مرت دقائق تفصلهما عن كل شيء، حتى أنها لم تشعر به وهو يحملها من فوق الأريكة متجهًا بها إلى غرفتهما. شعر برضى وهو يرى ضعف مقاومتها ثم اندماجها مع مشاعره، ولكن العقل لم يأبى الرضوخ. حديث سلوى ونادية التي ذهبت إليها حتى تسألها عن سبب كذبتها عليها، وصوت والدتها تخبرها عبر الهاتف عن إحدى بنات جيرانها قد حالفها الحظ وتزوجت بثري عربي، ثم عادت لأهلها تحمل طفلًا في أحشائها مطرودة. فالرغبة قد انطفأت. الكل يضع حياتها نحو
الهاوية. هي لن تكمل مع حمزة فالإجابة واضحة، هو رجل ذو شأن وهي فتاة عادية. خبرتها بالحياة ضئيلة، ولولا حياتها مع تلك العائلة لظلت طيلة حياتها ياقوت الخادمة لزوجة أبيها، ياقوت التي لا تنطق إلا بالنعم، ياقوت التي من أقصى أحلامها أن تمسك بهاتف حديث الطراز تتصفح فيه مثل صديقتها هناء لترى عبره عالمًا آخر. ياقوت التي تمنت أن تأخذها والدتها بين ذراعيها تعطيها النصيحة بخبرتها.
غرق معها في العالم الذي يريحه بين ذراعيها. زوجته الحمقاء تظن أن شغفه بها رغبة، إنما الحقيقة جوع لما حُرم منه، إنه تطهير له لما دنسه الحب داخله يومًا. وفي خوض مشاعره الهائجة معها سقطت دموعها بعدما لم تعد تتحمل الصراع الذي يواجهها. هل ترضى بحياتها معه هكذا أم تتمرد قليلًا لعلها تشعر بمكانتها داخل قلبه؟ "ليه حبتها ومحبتنيش؟ تَهمست بهمس، فتصلب جسده، وتعلقت عيناه بها. أعادت سؤالها بوجع أكبر: "ليه أنا مينفعش أتحب؟
ليه ناقصة في كل حاجة؟ عيناه ظلت غارقة في ظلمة عينيها. تذكر حلم هروبها منه الذي أخذ يروقه ليالي طويلة، يُفكر في دنائته منذ البداية معها. يخشى أن يعاقبه القدر بعد أن بدأت حصونه جميعها تنهار وتتبدل الظلمة التي بداخله للنور. وسؤال آخر سألته وهي لا تعرف أنها أعادت الماضي إليه: "مدام بتحبها ليه سيبتها تبقى لغيرك؟ "اسكتي يا ياقوت... اسكتي." وانتصبت واقفا يحرر الباقي من أزرار قميصه. لعله البرودة تزيل عنه الماضي بأعبائه.
"صفا كانت ماضي مبحبش أفتكره... عارف ليه؟ اتبع عبارته وهو يلطم فوق صدره بجنون: "عشان بشوف صورة لراجل مكسور، مهزوم، مدمن." أظلمت عيناه وهو يتذكر نظرة الألم التي صاحبت أعين والدته الطيبة: "اترفدت من شغلي... حلمي ضاع... دفنت شبابي وعشت ديما بدي مش باخد... عايزيني أكون إزاي؟ كانت في عالم آخر وهي تسمعه لا تُصدق أنها تراه مهزومًا يتحدث عن ماضيه بشحوب، وكأن الماضي كان كالصفعة بالنسبة له. هدأت أنفاسه بعدما كان الصراع مشتعلًا
بين أضلوعه دون هوادة: "منكرش إني حبيت صفا في يوم... حبها كان لعنة وضعف... زي السحر كده." وألتمعت عيناه بسحابة من الظلمة: "أحيانًا الحب بيكون لعنة... لعنة بتخلينا لا بنشوف ولا بنصدق." تخذت دموعها طريقهما نحو وجنتيها دون توقف مع كل كلمة تسقط على مسمعها فتدمي قلبها. تتساءل كيف أحبها كل هذا الحب وجرحته. لم تكن محظوظة بالحب، ولكنها كانت تسمع عن مرارته: "وبدل ما أتعلم من لعنته... فتحت الباب ليه من تاني."
تَهمست به وعيناه كانت ثابتة نحو عينيها وكأنه يُخبرها صراحة أنها لعنته الجديدة: "فاكراني مكنتش بتوجع من نظرتك لشهاب مع ندى وشريف ومها؟ مافيش راجل بيقدر يستحمل نظرة نقص من مراته لغيره." "كان نفسي تحكيلي كل حاجة عنك من البداية." خرج صوتها أخيرًا تُلملم شتاتها: "لأنك محولتيش تخرجي اللي جوايا... أنا فعلًا بترجم حبي ليكي بالطريقة اللي عقلك وصلها... بس ده مكنش إهانة مني يا ياقوت... عقلك صورلك إن كده بهينك."
