تكورت على حالها واتخذت وضع الجنين كما اعتادت منذ الصغر. تشعر أنها هكذا تحمي نفسها من قسوة الحياة. دموعها تنساب دون توقف، وشفتيها ترتعش كحال جسدها. تقف عمتها على أعتاب غرفتها بعدما انصرفت والدتها وألقت على مسمعها ما ألقت. "حالك غريب يابنت صباح.. مش عايزه تفرحي يابت زي باقية البنات؟ فأزداد انكماش تلك الراقده فوق فراشها، متمتمة بضعف: "هو انا امتى فرحت زي البنات ياعمتي؟
وعندما بدأت ترثي حالها من الهم، شعرت بالبغض من نفسها. فهل أحداً يعيش في الحياة خالي من الهموم؟ فلم تكتب على الدنيا الراحة، إنما هي رحلة تسير بنا بأحمالها أما المثقلة أو الهينة. واعتدلت في رقدتها تمسح دموعها. "ساعديني ياعمتي.. متخلهومش يرموني الرميه ديه...
وعاد رد والدتها يتردد في أذنيها عندما سألتها عن موافقة والدها. وكان الجواب عكس ما تمنت. فالأب لم يعترض، والحقيقة كانت أن سناء هي من جعلته يُرحب بالأمر رغم بغضه لزوج طليقته. "ما انا لو وقفت جانبك يا ياقوت هيفتكروا اني عايزاكي تفضلي جانبي عشان تخدميني." وجلست خديجة جانبها تزفر أنفاسها حانقة. "وهو ده اللي اتقالي من امك قبل ما تيجي انتي." لتلتقط ياقوت كفها بيديها المترجفة ومالت على كفها تلثمه وتهتف بصوت شجن:
"انا راضيه اكون ليكي خدامه واخدمك طول العمر.. بس متجوزش عبدالله." فتعلقت أعين خديجة بأبنته شقيقها لتنظر لملامحها ببطء. ثم نهضت من جانبها بعد أن لطمت فخذيها بخفة. "وانا هساعدك يابنت اخويا... اسمعي عمتك براحه وركزي... *** ضمت نادية مريم الباكية إليها وعيناها قد دمعت. "ياحبيبتي بكره هاجي معاكي المدرسة وهكلم المديره.. والبنت ديه لازم تتحاسب او تترفد على سوء سلوكها." وابتعدت عنها نادية تمسح دموعها برفق. "ازاي تقولك كده...
متعرفش انتي بنت مين." فتعلقت أعين مريم بها وقلبها مازال يؤلمها من تفوه إحدى الفتيات بأنها أصبحت بلا أم، وأن حمزة ليس والدها وإنما زوج والدتها، وفي يوم ما سيصبح له أطفال من أخرى يكون هو أباهم ويتركها. "طنط ناديه هو بابا حمزة ممكن في يوم يتجوز ويسبني؟ قالتها الصغيرة مريم التي أتمت منذ أيام عامها السادس عشر. ومهما كبرت ونضج عقلها فحمزة ليس إلا أباها. الرجل الوسيم الذي يظنه البعض خالها أو عمها وليس أب كما تناديه.
فدارت عين نادية على ملامحها وابتسمت وهي تتجاوز ذلك السؤال. "بابا حمزة هيفضل بابا يامريم... وانا عمتو وشهاب عمك احنا كلنا عيلتك." فدلف في تلك اللحظة ندي التي كانت تحمل كأس من العصير الطازج من أجل ابنة شقيقتها الراحلة. ولكن انتظرت بالخارج تتمالك دموعها بعد أن سمعت ما قصته مريم على نادية. "وانا روحت فين.. نسيتوني من شجرة العيله." فضحكت نادية بخفة على مزاح ندي وألتقطت منها كأس العصير ثم أعطته لمريم.
