دلفت «أسماء» إلى الشقة فتعجبت والدتها بسبب عودتها على الفور فأردفت: -إيه ده يا أسماء، انتي مش قولتي رايحة تذاكري مع صاحبتك؟ رجعتي على طول كدا ليه! تلجلجت «أسماء» في الحديث وأردفت: -أصل.. أصل، أصل شيماء صاحبتي عمها تعب وهي معاه في المستشفى دلوقتي. -طيب يا بنتي ربنا يقومه بالسلامة، خشي انتي ذاكري علشان الامتحان بتاع بكرة ده. ابتسمت «أسماء» ونطقت قائلة: -ماشي يا ماما.
دلفت إلى غرفتها وارتمت على سريرها لتريح جسدها من هذا الإرهاق والرعب الشديد الذي تعرضت له قبل دقائق. قامت وتحركت بضع خطوات إلى شرفة غرفتها لتتفاجئ بأن كرم يقف في الشرفة المجاورة لها بمسافة قصيرة، فضمت حاجبيها ونطقت بتعجب: -هو حضرتك ساكن في الشقة اللي في نفس الدور بتاعنا كمان! مثل «كرم» بأنه تفاجأ ورفع حاجبيه قائلاً: -إيه ده يا أسماء! لا دي صدفة غريبة فعلاً، وبعدين إيه حضرتك دي!
أنا عندي ٢٩ سنة يعني صغير على كلمة حضرتك دي. شعرت أسماء بالحرج فنطقت محاولة الهروب من أمامه: -معلش بقى أصل مش متعودة، استأذنك بقى علشان عندي مذاكرة. ضم حاجبيه بإندهاش قائلاً: -إيه ده انتي بتدرسي؟ -أيوه أنا في سنة التخرج كلية إعلام. ابتسم قائلاً: -ما شاء الله، ربنا يوفقك، طيب ادخلي انتي علشان مذاكرتك بقى.
ابتسمت في صمت ودلفت إلى غرفتها مرة أخرى وهي تفكر في هذا الشخص الذي يبدو غامضًا لها ولا تعرف لماذا اليوم فقط الذي يحدث فيه هذا. ***
في صباح اليوم التالي شعر بالملل الشديد فقرر النزول ليتجول في هذا الهدوء فالساعة لم تتخطى السابعة صباحًا. بدل بالفعل ملابسه ونزل إلى الأسفل. وضع يديه في جيبي بنطاله وسار لعدة أمتار حتى وجد من تعترض طريقه، دقق بصره بها فوجدها مألوفة له بشكل كبير وكانت تنظر له باهتمام. ضيق عينيه وهو ينظر لها فهو اعتقد أنه رأى هذا الوجه من قبل، كما أنها كانت جميلة إلى حد كبير جدا وهو لم يرى جمالاً كهذا من قبل.
أثاره فضوله بشدة ولم يتحمل أكثر من ذلك، واتجه إليها قبل أن يقف أمامها مباشرةً هو يقول بتساؤل: -أنا أعرف حضرتك؟ أنا حاسس إني شوفتك قبل كدا وشكلك مألوف جدا ليا. وجهت بصرها إليه لوقت طويل وعجز لسانها عن الحديث فها هو اللقاء الأول بينهما بعد ما حدث في اللقاء الأخير، توترت بشكل كبير وزادت نبضات قلبها قبل أن يُعيد هو ما قاله مرة أخرى: -حضرتك بتبصيلي كدا ليه؟ ممكن تجاوبي على سؤالي! حاولت تنظيم أنفاسها المضطربة ورددت بهدوء:
-أنا هي، أنا اللي كنت بطلة روايتك واللي كنت فاكرها خيال، أنا اللي آخر سطر من روايتك كان بيقول "صاحبة الوجه الجميل سأظل أتذكركِ دائما ما حييت". اتسعت حدقتاه بصدمة كبيرة وهو يقول دون أن يفكر: -حور! ردت هي بابتسامة: -أنا حور، أنا اللي دايما مسيطرة على كل تفكيرك وخيالك، أنا عمري ما كنت خيال، أنا حقيقة أنت عيشتها وتعايشت معاها. ظل ينظر إلى وجهها بحيرة كبيرة وبداخله سعادة غامرة لكنه لم يفهم تلك النقطة لذلك ردد بحيرة:
