سند بذراعه الأيسر على مكتب المذاكرة الخاص به، ثم مال برأسه واستند على ذراعه، قبل أن يحرك يده اليمنى وهو يمسك بقلمه الرصاص ويحفر تلك الحروف على الأوراق الموضوعة أمامه. كان شاردًا تمامًا وهو يقوم برسم تلك الحروف، ولكن قطع شروده صوت أخيه الأصغر قائلًا: -مالك بتحب ولا إيه؟ اعتدل في جلسته ورمقه بعدم رضا وهو يقول: -غور يلا مش ناقصك، روح شوف وراك إيه. رفع يديه ليقول باستسلام واضح:
-خلاص ياعم أنا بهزر، المهم عندك امتحان إيه بكرة؟ أوى ثغره وردد بحزن كبير: -عندي زفت ميكروويف، المادة اللي بيخاف منها الجميع. اقترب شقيقه الأصغر ونظر إلى تلك الحروف التي كان يحفرها بقلمه على تلك الأوراق، فوجدها «حور» ولكن بالإنجليزية، فرفع أحد حاجبيه وردد بابتسامة واسعة: -قول لي بقى إنك واقع، حور يا باشا، يعني عندك المادة اللي بيخاف منها الجميع وبتكتب اسم حور؟ صدقني مش هتفتكر غيرها بكره. ضيق ما بين حاجبيه بعدم رضا
ودفع شقيقه بخفة وهو يقول: -هش ياض ملكش دعوة بيا. بالفعل رحل شقيقه وبقي هو لينظر إلى تلك الحروف قبل أن يكتب بقلمه بخط كبير "هل هي حقيقة أم لا؟ " ثم رسم دائرة كبيرة حول سؤاله وبقي شاردًا لثوانٍ قبل أن يعود لمذاكرته مرة أخرى. في اليوم التالي استيقظ مبكرًا وارتدى ملابسه، ثم اتجه إلى جامعته. وما إن وصل حتى وجد أصدقائه يتحدثون معًا، فاتجه إليهم بابتسامة وصافحهم جميعًا قبل أن يقول «احمد» بخوف شديد:
-هنعمل إيه في الامتحان بتاع النهاردة؟ أنا مرعوب، هو إنعم آخر امتحان بس الصراحة امتحان نينجاهنا. ردد «كريم» وقال بثقة: -متخافوش يا جدعان آخر امتحان وأكيد هيبقى سهل عشان يبقى ختامها مسك. تحدث «عبدو» وقال باعتراض: -اسكت يا كريم بالله عليك، أنت آخر مرة قولت كدا جالنا امتحان خلانا كلنا نعيط. ضحك الجميع وردد «بدر» مازحًا: -ده حقيقة فعلاً، هو آخر امتحان حلينا ما حلناش، المهم هناخد الإجازة.
مرت دقائق قليلة واتجه الجميع إلى المدرجات الخاصة بهم لأداء الامتحان، وبعد مرور ساعتين خرجوا جميعًا وكانت علامات الحزن الشديد على وجوههم بسبب صعوبة الامتحان. التقى الجميع مجددًا ونظر «عبدو» إلى «كريم» وهو يقول بعدم رضا: -تقريبًا السر في جملتك المعتادة، أنا أول مرة محلش أكتر من نص الورقة! يارب أنجح. ردد «كريم» بحزن شديد وهو يضع يده اليمنى على رأسه:
-أعمل إيه، مكنتش أظن إن الامتحان هيبقى في مستوى دكتور المادة، يارب ننجح فعلاً. ظل الحوار قائمًا بينهم لفترة من الوقت واتجهوا إلى المطعم المجاور للجامعة من أجل تناول الطعام. بدأوا جميعًا في كتابة طلباتهم وتحدث «عبدو» بحزن: -مش مصدق إني محلتش غير تلت الامتحان، عايز طاجن باللحمة يا شباب خلونا ننسى الأحزان دي.
