكلامي اللي انتي فهمتيه. بس متنسيش إنك مراتي.
فرفعت عيناها الدامعة إليه تطالعه. -لأ، إحنا أخوات وأصدقاء. ده كان اتفاقنا. أكيد لسه فاكرة. فتنهد بقوة وجلس جانبها يمسح دموعها بكفيه. -بطلي بكى خلاص ويا ستي حقك عليا. ومال نحو جبينها يقبله. ولم يقدر على إيقاف تلك المشاعر التي يشعر بها معها. فأخذت شفتاه تسير على وجهها إلى أن وجد يدها على صدره فانتفض بعيدا عنها وهو لا يعلم كيف انساق نحو رغباته. ونهض من فوق الفراش يطالع ذهولها فقد استسلمت له. ونظر إليها معتذرا.
-أنا آسف يا ريم. وخرج من الغرفة دون كلمة أخرى. لتدمع عيناها ويدها على فمها تكتم صوت شهقاتها. فقد نبذها وما هي إلا عاشقة. *** وقفت مهرة تزيل حجابها بهدوء. لتشعر بذراعيه تحاوطها ويميل نحو عنقها ينثر قبلاته عليه هامساً. -وحشتيني. وحرك يده ببطء على خصرها. لتغمض عيناها وهي تصارع أفكارها. إلى أن وجدها فجأة تتملص من قبضتي يديه وتبتعد عنه. -مالك يا مهرة؟
فلم يسمع إلا صوت تحركاتها السريعة وهي تخلع فستانها ثم ارتدت منامتها وحذاءها المنزلي واتجهت نحو باب الغرفة. -أقولك مالي، ماشي. مالي إني زهقت من إني أبقى عاقلة وأحسب كل تصرف بتصرفه عشان خاطرك وأسكت وأعدي برضه عشان خاطرك. فطالعها بذهول عما تتحدث به. إلى أن عادت إليه تضرب على كتفه الذي كانت تستند عليه نرمين. -تخيلي لو انت شفتني مع راجل وواقفة حتى راسي على كتفه هتعمل إيه؟ فأحتدت عين جاسم بغضب. -انتي اتجننتي؟
طب اعمليها كده يا مهرة. فوقفت تحملق به وعقدت ساعديها أمام صدرها. -شفت ردة فعلك إزاي؟ فأبتسم بلطف وهو يحاول تهدئتها. -طب اهدي. بعترف إني غلطان. وتابع مازحا. -حلو كده يا حبيبتي؟ واه التاريخ يسجل إن جاسم الشرقاوي بيعترف بغلطه. وحاوط وجهها بكفه يداعبه بلطف. -متضيعيش تخطيط الليلة دي بقى. ومن نظرته فهمت مغزى كلامه. لتنفض كفيه عن وجهها ودفعته بعيدا عنها. -لأ، الليلة دي هتقضيها لوحدك.
وألتقطت الوسادة من فوق الفراش ووضعتها بين ذراعيه وتابعت. -وتاخد المخده في حضنك وتغني ظلموه يا حبيبي. وخرجت من الغرفة تحت نظراته المتسعة. لينظر للفراغ الذي تركته وللوسادة التي وضعتها بين ذراعيه. فألقى الوسادة بعنف واتجه خلفها. -مهرة، خدي هنا. معندناش ستات تبات بره بيتها، قصدي أوضتها وبعيد عن جوزها. وصوب عيناه عليها وهي تعدل من وضع الوسادة فوق الفراش في غرفة أخرى. -اعقلي يا مهرة، بلاش جنان.
فتحركت من أمامه للجهة الأخرى من الفراش. لتشهق بفزع بعد أن حملها. -نزلني يا جاسم، نزلني. فوضعها على فراشهم وهو يحملق بها ضاحكا. -أنا على آخر الزمن تجريني وراكي بالشكل ده. ونظر للوسادة التي ألقتها عليه قبل أن تندفع لخارج الغرفة. -وتقوليلي أغني ظلموه. لأ، إحنا هنغني سوا يا حبيبتي. فنظرت إليه بفزع. -انت اللي مفروض تتعاقب مش أنا، انت اللي غلطان. وتابعت وهي تجده يقترب منها بنظرات جامدة. -انت مقرب كده ليه؟ جاسم، أنا بحذرك.
