وقفت رنيم تتطلع نحو القلادة بصدمة غير مصدقة ما تراه أمامها. فهو قد أخرجها من بين ثيابه أمام الجميع، لكنها لم تفعلها هي. بالطبع لن يصل بها الأمر إلى هذا الحد مهما حدث لها. استمعت إلى صوت فاروق الجهوري الحاد متسائلًا. زوجته وعيناه مثبتتان نحوها بضراوة، كأنه سينقض عليها ويقتلها بعد اكتشافه لفعلتها كما يرى. "مش ده العقد بتاعك يا جليلة اللي كان ضايع؟ يعني أروى مبتكدبش. البت دي هي اللي خدتها."
اجتازته وتوجهت بجانب جليلة بأعين باكية، ولا تزال تحت تأثير الصدمة. تمتمت بضعف محاولة الدفاع عن ذاتها وإنكار حديثه عنها. "والله يا طـ… طنط مخدتش حاجة. والله ماخدته. أنا جيت آه الأوضة زي ما بيقولوا بس عشان أتكلم معاكي. لما ملقتكيش خرجت على طول. والله ما عملت حاجة. أنا أول مرة أشوف العقد دلوقت."
ربتت جليلة فوق كتفها بحنان لتجعلها تهدأ. لكن قبل أن تردف بحرف، وجدت فاروق يجذبها بقوة لتقف أمامه. صائحًا بها بحدة ولهجة حازمة جعلتها ترتعب مما سيفعله معها. "انتي تخرسي خالص. اللي زيك منسمعش صوته. وكلامك معايا أنا مش جليلة. هي متعرفش تتعامل مع حرامية زيك الأشكال دول. أنا اللي بتعامل معاها."
ابتلعت تلك الغصة القوية التي تشكلت داخلها لإهانته لها. وحاولت التحدث بنبرة متلعثمة خائفة لتنفي ما يتفوه به وقد تحولت ملامح وجهها تعكس مدى الخوف المتواجد داخلها. جسدها يرتعش بتوتر. "أ… أنا مش حرامية ومسرقتش حاجة. والله ماخدته ومعرفش هو جه هنا إزاي. معرفش والله." صاح بها بحدة ودفعها بقوة إلى الخلف مما جعلها تسقط أرضًا.
"انتي تخرسي خالص. متخلقش اللي يرد عليا. العقد وطالع قدام الكل من وسط حاجتك وهدومك. يعني مخبياه بعد ما سرقتيه." بكت بشدة بعدما رأت الجميع يؤكد حديثه وتفشل في الدفاع عن ذاتها. لم تجد حلًا سوى أن تحضر جواد لينهي كل ما يحدث. أسرعت متوجهة بجسد مرتعش متمسكة بهاتفها أمام الجميع. وتمتمت بخوف. "ا… أنا معرفش حاجة. أنا هتصل بجواد. معرفش ده جه إزاي بس أنا والله ماسرقته. والله ماخدت حاجة."
شعر فاروق بالدماء تغلي بداخله وغضبه منها يزداد. ظنًا أنها تهدده بمهاتفتها بجواد. فجذب الهاتف من يدها بعصبية ألقاه أرضًا بقوة. وغمغم بحدة غاضبة مشددًا فوق حديثه. "عاوزة جواد يعمل إيه مع واحدة حرامية زيك؟ عاوزاه يجي يقف قصادنا عشانك زي ما بيعمل كل مرة. بس المرة دي أنتي حرامية مش ظالمينك زي ما حصل قبل كده. أنتي سرقتي أمه وتلاقيقي بتسرقيه هو كمان."
نظرت إليه بصدمة. فأسرعت جليلة مقتربة منه وتدخلت بتوتر لإنهاء الأمر بعدما رأت مدى الغضب المتواجد به والشرر المتطاير نحوها. عالمة أنه فقد سيطرته على ذاته بعدما تملك الغضب منه. "فاروق اهدى عشان خاطري. خلاص محصلش حاجة. ممكن اتاخد بالغلط عادي. خلاص مفيش حاجة." ردت رنيم على حديثه المهين لها بغضب بعدما علمت هي الأخرى أن الصمت لن يعود عليها بالنفع. بل سيجعله يستغل صمتها مستكملًا إهانتها.