وما إن أنهى جملته تلك حتى وقع نظره على فتاه تجلس في الطاولة المقابلة لطاولتهم. كانت مألوفة له بشكل كبير وكانت تنظر له باهتمام. ضيق عينيه وهو ينظر لها فهو اعتقد أنه رأى هذا الوجه من قبل، كما أنها كانت جميلة إلى حد كبير جدًا وهو لم يرَ جمالاً كهذا من قبل.
كان «كريم» يتحدث مع الآخرين ووجه نظره إلى صديقه «عبدالرحمن» فوجده يوجه بصره إلى جهة باهتمام شديد، فوجه بصره إلى ما ينظر ليرى ما الذي يشغله إلى هذا الحد، فوجدها «حور». اتسعت حدقتاه بتعجب مما رآه، فهو لم يتوقع حضور «حور» إلى عالمه مرة أخرى بعد ما حدث في اللقاء الأخير. ود لو ينهض من مكانه ويسألها عن سبب حضورها، لكنه لم يستطع بسبب وجود «عبدو» الذي سيسأل عن ما يدور ويصبح الأمر أكثر صعوبة.
أثاره فضوله بشدة ولم يتحمل أكثر من ذلك، ونهض من مكانه واتجه إليها قبل أن يسند بكلتا يديه على الطاولة الخاصة بها وهو يقول بتساؤل: -أنا أعرف حضرتك؟ أنا حاسس إني شوفتك قبل كدا وشكلك مألوف جدًا ليا. وجهت بصرها إليه لوقت طويل وعجز لسانها عن الحديث، فها هو اللقاء الأول بينهما بعد ما حدث في اللقاء الأخير. توترت بشكل كبير وزادت نبضات قلبها قبل أن يُعيد هو ما قاله مرة أخرى: -حضرتك بتبصي لي كدا ليه؟ ممكن تجاوبي على سؤالي!
نهضت من مكانها والتفت حول تلك الطاولة لتقف أمامه مباشرة وهي تقول بابتسامة: -أنا هي، أنا اللي كنت بطلة روايتك واللي كنت فاكرها خيال، أنا اللي آخر سطر من روايتك كان بيقول "صاحبة الوجه الجميل سأظل أتذكركِ دائمًا ما حييت". اتسعت حدقتاه بصدمة كبيرة وهو يقول دون أن يفكر: -حور! كان «كريم» يتابع ما يحدث من بعيد بحيرة، فهي لو أخبرته بالحقيقة الماضية لا شك أن «رماد» سيعود وتلك المرة ستكون الخسارة كبيرة للغاية. على الجانب
الآخر ردت هي بابتسامة: -أنا حور، أنا اللي دائمًا مسيطرة على كل تفكيرك وخيالك، أنا عمري ما كنت خيال، أنا حقيقة أنت عيشتها وتعايشت معاها. ظل ينظر إلى وجهها بحيرة كبيرة وبداخله سعادة غامرة، لكنه لم يفهم تلك النقطة لذلك ردد بحيرة: -إزاي أنا كتبت عن حاجة خيال وطلعت حقيقة؟ نظرت إلى عينيه وأجابت على سؤاله بهدوء:
-عشان ده مكانش خيال من الأول، كل اللي كتبته في روايتك حصل وأنت عيشته بجد، كل اللي قولته في الرواية حصل لدرجة إني مستغربة افتكرت كل التفاصيل دي إزاي رغم إني اتسببت في إنك تنسى كل الجزء ده. ابتسم ابتسامة هادئة قبل أن يجيبها: -مش هتصدقيني لو قولت لك إن كل حرف كتبته في الرواية كنت حاسس إنه بجد مش مجرد رواية خيالية كتبتها، بس لو ده بجد مش معنى وجودك ده إنك كدا بتعرضي كوكبك للخطر مرة تانية؟ اقتربت أكثر منه وقالت بصوت هامس:
-هرجع لك الجزء اللي نسيته وبعدين أوضح لك سبب وجودي. ثم لمست رأسه بإصبعها لتعود ذاكرة ما عاشه إليه مرة أخرى في تلك اللحظة، فنظر إليها بشوق كبير: -حور أنا مش مصدق إني شوفتك تاني، وحشتيني أوي. ابتسمت وضمت ذراعيه وهي تقول بحب: -بجد مفيش حد عاش اللي عيشته الفترة دي، كنت قدامي طول الوقت ده كله ومش قادرة حتى أكلمك، فكرت كتير أقرب منك وأحضنك واللي يحصل يحصل بس قولت أنا ضحيت خلاص وطالما ده حصل يبقى مقدرش أغيره.
