بعد ما كانت تتخيله أن تراه هنا آتيًا إليها. ارتجفت يدها القابضة فوق القلم، ورفعت عينيها خشية تُطالع أعين زميلاتها بالغرفة التي تعمل بها. "مستر خالد." "أيوة يا هناء." أردف متهكمًا وهو يرمقها. "قولت أجيبك أنا بدل ما أنتِ مش عارفة تجيلي." تذكرت آخر لقاء بينهما، وقد ظنت أنه مجرد تهديد منه لغضبه من كذبتها وسيمضي الأمر. "عندي اجتماع مع مراد، هخلصه والأقيكِ مستنياني بره الشركة." وانصرف دون كلمة أخرى.
تعلقت عيناها به، وعادت تُطالع الأوراق التي أمامها، وإلى الآن لا تجد إجابة عما يفعله خالد معها. انتبهت على صوت جيهان التي وقفت أمامها تعطيها الكتاب الذي أخبرتها عنه بأن تقرأه. "هناء.. خدي الكتاب، أه صدقيني هتستفيدي منه أوي في حياتك." "جيهان أنا محتاجة نصحتك أوي." لم تكن جيهان إلا صديقة مستمعة، علمها الزمن الكثير. رغم ساعات العمل، إلا أنهم استطاعوا اتخاذ بعض الوقت للحديث في المقهى المقابل. "مالك يا هناء؟
صمتت هناء للحظات، تُرتب بعض الحديث داخل عقلها. متجاوزة البداية التي تشعرها بالمرارة. قصت كل شيء على جيهان وهي تتابع تغير ملامحها وكأنها تُفكر بكل كلمة تنطقها. "وإنتي إيه اللي خلاكي تدوري على شغل وجوزك عنده مكان يشتغل فيه ويقدر يساعدك؟ وليه كذبتي عليه عن مكان شغلك؟ "مكنش هيوافق يا جيهان، ومكنتش عايزة مساعدته." تعجبت جيهان، ولكن لم تطرق في الأمر كثيرًا.
"بصي يا هناء، مش قدامك غير حل واحد، فهمي جوزك الوضع واحكيله عن السبب اللي خلاكي تعملي كده. بلاش تخبي عليه، لأن اللي اسمه خالد ده مش نيته الفلوس." وأردفت بعدما ارتشفَت القليل من الماء كي تروي حلقها. "واحد في وضع خالد وعلاقة الشغل اللي بتربط بينه وبين جوزك، إيه اللي يخلي يتلاعب بيكي كده من ورا جوزك؟ فكري براحة وهتفهمي." اتسعت حدقتا هناء وهي لا تستوعب ما وصل إليه عقلها. "مش معقول مستر خالد متجوز؟
غير إنه شخصية محترمة، لا لا مش معقول يا جيهان تكون دي نيته." "احكي لجوزك يا هناء، ومتخليش حد يتلاعب بيكي. حياتك في الريف وسط أهلك الناس البسيطة غير حياة المدن، اسأليني أنا." ازدردت هناء لعابها بقلق جليّ على صفحات وجهها. ولا حل كان أمامها إلا أن تحكي لمراد عن عملها الأول الذي كذبت فيه عليه والعقد الذي أمضته. *** وقفت هناء في الممر الذي يقود لغرفة الاجتماعات تنتظر خروج بعض الموظفين.
اعتدلت في وقفتها المائلة نحو أحد الأركان وهي ترى خروج سكرتيرة مراد وبدء الباقي بالخروج. تجمدت عيناها نحو خالد الذي كان يسير بجانب أحدهم ويتحدث معه بعملية، وعندما التقط عيناه بها أشار لها برأسه بأن تتبعه. حديث جيهان شجعها وجعلها تسير بثقة تتجاوزه وهي تتجه نحو الغرفة لتفيض بكل شيء لمراد، فإذا لم يسمعه كزوج سيسمعه كابنة عمد. لفت لتتفاجأ بقرب نغم منها. "أسفة جيت في وقت غلط."
واندفعت تاركة الغرفة وصوت مراد يعلو خلفها باسمها. أما عينا نغم فكانت تلمع بالظفر. *** جلست شارده في غرفتها التي اتخذتها لها وحدها بعيدًا عنه. تنهدت بحرارة، فثورتها لم تأتي معه بشيء إلا الصمت. شرّدت في أمس حين اجتمعوا بمنزل نادية وأخبرت الجميع بحملها. رأت الحزن في عين ندى، ولم تعرف كيف تفسره، خاصةً أما مريم كانت الدموع عالقة في عينيها.