"أنا مش حرامية وعمري ما سرقت حاجة من طنط. أما حاجات جواد فده جوزي وحقي. محدش له أنه يتدخل طالما جواد متكلمش. ووالله العقد بتاع طنط أنا ماخدته ومعرفش جه هنا إزاي." استشاط غضبًا بعد استماعه لحديثها. ودفع جليلة التي كانت تقف في المنتصف بينهما. ثم جذبها من ذراعها بقوة صائحًا بها بغضب.
"اخرسي خالص. أنتي واقفة تردي عليا. فوقي لنفسك. مبقاش اللي زيك هو اللي يتكلم. أنتي واقفة قدام فاروق الهواري اللي يقدر يمحيكي من على وش الدنيا كلها." لم تصمت بعد حديثه هي الأخرى مقررة التحرر من مخاوفها لتسترد كرامتها التي تُهان دومًا. فتمتمت ترد عليه بحدة هي الأخرى.
"أبعد عني. أنا مش عاوزة أتكلم معاك. وأي كلام عاوز تقولهولي يبقى مع جواد. غير كده محدش ليه دعوة بيا. أنا كنت محترمة حضرتك عشان خاطر جواد. بس بعد اللي حصل لأ خلاص. أنا قولت للكل أن العقد ده معرفش عنه حاجة. أنت اللي مش مصدق. أعمل اللي يعجبك."
لم يقدر أن يبقى صامتًا بعد حديثها الذي تجاوز جميع حدوده. لم يستطع أحد في تلك العائلة أن يرد عليه. وها هي الآن فعلتها تقف ترد عليه متبجحة كما يرى. تخطت جميع الحواجز والقوانين الخاصة به وبتلك العائلة. قوانينه التي قام هو بفرضها على الجميع. دومًا لا أحد يناقشه في أي قرار يتخذه. لم يشعر بذاته سوى وهو يرفع يده عاليًا ويهوي بها فوق وجنتها بغضب. صائحًا بها بحدة حازمة متوعدًا لها.
"شكلك لسه لغاية دلوقتي متعرفيش مين هو فاروق الهواري ويقدر يعمل إيه. وجه الوقت اللي تعرفيه بقى. محدش هينقذك من ايدي عشان تتجرأي وتردي عليا. ولا حتى جواد نفسه." كانت تطالعه بصدمة واضعة يدها فوق وجنتها حيثُ صفعها. كيف استطاع أن يفعلها؟ لم تتخيل أن يصل به الأمر إلى هنا. ألجمت الصدمة لسانها تمامًا ولم تستطع أن تتحدث وترد عن حديثه المباغت للجميع.
شهقت جليلة بعدما رأت فعلته الغير متوقعة. وطالعته بصدمة هي الأخرى. وقد هوى قلبها بداخلها خوفًا مما سيحدث بينه اليوم وبين جواد. عالمة جيدًا أنه لم يصمت بعد ما حدث لزوجته. لكن قبل أن تتحدث باغتها فاروق بفعلته. وهو يقوم بجذب رنيم بقوة من ذراعها خلفه. متمتمًا بحديث غاضب حاد. "ملكيكش مكان في البيت ده من دلوقتي. أنتي هتطلعي بره. اللي زيك ميقعدش هنا. وأنا بنفسي اللي همشيكي."
بكت رنيم بضعف وخوف بعدما رأت تحوله الشديد وإصراره لطردها خارج المنزل بمفردها. أسرعت جليلة خلفه بخطوات واسعة لتلاحقه. متمتمة باسمه مترجية إياه بضعف وحزن. "فاروق…. فاروق استنى عشان خاطري. خلاص كفاية كده. سيبها يافاروق. سيبها مينفعش."
لم يبالي بهتافها وتوسلاتها له بأن يتركها. سار مستكملًا طريقه ولا يزال يجرها خلفه. ثم دفعها بقوة فسقطت أرضًا. طالعها بازدراء وكأنه يخبرا بنظراته أن ذلك المكان هو المستحق لأمثالها حتى تظل متذكرة مكانها الحقيقي بالنسبة له. أغمضت عينيها باكية بضعف بعد فهمها لنظراته وإهانتها الدائمة منه ومن جميع العائلة. استمعت إليه يتحدث إلى الحراس الواقفين يشاهدون مايحدث بصدمة وعدم تصديق. "اللي هيتدخل ويساعدها يعتبر نفسه مطرود من هنا."