"حببتي يلا اشربي العصير... ومتفكريش في حاجه واوعى تحكي حاجه من اللي حصلت لحمزة." ثم تابعت وهي تطالع الصغيرة التي بدأت ترتشف من كأس العصير. "عشان منضيقهوش يامريم." فهزت مريم رأسها بتفهم. أما ندي فقد جلست في الجهة الأخرى للفراش تمسح على شعر مريم بحب. ***
وقفت أمام محل الفاكهة الخاص بوالدها تفرك يداها بتوتر. تخشى من عدم تأثيرها عليه بمشاعر العطف والضغط عليه بنقطة الأبوة كما أخبرها عمتها. وستكمل هي الأخرى عليه في الهاتف من حديث يثير رجولته. فكيف يقبل بأن يربط عائلة زوج طليقته بعائلتهم. ألتف زيدان بجسده بعدما رتب بعض الفاكهة في أماكنها. لتقع عيناه على ياقوت التي وقفت تطالعه بتخبط وتشبك يداها ببعضهم. فأبتسم وكأنه يدعوها لقدومها نحوه.
فهتدمت منه ببطء وقد جذب لها مقعداً خشبياً ونفضه وهتف. "خطوه عزيزه يا بنتي." ضميره يصحو كلما أدرك أن زواجه الأول راح ضحيته أول فرحته. ولكن وقت الندم قد انتهى وقد رأي حياته كما رأتها طليقته من بعده وعاشوا في دوامة الحياة. "عمتك عامله ايه." ثم سألها وهو يجذب إليه مقعد يجلس عليه. "انتي كنتي جايه في مشوار هنا." لتنظر إليه ياقوت وقد توقف الحديث على طرفي شفتيها. "انا جايلك عشان تساعدني يا بابا."
وضغطت على كلمتها الأخيرة بقوة لتجعله يشعر بالكلمة التي منحها بالأفعال لأولاده من زوجته الأخرى وليس مثلها منحها الاسم فقط. *** دلف فؤاد لمكتب مراد فنصدم من تعلق جاكي بعنقه. فاتسعت عيناه بضيق. كان متأكد أن تلك الفتاة لن تترك ولده هكذا. يعلم باتصالاتها له ولكن مراد دوما يخبره أن علاقتهما كمحبين انتهت. أما الآن لا يجمعهما سوى صداقة. وأبعدها مراد عنه بعدما سمع نحنة والده الغاضبة من الأمر. "جاكي جايه زيارة لمصر...
وهتفضل فترة هنا." فألتفت جاكي نحو فؤاد بابتسامة واسعة وتقدمت منه كي تعانقه وتقبله. إلا أنه أوقفها بيده قبل أن تقترب منه. "أهلاً يا جاكي... مراد عايزك في مكتبي." وانصرف فؤاد دون كلمة أخرى. لتحدق جاكي بالباب الذي غادر منه ثم عادت تنظر لمراد بملامح باهته. "والدك لم يحبني يوماً ولن يحبني." وأرخت كتفيها ومطت شفتيها بعبوس ثم ألقت بنظرة عابرة على ملابسها. "تنورتي طويلة مراد وايضا الجاكت الذي أرتديه انه بأكمام طويلة."
فأبتسم على برائتها ثم ألتقط هاتفه من فوق سطح مكتبه وامسك كفها. "سأجعلكي تستمتعي بسياحتك بمصر." فوقفت متشبثة بأقدامها تضحك بعذوبة. "ووالدك مراد... انه يريدك." ليجذبها مغادراً بها أمام سكرتيرته وهتف بها عقب ما تسألت به هي. "بلغي فؤاد بيه اني خرجت." *** نهض زيدان من فوق مقعده الخشبي يهتف متسائلاً. "وراقضة العريس ليه يا ياقوت... اوعي تكوني عارفة حد تاني ضاحك عليكي... أمك قالتلي ان في نظرات إعجاب بينكم لما بتروحي عندها."