ضم هو وجهها بين يديه وقال باشتياق كبير: -حور أنتي مراتي، إحنا اتجوزنا وأينعم كان فيه سبب لده بس في النهاية كانت بينا مشاعر قوية وفي النهاية بردو اتجوزنا، أنتي مراتي يا حور، فاهمة يعني إيه! هزت رأسها بالإيجاب فضمها هو بحب شديد وحضنها باشتياق لتسند هي برأسها على صدره ليقول هو: -أنتي كنتي حلم بالنسبة ليا يا حور كل الفترة اللي فاتت، مهمنيش كل اللي حصل قد ما اهتمامي كان بالتفكير فيكي.
على الجانب الآخر لاحظ أصدقاؤه ما يحدث ودقق «احمد» نظره وهو يقول بتعجب شديد: -إيه ده يا جدعان هو ده عبدو! نظر «بدر» إلى حيث ينظر البقية وردد: -يابن الإيه يا عبدو بقى عامل إنك سنجل وأنت مقطع السمكة وديلها. هنا تحدث «كريم» وقال بتوضيح: -اهدوا يا جدعان دي مراته. فتح «احمد» فمه بصدمة مما سمع وقال بصدمة: -مين! مراته إيه؟ وتبعه «بدر» الذي قال بسخرية: -تلاقيها مراته في الأحلام. لوى «كريم» ثغره وردد بعدم رضا:
-بقولك إيه أنت وهو مش عايز استظراف، دي مراته في الحقيقة وخلص الكلام سيبوني بقى أقوم أشوف فيه إيه. بالفعل نهض من مكانه واتجه إليهما وهو يقول بحيرة: -حور؟ ابتعدت عن «عبدو» ونظرت إلى «كريم» بابتسامة قائلة: -إزيك يا كريم؟ رفع كتفيه وردد بتساؤل: -كويس بس الصراحة مش فاهم سبب وجودك، وجودك ده فيه خطر على كوكبك أنتي ناسيه إنه لو افتكر يبقى كل اللي عملناه ضاع. هزت رأسها بمعنى "لا" ثم نظرت إلى «عبدو» قائلة:
-من ساعة اللي حصل فضلت أدور في كل الكتب عن نظريات خاصة بالدائرة الزمنية لكن ملقتش أي حل بس قرأت جملة خلتني اقتنع باللي عملته ده والجملة بتقول "تحقق أسباب التأثير على فرد من أفراد الدائرة تجعل اكتمالها مرة أخرى مستحيل". ضيق «عبدو» نظراته وقال بتساؤل: -هااا فسر لي عشان خارج من الامتحان مخي فاصل. ابتسمت وبدلت نظراتها بينهما وهي تقول بتوضيح:
-أسباب التأثير دي هي تأثير وجودي على حياة عبدو، هو رغم نسيانه كتب كل اللي حصل بالتفصيل من تفكيره وفضل كل يوم يتمنى أكون حقيقة وبكده لو شافني وبقيت معاه عمره ما هيبقى رماد تاني وده تفسير الجملة، رماد خلاص كان دايرة زمنية، كنت أنا سبب فيها وأنا بردو دلوقتي اللي نهيتها خالص. ابتسم «عبدو» وقال بسعادة: -يعني كده مفيش رماد تاني؟ هزت رأسها بمعنى لا وأكدت بابتسامة: -لا مفيش رماد تاني وينفع نبقى مع بعض على طول.