أسرعت جليلة تقترب منها لتساعدها. لكن استوقفها قبضة فاروق فوق ذراعها بقوة يمنعها من فعل ما تريده ويجذبها معه إلى الداخل بخطوات غاضبة. مغمغمًا بغضب حازم. "ملكيش دعوة أنتي يا جليلة. ابعدي عن الأشكال دي." همهمت معترضة على أفعاله بعد شعورها بالحزن لما فعله بها وخوفها من رد فعل جواد التي مهما فعلت وحاولت معه لن يصمت تلك المرة. تعلم أن الأمر في منزلها سيزداد سوء.
"فاروق مينفعش نسيب البنت بره. أنت بتقول إيه دي مرات ابنك. اعتبرها زي بنتك." لم يهتم بحديثها بل صاح بها بحدة مشددة ليجعلها تصمت. "جليلة قولت خلاص. البت دي مش هتدخل تاني ولا عمرها هتكون زي بنتك. أنتي بتقارني إيه بإيه. دي ولا حاجة. مجرد واحدة متسواش وغلطت فيا. لازم تتأدب. الكلام خلص على كده." قبل أن ترد عليه وتدافع عن رنيم وجدته يسير من أمامها بغضب وجسد متشنج. ثم التفت نحوها مرة أخرى وتابع بنبرة تحذير حادة.
"إياكي تطلعي برة للبت دي. فاهمة يا جليلة." طالعته بعدم رضا محركة رأسها نافية بيأس من إصراره لتنفيذ ما يريده. فعاد حديثه مرة أخرى بغضب. "فـاهـمـة. اللي قولته يا جليلة. مفيش خروج للبت دي." أجابته مردفة بضعف وقلة حيلة عالمة أنها إذا خالفت حديثه سيفعل شيء أكبر مما فعله والأمر يزداد سوء عما به. فلم تجد سوى أن تنفذ طلبه عنوة عنها. "حـ… حاضر يا فاروق. خلاص."
في الخارج كانت مديحة تقف مع ابنتها. وكل منهما يرمق رنيم بنظرات شامتة فرحين بما حدث لها. تمتمت مديحة تحدثها بمكر وشماتة بعد اقترابها منها وعينيها تلتمع بالفرحة. "هي دي أخرة اللي زيك في عيلة الهواري. أنتي اللي حلمتي مع جواد. فاكراه هيقدر يعملك حاجة؟ فينه بقى وأنتي بتطردي كده."
ضحكت أروى باستمتاع لكل ما يحدث أمامها وكأنها تشاهد مسرحية ممتعة. ترمقها بشماتة سعيدة لما حدث لها وسارت بخطوات شامخة مغرورة. أغمضت رنيم عينيها بحزن وأعين باكية تود الصراخ. تريده تريد جواد مسرعًا. لا تعلم كيف سيفعلها لكنها تريده بجانبها. هي تواجه تلك العائلة بمفردها وهي غير قادرة عليهم.
تحاملت على ذاتها ونهضت بعد أن توجه الجميع إلى الداخل. تود أن تتصل به لتخبره ما حدث له. تريده بجانبها الآن. لكنها لم تجد هاتفها بعد أن ألقاه. وقفت تتطلع نحو الحراس الذين يقفون حولها. كانت ستطلب منهم المساعدة لكنها تذكرت تهديده لها. عالمة أن مهما حدث لن يخالفوا حديثه بسبب صرامته مع الجميع وخوفهم منه. كانت جليلة تجلس بوجه شاحب حزين خائفة مما سيحدث. رمقتها مديحة بفرحة وغمغمت ببرود ماكر لتخدعها.
"خلاص يا جليلة أهدي. محصلش حاجة لكل الزعل ده. البت فعلًا محتاجة تتربى عشان أنتي دلعتيها زيادة عن اللازم. واللي زي دي مينفعش معاه كده. اللي عمله فاروق هو الصح." اعترضت على حديثها بعدم رضا وأجابتها مردفة بهدوء حزين وتعكس نبرتها مدى القلق المتواجد داخلها لما سيحدث بين ابنها وزوجها.
