الفصل 4 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الرابع 4 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
37
كلمة
3,314
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

وقف أمام شقيقته الباكية مصدوماً مما أخبرته به عبر الهاتف. ترك كل شيء وأتى راكضاً، وما زال بكاء شقيقته وصوتها يتردد بأذنيه. "سوسن يا حمزة.. سوسن في المستشفى، وقعت من طولها.. ألحقنا بسرعة." "نادية، حصل إيه لسوسن؟ انطقي." وقعت عيناه على ندي المنزوية جانباً تبكي، وقد صوبت عيناها نحو القادم. ليسمع صوت شقيقه القلق. "مالها سوسن يا حمزة؟ واتبعه شريف الذي وقف يلتقط أنفاسه بصعوبة. "أمي مالها؟

الكل وقف يسأل وينتظر الإجابة، ولكن لا رد يحدث من نادية التي ما زالت مصدومة مما حدث وتشعر بانقباض قلبها وأن القادم ليس بالهين. وكان خروج الطبيب هو النجدة بالنسبة لهم، ليقترب حمزة من الطبيب. "مراتي فيها إيه؟ دارت أعين الطبيب بينهم وهو لا يعلم بما يجيبهم. "ممكن أعرف كانت بتتابع مع دكتور مين؟ وقبل أن ينطق حمزة باسم الطبيب الذي هاتفه فور أن علم بحالتها، ليتبعهم للمستشفى التي نُقلت إليها. "أنا الدكتور المسؤول."

تعجب الآخر من إشراف أستاذه على تلك الحالة، فكيف لأستاذه أن لا يعرف مدى تدهور حالة سوسن وأنها كانت لابد أن تخضع لعملية جراحية. "حد يفهمنا أمي فيها إيه؟ كان هذا سؤال شريف الذي لم يعد يحتمل وقوفه هكذا وهو لا يعلم شيئاً عن حالة والدته. "مدام سوسن قلبها تعبان أوي، كان لازم تعمل العملية من فترة قبل ما حالة القلب توصل للمرحلة دي."

لتتسع أعين شريف وحمزة، الذي سلط أنظاره على الطبيب الذي يتابع حالة زوجته منذ أن اكتشفوا ضعف قلبها. "مدام سوسن كانت رافضة الخضوع لأي عملية جراحية." قالها الطبيب المختص بأعين مثبتة على الواقفين، فتلك كانت رغبة سوسن التي لم يقتصر مرضها على القلب فقط، إنما كان السرطان هو صراعها الآخر والذي لا يعرفه إلا هو. ***

تفاجأت عمتها بقدومها اليوم. لتنظر إليها وهي تدلف بحقيبة ملابسها الصغيرة التي تحتوي على القليل من الملابس، فقد كانت ستقضي بضعة أيام لدى والدته. لم تفر في الصباح كما تمنت، فاستيقاظ أشقائها قبل رحيلها وإصرارهم على مكوثها معهم جعلها تنصاع للبقاء بضعة ساعات. وقد أعطتها والدتها حرية الانصراف دون الإلحاح عليها، والسبب كان معروف. "مدام، دي رغبتك يا حبيبتي، خلاص يا ولاد بلاش تضغطوا على أختكم...

المهم اقعدي اتغدى معانا، ده أنا هعملك الأكل اللي بتحبيه." أكل ومال اندس في حقيبتها وهي لا تشعر إلا أنها تريد أن تصرخ باكية تخبرها أنها سمعت كل شيء وأنها تختنق، ولكن ما بيدها حيلة إلا أن تتمتع بلحظات دافئة مع أشقائها ثم ترحل كالغريبة. "إنتي جيتي يا ياقوت؟ مش قولتي هتقعدي عند أمك كام يوم؟ فهربت بعينيها بعيداً من مطالع وجه عمتها تُخبرها كاذبة. "عمي سعيد جاتله أخته وأولادها، فمكناش ينفع أفضل... البيت مش ناقص زحمة."

فحركت خديجة رأسها بتفهم، وقد صدقت كذبتها، ثم سألتها. "غدوكي ولا لأ؟ أوعي يكونوا مشوكي جعانة؟ فانفرجت شفتيها بضحكة ساخرة لم تفهمها عمتها. "أكلت كل الأكل اللي بحبه." ولكن في الحقيقة، رغم صنيع والدتها لكل الطعام الذي تحبه، إلا أنها ابتلعت بعض اللقيمات بصعوبة دون شعور بأي مذاق. فالمذاق الذي كان في حلقها هو مذاق العلقم. "طب كويس... المهم تكوني اتبسطي مع أخواتك. ومدام جيتي روحي للخياطة هاتي منها العباية بتاعتي."

