الفصل 47 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
29
كلمة
4,949
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

كانت عيناه تترصد تحركاتها مع زوجها، كلما مال نحوها، يُخبرها بشيء أو يضمها نحوه بتملك. نيران كانت تلتهم روحه. يوم أن أحب، وقع صريع الهوى لامرأة ملكاً لآخر. آخر امتلك أحلامه التي جمعته بها.

زفر أنفاسه الممزوجة بدخان سيجارته، شارداً في الحقيقة التي عرفها حين عاد أمس من رحلة سفره. هناء زوجة لشريكهم، وقد خدعته. وليته كرهها، بل إنه يقف الآن متحسراً، ناسياً تلك التي تقف بجواره تُطالع صغيرهما الذي يلهو ويركض مع أصدقائه احتفالاً بيوم مولده. "خالد." تفتت اسمه برقة، فأنتبه على صوتها، ليرمقها وهو يفك عقده رابطه عنقه التي باتت تخنقه. "في حاجة يا جنات؟ "مش كفاية كده ونطفي الشمع؟

ومهمة أخرى يقوم بها بخطوات مدروسة مع عائلته الصغيرة، حتى يُكمل دوره في حياة، ظن يوماً أنها لن تفرق معه. قديماً سار بمبدأ وضعه في طريقه دوماً: أن الزواج مجرد صفقة لا أكثر، لا تطلب حباً ولا قبولاً، إنما المصلحة بها هي الأهم. وها هو اليوم، قلبه يحترق من ألم لم يظن سيحرقه، وما أصعبه. انطفأ الضوء وعيناه ما زالت تترصد خطواتها، يلتقط كل حركة يفعلها مراد، يداه التي أخذت موضعها فوق جسدها بحميمية يعلمها كرجل.

صياح صغيره باسمه جعله يضمه ويشاركه تلك اللحظة. اشتعل الضوء مجدداً، وبدأ الجميع يتناولون الحلوى. انتهزت نغم فرصة انصراف هناء مع تقى للمرحاض، واقتربت منه تعطيه طبقاً من الحلوى أعدته له خصيصاً. "اتفضل يامراد." أعطته طبق الحلوى وهي تُسبل أهدابها بطريقة تُجيدها. "ميرسي إنك قبلت دعوتي يامراد." ابتسم بساحريته التي تجذب النساء، مما جعل قلب نغم يتقافز راغبة به بشدة، حتى لو ليلة واحدة تجمعهما.

"إحنا بقينا كعيلة يانغم، وأنا بحب سيف كأنه ابني حقيقي، طفل لذيذ وهادي." وقفت هناء تعبث بهاتفها بكلل وهي تنتظر خروج تقى من المرحاض. انتفضت مفزوعة وهي تسمع صوته. "كذبتي ليه ياهناء؟ وأردف ساخراً، قاصداً كل كلمة يتفوه بها. "يعني معقولة تكوني زوجة مراد الفيومي ومش عارف يشغلك في مكان يليق بيكي؟ ولا جوزك شكله مكنش على علم؟ رجفت شفتيها وهي تلتف نحوه ببطء، تُريد الاعتذار منه عن تلك الكذبة السخيفة التي لا تعرف إلى أين ستقودها.

"أنا مكنش قصدي أكدب... وقبل أن توضح له الأمر، وأن سبب عدم علم مراد أنه لم يكن سيقبل بمثل هذا، وبحثها عن عمل بمفردها حتى تتحرر من اعتمادها الدائم على اسم عائلتها، وخاصة اسم عمها. "بس كذبتي واستغفلتي إدارة الفندق." "أنا آسفة لو ده يرضيك حضرتك يا مستر خالد." صدمها عندما استدار بجسده دون أن يعبأ باعتذارها. "مستنيكي بكرة في الفندق عشان فترة عقدك لسا مخلصتش يامدام." وألتف نحوها ثانية ببرود يليق به.