تنفس «كريم» بارتياح شديد وقال بابتسامة: -إذا كان كده يبقى have fun هروح أسكت العيال عشان شغالين غيبة ونميمة عليكم. خرج الاثنين معًا إلى الخارج ونظر هو إليها قائلًا بتساؤل: -تقريبًا آخر مرة حصل فيه الحوار ده كان من حوالي شهرين واليوم على أرضنا بسنة على أرضكم يعني تقريبًا عدى 60 سنة على أرضكم وأنتم زي ما أنتم مكبرتوش حتى، إزاي بقى مش فاهم؟ ابتسمت وجلست على الرصيف المرتفع فجلس هو بجوارها ونظر إليها لتقول هي:
-بص يا سيدي هفهمك، اليوم على أرضك فعلاً بسنة على أرضي بس يعتبر كلنا نفس العمر، بص هوضح أكتر، أنت عندك 22 سنة تمام! إحنا بقى عمرنا بيعدي كده بكتير يعني آلاف، أنا يعتبر نفس سنك مش عدد السنين لكن في مرحلة الشباب وهكذا، أنا عندي 8000 سنة وشوية صغنتين. اتسعت حدقتاه بصدمة وفتح فمه قبل أن يقول: -نعم ياختي! 8000 سنة؟ ضحكت بصوت مرتفع على رد فعله وهزت رأسها بالإيجاب وهي توضح:
-لو قارنت 8000 سنة على أرضي بـ أيام أرضك هتلاقي النتيجة 22 سنة وهو عمرك يعني أنا وأنت قد بعض لكن الفرق إن متوسط أعمارنا أكتر، يعني عندكم متوسط السنين اللي بيعيشها البشر 60 سنة لكن على أرضنا حوالي 22 ألف سنة اللي لو حولتهم هيبقوا 60 سنة على أرضك، بنعيش أيام أكتر منكم بكتير لكن في حوار مراحل الشباب وكده بنبقى زيكم بالظبط. هز رأسه بتفهم وابتسم ليقول مازحًا: -يعني أنا متجوز واحدة أكبر مني بـ 8000 سنة.
ضحكت وقالت على الفور: -مش بالضبط، يعتبر قدك لكن كواقع أنا فعلاً عايشة من 8000 سنة يعني قولي يا طنط. لوح بيده في الهواء وهو يقول مازحًا: -لا طنط إيه بقى ده أنا أقولك يا تيتة، أنتي أقدم من جدو اللي من أيام الفراعنة. ارتفع صوت ضحكها فابتسم وقال بهدوء: -الواد فادي عامل إيه واحشني جدًا والله. ابتسمت ونظرت إليه لتجيبه: -كويس ونفسه يشوفك ونفسه كمان يتجوز. رفع حاجبيه وردد بتساؤل: -معقولة عايز يتجوز؟
ومين اللي أمها دعت عليها اللي ناوي يتجوزها؟ كتمت ضحكها وأجابته قائلة: -سهوة صاحبتك في الكلية، من ساعة آخر مرة وهو مراقبها بس طبعًا ميقدرش يقرب عشان مفيش حاجة تبوظ، هيفرح جدًا لما يعرف إن كل حاجة بقت عادية وهيجري يتجوزها. ضحك وردد: -يجري يتجوزها إيه هو فاكر إنه رايح يشتري طماطم، ده لسه فيه قراية فتحة وخطوبة وشبكة وكتب كتاب وفرح وليلة كبيرة، عندنا في مصر فيه كذا مرحلة عشان الجواز يتم مش بالسهولة اللي عندكم. رفعت
كتفيها وقالت بابتسامة: -خلاص ابقى فهمه أنت أول ما تشوفه عشان هيموت عليها وبقالو 60 سنة مستني اللقاء. -60 سنة؟ لا شكله رايدها الصراحة، الـ 60 سنة دول لو هنا كان زمانها اتجوزت وخلفت وعيالها اتجوزوا وجابوا أحفاد كمان، ألا صحيح بابا وماما عاملين إيه؟ تحمست لسؤاله الأخير وعدلت من وضعية جلوسها لتوجه بصرها إليه قائلة:
-بابا وماما بيعشقوك حرفيًا من كتر كلامي عنك، حكيتلهم إزاي وافقت تساعدنا رغم إننا من كوكب تاني، حكيت أنت إزاي واجهت رماد رغم إنك عارف بالهزيمة حكيت كتير أوي ومنها عن الروايات اللي كتبتها لدرجة إن بابا قرر يغير اسم أرضنا أو الكوكب زي ما بتسميه، غير الاسم لـ "أوجاست" على اسم روايتك لأن اللي حصل في المعركة دي بينك وبين رماد حصل في شهر أغسطس وده الشهر اللي أرضنا خلصت فيه من رماد وكان أنسب اسم هو أوجاست.