ولم يكن منها إلا أن تخرج كلمتها المعتادة لعمتها. "حاضر." *** فتحت عيناها بتعب وهي تشعر بملامس كفه على وجهها. "حمزة." فجاهد على رسم ابتسامته. "كده تقلقينا عليكي يا سوسن." فرطت شفتيها بلسانها وعيناها أخذت تحدق به بابتسامة متسعة. "أنا حبيتك أوي يا حمزة... حبيتك وظلمتك معايا." هتفت بعبارتها الأخيرة وقد تبادلت ابتسامتها للندم، رغم أنه لا ندم كان يوجد، فهو لا يرى نقصاً بحياته معها. "إنتي ظلمتيني يا سوسن...

إنتي من ضمن الستات اللي قلبي قفل عليهم بعيد عن عتمته بعد ما كره وجود أي ست... عمري ما حسيت معاكي بالظلم، طول عمري حاسس بالكمال وبرجولتي." فسقطت دموعها وهي تسمعه، لا يوم جرحها بكلمة ولا يوم أشعرها أنه نادم عن زواجهما، إنما كانوا يمضون سوياً بطريق كُتب عليهم أن يسيروه معاً. وألتقطت كفه تلثمه. "إنت راجل عظيم." وقبل أن تلثم كفه مرة أخرى، جثى على ركبتيه أمام فراشها وجذب كفها لينثر عليه قبلات متفرقة ممتنة.

"إنتي اللي ست عظيمة يا سوسن... ست بمعنى الكلمة." لحظة جمعت عشر سنوات مضت، عشر سنوات مضت من نجاح يخطيه هو وهي خلفه زوجة وافية مخلصة محبة. لا يوم أخبرته أن لوالدها فضلاً عليه ليصبح "حمزة الزهدي"، ولا هو أخبرها يوماً أنه تزوجها إكراماً لوالدها الرجل الذي سانده بماله وأخرجه من ظلام محنته.

وأغمضت عيناها وهي تتذكر حسد البعض لها أنها زوجة رجل مثله يمتلك كل المميزات "الشباب، المال، الوسامة، الحضور الطاغي، والذكاء"، والأهم هو احترامه وتقديره لها، ولكن هل كل هذا لم يكن له مقابل؟

لا استطاعت أن تنجب مجدداً بعد ابنتها، ثم جاء مرض قلبها، ومن ثم اكتشافها منذ شهرين لورم خبيث يسير بدمائها. والبعض لا يخبرها إلا أنها تملك الكثير وهي صامتة تسمعهم وتضحك داخلها. فأين كل هذا وهي ترى الموت قريباً منها، ولكنها تحيا حياتها وتنعم بدفء عائلتها. "تعرف يا حمزة، كانوا بيحسدوني عليكِ، وأنا كمان كنت بحسد نفسي." لم يتمالك لحظتها دموعه، فبكى وهو يمرر يده على وجهها الشاحب. "أنا اللي بحسد نفسي عليكي يا سوسن."

ابتسامة باهتة رُسمت على شفتيها. "لو مت، اتجوز يا حمزة... كفاية إني سرقت عمرك معايا ومع ولادي." ليتمالك دموعه وقد ذبذبت كلمة الموت كيانه، فوضع يده على شفتيها. "أوعي تنطقي كلمة موت... هنفرح بجواز شهاب وندى، وبعدين شريف ومريم." تابع وهو يرسم ابتسامته بصعوبة. "خفي بس واخرجي لينا بالسلامة وهنسافر لأي مكان تشاوري عليه." لينفتح باب الغرفة فتدلف الممرضة تنظر نحوهم. "كفاية كده لو سمحت." ***

خرج من غرفتها ليجد الجميع ينظر إليه، فطالعهم بصلابة واهية. "سوسن قوية وهتكون كويسة إن شاء الله." حاول طمأنتهم كعادته، ولكن نادية كانت تعلم أن شقيقها ما هو إلا يبث الأمان لهم. ندمت على تفكيرها للحظات أن تتزوج شقيقها وإخبار سوسن دون قصد أنها أنانية في حق شقيقها. وانتبه حمزة لصوت مريم، والتي أتت للتو مع السائق وركضت نحوه باكية تسأله. "ماما مالها يا بابا... قولي إنها هتكون كويسة."