"شئون العاملين معرفتش توصلك بعد ما غيرتي رقمك، ونسيوا ينبهوكي بالشرط الجزائي اللي مضيتي عليه." وانصرف ليتركها بأعين مفتوحة على وسعهما، تتذكر ذلك المبلغ الذي استهزأت به حين وقعت عليه. "عشرون ألف جنيهاً". نعم، زوجها يملكه ويملك أكثر، أما هي فليست تملك شيئاً. ***

طرقات خفيفة طرقها على باب غرفتها، ثم دلف بعدها يحمل صينية الطعام بعد أن عادت الخادمة للمرة الثالثة تحمل الطعام الذي لم تمسه. لا طعام تأكله، والنوم تفترش لها فرشاة جانب الفراش كي تغفو عليها. مُتذكراً اليوم الذي أتت فيه إليه منذ يومين تحمل حقيبة ملابسها الصغيرة، تطرق عيناها أرضاً، تُصارع داخلها ما يُخبرها به عقلها وقلبها. القلب كان كعادته ضعيفاً، لاجئاً، أما عقلها فكان يأبى المجيء لذلك الذي ظلمها وانتقم منها دون ذنب تفعله له، واستغل حاجتها وذلها، وأخيراً اغتصبها وصك ملكيته بطفل ينمو بين أحشائها. زادها ضعفاً وانهزاماً.

اقترب منها بالطعام وعيناه تجول فوق صفحات وجهها وتتركز نحو شفتيها وهي تتلو كلام الله، وعيناها تفيض بالدمع. "وتفتكري رفضك للأكل ده في مصلحتك؟ ثم رمق مكان جلوسها فوق الأرضية الصلبة. "أنتي بتعاقبي نفسك؟ هتف بعبارته بغلظة اعتاد عليها، فأصبحت حنجرته لا تفرق بين إذا كان ليناً أم غاضباً. "صدقت بهمس، وأغلقت مصحفها لترفع عيناها نحوه." "وفر فلوسك يافرات بيه.. وفر حسنتك عليا."

ضاقت عيناه وهو يسمع عبارتها. لتتناول كيساً تضعه جانباً، فتأكل ما به من طعام تشتريه صباحاً حين يُغادر المنزل متجهاً إلى عملها. أخذت تلوك قطعة الخبز الممزوجة بالجبن تحت نظراته بمرارة. لا أهل ولا مكان لها. السجن كان أحن عليها من تلك البرودة التي تعيشها. ألتقطت عيناها صينية الطعام التي وضعها دون اهتمام. "الأكل قدامك أهو.. ربع ساعة أرجع ألاقيقي أكلتي."

ونظر للوقت في ساعته وغادر. ولم يكن كاذباً عندما أخبرها أنه سيعود لها ثانية. عاد بعد أن بدل ملابس عمله بملابس أكثر راحة. وتلك المرة كان مستعداً لما سيفعله معها. لتنتفض فزعاً عندما ألتقط صينية الطعام من الأرض، ثم ألتقطها هي الأخرى وحاصرها بين ذراعيه كطفل صغير. "ابعد ايدك عني.. ابعد ايدك متلمسنيش." لقمة حشرت داخل فمها، فأتبعها بأخرى. "مدام مبتجيش بالذوق في إجبار."

الصمت ساد المكان وهي تبتلع الطعام بصعوبة، وعيناها تفيض بالقهر. "الإجبار والظلم اللي انت متعود عليهم يافرات بيه." *** انهارت قواه وهو يقرأ ما ألتقطته يداه. رحلت بعدما نفذت قواها، بعدما أعطت وأعطت ولم يعد هناك مجال للعطاء أكثر. سقطت عيناه نحو ما سطرته، لتتجمد نظراته نحو آخر ما كتبته. "متدورش عليا." ولم يشعر إلا وهو يصرخ باسمها بقلب ممزق، يقبض على الورقة التي بين يديه. "يااااقوت."

فتح عينيه على وسعهما وهو يرى حاله مسطحاً فوق فراشه، وهي غافية جانبه. اقترب منها يتأكد أنها معه ولم ترحل. زافراً أنفاسه بقوة، رافعاً كفيه يمسح بهما على وجهه المرهق. جالت عيناه فوق كل إنش بها، واقترب أكثر حتى تلامست أجسادهم. لم يعد يعرف ما أصابها منذ أن عادت من زيارة عائلتها وهي بعيدة عنه، تضع بينهم الحواجز. فتوراً أصاب علاقتهما، وضاع النعيم الذي كان ينهال منه وهي بين ذراعيه.

