ركب جواد سيارته بعقل مشتت شارد، لا يعلم كيف جعلها تسير بتلك السهولة. لكن ما علمه جعله مشتتًا، لا يعلم ماذا يفعل بعد معرفة الحقيقة. هل خدعته ببراءتها وحبه لها الذي جعله يفقد صوابه ولا يرى الحقيقة؟ هل ما يراه منها ستار تخفي خلفه حقيقتها الكاذبة بمهارة؟ عاد بذاكرته متذكرًا كل كلمة تفوه بها محسن، متذكرًا تلك الكلمات التي حُفرت في عقله عنها. وقف محسن يكشف عن هويته الحقيقية ببرود ومكر، مقررًا تنفيذ خطته إلى نهايتها.
"أنا محسن، كنت صاحب عصام الله يرحمه، مش زي ما قالتلك هي. كدبت عليك عشان تخبي الحقيقة." لم يفهم جواد حديثه، عن أي حقيقة يتحدث ذلك؟ ولماذا كذبت رنيم عليه عندما أخبرته أنه صديق شقيقها؟ هتف متسائلًا بخشونة حادة ولهجة حازمة: "حقيقة إيه اللي تخبيها؟ تغلب على خوفه أمامه، ملتقطًا أنفاسه بصعداء، واستكمل خطته مجيبًا عليه بخبث: "إن هي اللي قتلت عصام الهواري، مرات حضرتك يا باشا هي اللي قتلته."
هب جواد بعصبية مقتربًا منه وأمسكه من أطراف قميصه، صائحًا به بحدة غاضبة: "آخرس خالص وبلاش جنان اللي بتقوله ده. قسما بالله أوديك في داهية." لكمه في وجهه بقوة جعلت الدماء تسيل من أنفه، واستكمل حديثه بحدة وغضب أكبر متوعدًا له: "فوق لنفسك يلا، شكلك نسيت أنت فين. ولو مش عاوز تطلع من هنا، عيد كلامك ده تاني." ضغط فوق شفتيه الرفيعة بغضب وتحدث مغمغمًا باستفزاز وبرود وهو يضحك على غير المتوقع:
"لو كده يا باشا يبقى مش هنطلع من هنا أنا والمدام. بس أنا ضامن خروجي عشان ما عملتش حاجة، لكن هي بقى اللي عملت. هي خططت ونفذت كل حاجة." لكمه مرة أخرى بحدة وصاح به بنبرة جنونية غاضبة: "متجيبش سيرتها على لسانك، وقتها والله ما هتشوف نور الشمس تاني من اللي هيحصل فيك." حاول محسن أن يسيطر على حديثه لينفذ ما يريده، وأجابه بتعقل: "ياباشا طب اسمع اللي عندي، اسمعني الأول وبعدها ابقى احكم."
أومأ برأسه أمامًا، سامحًا له بالتحدث. فانتهز محسن تلك الفرصة التي أتت إليه، وتحدث بمكر: "بص ياباشا، أنا كان ليا فلوس عند عصام عشان بينا شغل، وهو كان واكلها عليا. جيت مرة أروحله البيت، شوفت المدام. عرفتها أنا مين وعاوز إيه. راحت قالتلي: سيبني من فلوسي دول شوية فكة، وركز معاها هي في مصلحة أحلى. والمصلحة دي قتل عصام عشان تورث وترتاح كمان، لأنها مش بتحبه."
استمع جواد إلى حديثه بعدم تصديق، مغمغمًا بعصبية حادة بعدما برزت عروقه بغضب وتحولت ملامحه، أصبحت تزداد حدة، كان الشرر يتطاير من عينيه المصوبة نحوه يود قتله: "هو أنا المفروض أصدق واحد زيك؟ ليه شايفني عيل؟ ما تفوق لنفسك والكلام ده ميتكررش بينك وبين نفسك حتى، تنساه خالص." ضحك باستفزاز، وارتسم فوق شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم أجابه بجدية متبجحًا:
"أنا مبقولش أي كلام، أنا معايا دليل على كلامي وهوريهولك عشان تصدق اللي بقوله وتعرف مين اللي قتل عصام بيه الهواري." رمقه بعدم اقتناع، مغمغمًا بسخرية هو الآخر، ولا يزال لم يصدق ما يتفوهه ذلك الأحمق، واثقًا أنها لم تفعل شيئًا هكذا: "وأنتَ بقى بتوريني كل ده وبتسلم نفسك؟ بايع نفسك للدرجادي! ده فيها إعدام." طالعة بعينيه الماكرة وغمغم مسرعًا بخبث للدفاع عن ذاته، بعدما قد أخرج له بعض الأوراق:
"لا ياباشا، أنا بعرفك إنها اتفقت معايا بس. لكن أنا منفذتش، هي بقى اللي جابت الناس دول وعملت الحوار ده كله عشان تبعد الشك عنها. بعد كده أنا في الوقت ده كنت تعبان، محجوز في المستشفى، واهو الورق اللي يثبت كده." وضع الأوراق أمامه مبستمًا بانتصار، مقررًا الانتقام لفعلتها وعدم اهتمامها به، ظنًا منها أنه لن يستطع أن يتخذ تلك الخطوة، لكنه فعلها ونفذ كل ما بها بتفكير شيطاني ماكر، لتصبح أمامه هي القاتلة المتسببة في كل ذلك.
