حاول تنسى، أنت لك مستقبل وما زلت شابًا، ونحن نحب بعضنا وكنا سنتزوج. ما حدث جعلك لا تحبني! نظر إليها ثم مد يده إلى وجهها الطفولي وأخذ يبعد خصلات شعرها عن وجهها وهو يقول: أنا لا يوجد شيء سيجعلني لا أحبك يا رحمة، أنت الوحيدة التي تعرف كم أحبك، لكن لا توجد خطوة سأتخذها في علاقتنا إلا عندما أنتقم. حينها فقط سنتزوج وسأعود لأضحك مرة أخرى. وقف كرم مستعدًا للرحيل، فأسرعت إليه رحمة قائلة: رايح فين؟
أمسك بيدها ثم رفعها وقبلها بحب قائلاً: رايح الشغل يا حبيبتي. خلي بالك من نفسك، أنا مقدرش أخسرك. ابتسم لها قائلاً: متقلقيش، محدش بيموت ناقص عمر. يلا سلام. أوقفته رحمة قائلة: لا إله إلا الله. ابتسم كرم مرة أخرى قائلاً: محمد رسول الله. ثم رحل على الفور دون أن يجلس مع خالته أو والدته.
دلف إلى سيارته وأدارها بغضب ثم انطلق بأقصى سرعة إلى وجهته. بعد مرور عشر دقائق، وصل كرم إلى مقر شركة كبيرة ثم خرج من سيارته واتجه إلى الداخل وسط نظرات الجميع الحائرة المتعجبة. وبدون أي كلمة صعد إلى الأعلى، تحديدًا الطابق السادس، ومنه توجه إلى مكتب والده لتقابله السكرتيرة هايدي بابتسامة قائلة: كرم باشا، ازيك؟ ثواني هبلغ خالد بيه أنك هنا.
أوقفها كرم بإشارة من يده ودلف إلى مكتب والده دون أن يتفوه بكلمة واحدة، مما جعلها في حيرة مما يفعله. وقف خالد بسعادة بالغة واتجه إلى ابنه الأكبر وضمه إلى صدره قائلاً: يااه يا كرم، تبقى ابني ومعايا في نفس البيت ومشوفكش الفترة دي! ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة يداري خلفها الغضب الذي يسيطر على كل عضو من أعضاء جسده، وأجابه قائلاً: معلش يا بابا، مشغول الفترة دي. أنت عارف بقى شغلي، بس أنا جايلك علشان حاجة معينة.
هز خالد رأسه بعدم فهم قائلاً: حاجة إيه دي؟ جلس بعدما ارتسم الغموض على وجهه ونطق بجدية شديدة: عايز أي حد يجي الشركة هنا ويسأل عني، تبلغه إني مجرد واحد شغال هنا مش ابنك. وتفهم كل واحد شغال في الشركة الكلام ده. واللي يعمل عكسه يتطرد فورًا. وخد الورقة دي فيها شخصيتي الجديدة وكل حاجة عنها. احفظها وعرف اللي هنا اسمي الجديد بس. ضم خالد حاجبيه بحيرة شديدة قائلاً: أنا مش فاهم، عايزني أعمل كدا ليه يا كرم؟ وقف كرم مستعدًا
للرحيل وهو يقول: اكيد أنت عارف ليه يا بابا، أكيد حاجة تبع الشغل. هبقى أحكيلك بعدين، بس ضروري ده يحصل. ولو حد هنا عمل عكس كدا أنا مش هرحمه. سلام. انطلق كرم دون أن ينتظر رد والده وتحرك إلى الخارج وسط مراقبة الجميع له. فأوقفه أحد العاملين بالشركة، علي، قائلاً: كرم باشا، إيه أخبارك؟ مبتجيش بقالك كتير ليه؟ ابتسم كرم بعدما انتهى من مصافحته قائلاً:
معلش يا علي، مشغول والله الفترة دي. إيه رأيك نتقابل النهاردة في كافيه "نورفاست" وأحكيلك! ابتسم علي ونطق على الفور مرحبًا بعرضه: خلاص تمام، الساعة عشرة كويس! خلاص تمام. لو مكنش ورايا حاجة هجيلك علطول، لكن لو حصل حاجة هتأخر شوية. حرك رأسه بالموافقة قائلاً: خلاص اشطا، هستناك. *** استمر الحديث بينهما حتى قال هو: جبت زيت كمان علشان ننقل للأرض عندكم بالبوابة. اتسعت ابتسامتها ونظرت إلى زجاجة الزيت ثم
نظرت إليه مرة أخرى قائلة: يااه! أنت لسه فاكر! أنا لقيت طريقة تانية للسفر غير الطريقة دي. رفع حاجبيه بدهشة كبيرة وقال متسائلاً: وه! طريقة إيه دي؟ أوعي تقولي زرار بيتداس عليه يفتح البوابة علشان قلبي لا يتحمل الجمال والدلال ده. ضحكت وأجابته على الفور: عرفت منين إنه زرار! هو فعلاً زرار بدوس عليه بيفتح البوابة علطول، وأنا اللي صنعته. فاكر لما قولتلك إني لسة مكتشفتش قوتي الخارقة إيه!