مها الوحيدة التي هللت كطفلة صغيرة تخبرها أنها لن تصير الوحيدة بينهم حامل وتتعذب من تخيل ألم الولادة. أما شريف كان طبعه هادئ دبلوماسي في ردود أفعاله. وشهاب كان الأسعد بينهم وهو يحتضن حمزة غير مصدق أنه سيصبح أخيرًا عم طفلها، أو بالأصح طفليها. حملت لهم تلك العائلة مشاعر مختلطة. نادية لم تعد تركز معها، فما تمنته لشقيقها قد حدث. فاقت من شرودها الذي بات يحتل كيانها على صوت رنين هاتفها.
تعلقت عيناها باسم المتصل ولم تكن إلا هند. "ياقوت بكرة ميعاد مقابلتك، متضيعيش الفرصة دي منك، أنتِ موهوبة وبكرة يكون عندك شغلك الخاص." انتهت المكالمة بعد بضعة دقائق. كانت هند تشجعها لأخذ خطوة جديدة بحياتها. تلاعبت بمفرش الفراش ولم تجد إلا النهوض بعزيمة متجهة نحو الغرفة التي أصبح يستقلها. لفت للغرفة ببطء ترمقه بأعين حزينة. قلبها الخائن أشفق عليه وهي ترى لأي حد كبرياؤه اللعين أخذه.
هو مسطح فوق الفراش بملامح شاحبة وفقد حيويته. رأته بأعين زوجة محبة، ولكن قلبها لم يعد يشفع له، فالألم ثقُل عليه من كل اتجاه. "حمزة." لم يفتح عيناه، ولكن صوت أنفاسه وهبوط وصعود تلك المسماة بتفاحة آدم جعلها تعلم أنه مستيقظ. "حمزة أنا عايزة أتكلم معاك ممكن." "اتكلمي يا ياقوت." ومن دون كلام كثير حكت له عن عرض العمل الذي قدمته لها هند في شركة شقيقها الذي عاد مؤخرًا من لندن. "وحملك يا ياقوت؟ "أنا مش تعبانة...
لو تعبت أكيد هوقف كل حاجة." ولمست بطنها بحنو، مما جعله يسلط أنظاره نحو موضع يديها. "أنا هخاف عليه برضه." تذكر طعنة كلمتها وهي تخبره بندمها بأن ربطت حالها بطفل منه. "مدام إنتي مرتاحة مش همنعك عن حلمك." وأردف بألم اخترق صوته. "لتقولي عليا متجوزك عشان متعتي وبس." "أنا مكنتش أقصد." "مش محتاجة تبرري يا ياقوت... الغلطة كانت غلطتي من الأول." ونهض من فوق الفراش يسير نحو الشرفة يقف أمامها شارداً في الظلام.
"كان من حقك ترتبطى بإنسان لسه عنده أحلام يعيشها، مش راجل عجز في عمره وتفكيره." كادت أن تتحدث وتخبره أنها لم تكن تريد منه إلا حنانه وشعوره أنها ليست هامشًا وأنها في النهاية بشر. كيف ستعرف أن زوجها ما زال يعشق امرأة أخرى وهي ليست بحياته بشيء. "أنا عارف إني طفيتك... بس أنا كمان اطفيت من زمان يا ياقوت." وقف الكلام بحلقها، وأخذ خافقها يخفق في أضلعها بلوعة. لا تتحمل أن تراه بهذا الانهزام.
تقدمت خطوة نحوه، ولكن حديث سلوى وقف عالقاً أمام الكبرياء والقلب. *** ضاقت أنفاس سماح وهي تنظر لنظرات جين نحوها. كانت نظرات جين عدائية، ولكن لسهيل كانت نظرات محبة عاشقة. "كيف حالك سهيل؟ تمتم سهيل بهدوء وهو يُقلب في قنوات التلفاز. "بخير يا جين، لما جيتي وتركتي نور الدين؟ "إنه بخير لا تقلق... هو من أرسلني للاطمئنان عليك." "متى ستعود للقصر؟ تعلقت عين سهيل بسماح.
كان من المفترض أن يعود للقصر منذ أيام، ولكن الراحة التي يحياها هنا جعلته لا يود ترك شقته بالعاصمة والعودة لذلك القصر الكئيب. اقتنص عبارته بكلمتان قبل أن يتابع بعينيه نهوض سماح واتجاهها نحو المطبخ بعدما تلقت رسالة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي. "بعد أيام." ونهض يتبعها يسير على كعبه، لتتعلق عين جين به حاقدة.