"لـ.. لأ طبعًا يا مديحة. ده مش الصح. حتى لو رنيم غلطانة. بس اللي عمله فاروق هو كمان غلط. وجواد ليه حق في اللي هيعمله. دي مراته مهما حصل. ومينفعش تتطرد بره بيته." تفاجأت بفاروق من خلفها مغمغمًا بغضب حاد مشددًا فوق حديثه يصحح حديثها الأحمق كما يرى. "بيتي ده مش بيته يا جليلة. ده بيت فاروق الهواري. وابنك اللي عاوز يعمله يعمله. هو أنا هخاف؟ متعدلي كلامك شوية."
لم تُعجب بحديثه وطريقته معها. لكنها فضلت الصمت حتى لا تجعل الأمر يزداد سوء في المنزل وفاروق سيزداد من عناده وغضبه. فصمتت كما تفعل دومًا. صمتت بضعف وضيق. فكل ما يحدث لم يعجبها. لكنها غير قادرة على تغيير شيء. دومًا تسعى لتغيير فاروق وطريقته الحادة الغاضبة. لكنها فشلت في فعل ذلك. ظلت رنيم في مكانها كما هي تبكي بضعف وقلة حيلة. لا تجد مكان تذهب إليه الآن. هي حقًا بلا مأوى. لكن ماذا ستفعل؟! كيف ستتخلص من كل ذلك؟!
تشعر بظلمة وقسوة الحياة عليها دون أن تعلم السبب. دومًا تُسلب منها السعادة قبل أن تشعر بمذاقها. وكأن الحزن والوجع والقهر كُتبوا عليها طوال حياتها.
عاد جواد ليلًا بعد أن أنهى عمله. حاول الإتصال برنيم عدة مرات لكنه لم يصل لشيء. ولا أحد في المنزل يجيبه. كان يعلم أن هناك شيء حدث لم يعلمه. لكن قبل أن يفكر كثيرًا فما حدث. تفاجأ برنيم التي تنتظره في الخارج بوجه باكي وحالة غير جيدة. كان ينظر إليها ولا يعلم ما بها ولماذا تقف في الخارج.
انطلقت نحوه مسرعة ما أن رأته وألقت ذاتها داخل حضنه. وارتفع صوت بكائها وشهقاتها عاليًا. وقد انهارت جميع حصونها وما بداخلها. لا تفعل شيء سوى البكاء. تتمسك في قميصه بضراوة وتبكي. لا تريد الخروج من داخل حضنه. مكانها الوحيد الآمن المتأكدة أنه لن يحدث لها شيء سيء وهي معه. ظل يربت فوق ظهرها بحنان محاولًا تهدئتها حتى يفهم ما الذي حدث. متمتمًا بهدوء وحنان. "أهدي بس وفهميني إيه اللي حصل. وأنا هتصرف. بس أهدي وبلاش عياط."
ظلت مستمرة في بكائها بضعف متمتمة بكلمة واحدة متعلثمة غير مفهومة. "ا… أنا مـ… مش حـ… حرامية. مش حرامية والله." لم يكن يفهم لماذا تتمتم بتلك الكلمات؟! لكنه ظل يحاول تهدئتها مؤكدًا حديثها بهدوء. "أهدي يا حبيبتي أهدي. أنا عارف طبعًا. فهميني بس اللي حصل. وأنتي إيه اللي طلعك بره كده."
قصت عليه ماحدث بإيجاز ونبرة خافتة وهي ترتعش داخل أحضانه. كان يستمع إليها بغضب غير مصدق ما تقوله. هل حقًا حدث لها ذلك على يد والده الذي لم يهتم بصورته أمام زوجته الآن. كان يقف بجسد متشنج غاضب وقد برزت عروقه. أغمض عينيه بقوة ولا يزال يستمع إليها بقلب يحترق بغضب. ظل صامت لعدة لحظات بعد أن انتهت من حديثها. ثم تحدث بنبرة غاضبة حازمة مستنكرًا ما استمع إليه. "أنا هتصرف. هما إزاي يعملوا كده؟
حقك هجيبه منهم كلهم. أهدي وبلاش عياط." شدد من احتضانه عليها بحنان ليجعلها تهدأ. طالعته وتمتمت بخوف وضعف. "هـ…هو أنت مصدقني صح؟ والله ما أنا اللي خدته. أنا دخلت لطنط عادي والله يا جواد. أنا عمري ما اعمل كده. أنت مصدقني صح." أومأ برأسه أمامًا بهدوء يخبرها أنه يعلم كل ما تقوله. يعلم أنها لن تفعل هكذا. سار بها نحو الداخل. كانت تسير بخطوات متعثرة بطيئة خائفة مما سيحدث.