الفترة اللي فاتت اكتشفت ده وقوتي طلعت هي ابتكار وصناعة أي تقنية مهما كانت مش موجودة. ابتسم ورفع حاجبيه بإعجاب وهو يقول: واو، ما شاء الله عليكي، أنتي مميزة ولازم قوتك تبقى مميزة زيك. نظرت إلى الأسفل بحرج قبل أن تغير مجرى الحديث قائلة: يلا نجرب ونروح أوجاست؟ ابتسم وقال بحماس شديد: يلا بينا! أخرجت زرًا صغيرًا وأمسكت بيده قبل أن تنظر إليه بابتسامة قائلة: مستعد؟ رأسه بالإيجاب وقال بحماس: مستعد.
ضغطت على الزر وفُتحت بوابة في الهواء، وعبر الاثنان من خلالها إلى الجهة الأخرى. خرج عبدو أولًا من البوابة ونظر حوله بسعادة وهو يقول: يااه! رجعت لأرض الأحلام مرة تانية. اقتربت هي منه وقالت بابتسامة: أرض الأحلام مشتاقة ليك أوي. التفت حتى واجهها وقال بابتسامة حب: وأنا مشتاق ليها أوووي. نظرت إلى الأسفل بخجل قبل أن تقول بجدية: يلا بينا نخش القصر. ضيق حاجبيه بتعجب وهو يوجه نظره إلى هذا القصر وقال بحيرة: مش ده قصر رماد بردو؟
هزت رأسها بالإيجاب وأوضحت قائلة: أيوة، كان قصر رماد، لكن هو في الأصل قصر بابا. أنت نسيت إنه حاكم أوجاست ولا إيه؟ هز رأسه بمعنى "لا" وقال: لا منسيتش، بس استغربت لما شوفت القصر مش أكتر. يلا بينا نخش. بالفعل تقدموا إلى الداخل وتفاجأ هو بتمثال ضخم في حديقة القصر الواسعة، فأشار إليه وهو يقول بحيرة: أنا بشبه على صاحب التمثال ده، مش غريب عليا. ابتسمت وقالت بهدوء: ما هي دي المفاجأة اللي قولتلك عليها.
اتسعت حدقتاه بصدمة وبدل نظره بينها وبين هذا التمثال ليقول بتساؤل: ده أنا صح؟ أيوة فعلاً هو أنا! ضحكت على رد فعله وأشارت إليه قائلة: فعلاً بابا أمر ببنائه علشان ساهمت في إنقاذ الكوكب. شعر بالسعادة كثيرًا وردد بحماس: لا الصراحة اتحمست أشوف بابا ده، شكله راجل عسلية.
تقدم هو وهي إلى الداخل وظل ينظر حوله بإعجاب، فالقصر قد تغير كثيرًا منذ آخر زيارة له. ظل يلتف حول نفسه ليشاهد كل شيء من حوله. وفي تلك اللحظة نزل الحاكم الدرج وتقدم بضع خطوات حتى وقف خلف عبدو مباشرة. والتف الثاني بتلقائية لكنه صرخ بفزع عندما وجد الحاكم بوجهه. نظم أنفاسه وقال باعتذار: آسف والله، كنت سرحان وهوب لقيت حضرتك في وشي. ابتسم الحاكم وردد بسعادة غامرة: ولا يهمك يا ابني. هنا تقدمت حور وأشارت إلى عبدو قائلة:
ده عبدالرحمن يا بابا. ثم أشارت إلى والدها ووجهت نظرها إلى عبدو قائلة: ده بابا واسمه مارد وهو حاكم أوجاست. ابتسم بسعادة كبيرة وقال على الفور: أهلاً وسهلاً بحضرتك، ده شرف ليا والله. في تلك اللحظة جذبه الحاكم وحضنه في حركة مباغتة وقال بابتسامة: يا جدع متقولش كدا، أنت ابني. كفاية إنك أنقذت أرضي وبقيت جوز بنتي. أنت ضحيت بحاجات كتير علشان تنقذ أرضي وعملت اللي أنا معرفتش أعمله.