أخذت تتأكل بشفتيها والغل يقتلها، فزواجها بنور الدين لم يأتِ إلا عليها وظلت كما هي ممرضة ولا علاقة زوجية تسير بينهم. مرت دقيقتان وهي تجلس هكذا يأكلها الحقد. فنهضت بخطوات هادئة إلى أن اقتربت من المطبخ لترى سهيل كيف يمازحها. "أعطني الهاتف سهيل." "اجلبي بنفسك سماح." ضاقت عين سماح مقتاً وشبت على أطراف قدميها، ولكنها لم تصل للهاتف. ظل يقفز بالهاتف يمينًا ويسارًا مستمتعًا برؤيتها هكذا.
"سهيل أعطيني الهاتف أريد الحديث مع صديقتي." "اصنعي لي الكاكاو الساخن أولاً ثم أعطيكي الهاتف." كان يتذمر كالاطفال، مما جعل جين تتأمل الوضع وهي مذهولة تتساءل هل هذا سهيل؟ كيف تغير بتلك السرعة؟ هل هذا سحر تلك العربية عليه؟ أسرعت جين بترك المكان والتقطت حقيبتها مغادرة الشقة تركض بالطريق. "لما هي؟ "لما هي؟ وصلت للقصر بعد أن تحجرت عيناها بالدموع. لتنظر للحارس الذي يقف على بوابة الفيلا وكانت دوماً عيناه عالقة بها.
لم تشعر إلا وهي تجذبه لداخل الغرفة المخصصة له تهبه جسدها وعيناه لا تستوعب ما تفعله سيدته معه. *** اتكأ فرات برأسه فوق الوسادة بعدما رتب الأريكة التي يغفو عليها. مال برأسه نحو الفراش ليتأمل سكونها. جلبها لغرفته اقتدارًا، وبعد معاناة لم يعد يطمئن إليها بعدما أخبرته شقيقته برغبتها بالهرب. زفر أنفاسه بثقل وهي يتذكر حديث الضابط الذي كان يحقق بقضيتها قبل دخولها للسجن.
"هي كانت كبش فداء مش أكتر، وشالت الليلة بدل أبوها وجوزها اللي اتقتلوا." ليصحح له فرات أنها ليست ابنة عدنان الأنصاري. شروده في ذلك اللقاء وما غيبه عن عدنان كشخصية قاسية سادية جعله يقنط على حاله. حتى عزيز الذي اكتشف مؤخرًا هروبه وعدم حقيقة موته لم تكن صفة له إلا هوساً وهو خدعها بـ "شهامتها". غمض عينيه بعدما ثقلت جفونه. لينهض مفزوعاً من رقدته وهو يسمع صراخها مثل كل ليلة. "أنا مظلومة... متعملش فيا كده... ابعد عني."
صراخها كان مصحوبًا بالبكاء وصوت أنفاسها يعلو وكأنها بسباق. "صفا اصحى.. صفا فوقي ده كابوس." فتحت عيناها بصعوبة وهي تنظر إليه. لتنهض من فوق الفراش راكضة نحو النافذة. "انت عايز تقتلني." ووضعت يدها على رقبتها تتذكر فادية وهي تقبض على رقبتها وتصرخ بها وطفلاً صغيراً ينادي باسمها. عند تلك الذكرى لم تشعر إلا وهي تضم بطنها بذراعيها. "متتخدوش مني." اقترب منها فرات بخطوات مدروسة يُهدئها. "صفا مش أنا وعدتك إني مش هأذيكي."
أومأت برأسها كطفلة صغيرة. مما جعله يكره حاله، لقد وصلت لأسوأ مرحلة يصبح بها المرء. "صفا إنتي محتاجة تروحي لدكتور نفسي." "أنا مش مجنونة... إنتوا السبب." *** توارت فادية خلف إحدى الأشجار في الظلام تُخفي وجهها بشال أسود تنتظر قدوم أحدهم. "اتأخرت ليه." التف الرجل حوله حتى يتأكد من خلو المكان. "إيه الشغل اللي عايزاني فيه إيه يا ست فادية." تعلقت عين فادية به وهي تتذكر جنون شقيقها بذلك الطفل.
أخرجت الصور التي تخبئها بعباءتها وأعطته له. "تخلصني منها." *** تعلقت عيناها بالمبنى الذي تحتله الشركة بابتسامة راضية. كانت لأول مرة تتألق وتصبح سيدة يظهر عليها الثراء. ملابسها كانت محتشمة ولكنها أنيقة. لم تكن تقصد التأنق ولكن نظرات الكثير لها أنها مجرد امرأة ريفية جعلها تخرج من بساطتها لتريهم أنها تستطيع أن تكون مثلهم امرأة راقية أنيقة. سارت بخطوات هادئة لتقف أمام سكرتيرة مكتب السيد هاشم. "عندي مقابلة مع مستر هاشم."