دلف المنزل بوجه مكهف غاضب. قبل أن يستكمل طريقه وجد فاروق يجلس في بهو المنزل بصحبة الجميع وكأنه ينتظر قدومه. كانت تقف تتشبث في قميصه بخوف. وقف فاروق قبالته مغمغمًا بغرور حاد مشيرًا بسبابته نحو رنيم بطريقة مهينة ويرمقها بنظراته الغاضبة التي اخترقتها وجعلت خوفها يزداد. "مين اللي دخل البت دي هنا تاني؟ مش قولت متدخلش تاني غير لما تتربى وتعرف هي بتتعامل مع مين وتعرف مقامها كويس."
وقف جواد قبالته مقتربًا منه بغضب ونظراته مصوبة نحوه بعدم رضا معلن غضبه التام من فعل والده الذي دومًا يتجاهل وجوده. "ليه عاوز تطلعني صغير ومصمم كمان؟ رغم إن أنا بحترمك. ليه بتعمل كده؟! طالعه باستهزاء دون أن يعير حديثه اهتمام. وغمغم بحدة غاضبة موجه حديثه نحو رنيم التي ترتعش بضعف وخوف. "أنا مش قولتلك اللي زيك ميدخلش هنا تاني."
قبل أن ترد عليه صاح جواد بغضب بعدما فشل في السيطرة على ذاته أمام طريقة والده المقللة من شأنه. كان يرمقه بنظرات غاضبة حادة بعدما برزت عروقه أمامه. "أنا بكلمك رد عليا. أنت ليه بتعمل كده؟ عاوز إيه؟ ليه مصمم على اللي بتعمله؟ عاوز توصل لإيه؟ مش بتحترمني ليه؟ المفروض أعمل إيه لما تمد إيدك على مراتي. أنا مش هسكت. أنت اتخطيت كل حاجة بعد اللي عملته ده." ضحك فاروق بسخرية وأجابه ببرود ولا مبالاة. "أنت عاوز إيه؟
غلطت وبأدبها عشان تتعلم. بعد كده ترد على فاروق الهواري. واللي أنت واقف بتدافع عنها حرامية." ضحك ببرود وتابع حديثه مجددًا بلهجة ساخرة مشيرًا نحوها باحتقار. "مرات الظابط جواد الهواري حرامية. وزعلان أني طردتها. ده أنا المفروض أحبسها." أجابه الآخر غاضبًا معترضًا على حديثه بلهجة مشددة بحزم. وقد توهجت عيناه لتظهر مدى الغضب المتواجد بداخله.
"هي مش حرامية وأنا واثق فيها. رنيم متعملش كده. وأنت ولا غيرك ليك الحق أنك تمد إيدك على مراتي. مهما حصل. مراتي محدش يحاسبها غيري." مسكه فاروق من أطراف قميصه بغضب ورد على حديثه بحدة وعصبية شديدة. "ما تفوق لنفسك يا جواد. أنا أبوك. أنا فاروق الهواري. أعمل اللي يعجبني. لا أنت ولا عشرة زيك يقدروا يعملولي حاجة ولا يقفوا قصادي." رمقه جواد بنظرات حادة بعدما انتفخت أوداجه بغضب وصاح أمامه يرد على حديثه المتعجرف.
"لا أقدر. طالما الموضوع يخص مراتي يبقى أقدر. ده حقها مش حقي. وإن كنت بسكت في اللي بتعمله معايا ده. ميديكش الحق إنك تعمل كده في مراتي." حاولت جليلة التدخل ممسكة بيد فاروق بضعف وتمتمت بنبرة باكية متوسلة إليه. "فـ… فاروق خلاص خلاص عشان خاطري. كفاية كده وغلاوتي عندك." تطلعت نحو جواد وتابعت حديثها مجددًا محاولة إنهاء الأمر. "جواد عشان خاطري يا حبيبي خلاص. مش هتحصل تاني." وجهت بصرها نحو رنيم الباكية وتحدثت بضعف.