تلملمت في غفوتها إلى أن أصبح وجهها مقابلاً له. ابتسم وهو يتأملها كيف تغفو، وكأنها لأول مرة تغفو جانبه وتحت نظراته. مد كفه يُلامس وجنتها، لينحدر كفه نحو عنقها، مائلاً نحوها بجسده يُريد ضمها إليه. ولكن سريعاً ما انتفضت من غفوتها تنظر إليه بأعين قد انطفأ بريقها. "انت مقرب مني كده ليه؟ تصلب جسده من عبارتها، صدها له أصبح أمراً جديداً عليه. قطب حاجبيه. "لأ، انتي من ساعة ما رجعتي من البلد وانتي متغيره. في إيه مالك؟

مش معقول كل ما أقرب منك يبقى ده منظرك." "قولتلَك مفيش حاجة.. بس مش عايزة أفهم بقى، مش عايزة." احتدمت نظراته، ولم يشعر إلا وهو يجذبها نحوه بضراوة. "طب أنا عايز يا ياقوت." دقائق مرت وهو ينال منها كما يرغب. رغبته بها أعمته لدرجة لم يشعر بملوحة دموعها، ودفعها لهدفعاتها المستميتة فوق صدره الصلب، جعلته يبتعد عنها مذهولاً من رفضها الصريح، وكأنها لا تتحمل لمساته.

نهضت من فوق الفراش راكضة نحو المرحاض، ليسمع صوت تقيئها وعيناه جامدة. لهذه الدرجة أصبحت لا تطيقه. غضب امتلكه وهو ينهض من فوق الفراش يتبعها، ولكن عندما وجدها جالسة على أرضية المرحاض تخرج ما في جوفها بتألم، اقترب منها متألماً على حالها، واثقاً أن هناك شيئاً. رفعها بحنو من فوق الأرضية بعدما أفرغت ما في جوفها، متمتماً بنبرة حانية. "لدرجادي مش طيقاني ياياقوت؟

تعلقت عيناها به وهو يفتح صنبور المياه لينثر بعض قطرات الماء على وجهها ويمسح شفتيها. "فيكي إيه؟ قوليلي." صرخت بقهر لم تعد تتحمله، وحررت جسدها من أسر ذراعيه. "فيا حاجات كتير وانت السبب." *** لم تصدق أنه من أعد طعام الإفطار لهما، وتحمل صعوبة الوقوف على ساق واحدة مستنداً على عكاز. نظر إلى عينيها الجاحظة، فضحك مما جعلها تتعجب أكثر، متمتمة. "أشعر أن الإصابة أتت في رأسك وليس ساقك."

تأفف من عبارتها، فسحب مقعده ليجلس عليه، وأشرع في تناول الطعام، يفرد ساقه ويضع عكازه جانباً. "عندما تصمتين سماح، يكون صمتك أفضل من الحديث." لوت شفتيها مستنكرة حديثه، وجلست تلوك طعامها ببطء. صحيح أنه تغير كثيراً في معاملته معها منذ أن أصبحوا في مكان واحد سوياً، ووجهه بوجهها ليلاً ونهاراً، إلا أنه سيظل سهيل نواف، لاعب الكرة الفظ.

قطرات من المربى انسابت فوق شفتيها، وفي لحظة لا تعرف كيف حدثت ومتى، كان يتذوق تلك القطرات بمتعة. وعيناها مفتوحة على وسعهما. وبعدها عاد لمكان جلوسه. "أكملي طعامك سماح." "وقبل أن تتفوهي بكلمة، اصمتي عزيزتي.. أنتِ الصمت معكِ رائع، ويُشعرني أنني زوج لامرأة وديعة." ***

دق بقلمه على سطح مكتبه، وتفكيره بها سيجعله يجن. يبحث عن سبب لذلك الجفاء الذي أصبح بينهما، ولا إجابة يجدها منها، إلا نظرة تحمل احتقاراً يقتله، والجملة التي أخبرته بها اليوم تجعله يدور حول نفسه ولا يعرف ماذا فعل. ضحكة ساخرة صدحت بداخله. هل يسأل ماذا فعل؟ هو يعلم أنه فعل الكثير، ولكن من رؤية عقله أن الاحترام والتقدير وإعطاء المال، هم يكفوا ويعوضوا أي شيء. فماذا سيطلب المرء أكثر من حياة كريمة يحياها؟