-إزاي أنا كتبت عن حاجة خيال وطلعت حقيقة؟ نظرت إلى عينيه وأجابت على سؤاله بهدوء: -علشان ده ما كانش خيال من الأول، كل اللي كتبته في روايتك حصل وأنت عيشته بجد، كل اللي قولته في الرواية حصل لدرجة إني مستغربة افتكرت كل التفاصيل دي إزاي رغم إني اتسببت في إنك تنسى كل الجزء ده. ابتسم ابتسامة هادئة قبل أن يجيبها:
-مش هتصدقيني لو قولتلك إن كل حرف كتبته في الرواية كنت حاسس إنه بجد مش مجرد رواية خيالية كتبتها، بس لو ده بجد مش معنى وجودك ده إنك كدا بتعرضي كوكبك للخطر مرة تانية؟ اقتربت أكثر منه وقالت بصوت هامس: -هرجعلك الجزء اللي نسيته وبعدين أوضحلك سبب وجودي. ثم لمست رأسه بإصبعها لتعود ذاكرة ما عاشه إليه مرة أخرى في تلك اللحظة فنظر إليها بشوق كبير: -حور أنا مش مصدق إني شوفتك تاني، وحشتيني أوي. ابتسمت وضمت ذراعيه وهي تقول بحب:
-بجد مفيش حد عاش اللي عيشته الفترة دي، كنت قدامي طول الوقت ده كله ومش قادرة حتى أكلمك، فكرت كتير أقرب منك وأحضنك واللي يحصل يحصل بس قولت أنا ضحيت خلاص وطالما ده حصل يبقى مقدرش أغيره. ضم هو وجهها بين يديه وقال باشتياق كبير: -حور أنتي مراتي، إحنا اتجوزنا وأينعم كان فيه سبب لده بس في النهاية كانت بينا مشاعر قوية وفي النهاية بردو اتجوزنا، أنتي مراتي يا حور، فاهمة يعني إيه!
هزت رأسها بالإيجاب فضمها هو بحب شديد وحضنها باشتياق لتسند هي برأسها على صدره ليقول هو: -أنتي كنتي حلم بالنسبة ليا يا حور كل الفترة اللي فاتت، مهمنيش كل اللي حصل قد ما اهتمامي كان بالتفكير فيكي. ابتعد قليلا عنها وردد بتساؤل: -عرفتي تعملي ده إزاي؟ واللي عملتيه ده ما فيهوش خطر إزاي؟ ابتسمت وأجابت على سؤاله:
-من ساعة اللي حصل فضلت أدور في كل الكتب عن نظريات خاصة بالدائرة الزمنية لكن ملقتش أي حل بس قرأت جملة خلتني اقتنع باللي عملته ده والجملة بتقول "تحقق أسباب التأثير على فرد من أفراد الدائرة تجل اكتمالها مرة أخرى مستحيل". ضيق نظراته وقال بتساؤل: -هااا فسري علشان لسه صاحي ومش مركز. ابتسمت وبدلت نظراتها بينهما وهي تقول بتوضيح:
-أسباب التأثير دي هي تأثير وجودي على حياتك، أنت رغم نسيانك كتبت كل اللي حصل بالتفصيل من تفكيرك وفضلت كل يوم تتمنى أكون حقيقة وبكدا لو شفتني وبقيت معاك عمرك ما هتبقى رماد تاني وده تفسير الجملة، رماد خلاص كان دايرة زمنية، كنت أنا سبب فيها وأنا بردو دلوقتي اللي نهيتها خالص. ابتسم «عبدو» وقال بسعادة: -يعني كدا مفيش رماد تاني؟ هزت رأسها بمعنى لا وأكدت بابتسامة: -لا مفيش رماد تاني وينفع نبقى مع بعض على طول.
سار الاثنان معًا ونظر هو إليها قائلًا بتساؤل: -تقريبا آخر مرة حصل فيه الحوار ده كان من حوالي شهرين واليوم على أرضنا بسنة على أرضكم يعني تقريبا عدى 60 سنة على أرضكم وأنتي زي ما أنتي مكبرتيش حتى، إزاي بقى مش فاهم؟ ابتسمت وجلست على الرصيف المرتفع فجلس هو بجوارها ونظر إليها لتقول هي: -بص يا سيدي هفهمك، اليوم على أرضك فعلاً بسنة على أرضي بس يعتبر كلنا نفس العمر، بص هوضح أكتر، أنت عندك 22 سنة تمام!