تاهت معه تلك الليلة، فلم تعد تعلم أهي المخطئة أم هو. وأخيرًا حسمت قرارها بضعف: "أنا منفَعش في حياتك دي." وعند تلك النقطة لم تشعر إلا بذراعيه وهو يهزها: "سلبية وضعيفة... هتفضلي لحد إمتى كده؟ اهزميني واهزمي نفسك لمرة واحدة... اهزمي ضعفك... اتحرري من ماضي أهلك... اتحرري إنك هتعيشي نفس تجربتهم... دافعي لمرة واحدة عن حقك حتى لو خسرتي." انهمرت دموعها مع كل دفعة يدفعها لها، وتنثرت خصلاتها فوق وجهها، تهمس بخفوت:
"حمزة كفاية." ليستوعب بعدها ما يفعله، فأبتعد عنها يتأمل شحوب وجهها. ثم حركت يداها نحو بطنها، سألها بلهفة ناسيا ما كانوا يتحدثون به: "حاسة بإيه؟ قومي البسي أوديكي للدكتور لو تعبانة." كانت عيناها عالقة به تنفي برأسها الألم، تتكئ على جانبها حتى تغفو، تعيد كل كلمة هتف بها على مسمعها. وكلمة واحدة كان صداها عالقًا في قلبها وعقلها: "ضعيفة". ولم يُخطئ أبدًا في تلك الحقيقة. شعرت بقرب أنفاسه منها ويده التي أخذت تمسد ظهرها،
والأخرى بطنها: "ياقوت طمنيني عليكي." "خايف عليها." غمضت عيناها تنتظر إجابته: "خايف عليكم انتوا الاتنين يا ياقوت." ولم تشعر بعدها إلا بثقل جفونها ثم غفوتها وذراعه تضمها بحنو. *** ألتقطت مريم السيجارة من يد رؤى التي نظرت نحو وليد بمكر. سعلت بقوة، فهتفت رؤى بتشجيع: "هتتعودي عليها متخافيش... اشربي وانسى." تساءلت مريم بحيرة وهي تضعها بين شفتيها مرة أخرى: "هي السجاير مش حرام صح؟ ضحك كل من في الجلسة متعجبين سؤالها، ليُتمتم
وليد بخبث: "ماقولنا لو عايزة تبقي معانا بلاش شغل الأطفال ده." احتقن وجهها من رده الفظ، وأخذت تنفث دخان السيجارة إلى أن شعرت أن السعال بدأ يخف وبدأت تستمتع بالأمر. كانت عين رؤى عالقة بها تبتسم لما وصلت إليه. فبعد أن فقدت الأمل أن تأتي معها لذلك المكان ثانية، هاتفتها الليلة تطلب منها المجيء، وها هي تندمج معهم وقريبًا ستصبح مثلهم. مال وليد برأسه عليها هامسًا وعيناه تتفحص جسد مريم بوقاحة: "لا عرفتي تجريها صح ياحنينه."
تعالت ضحكات رؤى وأبعدت عيناها عن مريم التي أخذت تنظر إليهم بقلق. وقبل أن تسأل رؤى عن سبب ضحكاتها، نهضت راكضة نحو فارس الذي دلف للتو من باب الملهي: "النايت كلب كان هيبقى وحش أوي من غيرك." ارتفعت طرفي شفتيه مستنكرًا، ولكن لا بأس من التمتع بمثلها: "بجد؟ أومال ليه شايفك مندمجة مع وليد؟ "أبدًا، ده هو اللي بيجر معايا كلام عشان مريم."
تجمدت عيناه نحو الجالسة على طرف أحد الأرائك تُدخن بطريقة أشارت اشمئزازًا. فالمكان وما يفعلوه لا يليق بمثلها، ولكنها هي من اختارت الطريق، فلتتحمل العواقب. *** فتح فرات عيناه يبحث عنها فوق الفراش في ظلمة الغرفة ليسترقي السمع وهمهمات صادرة. انتصب من رقدته لتتضح له الرؤية. كانت ساجدة فوق سجادة الصلاة تبكي بضعف. اهتز قلبه لرؤيتها هكذا، ولا يعلم اهتزاز قلبه كان على ضعفها أم الخشوع. أنهت صلاتها فتعلقت عيناها به،
وخرج صوتها كهمس ضعيف: "بتبصلي كده ليه؟ "بقيت مستغرب تحولك يا صفا." هتف بها لتطرق عيناها نحو أصابعها: "كل البيبان اتقفلت في وشي إلا بابه هو." صمتت تسترجع كل ما حدث لها منذ دخولها للسجن إلى الآن. لم تعتدل الحياة ولا الناس معها إلا عندما اقتربت هي من الرحيم واطرقت بابه طالبة منه رحمته. "أنا آسف."