ومع كل خطوة يتحركها نحوها كانت تتحرك للخلف. إلا أن وجدته يلتقطها من منامتها مبتسما. -نأجل العقاب والخناق لبكره. وسبيني أنفذ خططي على مزاجي. *** أخذ يقضم كفه بغيظ من أفعالها. يحدق بها وهي جالسة أمامه تتابع أحد أفلام الأسطورية التي تعشقها. فهذه هي ختام الليلة، مشاهدة أحصنة وسيوف وقتال. ألا يكفيه جلوسها أمامه بأسدال الصلاة والحجاب. ووصل به الغضب لأعلى ذروة. -رقية.
صوته كان عاليا غاضبا. جعل جسدها يرتعش. فألتفت إليه تخفي خوفها منه وتهتف ببرآة. -نعم. فأقترب منها مراد حانقا. -مش كفاية؟ فنكمشت على نفسها برهبة. -كفاية إيه؟ مش فاهمة. فأقترب منها مراد أكثر. وجذبها إليه يضمها بحنو. -انتي خايفة مني يا رقية؟ فحركت رأسها بين أحضانه بلا، ثم حركتها بالإيجاب. فضحك على ما تفعله وربت على ظهرها. -أفهم من كده إيه يعني؟ فأبتعدت عنه تطالعه بخجل. ليعود يضمها إليه ثانية. -فين رقية أم لسان؟
القطة أكلت لسانك الليلة دي. وشعر بقبضة يداها على صدره تدفعه عنها. فضحك بمشاكسة. -قومي ننام يا رقية، الليلة خلاص باظت. وكأنه أنجدها أخيرًا بقراره هذا. فأزاحت ذراعيه عنها ونهضت من فوق الفراش تتثاوب. -آه، أنا بقول كده. إحنا تعبنا أوي النهارده. وفي لحظة وجدها تتركه وتتجه نحو غرفتهما. تندس تحت الغطاء دون أن تخلع ما ترتديه ويرى ما يخفيه عن مرأى عيناه. لينظر لها مراد طويلا وهي تعطيه ظهرها. ومال نحوها يسألها بحنق.
-رقية، أنتي نمتي؟ فتمتمت وهي تتثاوب. -آه نمت وبحلم كمان. وأخذت تقص له على مواقف بعض نساء عائلتهم في زفاف. إلى أن غفت وسمع صوت أنفاسها. ليجذب الوسادة التي تحتضنها ودفعها على رأسها. ولكن لا حياة. فقد أصبحت في عالم الأحلام. *** اندست خلفه على الفراش وحاوطت خصره بذراعيها هاتفة باسمه بنغمة رنانة. -عمار.
فأغمض عمار عيناه بقوة وهو يطرد وسواس شيطانه. الصمود أصبح صعبا مع امرأة فاتنة كرفيف. الجميع في الحي الذي يقطن به وجيرانه يحسدونه عليها. ثرثرتهم أصبحت تصل إلى مسمعه. نفور ونفرها حصار بالمنزل فعلوه. ولكن هو يعلم هدفها الأساسي من كل ما تفعله هو وفقط. حين تصل إليه وتغلغل سمها فيه، ستزول رغبتها وتعود كما كانت.
وشعر برائحة عطرها تنفذ لداخله فأزداد اضطراب أنفاسه. ومن دون مقدمات التف إليها لتتسع ابتسامتها. فأخيرًا أعطاها اهتمامه. -انت تريديني مثلما أريدك يا عمار؟ واقتربت منه أكثر حتى كادت تتلامس شفاهم. وفي لحظة خاطفة انسحب منها دافعا إياها. -ليه مش عايزة تصدقي إني بقرف منك وبحتقر نفسي كل يوم عشان اتجوزتك. ولولا خوفي على سمعة أختي ما كنتش ربطت اسمي باسم واحدة زيك.
أصبحت كلماته كالسم تسري في عروقها. حتى قلبها الذي لم يكن يتألم يوما تشعر بوخزته. اعتادت الحصول على ما تريد. اعتادت أن ترى انبهار الرجال بها ورغبتهم ولهثهم خلفهم. ولكن معه لا تجد إلا البغض والنفور. -لما لا تحبني يا عمار؟ ماذا أفعل لك؟ وتحركت من فوق الفراش برداء نومها القصير. وفور أن لمست يدها جسده، نفرها كالعادة وهو يضحك ساخرا. -يعني يوم ما أحب... أحب واحدة كانت متاحة للجميع.