بدأ جواد يتطلع في الأوراق، متأكدًا من صحة حديثه، لكنه حاول أن يثق بها، نافيًا ظنونه التي دارت بداخله بعد استماعه لحديثه. غمغم بخشونة وجدية تامة، ولا يزال عقله يرفض تصديقه: "اللي بتقدمه ده ملوش علاقة برنيم، وكلامك ده تنساه نهائي أحسن لك." غمغم كلمته الأخيرة بوعيد حاد، مزمجرًا بغضب. ظل يعبث في هاتفه لبضع دقائق، وسرعان ما صدح صوت رنيم المسجل وهي تقول بنبرة حادة صائحة به بغضب:
"أنا هبعتلك المكان اللي قال عليه ده، تيجي تعمل اللي قولتلك عليه. اقتله بقى، عاوزة أخلص، ولا أنت مش عاوز تاخد الفلوس؟ هديك، قولتلك كل اللي عاوزه، بس عصام يموت."
فتح مكالمة أخرى دارت بينهما، فمنذُ أن اتفقت معه وأخبرته بما تريد، كان يسجل جميع المكالمات التي تمت، مبتسمًا بمكر منتصر، بعدما تطلع نحو ملامح وجه جواد التي تحولت تمامًا إلى الغضب والصدمة، احمرت عيناه بضراوة، مستمعًا لصوتها الغاضب وإصرارها الشديد على التنفيذ، مسرعًا للتخلص منه:
"احنا اتفاقنا واضح، مفيش فلوس من غير بعد موت عصام، لما أورث ابقى أديلك. غير كده ملكش حاجة عندي. عصام لازم يموت، وياريت تنفذ بسرعة، محتاجة أخلص بسرعة، مش قادرة استحمل." ظل جواد في حالة من الصمت تحت تأثير صدمته مما استمع إليه، كان سيكذبه، لكنه يعلم جيدًا أنه مسجل بصوتها، وكذبها عليه في أمر ذلك الشخص وتوترها الدائم عندما تستمع إلى رنين هاتفها أكد له كل ذلك. حاول أن يتماسك وجذبه بغضب، مغمغمًا بحدة: "أنت جاي عاوز إيه؟
عاوز تفهمني إنك موافق تتسجن؟ ما هو حتى لو الكلام طالع منها، أنت كمان مشترك فيه." انتهز الفرصة وشرح له الأمر بمكر، وهو يطالعه باستفزاز منتصر عليه، نافيًا حديثه: "مشترك في إيه يا باشا؟ لا مش كده. أنا كنت في المستشفى محجوز، هي اللي لما لقتني اتأخرت عليها، اتفقت مع غيري. أصل الناس دلوقتي تعمل أي حاجة عشان الفلوس." ضرب فوق سطح مكتبه بعنف وصاح يسأله بغضب حاد يعميه: "وأنت عاوز إيه بقى؟ مرة واحدة ضميرك صحي وجاي تبلغ عنها."
أجابه بطمع وخبث، شاعرا بالفرحة لنجاح خطته التي تسير مثلما خطط لها: "لا، أنا ضميري بيرتاح بمبلغ حلو وأنسى الموضوع كله، وأسلمك التسجيلات، تعمل فيها زي ما تحب يا باشا. الحوار كله هيبقى بره عني." وضع ورقة صغيرة مدون بها رقمه فوق المكتب، وغمغم بخبث، منتهزًا حالة جواد السيئة، والتي لا تزال الصدمة تؤثر عليه: "ده رقمي، كلمني ياباشا لو اتفقنا على الفلوس، ولا نشوف حد تاني يدفع؟
لم ينتظر رد جواد، بل سار نحو الخارج بخطوات واسعة ليهرب من ذلك المكان الذي أتى إليه بعد تفكير كبير، لكن قادته مطامعه لاستغلال الأمر حتى يحصل على المال بعد تراجعها معه. التقط أنفاسه بصعداء وارتياح، مقررًا الانتظار حتى يرد عليه. عاد جواد بذاكرته، وجد ذاته أمام المنزل، لا يعلم كيف وصل، لكنه يشعر بالضيق بعد علمه للذي تخفيه. غمغم بغضب، موبخًا ذاته: "غبي، إزاي أسيب الواد ده يمشي؟!