وهو قدم لها الحياة الكريمة، حتى قلبه قدمه لها، ولكن سيظل ذلك في الخفاء. فالحب أصبح لا يعرف معناه إلا أن يُقدر ويُحترم. وما حياه المحبين وما يفعله شهاب مع ندى وشريف ومها، ليسوا له، إنما هو رجل ناضج يبحث عن الراحة. وعند تلك الكلمة، نهض من فوق مقعده، ملتقطاً سترته، ملقياً بعض العبارات على سكرتيره. "ألغِ كل المواعيد اللي عندي." ***

أنهت فحصها لدى الطبيبة، وخرجت من العيادة هائمة فيما أخبرتها به الطبيبة. هي حامل بتوأمين، وقد أصبح برقبتها طفلين. وهي كانت طفلة واحدة. جنت خلفهم تجربة أب وأم لم يفكروا بها للحظة. شردت في ذلك اليوم الذي أخبرتها به سلوى عن كل ما يعتلي صدرها خوفاً عليها من مصير لا تتمناه لها. عزمت أن تجلس ببيت والدها مُعززة مُكرمة لترى تقديره لها في حياته. ولكن حين دلفت منزل والدها، وجدت إحدى شقيقات زوجة أبيها وأطفالها لديها. ألقت التحية عليهم، واتجهت نحو المطبخ حتى تروي عطشها ببعض الماء. لتدلف سناء خلفها تُخبرها: "انتي مش عملتي الواجب يابنت جوزي.. خففي شوية واتصلي بجوزك يجي ياخدك، ولا هو ماصدق تمشي."

لا تعرف متى استقلت سيارة الأجرة ولا وصولها للمنزل، فالشرود بكل مقتطفات ما عاشته يجعلها تكره حمزة أكثر وأكثر. ألقت حقيبتها فوق الفراش كما ألقت تقارير فحصها. لتتجه نحو المرحاض حتى تغمر جسدها بالمياه. دلف للشقة يبحث عنها بعينيه، منادياً باسمها. "ياقوت.. ياقوت." تعلقت عيناه بحقيبتها والتقرير الطبي الذي بجانبها، فألتقطه سريعاً يشعر بالقلق عليها.

لتخرج من المرحاض وهي تلف المنشفة حول جسدها، تنظر إليه وهو يقف ممسكاً بالفحص، ينظر إليها متسائلاً. "كنتي عارفه انك حامل؟ ماءت برأسها وعيناها ما زالت متعلقة بعينيه، فأقترب منها. "مقولتيش ليه، وانتي عارفه اني منتظر ده بفارغ الصبر." "عشان متستحقش الفرحة دي." وأتبعت عبارتها بصدمة أكبر له. "إنجازك من الجوازة اتحقق ياحمزة بيه."

صمت مُطبق ساد المكان، وصوت أنفاسها وحدها من تتعالى. تتذكر قسوة كلمات سلوى التي لم تقلّها إلا خوفاً عليها بأن تعيش عمرها بينهم كلقمة سائغة. ألتقطت أنفاسها بصعوبة بعد ذلك المجهود الجبار عليها في إخراج ما يكتمه قلبها. فليتها كانت تستمع لهناء صديقتها حين كانت تُخبرها بأن تصرخ بوجههم جميعاً حتى يعلموا كم ثقل عليها حمل الوجع. "سكتي ليه ياياقوت.. قولي كل اللي جواكي." قالها بجمود يليق به، وتقدم منها بخطوات هادئة. "اتكلمي."

تعلقت عيناها به، ثم بكفيه الموضوعان فوق كتفيها، وانتفضت من أسره، دافعة إياه بعيداً عنها. "اتجوزتني ليه.. دخلتني ليه حياتك الكئيبة وظلمتني؟ "أنا ظلمتك ياياقوت؟ تنفست بعمق وهي تشعر بأن كل شيء بات يخنقها. "أيوه ظلمتني واستغليت حياتي وحاجتي للحنان... ياريتني مشتغلتش عندك ولا شوفتك.. ياريتني مقابلة راجل أسير الماضي بيتجوز عشان أهدافه." "اسكتي كفاية." "مش هسكت تاني...