ألقى بعبارته الأخيرة ليتركها بعدها تنظر لخطاه بأعين شارده. *** ضمه إليه بحب وهو يمسح على وجهها يوقظها. ففتحت عيناها. تنظر إليه مبتسمة. فقد انتهى غضبها منه وضحك عليها وأنساه حنقه منه ومن موظفته الحسناء. -صباح الخير. فلمست وجهه بحنان. -ضحكت عليا امبارح وخلتني أسامحك وأنسى. فضحك بصخب. -دي قدرات يا حبيبتي. جاسم الشرقاوي مش أي حد. وغمز لها بمرح. فدفعته على صدره برفق. -يا غرور جاسم الشرقاوي.
ورفع يدها نحو شفتيها يلثم باطن كفها ببطء. -قلبك أبيض بقى يا حبيبتي. وعاد يداعبها ويشاكسها بلطف وهي تضحك. إلى أن اتسعت عيناها تسأله. -هي الساعة كام دلوقتي يا جاسم؟ وفور أن أخبرها بالوقت. ابتعدت عنه. -كده هتتأخر على شغلك. أنا كده كده النهاردة إجازة من المكتب. فضحك على اندفاعها بعيدا عنه. فجذبها إليه بمزاح. -أنا إجازة النهارده. تعالي قربي هنا. فضحكت وهو يعود لاحضانه. -صاحب الشركة محدش قدك.
فتعالت قهقهته بقوة. ثم طبع بقبلة طويلة على رأسها. -شايف الحقد في عيونك يا حبيبتي. وتابع وهو ينظر لها برغبة لم تنطفئ. -تعالي لما أقولك على الخطط اللي هنعملها. اسمعيني وركزي. ***
أنهت اتصالها مع والدتها وهي لا تعلم كيف ستخبره بدعوة والديها لهم على الغداء بعد ما حدث أمس. فمازال مشهد انتفاضه عنها يدميها. وأخذت تدور بحجرتها قليلا تفكر مع نفسها. فهي لا تريد الحديث معه ولكن اليوم جاء كل شيء ضد رغبتها. وخرجت من غرفتها تبحث عنه بعينيها لتجده يقف كعادته في الصباح أمام الشرفة ويرتشف من فنجان قهوته. فأقتربت منه تفرك يديها بتوتر وتخرج الكلمات من شفتيها سريعا.
-ماما عزمانا على الغدا النهارده. حاولت أفهمها إنك مش فاضي، بس هي أصرت. وابتسمت وهي تتذكر كلمات والدتها وعشمها الكبير في ياسر أنه لن يكسر خاطرها. "قولي لياسر أكيد مش هيقول لأ، جوز بنتي ميرفضش لحماته طلب". فأكثر شيء أصبح يكسرها بتلك العلاقة هم والديها وحبهم لياسر. ولمعت عيناها بالدموع وهي تخشى عليهم يومًا أن تعود لهم مطلقة. فسلمت صوته الهادئ ومازال يقف على نفس وقفته يعطيها ظهره. -تمام، مافيش مشكلة.
لو كانت نظرات العين تقتل لقتلته بنظراتها العاشقة. فخطت للأمام تحكم قبضتي يدها ثم عادت بخطواتها نحو غرفتها. تهوي على فراشها تمسح دموعها. ليلتف بجسده بعد أن أغمض عيناه بقوة هامسا لنفسه. -انت سجين لماضيك يا ياسر وهتفضل سجين لآخر العمر. *** نظرت نرمين لغرفة جاسم الفارغة. وكادت أن تغلق باب الغرفة فوجدت مني تدلف لحجرة مكتبها متمتمة بعملية تجيدها. -جاسم بيه مش جاي النهارده.
فطالعتها نرمين بتحديق ثم انصرفت بعدها بخطوات أشبه بالركض دون كلمة. *** وقفت في بهو الشركة تنظر إليه وهو يسير مع إحداهن يتحدث معها ويبتسم وهي تبادله الحديث بكل هدوء. عيناها كانت تحملق بها بألم. كريم أتقن تجاهلها. ولمعت عيناها بالدموع وهي تود أن تركض إليه تخبره أن ما يفعله بها حقا مؤلم. فهي تعشقه ولكن عشقها كان كالماء الراكد. أراد من يحركه. وها هي جاءت الحركة التي أدمت قلبها ألما.