"خلاص يا حبيبتي متزعليش. حقك عليا. واللي حصل والله ما هيتكرر تاني." صاح فاروق بغضب بعد استماعه لحديثها الموجه لرنيم. "أنتي بتعملي إيه. اللي زي دي متتكلميش معاهم. وهي مش هتفضل هنا. ده آخر كلام عندي." غمغم جواد يرد على حديثه بكبرياء متطلعًا أمامه بحدة. "لا. أنا ولا مراتي هنقعد هنا تاني. كلامي دلوقتي مش عشان أقعد هنا أو لأ. كلامي في اللي عملته أنت. مينفعش تمد إيدك على مراتي. هي متجوزة راجل ولازم أجيب حقها."
لطمت جليلة فوق صدرها بقوة صارخة معترضة بعد استماعها لرد جواد. "جواد يا حبيبي تمشي فين؟ خلاص يا فاروق اسكت. اللي حصل يا حبيبي مش هيتكرر تاني. بس اهدى عشان خاطري." صاح بها فاروق بحدة لتصمت. "جـلـيـلـة…. اسكتي خالص ومتدخليش." تطلع نحو جواد ببرود مغمغمًا بلا مبالاة. "لو عاوز تمشي أمشي. ميهمنيش. خد الحرامية وأمشي من هنا." ضرب جواد المنضدة التي أمامه بعصبية وضيق مغمغمًا بحدة.
"مراتي مش حرامية. وهمشي فعلاً. لا أنا ولا هي عاوزين نقعد في البيت ده." وجه حديثه بهدوء نحو رنيم الواقفة تبكي بصمت لا تصدق ما تراه أمامها. يقف أمام والده لأجلها. لم يهتم بحديثه ويثق بها هي. "اطلعي يا رنيم جهزي الحاجة بتاعتنا عشان نمشي." تمسكت جليلة به متمتمة بضعف وقد بدا التعب فوق وجهها محاولة التدخل لإنهاء قراره. "جواد تمشي إيه يا حبيبي؟
والله اللي حصل ما هيتكرر تاني. محدش هيكلم رنيم كلمة. بس اهدى بس. أنا مقدرش أبعد عنك." لم ينكر حزنه على والدته وخوفه عليها. عالمًا طريقة والده القاسية الحادة أحيانًا معها. أغمض عينيه بضيق واحتضنها بحنان مردفًا بإصرار بعد شعوره بإهانة زوجته. "ولا أنا أقدر. هاجيلك على طول متقلقيش. أنا عمري ما أبعد عنك. بس مينفعش نقعد هنا أنا ورنيم بعد اللي حصل." تابع حديثه متطلعًا نحو رنيم التي لازالت واقفة كما هي في مكانها.
"يلا يا رنيم اطلعي جهزي حاجتنا عشان نلحق نمشي." رمقه فاروق بغيظ شاعرًا بالضيق كونه اختار زوجته وفضلها عليه وعلى والدته. لم يتخيل يومًا أن يترك المنزل نهائيًا. لكنه ظل كما هو يقف بشموخ وبرود يظهر اللا مبالاة فوق ملامحه. وغمغم بكبرياء وعناد. "اطلعي يا سما معاها عشان تتأكدي أنها بتاخد حاجتها بس مش حاجات تانية."
ابتلعت رنيم تلك الغصة القوية التي تشكلت داخلها من إهانته لها. شعر بها جواد هو الآخر وانفلتت مشاعره. فاقدًا السيطرة على ذاته بعد حديث والده الذي جعله يستشاط غضبًا. ملقيًا كل ما كان أمامه أرضًا. صائحًا بغضب وتوعد. "أنت بتقول إيه. اللي بتقوله ده جنان. أنا مراتي متعملش كده. دي أحسن من الكل. أنت اللي هتفضل كده زي ما أنتَ. عاوز إيه؟ هسيبلك البيت كله وأمشي. كفاية لغاية هنا خلاص."
توجه نحو رنيم يحتضنها بحنان شاعرًا بالحزن لأجلها. مشددًا من احتضانه لها كأنه يخبرا أنه يشعر بها. مستنكرًا أفعال والده التي تجعله يشعر بالخجل. كانت مديحة تقف تشاهد كل ذلك بتسلية وكأنها ترى مسرحية أمامها. تستمع إلى إهانة رنيم بابتسامة واسعة تزداد اتساعًا بعدما تستمع إلى شهقاتها الباكية وترى دموعها التي تسيل بلا توقف.