خرجت الكلمة من شفتيه باهتزاز لا يُصدق أنه نطقها. ولكن هي بالفعل لديها حق معه. أذلها من أجل شقيقته وفهمه الخاطئ عن علاقتها بـ عزيز الفاسد. عاقبها من أجل منال ولا ذنب لها بمصيرها. فحتى حمزة الذي صفعته قديمًا بفعلتها، سواء كان ضعف وخضوع منها لأوامر عدنان أو خيانة، لم يفعل بها شيئًا إلا الهجر والبدء بحياة جديدة. هكذا هم الرجال. أما هو الرجل العسكري، فلم يكن إلا الجلاد الذي قرر الانتقام، وهو لا يعرف أي ذنب اقترفته معه حتى ينتقم منه.
نهضت تحت نظراته التي تفحصها بحيرة لتطوي سجادة الصلاة. وقبل أن تتجه نحو الفراش، وقفت تخبره: "أنا موافقة أروح للدكتورة النفسية... عشان نفسي وعشان ابني، يكفيه أنه هيبقى ابن لأم خريجة سجون." وعذاب آخر كان يُضاف إليها، وكما أخبرتها فادية صباحًا ساخرة: "هيعايروا بيكي... ابن فرات النويري، أمه كانت سجينة في سجن النسا... هتبقى نقطة سودة في حياته، لا وكمان مجنونة."
وخرجت تضحك بضحكة جلجلت أرجاء الغرفة، وما زال صداها يخترق أذنيها لتدفن رأسها أسفل وسادتها. وأعين فرات تتبعها. *** ودع مراد والده وشقيقته في الصباح الباكر، وانتظر إلى أن تحركت سيارة والده وتحرك عائدًا لتلك التي أصبح لديهم حديث لا بد أن تُفسره له. دلف للشقة ليجدها أزالت الطعام عن المائدة ولا أثر لها. هتف باسمها وهو يخطو نحو غرفتهما ليتفاجأ بخلو الفراش منه. تلمع عيناه وهو يعلم أين سيجدها: "كنت عارف إني هلاقيكي هنا."
تشبثت بالغطاء فقد عادت إلى غرفتها القديمة قبل قدوم تقي إليهم. "هناء متعمليش نفسك نايمة، ماهو مش معقول هتنامي في عشر دقايق." وصرخ باسمها عاقدًا ساعديه أمام صدره: "هناء بلاش شغل العيال ده... واصحي كلميني، ما أنا مش رايح الشغل النهارده. ولا انتي إلا أم؟ افهم حكاية شغلك في الفندق." انتفضت من أسفل الغطاء وانتصبت واقفة فوقه تمسد فوق ملابسها: "لا، أنا عندي شغل مهم لازم أروح." "هناء! عاد صوته بصراخ أعلى لتنظر إليه متسائلة:
"عايز تعرف إيه؟ "ليه خبيتي عني يا هناء؟ أغمضت عيناها تتذكر بداية زواجهم وما عاشته معه: "كنت مجروحة، عايزة أعمل أي حاجة عشان أثبت لنفسي إني عايشة وأنسى حلمي اللي موته... ملقتش شغل غير في الفندق... كنت عارفة إنك مش هتوافق عليه... كنت بكرهك أوي وبحقد عليك، كنت عايزة أهرب منك، بس هرجع أقول لأهلي إيه؟ أنا اللي اخترت وادي نتيجة اختياري." تَهمست عبارتها بثقل تشعر بالألم يعود إليها: "عايز تعرف إيه تاني يا مراد؟
وفي لحظة كانت تهوى بين ذراعيه يضمها إليه، يسأل نفسه هل كان حقيرًا لتلك الدرجة: "تعالي نتجوز من أول وجديد يا هناء... اديني فرصة أصلح غلطي وننسى اللي فات." *** وقفت شارده في ليلة أمس، عقلها يُفكر في كل كلمة أخبرها به. لم تنتبه ليد هاشم الممدودة إليها بالرسمة التي وضع بعض تعليقه عليها وهو يُخبرها بالتعديل المطلوب: "مدام ياقوت، انتي معايا؟ كرر ندائه باسمها للمرة الثانية، لتُحرك رأسها يمينًا ويسارًا، حتى تُنفض