ولمعت عيناها بإصرار. هو لها وستعيد حبها لقلبه. *** نظرت علياء لمكتبه الفخم بانبهار. رغم أنها أتت إليه من قبل ولكن تلك المرة لم تكن ترى أمامها إلا خلاص شقيقها ونجدته. ووضعت لها سكرتيرته العصير الذي لم تطلبه من الأساس. فشعرت علياء بقيمتها. فنظرت للسكرتيرة ببطء تتفحص ملابسها المنمقة. -نص ساعة وبشمهندس ريان يوصل. هتفت كلماتها بضيق ثم خرجت. لتلوي علياء شفتيها بضيق متسائلة. -مالها دي؟ ولا كأني مرات أبوها.
وألتقطت كأس العصير ترتشفه ببطء وتلذذ واسترخت في جلستها وهي تنظر حولها مستمتعة بكل ما تراه كطفلة صغيرة. ووقفت تتفحص كل ما يقابلها بأعين متسعة. إلى أن انتبهت لإحدى اللوحات الموضوعة على طاولة عريضة. فقد كانت إحدى لوحات مشروع ثم يتم إنشاؤه. وحكت ذقنها بيدها مفكرة. -شكله مهندس معماري. وظلت هكذا إلى أن انفتح باب الغرفة. فوجدته يدلف هو وسكرتيرته خلفه. فأعتدلت في وقفتها بأرتباك تنظر إلى نظراته المصوبة نحوها.
-أنا كنت بتفرج على اللوحة. لأ، طلعت فنان بجد. هو انت اللي راسمها ولا مقلدها؟ فأتسعت عين سكرتيرته وهي تستمع لما تتفوه به تلك الفتاة وكأنها على علاقة وطيدة برئيسها. -اتركينا الآن يا هناء. فطالعتهم سكرتيرته بصمت وانصرفت على الفور مغلقة الباب خلفها. ليحدق ريان بتلك التي تقف أمامه مبتسمة. -مرحبا علياء. فأتسعت ابتسامة علياء أكثر وهتفت مازحة. -مرحبا كمان. وتابعت بمداعبة. -مبحبش الرسميات، فقولك ريان.
فصدحت قهقهة ريان بقوة. لم يقابل بحياته مثلها. وأشار إليها نحو أحد المقاعد. -اجلسي يا علياء لنتحدث. فأزداد حماسها. فالآن ستعلم ماهي وظيفتها. وجلست كما طلب منها. فجلس أمامها يتفحص خلجات وجهها البشوش. -أخبريني عما تجيديه يا علياء. هل تجيدي لغة ما؟ فحركت رأسها بالنفي. فهي لا لغة تجيدها. هي إلى الآن لا تعلم إلى الآن ما الشيء الذي تجيده بحياتها. فعاد يسألها عن أعمال السكرتارية.
-أنا مينفعش اشتغل دوام كامل. أنا محتاجة شغل كم ساعة بس، بالكتير 4 ساعات. وطأطأت رأسها أرضا. -عمار لو عرف مش هيوافق. ثم عادت ترفع رأسها ببرآة. جعلت قلبه يخفق دون شعور. -لو ساعدتني هيبقى ده سر بينا. بس لو هتخون السر خلاص متساعدنيش. كلمات أصبحت تحركه. كلمات باتت تجعله يريد أن يلتقي بها دوما. يعلم أن عقله قد جن ولكن هو سعيد سعادة لم يذكرها من قبل. ووجد نفسه ينهض ويحملق بها. -هل تجيدي الطبخ؟
فحركت له رأسها إجابة. فهي أجادة الطبخ بعد وفاة والدتها. فالظروف حكمت عليها أن تتحمل مسؤولية كامل من أجلها وأجل شقيقتها. رغم قديما كانت مدللة لوالديها بمشاغبتها ومرحها المحبب. فأبتسم ريان. فقد وجد العمل الذي سيجعله يلتقيها كل يوم. تطهو له ثم تغادر. *** لمعت عين سهير بأعجاب. وهي ترى العامل الجديد يقف وسط الزبائن مرحبا بهم بابتسامة متسعة. زادته جمالا على جمال.
قلبها بدأ يرسم لها أشياء ذكرتها بشبابها. وأخرجت المرآة من درج المكتب الخاص بها. وأخذت تتأمل تجاعيد وجهها ثم تحملق بالعامل الذي لم يتجاوز عمره الثلاثين. ليقترب منها يخبرها عن طلب الزبائن للحديث معها. -الزبون عايزك يا ست الهوانم. فأبتسمت سهير ابتسامة لم تبتسمها من قبل ونهضت من فوق مقعدها بزيها الأسود وسارت خلفه تطالع حركته وجسده الشبابي. ***
وقف مراد يزفر أنفاسه بحنق وهو يحدق برقية النائمة. ناظرا إلى هاتفه متذكرا حديث والدته معه منذ دقائق عندما أخبرها أن رقيه نائمة. لتطلق ضحكة صاخبة تخبره بعدها "براحة على البنت يا مراد". بل وعادت تقرر الجملة وهي تضحك. وزفر أنفاسه بقوة وجلس جانبها على الفراش يمسح على خصلات شعرها. -رقية، اصحي. ميعاد طيارتنا بعد أربع ساعات وانتي لسه نايمة. رقيه، باباكي جاي بعد ساعة يطمن عليكي. رقيه، إحنا داخلين على المغرب.