أغمض عينيه بضعف، شاعرًا بالعجز والحزن، لا يعلم ماذا يجب عليه أن يفعل؟ خاصة أنه تأكد أنها صاحبة الصوت وحديث محسن صادق. برزت عروقه بغضب، ملتقطًا أنفاسه بصوت مرتفع، وترجل من سيارته بخطوات غاضبة وجسد متشنج، مسيطرًا على ذاته بصعوبة ليخفي الأمر عن الجميع. يشعر بالتشتت، هناك شيء بداخله يخبره أنها لم تفعلها، لكن الحقيقة تثبت له غير ذلك. كيف يستطع الابتعاد عنها بعدما بنى أحلامه السعيدة معها؟
كيف سيجبر قلبه على الابتعاد عن مَن أحب؟ قرر إخفاء الأمر عن الجميع حتى يتأكد ويعلم ماذا سيفعل. أطلق تنهيدة حارة، حارقة لقلبه، وسار متوجهًا نحو الداخل. *** في نفس الوقت، كانت رنيم في الغرفة، تجلس بجانب جليلة بعد ذهاب الطبيب. بدأت تستعيد وعيها وتعود للواقع. ابتسمت جليلة ما أن رأتها وغمغمت بسعادة محتضنة إياها: "مبروك يا حبيبة قلبي، يتربى في عزك أنتيِ وجواد."
لم تفهم رنيم ما تعنيه، فحديثها يعني أمرًا واحدًا. حركت رأسها نافية بعدم تصديق لتلك الفكرة التي أتت داخل عقلها، فهذه الفكرة بالنسبة لها مستحيلة. زجرت ذاتها بعنف وسألتها بنبرة خافتة مجهدة: "قصدك إيه يا طنط؟ هو في إيه؟ أجابتها مبتسمة بسعادة، مشددة من احتضانها: "مبروك ياحبيبتي الحمل، ربنا يكملك بخير." رمقتها بذهول، ولا تزال لم تصدق حديثها بالطبع، هناك أمر خاطئ. سألتها مرة أخرى بنبرة متلعثمة بعدم تصديق، وهي تحت تأثير
الصدمة مما استمعت إليه: "ا… أنتي متأكدة يـ… يا طنط من اللي حضرتك بتقوليه؟ يـ… يعني أنا حـ….حــامــل؟! كانت تسألها بصدمة، هل هي حقًا ستصبح أم مرة أخرى لطفلها هي وجواد؟ كيف يحدث ذلك وهي غير قادرة على الإنجاب مرة أخرى بعد فقدان طفلها؟ هل ستكون مسؤولة عنه حقًا، تحمله داخل أحشائها من جديد؟
تشعر بمشاعر جديدة بداخلها، مشاعر قد انتهت بفقدان طفلها الأول المرتبط بذكريات سيئة تكرهها. ستعود لها مشاعرها من جديد بطفلها منه، هي ستكون أمًا لابنها هي وجواد، الحلم التي تمنته وكان مستحيلًا يتحقق الآن. وضعت يدها تمررها فوق بطنها بسعادة وحنان، ولا تزال غير مصدقة. دموعها تسيل فوق وجنتيها بسعادة من بين ابتسامتها التي زينت وجهها، وقد نسيت كل شيء بسبب ذلك الخبر.
كانت مديحة تقف تطالعها بحقد، شاعرة بالغضب من حملها الذي سيصعب عليها هي وابنتها الأمر، كيف ستجعله يتركها بعد حملها لابنه؟ وكيف ستقنع فاروق بتنفيذ الأمر وهي تحمل حفيده الذي يتمناه؟ أطلقت تنهيدة غاضبة، وهي تقف ترمقها بنظرات حادة تخترقها بغضب، تنهدت بصوت مرتفع وسارت نحو الخارج بصحبة أروى، التي لم تقل عنها غضبًا وتلعنها بداخلها متوعدة بغضب.
وصل جواد الغرفة وهو لا يزال غاضبًا، توقف أمام الغرفة ملتقطًا أنفاسه بصعداء، ثم ولج الغرفة بوجه مكفهر غاضب. تفاجأ بوالدته التي احتضنته بسعادة مهللة بفرحة لتهنئه: "الف مبروك ياحبيبي، يتربى في عزك." لم يفهم مقصد حديثها، وقبل أن يسألها، استمع إلى رنيم التي تمتمت بسعادة ضاحكة: "جواد أنا حـامـل، هتبقى أب ياحبيبي، وأنا كمان هبقى ماما بجد." قطب جبينه بصدمة وظل كما هو، لم يبدِ رد فعله، بل أجاب على والدته بجدية:
"الله يبارك فيكي ياماما." احتضنته بسعادة وسارت نحو الخارج، مردفة بحنان: "شكلك تعبان، هسيبك ترتاح شوية. مبروك ياحبايبي، ربنا يكمل على خير يارب." سارت نحو الخارج، تاركة إياه يقف يطالعها بنظرات حادة. فطالعته بتعجب وتمتمت متسائلة بتوتر: "في حاجة يا جواد؟ أنت مش فرحان؟ كانت لا تفهم سبب غضبه ونظراته المصوبة نحوها التي لم تنجح في تفسيرها، فعادت سؤالها مرة أخرى بنبرة متلعثمة خائفة: "جواد في إيه مالك؟
أنت مش فرحان إن أنا حامل؟ طالعها باستهزاء وغمغم بتهكم ساخرًا: "هي دي كمان كانت كدبة جديدة من ضمن كدبك؟ قطبت جبينها بذهول متعجبة، بعدما تأكدت أن هناك شيء ما حدث معه، لكنها توقعت رد فعل آخر غير ذلك. حزنت بسبب ردوده المباغتة غير المتوقعة، لكنها حاولت أن تهدأ لأجله وتمتمت بهدوء: "جـواد أنت بتقول إيه ياحبيبي؟ مش فاهمة. أنا بقولك أني حامل، في إيه مالك؟ حصل حاجة معاك في الشغل؟
غمغم بقسوة وعيناه معلقة نحوها بحدة، والشرر يتطاير من عينيه بغضب، متذكرًا فعلتها وكذبها عليه: "مش مهم تفهمي، كدة كدة الحمل ده هينزل." ظلت عدة لحظات ترمقه بصدمة وعدم تصديق، تكذب أذنيها، وقد شحب وجهها بخوف، وتمتمت متسائلة بدهشة: "جــ… جـواد أنت بتقول إيه؟! كرر حديثه مرة أخرى بنبرة تزداد حدة وقسوة، غير مبالٍ لحالتها الضعيفة التي أمامه: "زي ما سمعتي، الحمل ده هينزل، مش عاوزاه."