شعر عبدو بالغرابة في البداية عندما حضنه بقوة، لكنه عندما استمع إلى تلك الكلمات ابتسم وقال بهدوء: صدقني يا حمايا، أنا معملتش حاجة، أنا مجرد بس حاولت. لكن اللي عمل بجد وأنقذ أوجاست تبقى حور. أبعده عنه قليلاً وقال بابتسامة واسعة: وكمان متواضع! لا والله، هو ده اللي حصل فعلًا. ربت على كتفه بقوة جعلته يشعر بالألم وقال بحماس شديد:
سيبك من الكلام ده واجهز علشان نتغدى مع بعض وبالمرة تحكيلي عن كوكبك. حور حكت ليا كتير بس عايز أسمع منك أكتر. ابتسم عبدو وهز رأسه وهو يقول بتساؤل: طابخين إيه؟ هنا قال مارد بتعجب: نعم! فبدل الآخر حديثه وقال بإحراج: أقصد طبعًا أحكيلك يا حمايا، بس عايز أغسل إيدي. فيه كورونا في الجو، ربنا يعافينا. رفع الحاكم أحد حاجبيه وقال بحيرة: إزاي يعني فيه مكرونة في الجو! فتح الآخر فمه وشرد للحظات وهو يقول: هااا؟
لا متأخذش في بالك يا حمايا، أنا بس صاحي بدري على غير عادتي فتلاقيني شايف الهوا مكرونة. فين الحمام! **** دلف أحمد، الأخ الأصغر لأسماء، إلى داخل غرفتها ومن ثم توجه إلى سريرها ليجدها قد غرقت في النوم. فصاح قائلاً: أسماء! انتي نمتي وانتي عندك امتحان بكرة! طيب أنا رايح أقول لماما. كاد أن يتحرك إلا أن أسماء أسرعت وأمسكته من ياقة القميص قائلة: تروح فين ياض أنت؟ فاكر دخول أوضتي زي الخروج منها ولا إيه! أتتها الإجابة
الصادمة من أخيها الأصغر: كويس إنك عارفة إن أوضتك حمام. رفعت حاجبيها بصدمة ثم أحكمت قبضتها على قميصه وجذبته تجاهها بتحذير قائلة: احترم نفسك ياض أنت بدل ما أرميك من البلكونة دي، مجنونة وأعملها. أبعد يدها وجلس على سريرها قائلاً بلهجة تهديد: لو مش عايزاني أقول لماما إنك كنتي نايمة وانتي عندك امتحان بكرة، يبقى خد اسمعيلي الدرس ده. نظرت إليه بنصف عين ثم مدت يدها لتأخذ منه الكتاب بقلة حيلة ونطقت قائلة: إيه ده؟ دراسات!
طيب قولي يا زفت بقى المناخ في مصر عامل إزاي؟ ظل يفكر لوقت قصير ثم أجاب: مناخ مصر معتدل صيفًا وحار شتاءً. طيب تمام، ما هو... أنت قلت إيه؟ حار شتاءً!! أنت شارب إيه يلا؟ تراجع خائفًا للخلف وهو يقول: وربنا عصير جوافة بس. رفعت حاجبيها بصدمة قائلة: بقى انتوا عاملين عصير برا وهايصين ومحدش فكر يجيبلي كوباية! ربت على يدها بحب قائلاً: فيه عصير شلتهولك في التلاجة، اسمعيلي وهروح أجيبهولك. ابتسمت كالاطفال وربتت على رأسه قائلة:
أصيل يا أبو رحاب، قول بقى إيه العوامل المؤثرة في مناخ مصر؟ الشمس والقمر والكواكب. رفعت حاجبيها بصدمة قائلة: الكواكب يا أحمد؟ إلهي كوكب يشيلك يا بعيد! كواكب إيه اللي هتأثر في مناخ مصر ياض؟ وقف أحمد وهو يقول: سوري سوري، المطر. بص بص، الضغط بدأ يعلى اهو. إيه ده؟ استنى كدا... أنا بسمعلك إزاي! أنت مش خلصت امتحانات من شهر ياض! ضحك وفر هارباً إلى الخارج، فوقفت أسماء وتبعته وهي تقول: بتستغل الزهايمر اللي عندي وجاي تنقطني!