ضمها حمزة بقوة إليه وهو يشعر بأبوته نحوها، يخاف من القادم، فكلام سوسن معه لا يطمئنه. "هتبقى كويسة يا حبيبتي، متقلقيش." فتعلقت عين شريف بشقيقته، لم ترمي نفسها بين أحضانه، إنما ركضت نحو من أحسن تربيتها ورعاها وكأنها ابنته. ***

مضى يومان والقرار الأخير كان أن تسافر سوسن للخارج. أغلق حمزة باب غرفة مريم بعدما غفت وترك معها الخادمة. فبصعوبة يجعلونها بالمنزل بعيداً عن المستشفى ورؤية والدتها هكذا. ليمسد وجهه بإرهاق وهو يتجه نحو غرفته، ولكن انتبه لرنين هاتفه، فأخرج هاتفه من جيب سرواله وأجاب بلهفة. "أيوه يا شريف." ليتحرك بخطوات سريعة نحو الدرج وصوت شريف الباكي. "ماما عايزة تشوفك... ارجوك بسرعة."

وبسرعة بالغة تعدت اللا معقول وصل للمستشفى، ليدخل المستشفى بخطوات متلهفة وقلب خائف. فوقعت عيناه على شقيقته التي تقف خارج غرفة سوسن تمسح دموعها. "سوسن مالها يا نادية؟ كنت معاكم من ساعتين وكانت كويسة." فخرج شريف من غرفة والدته، وأشار له بالدخول إليها. فالوقت لم يعد يسمح والطبيب بالداخل يعاين مؤشرات سوسن الحيوية. ولحظات مرت ببطئها، وكانت النهاية الحقيقية موت سوسن ووصيتها لحمزة على أولادها وزواجه من أخرى. ***

بعد مرور عام. وقف أمام قبرها يُخاطبها. "إمبارح كان عيد ميلاد مريم، وشريف اتعلق ليه نجمة تانية على بدلته وبقي ملازم أول، وندى وشهاب فرحهم بعد شهرين... محدش نساكي يا سوسن." أخرج كل ما بجعبته من حديث ليدعو لها بصوت خافت، ثم ارتدى نظارته وخرج بعدها من المقابر بملامح جامدة، ملامح أصر الزمن أن يجعله هكذا دوماً. ***

داعبت هناء ملامح الصغير الذي تحمله ياقوت، وقد كان أصغر أطفال الملجأ. لم يعد يقتصر عملها على تعليمهم الرسم فقط، بل أصبحت تعتني بالأطفال مع المشرفات وتصنع لهم بعض المشغولات الصوفية. إدارة سلوى للدار ورحمتها هي من جعلت تلك الدار تصبح كاسمها دار الرحمة. "تعبت أوي يا ياقوت... الأمل لسه عندي إنه يخطبني، بس مراد مبيتكلمش ولا حتى بيلمح...

تقى عرفت بمشاعري ناحيته وحتى ماما، وهو مافيش أكتر من إني بنت عمه وبنتقابل غير في المناسبات." وزفرت أنفاسها بألم وهي تتذكر أحمد الذي أحبها، ولكن الآن قد أصبح خطيباً لأخرى. "الحب مؤلم... اتحبيت ومحبتش، وأحب ومتحبش... الحب ده عجيب." فابتسمت لها ياقوت، فهي عانت من ذلك وفي النهاية أغلقت قلبها. "مدام الحب مؤلم، خلينا منحبش أحسن." فأومأت هناء برأسها ويداها ما زالت تداعب وجنتي الصغير.

"يختك يا ياقوت بتقولي كده عشان عمرك ما حبيتي، ياريتني كنت زيك." وضحكت ضحكتها القلب، فحالها كحال صديقتها، ولكن الفرق هناء تمنح لسانها حرية التعبير عن حال قلبها، أما هي لا تفعل شيئاً غير الصمت ورسم البسمة على شفتيها. واتسعت عين هناء وهي لا تُصدق ما تراه، فمراد يدلف من بوابة الملجأ ومعه شاب قد رآته يوم أن ذهبت مع والدتها منذ عام لتقدم واجب العزاء لأهل زوجة عمها السيدة نادية. "ياقوت.. مراد."

دغدغت ياقوت الصغير الذي تحمله وشاكستها. "يادي مراد.. اقفلي بقى الموضوع وانسى شوية." فدفعته هناء بيدها هاتفة. "مراد هنا في الملجأ." لتلتف ياقوت نحو الاتجاه الذي تُسلط عليه صديقتها عيناها، وكان بالفعل مراد الذي لم تراه إلا مرتين لا أكثر، وكلتاهما كانت نظرات عابرة، وباقي ما تعرفه عنه من حديث هناء. والحديث يتلخص "مراد أسس شركة... مراد سافر... مراد عاد...