الأفكار العاصفة بعقلها: "أيوه يا فندم." "لا، انتي شكلك مكنتيش منتبهة خالص لكلامي... على العموم يا ستي، التصميم ممتاز بس لازمه بعض التعديلات." عاد يشرح لها المطلوب منها، لتلتقط منه الورقة تُحرك رأسها بحركات بسيطة دلالة على فهمها: "في أي حاجة تاني يا فندم؟ ابتسم بلطف إليها: "لا يا ياقوت، اتفضلي." خرج اسمها مجردًا من شفتيه وظن أنها ستُعلق، ولكنها ابتسمت والتفتت بجسدها للمغادرة. "ياقوت! هتف اسمها، فالتفتت نحوه
ثانية تنتظر ما سيخبرها به: "صحيح، مبروك ليكي انضمامك لينا كشريك في المؤسسة." اتسعت عيناها مما تسمعه، فكيف صارت شريكة في تلك المؤسسة التي تعلم أن فروعها ليست بمصر فقط: "شريك إزاي يا فندم؟ تساءلت وهي تُحاول ربط الأمور ببعضها: "إحنا كنا محتاجين شريك بنسبة 20 في المية، وحمزة دخل باسمك... أنا كنت فاكر إنك على علم، بس شكلي ضيعت المفاجأة." *** استيقظت على لمسات مشاغبة تُداعب جسدها. أخذت تتأفف بضجر هاتفه:
"يالكِ من ناموسة ثقيلة الدم." ارتفع حاجبه سهيل حانقًا مما سمعه: "ماذا؟ فتحت سماح عيناها بثقل ورغبة شديدة للعودة للنوم: "مثلما سمعت سيد سهيل." ارتفعت زاوية شفتيه استنكارًا مما تتفوه به: "انهضي... أنا جائع." "لست خادمة لك بعد الآن... اجعل هيلين هي من تخدمني." لم تدرك ما تفوهت به إلا عندما تراقصت عيناه طربًا: "أشعر أن الغيرة بدأت تحرقك سماح." "أنا لا أغار على أمثالك سيد سهيل."
لم يترك أذنيه تستمع لصراخها أكثر من ذلك، بل جعل شفتيه من تتولى الأمر ليبتعد عنها بأنفاس لاهثة: "تحدثي بعد ذلك هكذا وستنالي عقابي حلو." تجمدت عيناها نحو خطواته وهو يسير ببطء على ساقيه دون عكازه، غير مصدقة أنها باتت تنتظر قبلاته. ضربت جبهتها بحنق من ضعفها: "غبية سماح... ستعودي للضعف ثانية... لم تتعلمي من تجربتك مع ماهر." *** وقفت تتأمل ناطحات السحاب أمامها من المبنى المُقيمين به. صدح رنين هاتفه لتلف هاتفها باسمه:
"شهاب، تليفونك بيرن." كان يقف في المرحاض يحلق لحيته، وعندما سمع صوتها: "شوفي مين ياحبيبتي." ألتقطت الهاتف لتقع عيناها على الاسم المدون: "سكرتيرة مكتبه". لتهتف قبل أن تُجيب: "دي سمر... هرد عليها." أجابت على الفور مما جعل يد سمر تقبض على الهاتف بقوة وقد تبدلت ملامحها للحنق: "إزيك يا سمر؟ وحشاني." جاهدت نفسها ومشاعرها الحاقدة نحو ندي: "إنتي كمان وحشاني ياندي." وأسـرعت في سؤالها: "ممكن أكلم مستر شهاب؟
"حاضر ياحببتي هديله التليفون." توجهت بالهاتف له ليُشير لها: "افتحي الاسبيكر يا حببتي." فعلت ما طلب منها، يستمع إلى سمر التي أخذت تسأله عن بعض الأوراق وماذا ستفعل: "حضرتك هتيجي إمتى يا فندم؟ لم تتعلق عين شهاب بندي الواقفة أمامه بثوبها القصير: "أسبوع كمان... سلام يا سمر." وقبل أن تضغط ندي زر غلق إنهاء الاتصال، ألتقط شهاب خصرها لتصرخ عاليا، ثم حملها فوق كتفه دون أن يُكمل حلق لحيته: "وحشتيني الدقايق اللي عدت."