بدأت تجتمع بعض الذكريات المؤلمة داخل عقلها، ولا تزال تحت تأثير الصدمة مما استمعت إليه، لكنها حاولت السيطرة على ذاتها قليلًا وتمتمت معترضة بحزن باكية: "بــ… بس أنا عاوزاه يا جواد، ده ابننا، مش هنزله." صاح أمامها بحدة غاضبة، ولا يزال يرمقها بنظرات مشتعلة بالغضب، لا يصدق أنها استطاعت خداعه بتلك الطيبة التي تظهرها أمامه، كيف نجحت وفعلتها، لا يزال لا يعلم كيف فعلتها:
"أنا مباخدش رأيك ولا طلبته عشان تقولي له. الحمل ده هينزل ومش بمزاجك." رمقته بذهول مستنكرة ما تفوه به، لا تعلم منذُ متى وهو قاسٍ معها هكذا، لأول مرة تراه يحدثها بتلك الطريقة الحادة، لكنها أجابته متعجبة بدهشة: "أنت بتقول إيه؟ هو إيه اللي مش بمزاجي؟ أنا أمه يا جـواد، أنا اللي حامل فيه!! ابتعد بعينيه عن نظراتها، وأردف بإصرار وبرود دون أن يعطي حديثها اهتمامًا، كأنه لم يستمع إلى ما تردفه:
"بكرة هنروح لدكتور ينزله يا رنيم، خلاص، أنا مش عاوز منك عيال." حديثه كان كالخنجر الذي غُرز في قلبها بقسوة، وضعت يدها فوق بطنها بحماية، خوفًا من أن يفعلها عنوة عنها كما حدث من قبل. لن تدعه يفعل ذلك، هذا مستحيل. ستحمي طفلها تلك المرة وتتمسك به، إن كلفها الأمر حياتها، ستتنازل عنها، لكن عنه هو مستحيل. خشيت بضراوة عندما رأت إصراره وجديته في تنفيذ ما يقوله.
مَن أمامها هو نسخة من عصام، ليس جواد التي أحبته، بالطبع مستحيل، هو يثبت لها تلك المرة أنه ابن لتلك العائلة القاسية، هو جواد الهواري، ابن العائلة القاسية التي سلبتها روحها وأنفاسها. يود قتل ابنها مرة أخرى كما حدث معها من قبل.
بدأت بعض الذكريات السيئة تداهم عقلها، متغلبة عليه، ترتجف برعب، وكأنها تعيشها الآن. ترى هيئة عصام التي تحولت، تشعر بضرباته المبرحة التي سُددت لها بقوة قاتلة، تستمع إلى سبه لها لتمسكها بطفلها. كانت تبكي بضراوة، وكأنها تعيش تلك اللحظة الآن، تبكي وتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، جسدها يرتجف بخوف. لم تريد شيئًا الآن سوى طفلها فقط.
لم يستطع جواد أن يمنع ذاته من الاقتراب منها بعدما رأى حالتها التي تسوء، لكن قبل أن يحتضنها أو يفعل شيئًا، ارتفعت صرخاتها المرتعبة بخوف، تعترض اقترابه تلك المرة، تعترض على حدوث شيء كانت تتمناه:
"لـ…. لأ لأااا مش هسيبك تقتله تاني، أنت زيه وهم كلهم، أنا كنت غلط…. بس مش هسيب ابني يموت، ابعد عني، عاوز تموته زي ما هو عمل، أنا بكرهك وبكرهكم كلكم، بكره العيلة دي كلها، بس برضو لـ…. لأ ابني محدش هيقرب منه، المرة دي مش هسمح أني أخسره أبدًا."