مراد سيأتي"، وهي ليست إلا مستمعة لصديقتها تدعو لها بقلب صادق أن تتحقق أمنيتها. ووقف مراد للحظات ينظر لتلك التي تحمل طفلاً صغيراً بين يديها، ثم سريعاً ما أشاحت عيناها عنه، ارتسمت ابتسامة على شفتيه، وقد وقف شهاب متسائلاً. "وقفت ليه يا مراد؟ وعندما رأى تسلط عيناه نحو إحداهن، ضحك بخفة. "شكل الصنارة غمزت." وقد ظن شهاب أن مراد ابتسم لابنة عمه. فتنحنح مراد بتنحنة رجولية وعدل من هندام قميصه وأكمل سيره. "خلينا في مهمتنا."

قفزت هناء كالاطفال تهتف بقلب يخفق من شدة السعادة، فمجرد ضحكة خيلها لها قلبها أبدلت حالها. "مراد ضحك لي يا ياقوت." ومثلما ظنت هناء، ظنت ياقوت، فشعرت بالسعادة لأجل صديقتها. ولاحظت ياقوت حركة صديقتها المرتبكة، فضحكت وهي تعلم أنها تريد أن تذهب خلفه. "روحي ليه يا هناء، أكيد جاي لأبلة سلوى." ولم تنتظر هناء أكثر، بل أسرعت نحو من تنتظر قدومه بفارغ الصبر لبلدتهم. ***

رحبت سلوى بضيوفها بسعادة وجلست تسمعهم. فنادية أخبرتها برغبة شقيقها حمزة بفعل مستوصف خيري لأهل القرية، كما أنه سيتولى رعاية الملجأ بكل احتياجاته وسيعول الأسر التي تحتاج للمساعدة. "نادية كلمتني وقالتلي على اللي هتقدموه للقرية يا أستاذ شهاب." فقدم لها شهاب مبلغاً مالياً مدوناً على شيك قد بعثه شقيقه معه. "اتفضلي يا مدام سلوى، دي مساهمة مبدئية من شركتنا." فالتقطت منه سلوى الشيك لتنظر للمبلغ المالي المدون فيه.

"شكراً على مساهمتكم... عمل طيب ربنا يجازيكم خير عليه." وعلقت أنظارها على مراد. "هتيجوا طبعاً تتغدوا معايا... إنت عارف عمك يا مراد." فأبتسم مراد وهو يعرف طباع عمه، فلو علم بمجيئه للبلدة ورحل دون زيارته، سيقلب عليه بل وسيظل يذكره بفعلته طيلة العمر. "هو أنا أقدر على زعل عمي." ودلفت تلك اللحظة هنا مبتسمة. "مدام قولت كده يبقى هتيجي تتغدا معانا." هتف مراد بابتسامة مجاملة. "إزيك يا هناء."

وأشار نحو شهاب ليعرفها عليه، لتُحرك هناء رأسها مرحبة بشهاب. "أهلاً يا أستاذ شهاب." وسلط مراد أنظاره على باب الغرفة لعله من ينتظر رؤيتها تدلف هي الأخرى، فهو يعلم بصداقة هناء وياقوت القوية. وألقى سؤاله دون شعور. "أومال فين صاحبتك اللي كانت واقفة معاكي بره؟ " فطالعته هناء على الفور، فحديثه معها يسعدها. "ياقوت عندها حصة رسم مع الأطفال."

أما سلوى كانت تدون المبلغ المالي الذي أعطاه لها شهاب ولم تنتبه لشيء، لكن شهاب استرخى في جلسته وحدق بمراد وهنا، وعلم لمن كانت ابتسامة مراد. ***

دلف إليه بعدما وجدت مكتب سكرتيرته فارغاً، لتقف تنظر نحو الواقفة بجانب مقعده تشير على العقود التي سيوقعها. فرفعت سيلين عيناها نحو نادية وهي تشعر بالتوتر من أنظارها المسلطة عليها. ولم تكن نادية غبية من فهم نظرات سيلين نحو شقيقها الأرمل الذي أصبح محط أنظار الكثير، وسامة ومال ومكانة، ولم يعد زوجاً، فماذا سيريدون أكثر من ذلك؟

سيلين تم تعيينها منذ شهرين وهي ابنة السيد ناصف الذي يدير شركة الحراسات الخاصة بحمزة، وقد طلب منه تعيين ابنته لديه، فلم يرفض حمزة طلبه، فهي تمتلك الخبرة والمهارات المطلوبة، وقد كان أيضاً يحتاج لسكرتيرة في أسرع وقت. وها هي تثبت مكانتها كموظفة ليس أكثر. ونهض حمزة من فوق مقعده متجهاً إليها. "لو مش فاضي، امشي." فاحتضنها حمزة وقبل خديها. "لو مش فاضي، أفضل لك يا حبيبتي."