"اسم حضرتك يا فندم." "ياقوت زيدان." تناولت السكرتيرة سماعة الهاتف الذي يصلها بمديرها لتُخبره عن هويتها. "اتفضل." أكملت طريقها نحو مكتب هاشم بارتباك، وقبل أن تطرق على باب غرفته هندمت بلوزتها وتنورتها. "ادخل." لفت بعد أن سمعت صوته يأذن لها بالدخول لتتعلق عين هاشم بها بعدما ترك الأوراق التي كان يطالعها. ظل لثواني يرمقها إلى أن ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة. "اتفضل." تقدمت نحو أحد المقاعد تجلس عليها ليسألها هاشم بعملية.
"ممكن أشوف شغلك." أخرجت هاتفها لتريها الصور التي التقطتها لما صنعته. كان هاشم يرمق كل صورة ببطء إلى أن تمتم. "هايل.. هند كان عندها حق لما قالت إن ليكي مستقبل." قفز قلبها فرحاً، فأخيراً شعرت بالحافز بشيء بحياتها. "شكراً يا فندم." تمتمت عبارتها وهي تطرق عيناها نحو أصابعها المتشابكة بتوتر. ليأخذ هاشم الفضول وهو يتأمل أصابعها الخالية من خاتم خطبة أو زواج. *** خرج صوت ماجدة بضعف وهي تُحادث شقيقتها. "أنا محتاجاكي يا مها...
تعالي زوري أختك ولا خلاص مبقتش أختك." "إنتي عارفة إن شريف مانعني يا ماجدة، غصب عني." تنهدت ماجدة بمرارة. "عنده حق.. سامحيني يا أختي." "مالك يا ماجدة إنتي فيكي إيه؟ دمعت عين ماجدة بقهر. "أنا تعبانة أوي يا مها... سالم مسافر بكرة الصبح، أنا عارفة إن شريف مش راضي يجيبك عشانه." كان سالم يقف بالخارج يستمع للحديث الدائر بينهم. ظنت ماجدة أنه غادر المنزل، ولكنه عاد بأدرجه بعد أن تذكر أنه ترك محفظته فوق الطاولة.
لمعت عيناه بخبث وهو يمسح على وجهه. "أما نشوف يا حضرت الظابط ضربتك هتجيلك في إيه." *** دفعت رؤى مريم أمامها نحو الملهى. "يابنتي هتتبسطي وهتنسي نفسك." "أنا خايفة يا رؤى." "خايفة من مين؟ محدش بقى فضيلك خلاص." بهتت ملامح مريم وهي تستمع لعبارتها. فلا أحد بالفعل يهمه أمرها. شهاب وندى سافروا وشقيقها وقته بين عمله وزوجته، أما حمزة الذي تأكدت بالفعل أنه ليس والدها بعد حمل ياقوت وتصريح شهاب وندى أنهم أخيرًا سيروا أولاده.
"عندك حق." ارتسم الزهو على ملامح رؤى وجرتها خلفها. إلى أن اقتربت من إحدى الطاولات تشير نحو أحد الشبان تُعرفها عليه، وأشارت نحو آخر وعيناها تلمع بهيام. "وده فارس لسه راجع من لندن." ركز فارس عينيه نحوها يرمقها باستحقار. فمن تأتي لهنا لابد أن تنال تلك النظرة. صدح رنين أحد الهواتف لينظروا لبعضهم. فنهض فارس بعدما أزاح ذراع رؤى بحنق وخرج من الملهى. "أيوة يا هاشم." "انت فين يا فارس مش قولنا تبطل سهر وتنتبه لجامعتك."
"هاشم ارجوك متعش دور الأب بقى... فوزي باشا مش مهتم بابنه هتهتم انت." تنهد هاشم مقتاً على شقيقه الذي كان السبب الأساسي في تدهور حاله. "انت أمانة معايا يا فارس وعارف إني بخاف عليك قد إيه." "ساعة وراجع متقلقش عليا." وأغلق الهاتف شاعراً بالضيق متذكراً والدته التي سرقها الموت. *** دلف لحجرتها قلقاً عليها بعد أن هتف باسمها لأكثر من مرة. استمع إلى صوت الماء فتنهد وجلس على الفراش ينتظرها.
تعالى هاتفها بالرنين ليرمق الرقم، فألتقط الهاتف يستمع إلى الطرف الآخر. "رقم الآنسة ياقوت." أبعد الهاتف عنه ثم عاد يضعه على أذنيه. "مين معايا؟ "هاشم فهمي." التقطت أذنيه الاسم ليأتيه صوتها بعدما خرجت من المرحاض. "مين اللي بيتصل؟ أغلق الهاتف والدماء تفور بعروقه. لينهض من جلسته مقترباً منها يفحص يديها. "ما عنده حق يقول الآنسة ياقوت يا مدام." يتبع بإذن الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!