كانت أروى مثلها تقف فرحة تشاهد نتائج فعلتها الماكرة التي فعلتها بصمت دون علم أحد. لم تنكر انزعاجها من طريقة جواد الحادة لأجلها. طريقته التي تثبت حبه الشديد لها. لأول مرة لم يهتم لحديث والدته ويفعل كل ذلك لأجلها. حقدها يزداد ضد رنيم. لكنها تقف ترى دموعها باستمتاع متوعدة لها أكثر. مقررة أن تفعل المستحيل لتجعله يتركها. ستحصل في النهاية على جواد وتفوز عليها.
لم تتحمل جليلة كل ما يحدث. ترى الأمر يزداد سوء بين زوجها وابنها وذلك آخر ما تريده. كانت تشعر بالدوار يلتف بها دون أن تستمع إلى شيء مما يدور. لا تفهم ما يحدث لها. لكنها شعرت بغيمة سوداء حلت أمام عينيها وسقطت أرضًا غير شاعرة بما يدور حولها. صرخت سما بصدمة وخوف متمتمة بنبرة باكية بعد رؤيتها لوالدتها الساقطة أرضًا. "جـ… جواد الحق ماما عشان خاطري."
تطلع الجميع نحوها بخوف. لكن فاروق كان أول مَن اندفع نحوها يحملها برعب وقد تحولت ملامحه سريعًا بعد رؤيته لها ساقطة أرضًا. توجه بها سريعًا نحو غرفتهما شاعرًا بقلبه يتوقف من فرط خوفه عليها. أسرع جواد يتصل على الطبيب الخاص بها الذي أتى مسرعًا. كان يشعر هو الآخر بالقلق والخوف على والدته. وقفت رنيم بجانبه بعدما شعرت بما يدور بداخله. وخاصة أن كل ما حدث كان بسببها. تمتمت بتوتر وهدوء.
"متقلقش يا جواد هتبقى كويسة والله متزعلش. هتطمن عليها. حقك عليا أنا السبب في ده كله." لم يشعر بذاته سوى وهو يحتضنها بضراوة مشددًا عليها يعبر لها بفعلته عن مدى احتياجه لها في ذلك الوقت. أجابها بصوت أجش حزين. "متقوليش كده. مفيش حاجة. وهي بإذن الله هتبقى كويسة. هنتطمن عليها." تركها وتوجه نحو شقيقته التي تقف تبكي بشدة. احتضنها بحنان مغمغمًا به محاولًا أن يجعلها تهدأ قليلًا. "كفاية عياط يا سما. متقلقيش هي هتبقي كويسة."
مسح دموعها بحنان فابتسمت من بين دموعها وأجابته بنبرة حزينة باكية. "جـ… جواد متمشيش وتسيبنا عشان خاطري أنا وماما. والله ما هنخلي بابا يعمل حاجة تاني. بس عشان خاطري بلاش ماما مش هتقدر تستحمل ولا أنا." تطلع نحو رنيم وهو عاجز عن رفض طلب شقيقته المُحقة. فهمت نظراته جيدًا ولم تقوى هي الأخرى على الرفض. فأومأت لها أمامًا بصمت. أجاب شقيقته بحنان وهدوء. "متقلقيش مش همشي خلاص. أنا مقدرش أبعد عنك أنتي وماما."
شعرت أروى بالغيظ بعد فشل مخططها التي لم تستفد منه بعد كل ما فعلته. عاد الأمر مرة أخرى لما كان عليه. بينما مديحة كانت تشعر بالنيران متأهبة من قلبها بعد رؤيتها لخوف فاروق الشديد الذي تحول بعد سقوط جليلة. غضبه وكل شيء كان يشعر به اختفى ليحل محله الخوف والقلق عليها. مؤكدًا لها بحبه الشديد لجليلة بالرغم من جميع أفعاله. ذهب الطبيب بعد أن أخبر فاروق بحالتها مؤكدًا ابتعادها عن أي ضغط وأي شيء من الممكن أن يؤثر عليها بالسلب.