خد ياض هنا! امسكيه يا مامااا! **** وصل كرم إلى مديرية أمن القاهرة ودلف إلى الداخل في اتجاهه لمكتب اللواء جمال الرباعي، فأوقفه الرائد يوسف المنياوي (الأخ الأكبر لرحمة المنياوي) وابن خالته. كرم! أخيرًا قررت ترجع الشغل يا راجل، ده أنا في البيت بقولهم إني بشوفك في الشغل علشان ميقلقوش عليك. ضمه كرم وصافحه ثم اعتدل قائلاً: معلش يا يوسف، فيه شوية حاجات كدا برتب ليها وشوية معلومات وصلتلها...
هبقى أفهمك. بس عرفت إن فيه مهمة النهاردة وانت طالع، فقولت أجي أبلغ اللواء جمال يشركني في المهمة دي. سيطر الصمت قليلًا حتى قطعه يوسف: تشترك إزاي في المهمة يا كرم؟ دي مهمة خطيرة وانت لسه راجع الشغل أهو من الإجازة اللي أنت واخدها ومش مستعد. ابتسم كرم ابتسامة ساخرة قائلاً: من امتى وأنا مش مستعد! سيبني أشارك في المهمة دي... محتاج أطلع غضبي فيها علشان مبوظش اللي بخططله. هز يوسف رأسه بعدم فهم قائلاً:
أنا مش فاهم أنت ناوي على إيه، بس تمام يا كرم، هبقى أفهم منك بعدين. ربت كرم على كتفه ثم انطلق إلى مكتب اللواء جمال، الذي سمح له بالدخول بعد أن أخبره الأمين برغبة الرائد كرم خالد الزيات بلقائه. أشار له بالجلوس ونطق قائلاً: أخيرًا قررت ترجع من الإجازة يا كرم، أنا مبسوط إنك بخير وعديت المحنة دي على خير. الله يخليك يا باشا، أنا جاي لسعادتك بس علشان أطلب منك طلب. ضم اللواء جمال كفيه متسائلاً: طلب إيه؟
أنا عايز أشارك في مهمة المقطم النهاردة، أنا عارف إنها مهمة صعبة، بس حضرتك قلت قبل كدا إنك بتتفاءل بنجاح المهمة اللي بشارك فيها. واديني بطلب منك أبقى من ضمنها واعتبرها مهمة رجوعي للشغل تاني. ساد الصمت لبعض الوقت ثم تحدث اللواء جمال بإقناع: تمام يا كرم، خلي يوسف يفهمك كل حاجة واستعد. وقف بعد أن ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة. تمام يا باشا. ثم أدى التحية العسكرية وانطلق إلى الخارج... ***
اتجهت أسماء إلى غرفتها مرة أخرى والتقطت هاتفها، فلاحظت تطبيق انستجرام الذي لم تفتحه منذ وقت طويل يصل إلى ستة أشهر. فتحته وأخذت تتصفح صور أصدقائها بابتسامة حتى لاحظت وجود علامة حمراء على الرسائل، فقررت الدخول لمعرفة من من أصدقائها راسلها الفترة الماضية. فوجدت رسالة واحدة من شخص تعرفه. تغيرت ملامحها وبدأت في قراءة الرسالة التي كان زمن إرسالها منذ أربعة أشهر!
كان نص الرسالة غامضًا وغير مفهوم، أما بالنسبة لها، لم تحدد فعليًا هل هو غامض أم تعرف ما تقصده تلك الرسالة. "خلي بالك من نفسك الفترة الجاية، ده مش تهديد بس لو وصلتلك قبل ما أموت هفهمك الحقيقة اللي وصلتلها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!