سكت زمان كتير ومحدش رحمني. دوستوا عليا انت وبنتك واختك... عديت وقولت لنفسي استحملي وعيشي يمكن في يوم يحس بيكي." انسابت دموعها بغزارة، وكلمات سلوى تقتحم عقلها فتدمي قلبها. "صفا كانت عشق لحمزة يا ياقوت.. ومفتكرش انه حب ست غيرها." "صفا طلعت حبيبتك مش القريبة اللي انت بتساعدها شفقة... ونادية الأخت العظيمة كانت بتكدب عليا عشان تداري عن حب أخوها العظيم."

كان ينظر إليها مصدوماً مما تتحدث به. فلم تكن التي أمامه ياقوت زوجته الهادئة، كانت أخرى تُحادثه بضراوة. ولكن الحقيقة أنه كان قهراً كُتم لسنوات طويلة، ظنت فيها أن الطيبة والضعف ليس لهما ثمن. سقطت كلماتها فوق قلبه كسوط، ووقف في صراع بين كبريائه وقلبه، وكاد أن ينتصر القلب. "ياريتني ما حملت منك... ياريتني فضلت آخد الحبوب ومصدقتكش." وعند تلك الكلمة، تصلب جسده وبهتت ملامحه، وتقدم منها بوجه مُحقن.

"مش هحاسبك على كلامك ده دلوقتي.. بس اعرفي انك غلطتي جامد أوي." وانصرف تاركاً لها المكان، صافعاً الباب خلفه بقوة. ارتجف جسدها أثر صفعة الباب، وسقطت جاثية فوق ركبتيها. "حتى مهنش عليه ياخدني في حضنه.. انتي ولا حاجة في حياته ياياقوت." ***

أوقف سيارته في المكان الذي اعتاد عليه دوماً حتى يتحرر من أوجاعه. صوتها الباكي ما زال يصدح بأذنيه دون هوادة. خرج من سيارته شارداً بالظلام وفي حياته التي تشبهه. زم شفتيه بعبوس، يقبض على يده بقوة، ولم يشعر إلا وهو يضرب على موضع قلبه. "ياقوت مكنتش تنفعك ياحمزة.. دخلتها دايرة ظلامك.. قلبك لسا عايش في الماضي، منساهوش."

تذكر رغبته في ضمها، ولكن لعنة الماضي اقتحمت قلبه فجعلته لا يرى ذلك إلا تحطيماً لكبريائه. وإذا وضع الحب أمام الكبرياء، لابد أن ينتصر الكبرياء. وهو مقسم بين قلبين، قلب يعيش في ظلام الماضي لديه درس دفين سُطر بقلبه، وقلب آخر يُريد أن يحيا ويُحب. رن هاتفه، أخرجه من شروده، وقد كانت نادية شقيقته. نظر للهاتف على أمل أن تكون هي، ولكن لم يجد إلا اسم شقيقته، ولأول مرة يغلق هاتفه دون أن يُجيب عليها. ***

رفعت ذراعيها لأعلى حتى تُساعده أن يُلبسها كنزتها. أزاح لها خصلاتها جانباً، ثم انحنى ليُكمل لها ارتداء ما تبقى. كانت تبتسم كلما فعل ذلك، وتترك ليدها حرية العبث بخصلات شعره. نهض من رقدته ليترك ليداه تسوية ثيابها، وما زالت ابتسامتها مرسومة فوق شفتيها. "ممكن أعرف سر الابتسامة دي؟ همست برقتها المعهودة التي تؤثره، واطْرقت عيناها أرضاً بعد أن تخضبت وجنتاها. "مها." "عشان فرحانة ياشريف."

ضحكة شقية خرجت من بين شفتيه وهو يتأمل ملامحها الخجلة. "طب ولازمته إيه الكسوف ده دلوقتي؟ "نفسي أشوفك أوي ياشريف.. تفتكر هشوف؟ تلاشت ابتسامته وهو يسمع رغبتها في رؤياه. أقصى أحلامها أن تراه، أن ترى من أحبت وتزوجت وضم رحمها طفلاً منه. وعندما ساد الصمت، زمت شفتيها بعبوس. "متخافيش، مش هسيبك لو طلعت وحش ياشريف."