اتسعت حدقتاه بصدمة مما تقول قبل أن يقول بسعادة غامرة: -بجد والله سمى أرضكم أوجاست؟ يعني بقت حقيقة مش مجرد خياله؟ هزت رأسها بالإيجاب وأجابته: -أيوه بجد وفيه مفاجأة كمان هتعرفها لما تروح. نهض على الفور من مكانه وردد بحماس شديد: -طب ومستنيين إيه يلا بينا نروح! وقفت هي الأخرى ونظرت إليه قائلة بجدية: -مش هنروح قبل ما تعزميني على كشري، بحبه أوي والصراحة دي أحسن حاجة في الكوكب بتاعك. ابتسم وقال بثقة:
-أومال لو جربتي المكرونة بالبشاميل هتعملي إيه، تعالي يلا هناكل أجمد طبقين كشري. بالفعل تقدم هو وهي إلى داخل المطعم وتناولا الطعام في جو من البهجة والحب وما إن انتهيا حتى رحلا، وأثناء الطريق اقترب هو من "سوبر ماركت" وقام بشراء بعض الأشياء ثم عاد إليها وأعطاها حقيبة بها عدة أنواع من "الشيكولاتة" وهو يقول بابتسامة: -معرفش موجودة على أرضكم ولا لا بس في العموم كل البنات بتحبها. اتسعت حدقتاها بسعادة كبيرة وهي تقول بحب:
-إيه ده أنواع مختلفة من الساتة! شكرًا أوي يا عبدو. ابتسم واقترب منها وهو يقول: -هي اسمها هنا شيكولاتة مش ساتة بس مش مشكلة المهم إنك بتحبيها. أسرعت وقالت بحماس: -جدًا. شعر بالسعادة لسعادتها وظل يتابعها وهي تتناولهم بابتسامة، فأخذت واحدة وطلبت منه أخذها: -خد كل معايا. هز رأسه بالرفض وقال بجدية: -عامل رجيم ودي هتبوظ كل اللي عامله. رفعت أحد حاجبيها وقالت بتساؤل: -إيه هو الرجيم ده؟ فرك فروة رأسه ليجد مصطلح مناسب
لتفهمه ثم ابتسم وقال: -ده عبارة عن إننا بنقلل أكل وبالذات الشيكولاتة والسكريات وكده عشان وزن جسمنا يقل. هزت رأسها بتفهم قبل أن تقول: -عندنا فيه ناس عندها قدرات خارقة وهي إنها بتخلي جسمهم رياضي وكويس من غير الرجيم ده. رفع أحد حاجبيه وردد على الفور: -يا ولاد المحظوظة، لا قوة جامدة الصراحة. استمر الحديث بينهما حتى قال هو: -جبت زيت كمان عشان ننتقل للأرض عندكم بالبوابة. اتسعت ابتسامتها ونظرت إلى زجاجة الزيت ثم
نظرت إليه مرة أخرى قائلة: -يااه أنت لسه فاكر! أنا لقيت طريقة تانية للسفر غير الطريقة دي. رفع حاجبيه بدهشة كبيرة وقال متسائلاً: -وه! طريقة إيه دي، أوعي تقولي زرار بيتداس عليه يفتح البوابة عشان قلبي لا يتحمل الجمال والدلال ده. ضحكت وأجابته على الفور: -عرفت منين إنه زرار! هو فعلاً زرار بدوس عليه بيفتح البوابة على طول وأنا اللي صنعته، فاكر لما قولتلك إني لسه مكتشفتش قوتي الخارقة إيه!