شعر بالشفقة تجاهها، متعجبًا حديثها الملئ بالألغاز، لكنه فهم منه شيئًا واحدًا، أنها فقدت طفلها الأول بالإجبار عنوة عنها، لذا تخشى من تكرارها مرة أخرى. حاول أن يغمغم بهدوء لتهدأ قليلًا: "طب اهدي، خلاص مش هعمل حاجة، ولا هيحصل حاجة، اهدي بس." لم تستمع إلى حديثه، عقلها فقط يعيد لها تلك الذكرى المؤلمة التي توقف أنفاسها تمامًا. عادت حديثها بإصرار، ولكن نبرة تزداد ضعف ودموعها تسيل فوق وجنتيها بقهر وحزن مميت، توقفه
وتمنعه من الاقتراب منها: "لـ… لا خليك بعيد، ابعد عني أنا وابني، محدش هيعمله حاجة المرة دي، لا محدش هيقدر."
وضعت يديها فوق بطنها متمسكة بثيابها بحماية، ولا تزال تبكي. لم يستطع أن يتحدث بعد رؤيته لحالتها، أومأ برأسه أمامًا مبتعدًا عنها، وهو يحلل كل كلمة تفوهت بها أمامه، مقررًا البحث خلف حديثها، لعله يصل إلى حقيقة أخرى تختلف عند الحقيقة السوداء التي توصل إليها. كان يتطلع نحو حالتها بحزن، يمنع ذاته بصعوبة من الاقتراب منها وتهدئتها، حتى لا يجعل حالتها تسوء. ***
داخل الغرفة الخاصة بأروى، كانت تجلس بصحبة مديحة، تشعر أنها ستنفجر من الغضب المتواجد بداخلها، مستنكرة خبر حمل رنيم الذي جعلها تشعر بغضب عارم كاد يفتك بها، مستشعرة صعوبة وصولها لجواد بوجود طفل يربط بينه وبين تلك الحية المتخفية التي تدعى رنيم، وتود قتلها. صاحت بغضب لوالدتها التي لم تقل عنها غضب: "إزاي يا ماما!! إزاي الحيوانة دي حامل؟ مش هي مش بتخلف، إيه اللي جد؟!
رفعت كتفيها إلى أعلى ببرود، والدماء تغلي بداخلها هي الأخرى، وأجابتها بغضب حاد: "مش عارفة إزاي حملت، ده عصام بنفسي كان مأكدلي إنها مش بتخلف، إيه اللي حصل؟ أنتي عارفة ده معناه إيه لينا؟ أومأت رأسها أمامًا وأجابت والدتها بنيران مشتعلة بداخلها، بعدما شعرت بفشل جميع مخططاتها القادمة بعد ذلك الخبر الذي باغت الجميع: "مفيش طلاق للبت دي، وجواد هيتمسك بيها أكتر. ده متمسك وهي مبتخلفش، امال لما تجيبله ابنه هيعمل إيه؟
كل حاجة باظت بسببها، بوظت كل حاجة بحملها ده، إحنا لازم نتصرف، مش هنقعد نتفرج عليها وهي بتاخد الحاجة اللي عاوزاها." صمتت لوهلة، ملتقطة أنفاسها بغضب، وغمغمت بغرور غاضب: "أنا اللي المفروض أبقى مرات جواد، مش هي. كل حاجة باظت كده بسببها." صاحت مديحة بها بحدة أخرستها، مقررة عدم الاستسلام، هي تمتلك المفاتيح بأكملها، تتلاعب بها بمكرها وخداعها، إذا غُلق باب أمامها، ستدلف من باب آخر بحيلة أخرى لتتحكم في النهاية بجميع الأمور:
"اسكتي خالص، مفيش حاجة هتقف ولا هتبوظ. أنا هتصرف… هتصرف وهرجع كل حاجة زي ماهي. بلاش كلامك ده، في مليون طريقة نتصرف بيها، وموضوع جواد بقى أصعب، بس مش مستحيل. لازم عشان نعمل كل حاجة في العيلة، تتجوزي جواد، دي هتحصل لو فيها إيه." كانت تتحدث بغضب، والشرر يتطاير من عينيها، وهي تفكر فيما ستفعل لتفتح طريقًا جديدًا تسير فيه، وتصل من خلاله إلى أطماعها التي تزداد صعوبة.
كانت تتحدث بغضب والشرر يتطاير من عينيها، وهي تفكر فيما ستفعل لتفتح طريقًا جديدًا تسير فيه، وتصل من خلاله إلى أطماعها التي تزداد صعوبة. لم تفهم أروى ما تقصده والدتها، كانت تطالعها بعدم فهم، تنتظرها لتشرح حتى تفهم، فسألتها بعدم فهم: "يعني إيه ياماما؟ هنعمل إيه ولا هنتصرف إزاي؟ أنتي في حاجة معينة في دماغك؟ أجابتها مؤكدة حديثها بخبث وغضب يتطاير من عينيها التي تحولت:
"هتعرفي يا أروى، هتعرفي أنا هعمل إيه وازاي هحل الموضوع من تاني. أنا بس عاوزاكي تتفرجي على اللي هعمله. الأول بس أعرف البت دي حملت إزاي وحامل ولا لأ، وهتشوفي خطة جديدة هتلفهم حوالين نفسهم." عقبت على حديثها بشر أكبر وغضب يزداد وإصرار لتنفيذ ما تريده: "الظاهر إن جه الوقت اللي مخبياه يظهر عشان العيلة دي تتربى."