كان آخر شيء سمعته هو صراخها ليُفسر لها علقها الأمر بصورة مرضية. تعلقت عين بهاتفه تُفكر في حديث صديقتها عن أمر الدجال الذي أخبرتها عنه. *** طرقت الخادمة عدة طرقات على باب غرفتها تُخبرها بقدوم إحدى جيرانها إليها لأمر عاجل خاص بشقيقتها. انتفضت مها من فوق الفراش بتعب وهي تشعر بألم حاد أسفل معدتها. تحملت على حالها وسارت خلف الخادمة بخطي تحسب خطواته. لتنظر إليها السيدة التي تُدعى عزيزة، فأسرعت مها بسؤالها
واعين عزيزة تتفرسها: "ماجدة فيها حاجة؟ رتبت عزيزة الحديث الذي حفظته عن ظهر قلب داخل عقلها: "أختك بين الحياة والموت وطالبة تشوفك قبل ما تقابل وجه كريم." ***
دَلفت ياقوت إلى نادي الرماية بعد أن أخبرها مدير مكتبه بمكانه. لم تستطع الوصول إليه عبر الهاتف، فلم يكن بإمكانها الوصول إليه إلا كذا. بحثت عنه بعينيها بعدما أشار لها أحدهم عن مكانه. التفتت يمينًا ويسارًا لتقع عيناها عليه أخيرًا. تأملت ظهره وهيئته لتنظر نحوه بلمعان وهيبة. اقتربت منه تُنادي اسمه بغباء، فهو لن يسمعها، فتركيزه كان مرتكزًا مع ضبط سلاحه. اندفعت الطلقات لتتجمد في وقفتها للحظات، ولم تشعر إلا وهي تركض نحوه صارخة باسمه،
ثم تشبثت به: "هنِموت... هنِموت! *** تجمدت ملامح عزيزة وهي تنظر نحو مها لتُدرك حقيقة خفاها عنها ذلك اللعوب سالم. فالفتاة كفيفة. تمد لها يدها حتى تُسندها بعدما أخبرتها بما أصاب شقيقتها. صرخت مها بقهر وألم، فمن لها بعد شقيقتها؟ مهما حدث بينهما، فستظل ماجدة بالنسبة لها أخت وأم: "أرجوكي وديني عند أختي." وصرخت باسمها بلوعة: "ماجدة متروحيش مني! فاقت عزيزة على صوت الخادمة التي اقتربت منهم: "مالك يا هانم... اتصل بشريف بيه."
أومأت مها إليها برأسها لتسرع الخادمة بالاتصال به، مما أربك عزيزة الواقفة: "الوقت بيعدي... يلا بينا." "البيه مش بيرد." هتفت بها الخادمة بيأس تُكمل عبارتها: "تليفونه مقفول." فلم تُفكر مها كثيرًا... وحسمت قرارها. *** شلته حركتها، فلم يستوعب وجودها بذلك المكان. ترك سلاحه كما رفع عن أذنيه سماعتي الحماية من صدى صوت الرصاص. وفي خطوة واحدة أصبحت قابعة بين ذراعيه تدفن وجهها بصدره بتصرف تلقائي منها تعجب منه:
"ياقوت في إيه مالك... أنا كنت بتدرب." ضمت نفسها إليه أكثر، فلم تعد دهشته من وجودها هنا، بل دهشته شملت ذلك القرب أيضًا. رغم غضبه منها وأنه أتى هنا حتى يفرغ طاقته السلبية، إلا أن شعوره الآن اختلف: "بخاف ياحمزة من صوت الرصاص." وتشبثت به بقوة، وذكرى بعيدة أخذتها ليوم قاتم حين شب في القهوة المجاورة لمنزل عمتها خلاف بين أحدهم ليمتد الأمر لتطاول بالأيدي ثم إطلاق الرصاص ووقوع أحد الأشخاص ضحية. بعدها عنه برفق، ولكن فور أن فعل
ذلك عادت تتشبث به ثانية: "ياقوت طب خلينا نخرج من هنا بس... المنظر مش لطيف." وعند نطقه لتلك العبارة ابتعدت عنه مفزوعة وكأنها أدركت الأمر، تنظر حولها لتجد رجلان يسيران للداخل. دارت وجهها عنه خجلًا: "نسيت من الخوف معلش." ارتسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتيه، ولكن أخفاها سريعًا حتى يرسم فوق ملامحه الجمود ويثأر لكرامته المجروحة التي نسيها عند اندفاعها إلى أحضانه.
بعد دقائق أنهى تبديل ثيابه المخصصة لتلك الرياضة، وسارت بجانبه تنظر حولها تتأمل الوافدين هنا، فأغلبهم كانوا من الطبقة العليا. صوت إحداهن اخترق أذنيها تهتف باسم زوجها المنشغل في تصفح هاتفه. تركزت عيناها نحو تلك المرأة التي ترتدي إحدى البدلات الرياضية وحذاء رياضي ونظارة تخفي عيناها. ابتسامتها اتسعت حين رأتـه وتحول وجهها الجامد إلى وجه بشوش يشع جمالًا بملامح صاحبته الشقراء: "حمزة مش معقول...
أنا مش مصدقة إني شوفتك بعد السنين دي." كان حمزة ما زال الذهول مرتسمًا على ملامحه وهو لا يُصدق أنه رآها بعد تلك السنوات. أزالت نظارتها السوداء لتظهر عيناها الخضراء، وياقوت تقف تُطالع كل أنبائها: "ولا أنا مصدق إني شوفتك يالين... متغيرتيش." ابتسمت ببهوت ظهر فوق ملامحها: "بالعكس ياحمزة، أنا اتغيرت كتير... وبقيت لين تانية غير البنت البريئة اللي عرفتها."