إحنا بقى عمرنا بيعدي كدا بكتير يعني آلاف، أنا يعتبر نفس سنك مش عدد السنين لكن في مرحلة الشباب وهكذا، أنا عندي 8000 سنة وشوية صغنتين. اتسعت حدقتاه بصدمة وفتح فمه قبل أن يقول: -نعم ياختي! 8000 سنة؟ ضحكت بصوت مرتفع على رد فعله وهزت رأسها بالإيجاب وهي توضح:
-لو قارنت 8000 سنة على أرضي بـ أيام أرضك هتلاقي النتيجة 22 سنة وهو عمرك يعني أنا وأنت أد بعض لكن الفرق إن متوسط أعمارنا أكتر، يعني عندكم متوسط السنين اللي بيعيشها البشر 60 سنة لكن على أرضنا حوالي 22 ألف سنة اللي لو حولتهم هيبقوا 60 سنة على أرضك، بنعيش أيام أكتر منكم بكتير لكن في حوار مراحل الشباب وكدا بنبقى زيكم بالظبط. هز رأسه بتفهم وابتسم ليقول مازحًا: -يعني أنا متجوز واحدة أكبر مني بـ 8000 سنة.
ضحكت وقالت على الفور: -مش بالظبط، يعتبر قدك لكن كواقع أنا فعلا عايشة من 8000 سنة يعني قولي يا طنطلوح بيده في الهواء وهو يقول مازحًا: -لا طنط إيه بقى ده أنا أقولك يا تيتة، أنتي أقدم من جدو اللي من أيام الفراعنة. ارتفع صوت ضحكها فابتسم وقال بهدوء: -الواد فادي عامل إيه واحشني جدا والله. ابتسمت ونظرت إليه لتجيبه: -كويس ونفسه يشوفك ونفسه كمان يتجوز. رفع حاجبيه وردد بتساؤل: -معقولة عايز يتجوز؟
ومين اللي أمها دعت عليها اللي ناوي يتجوزها. كتمت ضحكها وأجابته قائلة: -سهوة صاحبتك في الكلية، من ساعة آخر مرة وهو مراقبها بس طبعًا ميقدرش يقرب علشان مفيش حاجة تبوظ، هيفرح جدًا لما يعرف إن كل حاجة بقت عادية وهيجري يتجوزها. ضحك وردد: -يجري يتجوزها إيه هو فاكر إنه رايح يشتري طماطم، ده لسه فيه قراية فاتحة وخطوبة وشبكة وكتب كتاب وفرح وليلة كبيرة، عندنا في مصر فيه كذا مرحلة علشان الجواز يتم مش بالسهولة اللي عندكم. رفعت
كتفيها وقالت بابتسامة: -خلاص ابقى فهمه أنت أول ما تشوفه علشان هيموت عليها وبقاله 60 سنة مستني اللقاء. -60 سنة؟ لا شكله رايدها الصراحة، الـ 60 سنة دول لو هنا كان زمانها اتجوزت وخلفت وعيالها اتجوزوا وجابوا أحفاد كمان، ألا صحيح بابا وماما عاملين إيه؟ تحمست لسؤاله الأخير وعدلت من وضعية جلوسها لتوجه بصرها إليه قائلة:
-بابا وماما بيعشقوك حرفيًا من كتر كلامي عنك، حكيتلهم إزاي وافقت تساعدنا رغم إننا من كوكب تاني، حكيت أنت إزاي واجهت رماد رغم إنك عارف بالهزيمة حكيت كتير أوي ومنها عن الروايات اللي كتبتها لدرجة إن بابا قرر يغير اسم أرضنا أو الكوكب زي ما بتسميه، غير الاسم لـ "أوجاست" على اسم روايتك لأن اللي حصل في المعركة ده بينك وبين رماد حصل في شهر أغسطس وده الشهر اللي أرضنا خلصت فيه من رماد وكان أنسب اسم هو أوجاست.