ظلت أروى كما هي تطالعها بعدم فهم وإندهاش، لكنها تثق في والدتها، وتعلم أنها ستفعل شيئًا يقلب أحوال المنزل رأسًا على عقب حتى تنال ثأرها وتنفذ ما تريده. هي بالطبع تعلم تفكير والدتها، بدأت تلتقط أنفاسها بصعداء وهدوء، منتظرة ما ستفعله والدتها. *** في الصباح…
استيقظ جواد على صوت دقات هادئة فوق الباب. شعر بالدهشة من الأمر الذي جد، فهو اعتاد ألا أحد يأتي إليهما صباحًا. نهض بجدية وسار مقتربًا نحو الباب، تفاجأ بوالدته مبتسمة تحمل بعض أنواع الطعام الشهي، وغمغمت بحنان: "خد ياحبيبي دول عشان رنيم تفطر، هي مش بتحب تنزل تحت. اكلها كويس يا جواد، هي ضعيفة لوحدها." تناولها عنها ورد عليها بهدوء، مبتسمًا لحنان والدته واهتمامها بجميع الأمور:
"حاضر يا أمي، تسلم إيدك ياحبيبي، تعبتي نفسك. هصحيها أهو." تمتمت بسعادة ونبرة مهللة بالفرح بعد تحقيق ما كانت تتمناه دومًا وتتمناه أي أم حنونة مثلها: "ده أنا نفسي أتعبلك يا حبيبي أنت وابنك، واهو جاتلي الفرصة. المهم خلي بالك منها ومتزعلهاش، أنا هنزل عشان الحق أجهز حاجات أبوك."
همهم بحنان يرد عليها وتوجه نحو الداخل لينفذ ما قالته والدته والاعتناء بها لحالتها الضعيفة. وقف أمامها يطالعها بنظرات عاشقة وهي نائمة كالملاك البرئ، تسلبه صوابه، لا يصدق أنها تستطيع فعل أمر هكذا، هي نقية، ذات قلب طيب، حنونة، لم تستطع أن تفعلها، لكن كيف، وجميع الأدلة ضدها؟ هو تأكد من كل شيء أخبره به ذلك الشخص أمس. يصدق قلبه ومشاعره، أم يصدق الأدلة والحقيقة التي توصل إليها؟
يعلم أن ما يفعله خطأ بشدة، لكنه لم يستطع، كيف يبعدها عنه بعدما التقى بها بصعوبة؟ عليه أن يتحدث معها ليحسم الأمر. بدأ يهزها برفق، متمتمًا باسمها بحنان: "رنـيـم يلا يا رنـيـم اصحي عشان تاكلي عشان الحمل." بعد عدة محاولات، استيقظت بوجه شاحب حزين، لكن حالتها كانت أهدأ وأفضل. أغلقت عينيها بضعف، مبتعدة عنه، متحاشية النظر نحوه. أشار نحو الطعام مغمغمًا بجدية: "يلا عشان تاكلي عشان الحمل."
استنكرت اهتمامه بها وبطفلها، قطبت جبينها متعجبة وسألته بعدم فهم، ونبرتها يملأها العتاب واللوم، الحزن والخذلان، الوجع والقهر من قسوته: "أنت مهتم بيه كده ليه؟ مش قلت مش عاوزاه؟ إيه بقى دلوقتي؟ نبرتها آلمت قلبه وجعلته يشعر بالحزن، لكنه حاول السيطرة على ذاته قليلًا وأجابها بهدوء وتعقل: "أنتي قولتي عاوزاه، وطول ما هو لسه موجود، إحنا لازم نهتم بيه طبعًا."
لم تقتنع بحديثه، ولا تزال تشعر بالريبة وعدم الارتياح، بعدما رأت إصراره أمس على قتله، تمتمت بخوف ونبرة متلعثمة متوترة: "أنت حـ…. حاططلي حاجة فيه صح عشان تموته زي ما قلت؟ وبخها بحدة لما تتفوه به، مغمغمًا بجدية تامة: "لا طبعًا، أنتي بتقولي إيه؟ أنا هعمل كده إزاي؟ كلي يا رنيم، يلا." رمقته بعدم تصديق، خاصة بعد رؤيتها لإصراره أمس على إجهاض الطفل دون الاهتمام لموافقتها، فلما لا؟ لما لم يفعلها بحيلة ليخدعها؟
أغمضت عينيها، محركة رأسها نافية، ولا تزال متمسكة برفضها لتناول ذلك الطعام. تنهد بضيق وازدادت ملامحه غضبًا، وبدأ يتناول أمامها من جميع أنواع الطعام ليجعلها تتأكد من سلامته، معقبًا بضيق: "اهو يا رنيم، مفيهوش حاجة، كلي." بدأت تتناول الطعام بعدم شهية، لكنها تفعلها لأجل الحفاظ على سلامة طفلها القادم، التي قررت أن تفعل المستحيل لأجله. ستحارب الجميع وهو أولهم، لن تجعل ما حدث ماضيًا يتكرر مرة أخرى.