ارتبك وهو يشعر أن كلامها موجه إليه وكأنها تلومه عن رفضه لحبها يومًا. أدرك وضعه والصمت الذي احتله. التفت نحو ياقوت الواقفة على بعد بسيط منه تُحدق بهما، وبالأخص تُحدق بالواقفة معه. جذبها نحوه بابتسامة هادئة: "أحب أعرفك ياقوت، مراتي، يالينا." أصاب لين الذهول، فأخر شيء عاصرته بحياته قبل أن تُسافر مع زوجها أنه زوج للسيدة سوسن، تلك السيدة التي حسدتها يومًا على رجل مثلـه: "ومدام سوسن راحت فين؟
ذكرى سوسن جلبت لقلبه حزنًا حقيقيًا. فمهما وصلت علاقته وحبه لـ ياقوت، سوسن كانت له كل شيء جميل وكانت خير زوجة له: "الله يرحمها." "أنا آسفة إني فكرتك بيها." أومأ برأسه وكأنه تقبل أسفها. ألقت بنظرة شاملة نحو ياقوت التي أخذت ترمقها بنظرات أربكتها. غادرت بعدما تمنت لقاءه ثانية. "الأحباب بدأوا يظهروا في حياتك... صفا ولين، فاضل مين تاني ياحمزة بيه؟
هتفت بها ياقوت داخلها وهي حانقة، وأسرعت بخطواتها لتمسك يده مما جعله يرفع حاجبه مندهشًا. أصبحت غريبة الأطوار معه، تتمنع عنه وأوقات تشعره أنها لعبته الجميلة التي أحبها. يطلب الجنون معها، ولكن لا يريدها إلا قطة هادئة بحياتها. استقلوا السيارة وكان صمتها استعدادًا لثورتها التي أنستها لما أتت إليه اليوم: "مين لين دي؟ جاء بها بهدوء يليق به: "بنت شريك قديم وقريبة لأهل والد شريف ومريم." "بس باين من نظرتها ليك إن في مشاعر."
ألقت عبارتها تتفرس ملامحه وهو يُدير سيارته لتبدأ بالتحرك: "بقيّتي بترّكزي في النظرات... أفهم من ده إيه؟ اهتمام ولا غيرة ولا هجوم؟ احتقن وجهها من برودة حديثه. شعرت وكأنه يُعاقبها على ما بدر منها ليلة أمس: "ولا حاجة من دول. أنا مش عايزة أبقى مغفلة زي المرة اللي فاتت وأكتشف بعدين إنها حبيبتك القديمة."
صرير سيارته أفزعها مما جعلها تُدرك أنها أخطأت في إلقاء عبارتها. تعلقت عيناها بثبوت عيناه نحو يداه القابضة على عجلة القيادة، ثم نحو النبض الخافق بعنقه وعروقه التي ظهرت بوضوح فوق ظهر كفيه: "ياقوت بلاش تطلعي أسوأ ما فيا... مش عايزك تشوفي غضبي." ازدردت لعابها بخوف وحدقت بملامحه الجامدة. بثت ثقتها داخل نفسها حتى تواجهه: "كنت ساكتة ومبكلمش، مجبتش وجيتوا عليا... اتكلمت برضوه مش عاجب، انتوا عايزين إيه؟
تألم قلبه لشعوره بما تُعانيه داخل روحها النقية وخبرتها المعدومة بالحياة: "وتفتكري هيعجبني برضوه لما مراتي تسمع وتتعلم من غيرها... تجاربنا مختلفة يا ياقوت." شحب وجهها وهي تخشى أن يكون رأي محادثتها مع سماح وهناء، وعلم أنهم هم من يجاهدون في تغييرها ضده: "قصدك إيه؟ تأملها بمكر يجيده وعيناه تفحص خلجاتها: "غلطت لما افتكرت إن أنا اللي محتاج أتغير على إيدك... إنتي اللي طلعتي محتاجة التغيير ياحبيبتي...