كاد جواد يدلف ليطمئن عليها. لكن استوقفه فاروق الذي منعه بغضب يرى أن مرضها كان بسببه. "أنت عاوز إيه؟ مش قولت إنك هتمشي وتسيبها وعملت فيها كده؟ أمشي وسيبها يلا. واقف عاوز إيه منها؟ ليه عاوز تدخلها؟ لم يهتم بحديثه مسيطرًا على ذاته لأجل والدته وأجابه بهدوء وجدية. "أنا هدخل أطمن عليها أكيد. مش هسيب أمي وهي تعبانة كده." تمتمت سما بتوتر لتنهي الأمر. "خـ… خلاص يا بابا عشان ماما متزعلش."
دلف جواد لوالدته يطمئن عليها. بينما رنيم فعادت مرة أخرى إلى غرفتها بضيق. كانت تود الذهاب من ذلك المنزل. لكنها شعرت بتمسكه بوجوده مع والدته خاصة احتياجها له وحزنها على ابتعاده عنها. ظل يتحدث معها ثم خرج بعدما وجد والده يدلف ليطمئن عليها هو الآخر. سار متجهًا نحو غرفته وجدها جالسة تبكي بضعف. فاحتضنها بحنان مغمغمًا بأسف. "حقك عليا. متزعليش. والله هنمشي بس شوية عشان ماما تكون اتحسنت."
احتضنته بضراوة وتمتمت بهدوء من بين شهقاتها. "لـ… لا خلاص عادي. كفاية اللي عملته تحت عشاني. المهم طنط جليلة تبقى كويسة." التقط كفها بحنان طابعًا قبلة رقيقة فوقه ومسح دموعها بحنان مردفًا بمرح. "مبحبكيش تعيطي. عاوز أشوف عيونك الحلوة دول." ابتسمت بخجل من بين دموعها فالتقط شفتيها في قبلة عاشقة مردفًا بعشق. "الواحد بيموت فيكي أنتي وعيونك دول." ضحكت بخجل ودفنت وجهها في عنقه متمتمة بخفوت.
"بس بقى كفاية كده. أنت عارف أن أنا بتكسف." ظل يتحدث معها بمرح ليجعلها تخرج عن حالة الحزن المسيطرة عليها. وهو حزين لرؤيتها بتلك الهيئة الشاحبة. بعد مرور عدة أيام. كانت تجلس رنيم ممسكة هاتفها الجديد تتطلع إلى رسالة التهديد التي تصل إليها يوميًا. شعرت بالضيق. أغمضت عينيها بضعف وارتعشت يدها. لا تعلم ماذا تفعل. هي لن تستطع أن تجمع له المال الذي يطلبه. تشعر أنها تائهة. لا تعلم ماذا تفعل. أتعترف لجواد أفضل؟!
لكنها تخشى رد فعله عندما يعلم. بالطبع سيكذبها. لن يصدق ما ستقوله. لن يصدق دافعها لتفكيرها في شيء مثل هذا الأمر بأكمله مُخفى عنه. قلبها يرتعش بداخلها مهما حاولت أن تدعي القوة. تلعن ذاتها على فكرتها الحمقاء التي تدفع ثمنها الآن. ذلك الشخص لن يتركها سوى عندما يحصل على المال الذي يريده. وهي لم تمتلك شيئًا. فكيف ستحضره له؟! وكيف ستتخلص من أذاه الملاحق لها باستمرار. أطلقت تنهيدة حارة بضعف محاولة التقاط أنفاسها بصعوبة.
أغمضت عينيها باكية بضعف وجسدها يرتعش. لا تعلم ماذا تفعل. لكنها فجأة شعرت بالتعب يجتاح جسدها. أغلقت عينيها بتعب ملتقطة أنفاسها بصعوبة متمسكة بالفراش لتجلس فوقه. لكنها لم تشعر بشيء آخر حولها وقد غابت عن وعيها تمامًا. في نفس الوقت علم جواد أن هناك شخص ما يريد مقابلته. فأعطى الإذن له أن يدخل. وقف محسن يطالعه مقررًا تنفيذ خطته للحصول على المال متغلبًا على خوفه من الأمر.
قطب جواد جبينه بدهشة عندما رآه متعجبًا من وجوده وسأله بخشونة وجدية حازمة. "أنت!! أنت عاوز إيه؟ مش أنت." قبل أن يستكمل سؤاله غمغم محسن يجيبه بجراءة مبتسمًا بمكر. "أنا محسن. مش صاحب أخوها زي ما كذبت وقالتلك. أنا من طرف عصام اللي قتلته. هي وجه وقت الحقيقة تبان." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!