لاحظت نظراته نحوها، فتطلعت نحوه بعدم فهم، لأول مرة تفشل عن فهم نظراته. لا تعلم لماذا تغير فجأة دون أن تفعل شيئًا. توقفت عن الطعام، ملتقطة أنفاسها بصعداء لتحث ذاتها على التحدث، وغمغمت بتوتر: "جـواد أنت ليه مش عاوز الطفل؟ ليه عاوزنا ننزله؟ أجابها بسخرية وتهكم مرير، والحزن يبدو بوضوح في نبرته وعينيه مثبتة نحوها: "مش أحسن ما يجي يلاقي أمه محبوسة؟
شعرت بالخوف من حديثه، وحركت رأسها نافية عدة مرات، وظلت نظراتها تدور حوله بعدم فهم، فتابع حديثه يوضح لها مؤكدًا ما يريده وما فهمته: "أيوه ينزل أحسن ما يجي يلاقي أمه محبوسة عشان قتلت جوزها… مش أنتي السبب في موته برضو."
رمقته بتوتر متعجبة حديثه المباغت، والذي كان على عكس ما توقعت. احتلت الصدمة ملامحها، علمت أن محسن بالطبع هو مَن أخبره بذلك الحديث، كما يهددها دومًا، بالطبع هو مَن أخبره، لا أحد سواه يعلم ذلك الأمر الوخيم والقرار السريع الخاطئ التي اتخذته بدافع أمومتها وحبها لطفلها التي حُرمت منه. لكنه كيف اعترف على ذاته؟ كانت تنظر له فقط وهي صامتة.
لا يعلم لماذا ازداد غضبه بصمتها الذي يؤكد ما يقوله، صاح بها غاضبًا بأعين حادة، ولأول مرة تختفي نظرات العشق من عينيه المشتعلة بغضب حاد: "ما تتكلمي، هتفضلي ساكتة كده كتير؟ قولي ليه عملتي كده؟ قتلتيه ليه؟ كانت ستخبره بالحقيقة، لكنها خشيت على طفلها من أن يحدث له شيء. التقطت أنفاسها بتوتر وتمتمت بنبرة متلعثمة كاذبة: "لـ…لأ يا جواد، أنا معملتش كده.. أنا مقتلتوش ولا عاوزة كده. اللي قالك عليا كده بيكدب."
علم أنها كاذبة، فقد يبدو ذلك من نبرتها، فتحدث بمكر وعيناه مثبتة عليها: "عشان كده كدبتي وقولتي إن محسن صاحب أخوكي مش اللي اتفقتي معاه على قتل عصام؟ لو كل ده كدب، ليه اديتيله فلوس؟ انهارت باكية بحزن وخوف وجسدها يرتعش بضعف، وتمتمت بنبرة متلعثمة برعب: "ا… أنا معملتش كده، مش أنا اللي قتلته. كل اللي بتقوله ده كدب." ضغط عليها لتخبره بالحقيقة، فغمغم بحدة مشددة: "لا مش كدب، دي الحقيقة. انتي اللي بتنكري، فاكرة إن ده في مصلحتك؟
قولي الحقيقة، انتي السبب في موته… انتي اللي اتفقتي على كده." أغمضت عينيها بضراوة وبكت بعنف، ولا تزال تحرك رأسها نافية بضعف، مغمغمة بنبرة مهزوزة خافتة: "لـ… لأ لأ يا جواد، مش أنا السبب، بيكدب والله، كلهم بيكدبوا، أنا مــ… معملتش حاجة." نهضت هاربة من أمامه متوجهة نحو المرحاض بحزن وانهارت باكية في الداخل بضعف، تضم جسدها مرتعشة بخوف، لا تعلم ماذا سيحدث لها. وضعت يدها فوق بطنها تمررها بحنان وحزن يقطع أنياط قلبها المتألم.
وقف في الخارج يتطلع نحو أثرها بحزن، يعلم أنها كاذبة، تخفي عنه الحقيقة، لكنه يعلم أنها لن تستطيع أن تفعل شيئًا هكذا دون سبب قوي يدفعها لفعله. يجب عليه أن يكشف الحقيقة كاملة ليستطيع تحديد القاتل الحقيقي. هل حقًا هي مَن فعلتها أم لا؟ بالطبع، إذا أخبرته الحقيقة كاملة دون كذب، ستجعل مهمته أسهل كثيرًا، لكنه قرر البحث بذاته بمهارة ليعلمها، ويحدد حينها الحقيقة المخفية.
يود أن يذهب يحتضنها، يود أن يخبرها بحبه الكبير لها، لكنه منع ذاته بصعوبة، مقررًا السيطرة على عواطفه التي تقوده نحوها. يود التفكير قليلًا بعقله والعمل بمهارة وعملية، متناسيًا تمامًا ظنونه بها، سيبحث عن الحقيقة، لن يهدأ سوى عندما يصل إليها. يريد الوصول لقاتل ابن عمه الأكبر، وسيفعلها بعمله. *** في المساء..