والدور جيه عليا عشان أغيرك وتفهمي الحياة صح." "حبيبته" تلك الكلمة سقطت بألحانها فوق قلبها، ولكن بعدما أكمل حديثه ارتجف قلبها: "إنت هتفهمني إيه بالظبط؟ لمعت عيناه بوميض من القوة وهو يُطالعها: "تدفعي عن حقك يا ياقوت... الطيبة والنقاء مالهومش دخل في إنك تاخدي حقك وتقفي قدام الريح." وتحول كل شيء لرغبته، وبدل من أنها تُغيره سيُغيرها هو. لتلمع عيناها ونفسها تُحادثها: "لما لا تلعبي معه وتنتصري بالنهاية؟
لما لا تخرجي من شرنقتك وتنسي حياتك مع عمتك وخنوعك لرغبات زوجة أبيك وصمتك؟ "موافقة أتعلم منك." تعجب من نظرتها المتحدية له، وأكمل قيادته وهي تُفكر في بداية خطواتها وتلك المرة هي من ستقود حياتها. استرخت في جلستها تتحسس بطنها بابتسامة لعوبة. ***
نظرت ماجدة نحو الرسالة المُرسلة بعدما غادرت المصلحة الحكومية التي تعمل بها، وقد أخذت إجازة دون مرتب إلى أن تنتهي من ذلك الحقير سالم وتثأر لكرامتها. تجمدت في وقفتها وهي تنظر للرسالة، فخفق قلبها بقوة لتركض متحملة على قدمها التي ما زالت تؤلمها، تصرخ باسم شقيقتها: "آه مها يا سالم يا حقير، آه مها." ***
ألتقطت مريم علبة السجائر التي اشترتها من أسفل ملابسها. وقفت للحظات تشعر بالتردد لما ستفعله. تعلقت عيناها بالعلبة دقائق مرت وضميرها يؤرجحها، لينتهي الحال وهي تدفعها أسفل ملابسها ثانية ثم غلق الخزانة. سارت نحو فراشها، ولكن قدماها توقفت وهي تتذكر كلمات وليد لها وهو يُخبرها بأنها طفلة بينهم. لتشرد في حديث رؤى التي أخبرتها عن مكالمتها لحمزة وهمس ياقوت باسمها ثم انغلاق الخط، لتفسر لها رؤى الأمر بوقاحة لم تفهمها مريم إلا عندما استرسلت في الحديث.
مشاعر متضاربة كانت تخترق أذنيها، لتأخذها قدماها نحو الخزانة ثانية ثم إخراج علبة السجائر وإشعال واحدة وضمها بين شفتيها. سعلت كالمعتاد، ولكن حاربت سعالها وزفرت دخانها متمتمة: "إنتي مش طفلة يا مريم... أنا كبيرة وبقيت حرة زيهم."
أصابها الفزع وهي تسمع رنين هاتفها بالنغمة المخصصة لفرد واحد، ولم يكن إلا حمزة. دهست عقب السيجارة بحذائها المنزلي وأسرعت لدورة المياه تخفي الأمر بنجاح، ثم المعطر أخذت تنثر رائحته في الغرفة ليقضي على رائحة السجائر. بدأ الرنين للمرة الثانية لتلتقط هاتفها بأنفاس متقطعة: "أيوه يا بابا." أتاها صوت حمزة القلق: "كنتي فين يامريم ومال صوتك كأنك كنتي بتجري؟ انتي كويسة ياحببتي؟ أسرعت في الرد عليها خشية: "كنت بلعب رياضة...
هو في حاجة؟ أتبعت عبارتها الأخيرة بقلق لم يشعر به: "لا ياحبيبتي بابا... أنا جاي آخدك انتي ومها نتغدى بره... اجهزوا وهعدي عليكوا أنا وياقوت." استمعت إلى اسم ياقوت بضيق، ولكن لأول مرة يكون شعورها اللامبالاة، ففي النهاية هي التي ربحت وأصبحت أم لطفل ينتظرونه، وانتهت مكانتها: "مش عايزة أخرج، ماليش مزاج، ومها راحت عند أختها."
استمع حمزة لإجابتها ناظرًا نحو ياقوت التي أخذت تعبث بهاتفها وعلى وجهها ابتسامة واسعة، فهناء تخبرها عن الخطبة التي ستعقدها هي ومراد، الذي سينفجر منها حنقًا يومًا ما: "عشر دقايق وجاي ليكي... اجهزي لأن بنوتي الحلوة وحشتني." هتف بحنان أبوي جعل مريم تبتسم، ناسيه المستنقع الذي دخلت فيه بقدميها: "حاضر يا بابا." ونهضت ترتدي ملابسها بسعادة، فها هو حمزة والدها الذي اعتنى بها منذ صغرها يُخبرها أنها ما زالت ابنته. ***
صعدت مها بخطوات متعثرة تسندها عزيزة التي تنظر حولها بارتباك حتى لا يراها أحد من ساكني البناية، فلو لم يشك بها أهل الحي، فبالتأكيد الجيران سيسألون عن هويتها التي كذبت بها، فهي ليست جارة جديدة كما أخبرت مها التي صدقتها: "آه وصلنا للشقة... ادخلي ياحببتي الباب مفتوح." "هو مافيش صوت ليه؟ هتفت مها عبارتها وهي تخطو للداخل تهتف باسم شقيقتها بهلع: "ياماجدة! وألتفت بجسدها تهتف باسم عزيزة: "انتي ياست عزيزة روحتي فيـ...