فاتسعت عين ياقوت بصدمة. فوالدها يشك بها ولم يكن شكه إلا سم دسّته زوجته. ولكن ما أوجعها حقاً تأليف والدتها لحديث لم يكن ولن يكون. وكل ذلك من أجل إرضاء زوجها. "سيبوني اختار حاجة في حياتي ارجوك يا بابا. ان لا يوم حملت همي ولا بتكلم... ليه ديما ماليش حق في اي حاجة." وأنسابت دموعها وقد أخبرتها عمتها أن والدها سيرق لها عندما تشعره بذنب أنه لديه منزل آخر ويتركها تعيش معها. "انا من دمكم ولحمكم ليه بتعملوا فيا كده."
ثم ضغطت على العبارات التي أحفظتها لها عمتها. "عمتي جابتني ليك.. قالتلي روحي لابوكي وقوليله انك مش عايزاه... ما الاب سند ولا أنا هكون يتيمة وأبويا عايش على وش الدنيا وجوز أمي هيتحكم في حياتي." وعند تلك العبارة تبادلت ملامح زيدان وقد أثارته كلماتها. "أبوكي عايش على وش الدنيا.. مين ده اللي يتحكم في حياتك... سعيد مين ده اللي ياخدك لابن أخوه." وكان هذا ما تمنت حدوثه لترمي نفسها بين ذراعيه بعدما فاق ضميره كأب. ***
وقفت في شرفتها تتأمل الظلام بعد أن هرب النوم من جفونها. لتبتسم بحب وهي تجد شهاب جالس بالأسفل يدخن بشرود. فأغلقت الشرفة سريعاً وأحكمت ارتداء حجابها. حبه في قلبها كل يوم يكبر. وخاصة تلك السنة التي أثبت فيها لها أنه بالفعل رجلاً حقيقياً. ولكن دوما تشعر أن حبه لها ما هو واجب أو دور متقن يؤديه. وما هي إلا عاشقة محبة لأقصى درجة. وهتفت باسمه بعدما أصبحت أمامه. "سرحان في ايه." فرفع عيناه التي كانت مسلطة نحو قدميه.
"صاحيه ليه لحد دلوقتي يا ندى." فأقتربت منه ببطء وجلست جانبه تمسك كفه. "مجاليش نوم وبالصدفة لمحتك قاعد في الجنينة." لتتعلق أعين شهاب بها ثم انتبه لدخان سيجارته. فألقى السيجارة أرضاً ودهسها تحت قدمه. فاليوم رأي الفتاة التي أحبها يوماً تلتبط ذراع زوجها. والزوج لم يكن إلا الحبيب الذي اختارته عنه رغم أنه يفوقه مالاً. ولكن ليس كل شيء مقياسه المال. وفي لحظة كانت ندي تلثم خده بحب. "بحبك أوي يا شهاب." ***
نظر إلى الأخبار المدونة عنه في أحد المواقع الإلكترونية. فوقوفه بابتسامة مجاملة مع ابن شريكه الجديد جعلهم يتساءلون هل سيسمعوا قريباً خبر خطبة أم زواج لرجل الأعمال حمزة الزهدي الذي أصبح أرمل الآن ودون زوجه. وابتسامة متهمة رسمت على شفتيه اتبعها إلقاء الجهاز اللوحي على سطح مكتبه. لتدلف بعدها سيلين تحمل له ظرف اعتادت منذ عملها هنا تجلبه إليه كل شهر ولا أحد يعلم بهوية المرسل. "ظرف كل شهر يافندم."