دَلفت مديحة غرفة المكتب المتواجد بها فاروق، سارت بخطوات غاضبة، فرمقها بغضب هو الآخر وعدم رضا لطريقتها المتبجحة التي ازدادت في الفترة الأخيرة، ويجب أن يضع حدًا لها لتتوقف عن أفعالها. صاح بها بحدة وعدم رضا، مزمجرًا بغضب وعيناه مثبتة عليها بضيق حاد: "إيه يا مديحة؟ داخلة كده ليه؟ في إيه؟ مش فاضي أنا، ورايا شغل مهم." لوت فمها بتهكم ساخرًا وتمتمت بسخرية مستهزئة بحديثه الغير هام بالنسبة لها: "هو في إيه مالك؟
كل شوية شغل شغل، بعدين أنا جيالك في حاجة أهم من ده كله." قطب جبينه بعدم فهم وسألها بجدية حازمة: "حاجة إيه دي المهمة أوي؟ أجابته بحدة هي الأخرى، مشددة فوق حديثها لتذكره بما تريد: "أروى بنتي، إيه هتفضل متعلقة كده وابنك عايش براحته مع السينيورة اللي اتجوزها واتحداك لأمتى؟ تنهد بضيق من تكرار حديثها الذي بلا فائدة في ذلك الوقت، وأجابها بجدية تامة: "مش هينفع نعمل حاجة دلوقتي، هي حامل، مش زي ما قولتي مبتخلفش."
شعرت بعدم تمسكه بالأمر مثلما كان في البداية، بدأ يتقبل فكرة زواج ابنه منها، وخاصة بعد علمه بخبر حملها وتحقيق الأمر الذي كان ينتظره. تشعر بنيران تشتعل بداخلها، وصاحت به بحدة: "هو إيه اللي مش هينفع؟ أروى بنتي تعمل إيه يعني؟ والدكتور اللي أنت جبته وقتها هو اللي قال إنها مبتخلفش، مجبتش حاجة من عندي." صمتت لوهلة، ملتقطة أنفاسها، وتابعت حديثها مجددًا بوعيد غاضب:
"إحنا بينا اتفاق وعليك تنفذه. أنا منفذة اتفاقي من زمان، مش جاي دلوقتي وترجع لورا وتتراجع في الوقت المهم؟ ولا مش قادر على ابنك فتيجي على بنتي؟ لأ، ده أنا أقلبلك البيت ده كله وأهده علينا كلنا، ولا يهمني حاجة، وأنت عارف إن أقدر أعملها كويس." وقفًا أمامها بغضب، يرمقها بنظرات حادة، صائحًا بلهجة مشددة قوية: "مـــديــــحــــة!!
فوقي لنفسك واعرفي كلامك مع مين دلوقتي. فاروق الهواري كبير العيلة دي، لا انتي ولا مليون زيك يقدر يقف قصاده. مش أنا اللي على آخر الزمن هتهدد وأخاف. لو مضحوك عليكي، دوري إن أفوقك." لم تصمت وتخاف من حديثه القوي تلك المرة، فصمتها سيعني موافقتها هي الأخرى على بقاء تلك الزيجة، وهذا يعني تنازلها عما تريد. فأجابته بغضب: "لأ يا فاروق، ولا أنا سهلة، وفي إيدي أعمل كتير أوي ليك ولجليلة عشان تبـ…"
قاطعها بغضب طغى عليه، يحذرها من الخطأ التي ستتفوهه، ضاربًا سطح المكتب بحدة: "إياكي تجيبي سيرة جليلة في اللي بينا. جليلة بعيد، ومحدش يقدر يمسها بحرف واحد." ضحكت باستهزاء وبرود ساخرة منه، وقد أشعل حديثه تلك النيران التي تحاول كبتها بداخلها، لكنه اليوم أشعلها بصراحته وشراسته في الدفاع عنها: "ولما هي غالية أوي كده وأنت بتحبها للدرجة دي، خونتها ليه يا فاروق، وخلفت من غيرها؟!
كانت جليلة تقف في الخارج، تضع يدها فوق فمها بقوة، مانعة شهقتها المصدومة ودموعها تسيل بصمت، محاولة كتم صوتها تمامًا، وهي تستمع إلى تلك الحقيقة التي لم تأتِ يومًا على بالها لوهلة واحدة. لا يوجد حديث يعبر عما بها. أي كلمات تصف حالتها بعد خداعها في مَن أحبت على مدار سنواتها. جميع حياتها كذب، استطاع أن يخدعها ويدّعي الحب. هذا هو الحب التي تعيش لأجله وتتحمل كل ما يحدث لها. ماذا فعل في النهاية بها وبقلبها وبحبها؟
جميعهم قد دُمروا، مصطحبين لسعادتها وابتسامتها معًا. هل هو خانها حقًا مع أخرى وأنجب منها كما استمعت؟ هل ذلك الحديث حقيقة حقًا؟ إذا كيف ذلك؟ كيف استطاع أن يفعلها بها؟ *** *** *** *** *** *** *** *** يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!