كان يتكلم هو ووالدته. وجهه إليه عمير ابنه وحضنه. طلعت والدته وهي تقول: -إيه يا بنتي، دا أنتِ بقيتي مننا خايفة تسلمي علينا ولا إيه؟ نظرت إليه وحاولت أن تمحو توترها. مدت يدها إليه وهي مبتسمة: -لا أبداً يا طنط. -يا بنتي قوليلي يا ماما عادي. -عادي؟ -عادي والله مش هضربك لو قولتيها. ضحكت بعدها وهي ابتسمت. لكن كان بداخلها تسأل نفسها: هل يمكن أن تكون تقول هذا لأنها لم تعرفها بعد، أم هذه طبيعتها؟
-خلي بالك من وقار، اهتمي برضعتها وأعطيها لبنها والبيبرونة. هزت رأسها وهي تسمع تعليمات حماتها. أخذت البنت منها. بالمناسبة، هي عندها تسع شهور، عرفت من مصعب والدها. وضعتها بين يديها وهي تحتضنها وتشدد عليها. أنا أحب الأطفال الصغار جداً، وأحب أن أحضنهم، لكنني أخاف من تحمل مسؤوليتهم. يا ترى، هل سأقدر على تحمل مسؤوليتهم؟ هل سأعرف؟ أنا لم أجرب أن أكون أماً من قبل! -يلا يا عمير، وأنتِ يا رحمة، يلا أنتِ ووقار.
-أنت مجهز كل حاجة؟ -أيوا، الشقة جاهزة من كله، ومش بعيدة عن مكان الشغل كدا كدا. -ماشي. بعد وقت طويل في الطريق، استيقظت وقار وكانت تبكي. أنا أشعر أنني لا أعرف كيف أتصرف. بدأت أحاول أن أهدئها، لكنها لم تسكت. تكلم مصعب: -استني هعمل ليها الببرونة. جهزها وأعطاها إليها. بدأت تعطيهالها براحة. كنت خائفة. وقف في استراحة قريبة. أخذها منها وكان يهديها. كان حنوناً جداً. سكتت معه وبدأت تنام.
رجع أعطاها إياها بعدما نامت وكان في وجهه ابتسامة نصر. -اتفضلي يا ستي، وخلي بالك من عمير، هو نام ورا. -هدخل أجيب حاجات نأكلها بس وأرجع. أخذتها منه. جلست تملس على شعرها وتلعب فيه. طريقته معهم حلوة. يا رب، هذه تكون طريقته معهم على طول. يا رب، يكون فعلاً حنوناً عليهم. يا رب، لا يرون منه شيئاً سيئاً. يا رب، أي طفل لا يرى من أهله شيئاً سيئاً، ويكونون حنونين عليه ويشعرونه أنه جميل وحلو على طول. تنهدت وبعدها دعت بصوت هادئ:
-ويارب عوضني. -أنا رضيت علشان تعبت من أهلي، أرضيني. مسحت دموعي التي نزلت دون أن أنتبه. أحاول أن أقنع نفسي أنه عادي، وأن كل شيء سيمضي. لكن للأسف، كل شيء يمضي على وجهي. -شيبسي وبيبسي، بسكوت وعصير. -تفتكري محتاجين حاجة تاني؟ -فاضل قد إيه ونوصل؟ -استنى نسيت أسأل الأهم، إحنا مسافرين فين أصلاً؟ نظر إليها وجلس يضحك. بعدها تكلم وهو يتريق: -ناقص تقوليلي أنتِ شغالة إيه علشان مش عارفة! نظرت إليه وهي تتكلم بكل جدية:
-أنا فعلاً معرفش أنت شغال إيه؟ ولا مسافرين فين؟؟ -أصلاً! -أيوا. -مهندس بترول، كنت زي ما أنا في الفرع بتاع القاهرة واتنقلت لفرع سيناء. -يعني إحنا حاليًا مسافرين سيناء. -مهندس؟؟ -ولما أنت مهندس بقى ومعاك شهادة عالية يا ابن الناس، إيه يخليك تأخد واحدة مش مكملة تعليمها؟ كنت دورت على واحدة زيك. قلتها بطريقة تبدو أنه كاذب. بكل بساطة، الدنيا سهلة، لكنها ليست كذلك معي. ركز على الطريق وهو يسوق وكان يقول:
-مش كله بالشهادة، أولادي أهم. -عايز أربيهم كويس، وأطلعهم حاجة أنا مفتخر بيها وفي نفس الوقت حابينها. -عايز يبقى عندهم طفولة هادية. -نفسي أمحي الفترة اللي فاتت من حياة عمير. -في الأول والآخر مربية أطفال يعني، بس الفرق إنك مش هتدفع لها فلوس. الجملة خرجت منها باندفاع. نظر إليها بهدوء، لا تعرف من أين حصل عليه، ورجع ينظر إلى الطريق مرة أخرى وتكلم: -هو أنا مقدر موقفك، وعارف إنك مفروضة عليا، بلاش كلمة مغصوبة.
-بس اللي عرفته إنك محدش بيجبرك على حاجة، إيه بقى اللي خلاكي توافقي؟ -عارف لما على طول تكون حاسس إنك تقيل؟ -إن وجودك مش مرغوب فيه؟ -إنك زهقت واتخنقت، بس عارف من جواك إن ده اختبار من ربنا فأنت صابر وراضي، فبقيت مسلم بالأمر. -ومابين التسليم فيه ضغط من كل النواحي. -يلا لعله خير، أصل هي كدا كدا دنيا وهتُقضىٰ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!