حادثها بصوت هادئ ودافئ. ولكن هي وكأنها في غيبوبة. ونفذ صبره منها فصرخ بقوة جعلها تنتفض فزعا. -رقية! فنهضت تنظر حولها تغمض وتفتح عيناها. -أنا فين؟ انت بتعمل إيه هنا يا مراد؟ فين بابا؟ ليلطم مراد وجهه براحتي كفيه. -أنا غلطتها مرة وتوبة. ليه لازم أقررها تاني. مالها العزوبية. وعاد يستجمع صبره معها. -ركزي يا آخرة بختي. رقية، إحنا في شقتنا يا حبيبتي وفرحنا كان امبارح. فحملقت به بوجوم ثم عادت تضع رأسها على الوسادة متمتمة.
-آه، أنا فاكرة كل ده. وعادت تغفو ثانية. إلى أن تآوهت بعد جذبها من ملابسها. -قومي يا كائن الوطواط. لأحسن مافيش رحلة شهر عسل. ولا أقولك هسافر أنا وخليكي انتي نايمة عقابًا ليكي. وعندما تذكرت رحلتهم التي سيقضوها بتركيا. نفضت الغطاء الذي عليها ونهضت من فوق الفراش راكضة. لينظر مراد إليها. -الصبر من عندك يارب. *** أيقظها بلمساته الحنونة على وجهها. ففتحت عيناها بكسل تسأله وهي تفرض ذراعيها. -ما الأمر يا كنان؟
أريد أن أنام حبيبتي. يفضحك كنان وهو يتأملها وهي تغلق عيناها ثم فتحتهما على وسعهما وألتقطت الساعة المجاورة لفراشها ونهضت من فوقه. -أنا لم أصلي العصر. فحدق كنان بها مبتسما. منذ أن تزوجها وهي دوما منضبطة في أداء فروضها. ورد للأسف نقضي لرجلا مثله قضى عمره مسلما باسمه فقط. غيرت به الكثير ولكن إلى الآن لم يعتاد على الالتزام مثلها. حتى أنه أحيانًا لا يجيب عليها حينما تسأله عن أدائه لفروضه.
وخلع سترته ليجد جواد يطرق باب الغرفة ويدلف بعدها ويحمل بيديه سجادة صلاة صغيرة. -أين ورد؟ خالو فقد تأخرت عليا. ونظر إلى ساعة يده الطفولية يحسب الوقت المتبقي لأذان المغرب. -لم يتبقى إلا ساعة. جواد يصلي. حقيقة لأول مرة يكتشفها. ليجد ورد تخرج من المرحاض تنشف يديها بالمنشفة وتنظر إليهم مازحة. -لما لم تيقظني يا جواد؟ عقابًا لك اليوم لا يوجد حلوى. فركض جواد إليها معتذرا.
-داده عظيمة قالت لي إنك نائمة يا ورد. سأحفظ عدد آيات أكثر ولكن الحلوى لا. صلاة وحفظ وحلوى. كلمات كان يرددها بعقله. فأنتبهت ورد لشروده وقد تيقنت أنها البداية الصحيحة لزوجها. كنان لا يأتي بالإلحاح وإنما بالتلقائية كالصغار. تسحب يدهم وتخبرهم أنك تريده معهم. وبالفعل فور أن هتفت. -كنان، هيا صلي بنا. فتحمس الصغير أكثر راكضا نحو خاله. -هيا خالو، هيا حتى نكون بالجنة معا. ونظر إلى ورد لتؤكد حديثه. -أليس كذلك يا ورد؟
سنكون معا. لتتسع ابتسامتها وهي تحرك له رأسها. -نعم حبيبي. *** ضحك ياسر من كل قلبه وهو يرتشف الشاي مع أهل ريم. فقد أحب تلك العائلة الطيبة من قلبه. عائلة دفئها يذكره بوالديه. حتى الحديث الذي يدور ملئ بالطيبه والصفاء. ووجد ريم تنسحب خلف والدتها نحو المطبخ بعد أن أشارت لها. -مالك يا ريم؟ طول القاعدة وانتي سرحانة يا حبيبتي. هتفت والدتها بقلق. لتنظر لها بتوتر تضع بيدها على جبينها. -ده إرهاق مش أكتر يا ماما. متقلقيش عليا.