وفي ثوانٍ معدودة، تبدلت ملامحه وعاد وجهه يشرق، قاسمًا داخله أنه بعد وضعها لطفلهما سيذهب بها للخارج لإجراء عمليتها، وسيظل يسعى وراء ذلك الأمر إلى أن يراها مُبصرة. "شريف، أنا عايزة أزور ماجدة." ***

أنهت ماجدة ارتشاف الشاي الذي قدمه لها سالم بعد أن بدلت الكؤوس، لترى بعينيها ما يحدث لها ذلك اليوم خصيصاً. كل شيء كان يفعله باحتراف معها. جلسوا مع بعضهم بتناغم، وكأنه ليس هو سالم الذي لا يُطيق لمسها، ثم اقترابه منها بعد إنهاءها آخر رشفة من الشاي خاصتها، يُغويها ببراعة فتستسلم له، ثم بعدها لا تشعر بشيء إلا وجوده بجانبها صباحاً.

انتظرت أن يبدأ مفعول المخدر عليه، ولكن لا شيء حدث، وظل يُتابع التلفاز دون اهتمام منه نحوها. مُلئ الشك فؤادها وهي تكاد تُجن، فكل شكوكها تنصب نحوه، ولكن أين الدليل؟ نهضت من جانبه حتى تختلي بنفسها وتفكر. وفور دخولها لغرفتهما، ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ماكرة. ***

عاد قبيل بزوغ الشمس بعد أن ظل ساعات الليل في سيارته هائماً بأفكاره. ألقى سترته فوق الفراش، يبحث عنها بعينيه بأرجاء الغرفة، مُقرراً أنه سيتبع معها الصمت حتى تعرف خطأها وفداحة كلماتها. هي استطاعت أن تُغير مشاعره وتجعله يتوق لقربها، دفئها، وصفاء الروح الذي تمتلكه، ولكن أفكاره لم تتغير.

الجمود والصلابة والكبرياء هم عنوانه، وهذا ما أحبته به سوسن وعاشت معه لسنوات دون أن تُطالبه بشيء آخر. يرضى أنوثتها كإمرأة، فترضى هي الأخرى رجولته وينتهي الأمر. انتبه على خروجها من المرحاض تحمل المنشفة بيدها وتُجفف بها وجهها. تعلقت عيناه فوق ملامحها الباهتة، يُجاهد مشاعره. كبرياء وشوق، وبين هذا وذلك يضيع العمر. رمقته صامته ولم تُحادثه بكلمة أخرى، ولكن عندما وجدها تضع كفها جبينها المتعرق، اقترب منها بلهفة.

"مالك يا ياقوت فيكي إيه؟ خفق قلبها وتعلقت عيناها به، وما زال يسألها. وقد ضمها نحوه بحنو. "ياقوت لو تعبانة قوليلي." أصابه الضجر من صمتها والبرودة التي احتلت عيناها. "المفروض اللي يزعل هو أنا مش أنتي... ضيعتي فرحتي وفرحتك." ابتعدت عنه وعبارته تتردد داخلها بمعانٍ كثيرة. فأين فرحتها هي؟ "ضيعت فرحتك... طب وأنا؟ ضاقت أنفاسه وهو يرى أن الحديث سيأخذهم نحو أعتاب أخرى.

"أنتي عايزة إيه ياياقوت.. عايزة تعرفي إيه وننهي المهزلة دي؟ مش هنبقى زي المراهقين نتخانق." ولو عاد الزمن للوراء بسنوات، فكان عاشقاً متيماً يُراضي ويُدلل صفا، حتى أن مروان صديقه كان يُطلق عليه لقباً كلما تذكره سخر من نفسه. واقترب منها تحت نظراتها الباهتة، زافراً أنفاسه بهدوء. "تعرفي إن النهاردة أسعد يوم في حياتي."

ورفع كفه يُلامس موضع طفلهما بأعين لامعة، وكفه الأخرى أخذت طريقها نحو خصلاتها تُداعبهما برفق، إلى أن هبط به نحو عنقها، ثم لشفتيها، وعيناه تلتقط كل إشارة ذوبان منها بين ذراعيه. ثوانٍ مرت وهي صامتة، مسحورة، ضعيفة. ولكن قلبها انتفض بكبرياء من بين أضلعها، فانتفضت معه كالملسوعة، تبعده عنها. "انت مش بارع غير في حاجة واحدة بس ياحمزة بيه."