اتسعت حدقتاه بصدمة مما تقول قبل أن يقول بسعادة غامرة: -بجد والله سمى أرضكم أوجاست؟ يعني بقت حقيقة مش مجرد خياله. هزت رأسها بالإيجاب وأجابته: -أيوه بجد وفيه مفاجأة كمان هتعرفها لما تروح. نهض على الفور من مكانه وردد بحماس شديد: -طب ومستنيين إيه يلا بينا نروح! وقفت هي الأخرى ونظرت إليه قائلة بجدية: -مش هنروح قبل ما تعزميني على كشري، بحبه أوي والصراحة دي أحسن حاجة في الكوكب بتاعك. ابتسم وقال بثقة:
-اومال لو جربتي محشي ورق العنب هتعملي إيه، تعالي نشوف محل الكشري اللي على أول الشارع يارب ألاقيه مفتوح. بالفعل تقدم هو وهي وتفاجأوا بأنه مفتوح في هذا التوقيت فدلفا إلى داخل المطعم وتناولا الطعام في جو من البهجة والحب وما إن انتهيا حتى رحلا وأثناء الطريق اقترب هو من "سوبر ماركت" وقام بشراء بعض الأشياء ثم عاد إليها وأعطاها حقيبة بها عدة أنواع من "الشيكولاتة" وهو يقول بابتسامة:
-معرفش موجودة على أرضكم ولا لا بس في العموم كل البنات بتحبها. اتسعت حدقتاها بسعادة كبيرة وهي تقول بحب: -إيه ده أنواع مختلفة من الساتة! شكرًا أوي يا عبدو. ابتسم واقترب منها وهو يقول: -هي اسمها هنا شيكولاتة مش ساتة بس مش مشكلة المهم إنك بتحبيها. اسرعت وقالت بحماس: -جدًا. شعر بالسعادة لسعادتها وظل يتابعها وهي تتناولهم بابتسامة فأخذت واحدة وطلبت منه أخذها: -خد كل معايا. هز رأسه بالرفض وقال بجدية:
-عامل رجيم ودي هتبوظ كل اللي عامله. رفعت أحد حاجبيها وقالت بتساؤل: -إيه هو الرجيم ده؟ فرك فروة رأسه ليجد مصطلح مناسب لتفهمه ثم ابتسم وقال: -ده عبارة عن إننا بنقلل أكل وبالذات الشيكولاتة السكريات وكدا علشان وزن جسمنا يقل. هزت رأسها بتفهم قبل أن تقول: -عندنا فيه ناس عندها قدرات خارقة وهي إنها بتخلي جسمهم رياضي وكويس من غير الرجيم ده. رفع أحد حاجبيه وردد على الفور: -يا ولاد المحظوظة، لا قوة جامدة الصراحة. ***
نزل «كرم» إلى الأسفل وركب سيارته وانطلق بسرعة شديدة، وبعد دقائق وصل إلى الفيلا الخاصة به ثم خرج من سيارته ودلف إلى الداخل ليجد والدته وبجوارها خالته وابنة خالته فألقى السلام دون أن ينظر لهم وصعد إلى غرفته على الفور. نظرت خالته «فريدة» إلى والدته قائلة: -هو لسه على الحالة دي؟ ده عدى على الموضوع ده وقت طويل. نطقت والدته «نهال» بحزن وهي تنظر إلى الأسفل:
-من ساعة اللي حصل وهو على الحالة دي وطول اليوم برا البيت يمكن النهاردة بس اللي جيه بدري شوية، مش عارفة ناوي يخرج من الحالة دي إمتى. وقفت ابنة خالته «رحمة» قائلة: -أنا هطلعله يا جماعة يمكن أحاول أخفف عنه شوية أو أقنعه ينسى. أجابتها «نهال» قائلة: -اطلعى يا رحمة، هو مبيسمعش غير كلامك انتي. صعدت بالفعل إلى الأعلى ووصلت إلى غرفته ثم طرقت الباب فأتى الصوت من الداخل: -مين؟ أجابته هي بصوت هادئ: -أنا رحمة يا كرم.
ما هي إلا ثوان حتى فتح لها الباب ثم عاد ليجلس على سريره فتحركت وجلست بجواره ثم نظرت إليه قائلة: -عامل إيه؟ -فل. -مش باين عليك يعني. ابتسم ابتسامة ساخرة قبل أن يقول: -لازم أضحك يعني علشان أبقى كويس! طيب اديني بضحك اهو. امسكت رحمة بيده ونطقت بحب: -أنا عارفة اللي جواك يا كرم، انت من ساعة اللي حصل وانت شمعتك اتطفت، كنت دايما بتهزر وبتضحك. انهمرت عبرة من عينيه وأردف بحزن:
-اللي كنت بضحك وبهزر معاه راح، تفتكري هيبقى ليا نفس أضحك إزاي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!