وتقدمت من مكتبه تعطيه له. ليلتقطه منها بجمود وقد عجز عن معرفة صاحبة الرسالة التي تبثه مشاعرها فيها. كان فضول سيلين يأخذها لتعرف ما تحتويه تلك الرسالة. ولكن إشارة من حمزة جعلتها تتنحنح بحرج وانصرفت بصمت. لتفتح حمزة الرسالة وفضوله يقتله أن يعرف ما تخبره به صاحبتها. الكلمات تلك المرة لم تكن كما اعتاد إنما كان وعد باللقاء. "لقائنا قرب... ساعتها هتعرف أنا مين... أحبك وسأظل أحبك." ***
تنهدت براحة قوية بعدما قصت على السيدة سلوى ما حدث في أمر ذلك العريس والذي رفضه والدها. ولم يخذلها حتى أنه أخبر والدتها صراحة أن لا دخل لزوجها سعيد بشؤون ابنته. "طب وبعدين يا ياقوت المرادي العريس جا من طرف والدتك وقدرتي تتخلصي منه... افرض المرة الجاية جا عن طريق أبوكي ومراته والموافقة من العريس كانت موجودة."
لتتجمد ملامح ياقوت. فلا شك أن يحدث ذلك. فمدام زوجة أبيها فازت بخطبة ابنتها والتي اقترب زواجها قبلها ستتفرغ لها وستزوجها. واختيار زوجة أبيها لن يكون إلا لتكسر أنفها. "قوليلي حل يا ابلة سلوى هعمل ايه... حتى عمتي قالتلي لو العريس ده لقينا حجة نرفضه لو حد جا تاني وعجبتيه وكلم أبوكي ايه الحجة." وطأطأت رأسها أرضاً بألم. "انا ممتلكش الحق اني ارفض عريس." ثم تابعت بنبرة منكسرة. "بس لو اترفضت عادي انا المعيوبة."
لتضمها سلوى بقوة إليها. "ياحبيبتي انتي زينة البنات." وابتعدت عنها سلوى قليلاً ثم اخذت تطالعها. "انتي لازم تشتغلي يا ياقوت... واقناع الحج زيدان سبيه عليا." قالتها السيدة سلوى وهي تضم كفيها بحنو وبملامح جادة ونظرت لعيناها. "طيب هشتغل فين.. انتي عارفه يا ابلة سلوى مفيش شغل في القرية مناسب.. ولو بعدت عن البلد هلاقي شغل فين وهعيش فين." وتابعت بنبرة منكسرة. "نفسي يبقى ليا مكان محسش فيه اني عبء على حد."
لتلقمها سلوى بصمت ولم يأتي أمامها إلا نادية فستجد الحل معها. *** تحرك فؤاد في غرفته بغضب بعدما تعلقت عيناه على الوقت في ساعة يده. فالساعة تخطت الثانية صباحا ومراد لم يأتي بعد. لتستيقظ نادية بعدما استمعت لارتطام شيء أرضاً. فعدل فؤاد المزهرية التي سقطت دون قصد منه من فوق الطاولة. "انت صاحي لسا يافؤاد... هي الساعة كام دلوقتي." فأطلق فؤاد أنفاسه مستاءً من عناد مراد معه. "الاستاذ لسا مرجعش البيت."
فصدحت ضحكات نادية بعدما اعتدلت في رقدتها فوق الفراش. "مراد بقى راجل يافؤاد.. ده اللي قده اتجوز معاهم عيال وانت صاحي مستني تعاقبه على تأخيره." لتحتد نظرات فؤاد ورمقه بضيق. "محدش مدلعه غيرك وشايفه كل تصرفاته صح... وأولهم سكوتك على البنت اللي اسمها جاكي." فهبطت من فوق الفراش وابتسمت وهي تقترب منه ثم مازحته بلطف. "قول كده.. انت مضايق من وجود جاكي في مصر.. البنت ايام وهتمشي مش هتعيش هنا."
ومدت كفيها تمسح على وجهه برفق كما اعتادت. "لو لسا عايز يرتبط بيها وافق يا فؤاد." لتتعلق عين فؤاد بها وبحديثها. فأرتسمت ابتسامة جادة على شفتيه والاجابة كانت صادمة. "مراد هيتجوز هناء بنت اخويا يا نادية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!