وأتبعت عبارتها الساخرة وهي تسقط بعينيها فوق الفراش، ليصله المعنى بجدارة. لتتجمد عيناه نحو الفراش بعد أن غادرت الغرفة، وتركته ينظر للحقيقة التي أوصلها إليها: "زوجة للفراش وحسب." *** انتفضت صفا فزعاً وهي ترى فادية تقف أمامها تُطالعها بإستعلاء وحقد. "تصدقي مطلعتيش سهلة ياخريجة السجون... لفيتي على أخويا واتجوزتي."

وأردفت متهكمة، تضغط على شفتيها، غير مصدقة أنها ستصبح عمة لطفل منها هذه. وعند تلك النقطة، كانت عيناها تجول فوق بطنها. انتبهت صفا لنظرتها، فأرتجف جسدها خوفاً. كل ما فعلوه معها جعلها كالقط المذعور الخائف. تقارن بين مراهقتها وعمرها الذي في الثلاثون، ولا ترى إلا أن الأعوام زادتها خنوعاً. وابدلتها. شرودها لم يجعلها تشعر بتقدم فادية منها إلا عندما أصبح جسدها بين ذراعي فادية تهزها بعنف. "الطفل ده لازم ينزل، سمعاني...

لو نزلش هموتكم انتوا الاتنين. مش بعد العمر ده كله تيجي واحدة زيك تورث اسم النويري." "ابعدي عني... ابعدي عني وديني مكان بعيد، أنا مش عايزة حاجة منكم." "بتعملي إيه يافادية؟ تجمدت ملامح فادية خوفاً، وخشت أن يكون سمعها وهي تُهددها. ألتقطت عيناه ذعر صفا وانكماشها، فألمعت عيناه. "مالك واقفة كده ليه يافادية؟ وإيه اللي جابك هنا؟ تنفس فادية براحة بعد أن ذهبت مخاوفها، وألتفت نحوه ببطء، ترسم على شفتيها الوداعة.

"جيت أعتذر منها يافرات، قولت نفتح صفحة جديدة، مدام بقت خلاص فرد منا." كانت تخرج الكلمات بصعوبة من بين شفتيها. فهل هذه ستكون فرداً منهم؟ طبعاً، لتدهور الزمن. "وخلاص خلصتي كلامك معاها يافادية؟ وقفت صفا تنظر نحوهم بشرود، تستمع إلى أكاذيب فادية وتشرد في تهديدها. "انت بتطردني من بيتك يافرات... بتطردني ياخويا؟ تنهد فرات سأم من أفعالها، لتعود بعينيها نحو صفا الواقفة. "خد بالك منها يافرات... صفا عايزة تهرب وممكن تضيع نفسها."

اتسعت عين صفا ذهولاً تحت نظرات فرات الجامدة. مرت لحظات وهو واقف في مكانه يُحدق بها بعد أن غادرت فادية. "اعملي حسابك هتتنقلي عندي في أوضتي." *** وضعت المشروب أمام تلك الضيفة التي تُشعل داخلها مشاعر جديدة عليها معه. نظرت إلى التصاق الفتاة به، والتي تعد شقيقة أحد أصدقائه. "أين مشروبي سماح؟ ألتوت شفتي سماح امتعاضاً وهي تراه أخيراً انتبه لوجودها. "مضر على صحتك." قطب حاجبيه وقد ارتفعت شفتيه استنكاراً.

"لم أسمع يوماً أن مشروب الكاكاو الساخن مضر بصحتي." "أنا قلت ذلك وانتهى الأمر." استغرب من ردودها الفظة، فتعلقت عين هيلين بهم وهي لا تفهم شيئاً من اللغة التي يتحدثون بها. "ما الأمر سهيل؟ انتبه سهيل على تلك الجالسة جواره، ونهض بعكازه نحو سماح التي وقفت تعقد ساعديها أمامه وكأنها تتحدّاه. "لا شيء هيلين... سنعود بعد دقائق." طبق بيده على رسغ سماح وقادها خلفه وهي تهتف حانقة. "ابتعد سهيل.. هل تجر بقوة خلفك؟