الفترة اللي فاتت اكتشفت ده وقوتي طلعت هي ابتكار وصناعة أي تقنية مهما كانت مش موجودة. ابتسم ورفع حاجبيه بإعجاب وهو يقول: -واو، ما شاء الله عليكي، أنتي مميزة ولازم قوتك تبقى مميزة زيك. نظرت إلى الأسفل بحرج قبل أن تغير مجرى الحديث قائلة: -يلا نجرب ونروح أوجاست؟ ابتسم وقال بحماس شديد: -يلا بينا. أخرجت زر صغير وأمسكت بيده قبل أن تنظر إليه بابتسامة قائلة: -مستعد؟ رأسه بالإيجاب وقال بحماس: -مستعد.
ضغطت على الزر وفُتحت بوابة في الهواء وعبر الاثنين من خلالها إلى الجهة الأخرى. خرج «عبدو» أولاً من البوابة ونظر حوله بسعادة وهو يقول: -يااه رجعت لأرض الأحلام مرة تانية. اقتربت هي منه وقالت بابتسامة: -أرض الأحلام مشتاقة ليك أوي. التفت حتى واجهها وقال بابتسامة حب: -وأنا مشتاق ليها أوي. نظرت إلى الأسفل بخجل قبل أن تقول بجدية: -يلا بينا نخش القصر. ضيق حاجبيه بتعجب وهو يوجه نظره إلى هذا القصر وقال بحيرة:
-مش ده قصر رماد بردو؟ هزت رأسها بالإيجاب وأوضحت قائلة: -أيوه كان قصر رماد لكن هو في الأصل قصر بابا، أنت نسيت إنه حاكم أوجاست ولا إيه؟ هز رأسه بمعنى "لا" وقال: -لا منستش بس استغربت لما شوفت القصر مش أكتر، يلا بينا نخش. بالفعل تقدموا إلى الداخل وتفاجأ هو بتمثال ضخم في حديقة القصر الواسعة، فأشار إليه وهو يقول بحيرة: -أنا بشبه على صاحب التمثال ده، مش غريب عليا. ابتسمت وقالت بهدوء: -ما هي دي المفاجأة اللي قولتلك عليها.
اتسعت حدقتاه بصدمة وبدل نظره بينها وبين هذا التمثال ليقول بتساؤل: -ده أنا صح؟ أيوه فعلاً هو أنا. ضحكت على رد فعله وأشارت إليه قائلة: -فعلاً بابا أمر ببنائه عشان ساهمت في إنقاذ الكوكب. شعر بالسعادة كثيرًا وردد بحماس: -لا الصراحة اتحمست أشوف بابا ده، شكله راجل عسلية.
تقدم هو وهي إلى الداخل وظل ينظر حوله بإعجاب فالقصر قد تغير كثيرًا منذ آخر زيارة له، ظل يلتف حول نفسه ليشاهد كل شيء من حوله، وفي تلك اللحظة نزل الحاكم الدرج وتقدم بضع خطوات حتى وقف خلف «عبدو» مباشرة والتف الثاني بتلقائية، لكنه صرخ بفزع عندما وجد الحاكم بوجهه. نظم أنفاسه وقال باعتذار: -آسف والله كنت سرحان وهوب لقيت حضرتك في وشي. ابتسم الحاكم وردد بسعادة غامرة: -ولا يهمك يا ابني. هنا تقدمت «حور» وأشارت إلى «عبدو» قائلة:
-ده عبدالرحمن يا بابا. ثم أشارت إلى والدها ووجهت نظرها إلى «عبدو» قائلة: -ده بابا واسمه مارد وهو حاكم أوجاست. ابتسم بسعادة كبيرة وقال على الفور: -أهلاً وسهلاً بحضرتك ده شرف ليا والله. في تلك اللحظة جذبه الحاكم وحضنه في حركة مباغتة وقال بابتسامة: -يا جدع متقولش كده أنت ابني، كفاية إنك أنقذت أرضي وبقيت جوز بنتي، أنت ضحيت بحاجات كتير عشان تنقذ أرضي وعملت اللي أنا معرفتش أعمله.