فربتت والدتها على ظهرها بحب. -ربنا يقويكي يا بنتي. طمنيني عليكي مع جوزك. فدارت آلمها سريعا عنها. -الحمد لله. ياسر مافيش أحن منه. فرفعت والدتها يداها عاليا تحمد الله على سعادة ابنته. لم تكن تعلم أن ياسر في تلك اللحظة كان متجها نحو المرحاض فأستمع إلى عبارتها المكسورة. أي حنان يغمرها به هو. ***
دلفت معه للمطعم الفخم وكل حديثهم دائر عن طفلهما الذي علمت جنسه اليوم. في المتابعة السابقة لم تكن تريد أن تعلم. أرادت أن يكون مفاجأة لهم. ولكن اليوم شعرت بحماس جاسم ورغبته في معرفة جنسه. وجاء ما تمنت هي. فكانت تتمنى أن ترزق بذكر. كانت تسير تتباطأ بذراعه إلى أن جلسوا على الطاولة التي سبق وحجزها لتناول العشاء وقضاء أمسية ممتعة. -أنا مبسوطة أوي النهارده يا جاسم. لأ، خلاص أنا سامحتك يا حبيبي. فضحك وهو يداعب خدها برفق.
-يارب ديمًا مبسوطة يا حبيبتي. ثم تابع مازحا. -ومسمحاني كده على طول. ومر الوقت وهم يضحكون ويتناولون الطعام ويتحدثون بخطط عن طفلهم وعنهم. لتقترب منهم إحداهن مرحبة. -جاسم الشرقاوي، مستحيل. فنهض جاسم يصافحها مبتسما. -إزيك يا عايدة هانم؟ كانت مهرة عيناها عالقة على تلك السيدة التي تعرف هويتها. فمن لا يعرف "عايدة الدميتري" الإعلامية المشهورة. فهي معجبة ببرنامجها وتعشق شخصيتها. فأشار لها جاسم مخاطبا. -مدام مهرة، مراتي.
فتفحصتها عايدة ببطء وصافحتها بابتسامة هادئة. لتتسع ابتسامة مهرة وهي تخبرها أنها تعشقها ومعجبة بها. وجلست معهم عايدة إلى أن تأتي إحدى صديقاتها. -عايدة هانم، يا مهرة شقيقة نرمين. فابتسمت عايدة بزهو وهي تحرك يدها على خصلات شعرها. -نرمين ديمًا بتتكلم عنك بفخر يا جاسم. واخدك قدوة ليها. وتابعت وهي تحدق بمهرة التي بهتت ملامحها من محاصرة نرمين لها حتى في الأشخاص.
-رغم شركاتنا إلا أن نرمين عايزة تطلع السلم من أوله وتتعلم أصول السوق. مدح لم تكتفِ به عايدة عن شقيقتها وجاسم يبتسم مؤكدا أن نرمين ستكون مستقبلًا سيدة أعمال ناجحة. إلى أن جاء اتصال لجاسم فنهض عنهم معتذرا. -عن إذنكم. فانظرت نحوه مهرة تتابع خطواته. فوجدت عايدة تحدق بها بنظرة متفحصة. -تعرفي، كان عندي فضول أشوف مرات جاسم على الطبيعة وأتكلم معاها. ومالت نحو الطاولة.
-أول مرة يسئ اختياره. مش معقول جاسم بذكائه يسيب كل بنات العائلات ويتجوزك انتي. وعادت بجسدها تستند على ظهر مقعدها بترفع. -سوري يا حبيبتي بس أنا اتعودت أبقى صريحة. وقبل أن تهتف مهرة بشيء وجدت جاسم يعود إليهم يطالع شحوب زوجته. أما عايدة نهضت تخبره. -أسيبكم أنا بقى. سهرة ممتعة. وانصرفت. فتعجب جاسم من سكون زوجته. وعاد يجلس جانبها يمسك كفيها بكفيه. -مهرة، فيكي إيه؟ كانت جامدة شاحبة. وعيناها تحدق به. يتبع بإذن الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!