دفعها نحو الطاولة التي تتوسط المطبخ، يرمقها بنظرات متفحصة. "منذ قدوم هيلين وأنتي تتصرفين بغرابة. ماذا سماح؟ هل تُغارين؟ "نعم.. أنا أغار عليك." ضحك وهو يلتقط لغة جسدها. "بالطبع تغارين فأنا رجل جذاب ولاعب مشهور عزيزتي." "وأيضاً فظ وبارد و... وقبل أن تسترسل بسبابه، كان يُصمتها بالطريقة أثمرت معه نفعاً. ابتعد عنها بعد دقيقة كاملة، ينظر نحو شفتيها. "لذيذة أنتِ سماح." ***

وقفت سمر أمامه تنظر إليه وهو يوقع على بعض الأوراق. كانت تتذكر كلام ندي، فترسمه بمخيلتها، تتخيل هي التي بين ذراعيه. سذاجة ندي جاءت لصالحها، ولكن إلى الآن لا تعرف كيف تخطو خطواتها. فشهاب لا يتعامل معها إلا أنها كمجرد موظفة لديه لا أكثر. "حجزتي التذاكر؟ ماءت سمر برأسها، والفضول يقتلها نحو تلك الرحلة، وهي تظن أنها من سترافقه لوجود عمل هناك. "هو أنا اللي هرافق حضرتك لدبي يافندم؟

ناولها الأوراق التي أنهى توقيعها وهو يستنكر سؤالها. "لو محتاجك أكيد هتكوني على علم ياسمر.. اتفضلي على شغلك." بهتت ملامحها وخرجت سريعاً من غرفة مكتبه، تترك لدموعها العنان، فهي الأحَق بمثله، ومثلما تركها رجل يوماً، فلا بأس أن تجعل أحدهم يترك زوجته. *** ابتسمت هند فور دخول ياقوت لمكتبها. ارتبكت من رؤيتها لذلك الشخص الذي يجلس بالمقعد المقابل لهند ويتحدث معها بأريحية. "أجيلك وقت تاني ياهند؟

"لأ تعالي ياياقوت، ده مش حد غريب.. ده هاشم أخويا." تعلقت عين هاشم، يومئ برأسه كترحيب بها. "دي ياقوت ياهاشم.. عايزة أقولك إنها موهوبة جداً وشاطرة جداً في التفصيل.. عندها قدرة رهيبة تتعلم أي حاجة بسرعة، وأظن إنها هتفيدك في شركتك." وأشارت نحو ذاتها بفخر. لترتبك ياقوت من نظرات هاشم نحوها. "زي ما أنا هفيدك بالظبط." انشقت ابتسامة هاشم ببطء، وعاد يركز نظراته نحوها كأنه يفحص مقدرتها. وبداية جديدة قد بدأت. ***

الكل اجتمع ذلك اليوم تحت إلحاح نادية، رغم مشاغل كل فرد في العائلة. جلست ياقوت في مقعد بعيد عنهم. فلم تعتد تشعر بأي مشاعر نحو تلك العائلة، ولكن الواجب والذوق حتماً عليها المجيء. تناولوا الطعام بهدوء، والكل لديه فضول لما اجتمعوا اليوم. لأول مرة، لم تكن لدى ياقوت مشاعر بالسلب نحو مريم، فلم تعد تجد لنفسها دوراً بحياته، إلا أنها حققت حلمه وحلم شقيقته بأن يصبح له طفل، وهكذا انتهت مهمتها بينهم.

انتهت وجبة العشاء، وجلسوا في غرفة الجلوس يحتسون مشروباتهم. شعرت برغبتها بالتقيؤ بعد أن تقدمت الخادمة بمشروب القهوة لندى الجالسة جانبها. "إيه سبب الجمع السعيد ده يانادية؟ هتف بها شهاب وهو يرمق شقيقه الجالس بهدوء. وقبل أن تجيب نادية عليه، نهضت ياقوت من فوق مقعدها مهرولة نحو المرحاض. انتفض حمزة من مكانه بعد أن أزاح ذراع مريم المتعلقة بعنقه، وأسرع خلفه. تعجب الجميع من تعب ياقوت، لتبتسم نادية فلا داعي للانتظار.

"سبب الجمع السعيد ده.. ياقوت حامل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...