شعرت بالزهو وهي ترى تعزيز شقيقها لها أمام سكرتيرته التي جمعت الأوراق من فوق مكتبه. "محتاج حاجة تانية يا فندم؟ فأحاط حمزة كتف شقيقته وسار بها نحو أحد المقاعد. "لا، اتفضلي إنتي يا سيلين، بس ابعتي لنا الساعي." فهتفت نادية وهي تجلس على المقعد باسترخاء وتضع حقيبتها على الطاولة الزجاجية التي أمامها. "يا ريت قهوة مظبوط يا سيلين."

فأومأت سيلين برأسها، فخبرتها جعلتها تفهم إذا أرادت أن تقترب من تلك العائلة فلابد أن تظهر أمام نادية الشقيقة الكبرى بمظهر المرأة المهذبة الرقيقة. وانصرفت سيلين، ولكن نادية رمقتها بعدم ارتياح. "طمنيني عليكي يا حمزة... هتفضل كده لحد امتى؟ عدى سنة على موت سوسن وأنت زي ما أنت." فتنهد حمزة بضيق، فأمس شريف أخبره عن وصية والدته التي كان حاضراً فيها أن يتزوج، وليت تكون فتاة طيبة وتكون كالشقيقة لأولادها.

"نادية، مش معقول إيه اللي جرالكم انتي وشريف نفس الموضوع." ونهض من فوق مقعده بتأفف. "جواز مش هتجوز، والسبب إنتي عارفاه، السبب قديم أوي يا نادية... جوازي من سوسن الله يرحمها كان ليه أسبابه، لكن أفكر بجواز ورغبة في ست انتهى، زمان دمرتني ست ومش هدخل حياتي واحدة تدمر كل اللي بنيته." لتتجمد ملامح نادية وهي تتذكر الماضي وكيف هدم الحب حياة شقيقها، ونفضت أفكارها سريعاً.

"مش كل الستات زي بعضها يا حمزة، ما أنت عشت مع سوسن وكانت ونعمة الزوجة." فتعلقت أعين حمزة بها، لتنفرج شفتيه بابتسامة محبة. "سوسن ست أصيلة، حبي ليها كان زي حبي ليكي ولامي ومريم وندى، بصرف النظر عن علاقتنا الزوجية... بس إنتوا حبكم بعيد عن أي سواد في قلبي... فانسى فكرة الجواز دي."

لتنظر إليه بنظرات جامدة، والحل ليس إلا الانتظار قليلاً، ولكن لن تنسى فكرة تزويجه وهي من ستختار العروس، مدام شقيقها ما زال في ظلامه الذي مر عليه السنين، وقد ظنت أنه نسيه، وهل ينسى المرء الصفعة التي بعدها يولد من جديد. *** وقعت عيناها على والدتها التي تجلس مع عمتها وترتشف من كأس الشاي خاصتها، لتهتف خديجة بحماس. "تعالي يا عروسة." فتجمدت حواس ياقوت وهي تسمع للقب التي تناديها به عمتها، والأمر كان لا يحتاج لتفسير.

"تعالي يا ياقوت يا حبيبتي." فتقدمت ياقوت منهم بقلب يخفق بخوف. فجذبتها صباح لاحضانها. "ربنا يجعل العريس ده من نصيبك يا حبيبتي، ده زينة شباب القرية." وانتظرت أن تعرف هوية العريس، وعلى أمل أن يفرح قلبها، ولكن... "عبدالله ابن أخو عمك سعيد أتقدم ليكي." ليسقط اسم عبدالله على مسمعها وهي لا تصدق أن والدتها تتمنى لها ذلك الزوج، عبدالله الذي لديه زوجة أخرى، والدتها تتمناه زوجاً لها.

وطالعت عمتها ومن ثم والدتها. لتنفض نفسها من ذراعي والدتها واتجهت لعمتها تلتف كفها ثم انحنت تلثمه برجاء. "أبوس إيدك يا عمتي، قولي لأ."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...