فلم تأتها الإجابة إلا انغلاق الباب وسالم يقف يتفحص معالم جسدها بشهوة: "إزيك يامها؟ ارتجف جسدها خوفًا من سماع صوته، لتتحرك بخطواتها المتعثرة للخلف: "فين ماجدة يا سالم؟ ارتسم الخبث فوق ملامح سالم: "مستنياكي جوه في الأوضة... أختك خلاص بتطلع في الروح." عماها كان يُعجزها وهي تبحث بيدها عن غرفة شقيقتها. اندفعت لأول غرفة وجدت بابها مفتوحاً تهتف باسم ماجدة مرة أخرى: "ماجدة انتي فين... أوعي تروحي مني!
دارت حولها ولم تجد إلا الصمت، لتتسارع دقات قلبها وهي تُدرك أنها وقعت في الفخ، وصوت سالم يعلو بضحكة قوية: "أخيرًا يامها وقعتي تحت إيدي." واقترب منها يجذبها نحوه فصرخت مستنجدة بأحد يسمعها، ولكن يده الأخرى كانت الأسرع، فوضع إحدى اللصقات فوق فمها يُكممها: "مش عايز صداع ياحلوة... هي ساعة واحدة وكل حاجة هتنتهي، وحضرت الظابط يعرف كويس يلعب معايا إزاي." *** تعلقت عين جين بزوجها الذي أنهى اتصاله التو مع شقيقه:
"ماذا أخبرك سهيل؟ سيأتي متى؟ لم يشك يومًا بسؤالها المتكرر عن شقيقه. تمتم بهدوء وهو يلتقط حبه الدواء من يد الخادمة وكأس الماء: "لن يعود سهيل... قرر أن يستقر بشقته بالعاصمة." جلست سماح جانبه بعدما أنهى مكالمته مع شقيقه: "لست معك في قرارك هذا سهيل... ستبتعد عن نور الدين." طالعها سهيل بملامح لا تفسر بما يشعر به: "ذلك القصر يخنقني دومًا سماح... أشعر بالراحة هنا." وتعلقت عيناه بها:
"أشعر بالخيانة نحو شقيقي وأنا أعلم بحقيقة زواجها منه." طرقت سماح عيناها نحو أصابعها المتشابكة، فاللعبة كان هو مخططها. هو من أتى بها لهنا، وهو من دفع جين بالزواج من شقيقه عندما تزوجها. رفعت عيناها نحوه بثبات وشجاعة: "طلقني سهيل وأخبر شقيقك بالحقيقة وسينتهي كل شيء." لم تجد منه أي رد فعل إلا وقوفه وسيره. عدت خطوات ثم عاد ينظر إليها: "هذا هو الحل سهيل."
لم يعطيها ردًا إلا انحناءه نحوها وحملها فوق كتفه يسير بها نحو غرفته بتحامل على ساقه التي باتت تتعافى: "سأعاقبك سماح عن نطقك لتلك الكلمة." "اتركني سهيل... ماذا تفعل؟ ألقاها بخفة فوق الفراش وقبل أن تعتدل وتدفعه عنها كان يُحاصرها بذراعيه يعبث بخصلات شعرها الذي استطال: "كنتي لعبة جميلة ومازلتي سماح." استنكرت كلمته ودفعت يده عنها حتى تنهض: "أحبك سماح."
وعند تلك الكلمة كانت شفتاها تنفرج ذهولًا. سهيل الفظ يُخبرها أنه يُحبها. هتف عقلها سريعًا يُنبهها: "أنسيتي ماهر وما فعله بكِ؟ " ولكنها كانت كالمغيبة مستمتعة بشعور الأنثى الذي دفنته لسنوات وهي بين ذراعي ذلك الوسيم الشهير. ***
هبطت صفا من سيارته بعدما عادت من عيادة الطبيبة النفسية. اندفعت نحو حوض الأزهار الذي صنعته بالحديقة. أمست علقت عين فرات بها ليتحرك نحوها ببطء، فلم يعد يسير بعكازه وعاد للعلاج الطبيعي ثانية، وكأن وجود طفله أعاد له الحياة. ابتسم وهو يرى تفحصها للتربة ووقف مستمتعًا في مطالعتها، ولكن فجأة بهتت ملامحه وهو يرى نقطة حمراء فوق ظهرها يعرف ماهي. صرخ باسمها وهي يخطو خطواتان صوبها: "صفا! وانطلقت الرصاصة وأصابت هدفًا آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!