شعر «عبدو» بالغرابة في البداية عندما حضنه بقوة، لكنه عندما استمع إلى تلك الكلمات ابتسم وقال بهدوء: -صدقني يا حمايا أنا معملتش حاجة، أنا مجرد بس حاولت لكن اللي عمل بجد وأنقذ أوجاست تبقى حور. أبعده عنه قليلاً وقال بابتسامة واسعة: -وكمان متواضع! -لا والله هو ده اللي حصل فعلاً. ربت على كتفه بقوة جعلته يشعر بالألم وقال بحماس شديد:
-سيبك من الكلام ده واجهز عشان نتغدى مع بعض وبالمرة تحكي لي عن كوكبك، حور حكت لي كتير بس عايز أسمع منك أكتر. ابتسم «عبدو» وهز رأسه وهو يقول بتساؤل: -طابخين إيه؟ هنا قال «مارد» بتعجب: -نعم! فبدل الآخر حديثه وقال بإحراج: -أقصد طبعًا أحكيلك يا حمايا بس عايز أغسل إيدي، فيه كورونا في الجو ربنا يعافينا. رفع الحاكم أحد حاجبيه وقال بحيرة: -إزاي يعني فيه مكرونة في الجو! فتح الآخر فمه وشرد للحظات وهو يقول: -هااا؟
لا متأخدش في بالك يا حمايا أنا بس منمتش كويس عشان الامتحان فتلاقيني شايف الهوا مكرونة، فين الحمام! قادته «حور» إلى المرحاض ووقف ليغسل يده وهو يقول بصوت غير مسموع: -مكرونة في الجو! زمانه افتكرني حشاش ولا ضارب حتة قبل ما أخش القصر، لا لا هو شكله راجل كيوت ومش هيحط في باله الموضوع. انتهى وخرج ليجد «حور» التي ابتسمت قائلة: -لسه شايف مكرونة في الجو. ضحك وأشار إلى الخارج قائلًا:
-ربنا يستر أبوكي ميقولش عليا عبيط، أنا كنت هوضح بس شوفت المستقبل مرة واحدة وشوفت أبوكي بيشتمني وبيقولي عندك وباء في كوكبك وجاي تخلص على كوكبي يا سافل يا حقير ويروح رافع سلاحه وطاخخني رصاصتين. ارتفع صوت ضحكها وقالت من بين ضحكها: -لا متقلقش خالص بابا من النوع اللطيف هتحبه جدًا. في تلك اللحظة حضر «فادي» وهو يصرخ بصوت مرتفع: -الأكل يا ماما هفطس من الجوع حرام عليكم يا بشر! في تلك اللحظة وقع نظره على «عبدو» فصاح بصدمة:
-عبدو الرداد! هنا ابتسم الآخر وردد بسعادة: -فادي شهامة. حضن الاثنين بعض ثم نظر «فادي» إليه وقال بابتسامة: -أخيرا يا راجل، أخبار سهوة إيه؟ رفع الآخر أحد حاجبيه وقال بتعجب: -أنا قولت هتقولي أخبارك إيه، أخبار الدنيا معاك واحشني ألاقيَك بتسأل عن سهوة؟ تصدق إنك عيل واطي. ضحك بصوت مرتفع ووضح قائلًا: -أنا بجر شكلك يا عم المهم أنت عامل إيه، سمعت إن عندك امتحان السنة دي أو اليوم ده عندكم يعني. لوى ثغره وقال باعتراض شديد:
-ياريتك ما سمعت، امتحان أصعب من مواجهة رماد بذات نفسه. -يا جدع معلش بقى تعيش وتمتحن غيره. في تلك اللحظة دلفت إحدى الخادمات وهي تقول بحيرة: -بعد إذنكم، فيه واحد قدام باب القصر اللي برا عايز يقابل عبدالرحمن ومصمم يخش والأمن مانعه، الغريب إنه بيقول إنه يبقى... رفع «عبدو» أحد حاجبيه وردد بتساؤل: -يبقى إيه؟ رفعت كتفيها وهي تجيب بقلة حيلة: -يبقى ابنك. ردد الثلاثة في صوت واحد والصدمة تسيطر عليهم جميعًا: -ابنك! ابنك! ابني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!